إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريحل الأخوان المسلمينسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

مقالات تناولت “المؤشّر العربي عن سورية 2025”

أنظر: المركز العربي يعلن نتائج استطلاع المؤشر العربي في سورية

————————-

أهمية الديمقراطية للسوريين في المؤشّر العربي/ عمار ديوب

02 سبتمبر 2025

تأجلت قراءة اتجاهات الرأي العام في سورية سنوات عديدة بسبب ظروف الحرب والنظام الديكتاتوري السابق. وبين 25 يوليو/ تموز و17 أغسطس/ آب الماضيين، جرى استجواب 3690 شخصاً، ومن مختلف المحافظات السورية، والأديان والقوميات والطبقات الاجتماعية. أُخذت الآراء في شرطٍ سوريٍّ معقّد، وهو المرحلة الانتقالية. وبالتالي، يجب عدم تجاهل الأمر في قراءة أية نسبٍ عدديةٍ، وستحاول هذه المقالة التطرّق لبعضها في مناقشة المؤشّر العربي عن سورية 2025، والذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، الكلام عن المرحلة الانتقالية، لأنّ الآراء قابلة للتغيّر، حيث الواقع يتبدّل بسرعة وفيه احتمالات شتى، ولاسيما مع وجود تحدّياتٍ تتعلق بكل أوجه المجتمع، والدولة، والسلطة، والعلاقة مع الخارج، ولاسيما مع الدولة الصهيونية، التي احتلت أراضي سورية كثيرة بعد 8 ديسمبر (2024)، وتحتل الجولان منذ 1967.

رأت نسبة معتبرة أن الأمور وبشكل عام تسير بالاتجاه الصحيح، وهي 56%، وبشكل خاطئ 25%، ونسبة 17% لم تحدّد رأياً. بدت نسبة الذين يشعرون بالأمل والأمان والفرج كبيرة بعض الشيء، وهي 71%، بينما من يشعرون بالتوتر والخوف واليأس والحزن والغضب 29%، وهي ليست نسبة صغيرة. أشارت نسبة معتبرة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية 64%، بينما رأت نسبة أنها جيدة 28%، الجيدة جداً هي 6% فقط. وعن الوضع السياسي المباشر، رأت نسبة 44% أنه جيد، و13% أنه جيد جداً، بينما 24% رأت أنه سيئ، و13% أنه سيئ للغاية. نلاحظ هنا أن النسب لا تعبّر بدقّة عن الاتجاهات العامة، وربما يعود الأمر إلى صياغات الأسئلة، وهناك انخفاض مستوى الوعي بعامة، وهناك طبيعة المرحلة المميزة التي تمر بها سورية.

رأت نسبة كبيرة أن الخطر الأكبر على سورية التقسيم، وفي الدرجة الثانية الطائفية والإثنية والقبلية، والمشكلة الثالثة الفقر وتدني مستويات المعيشة، بينما الرابعة وجود الفصائل المسلحة، الخامسة بالترتيب هي سوء الأوضاع الاقتصادية، ولاحقاً غياب الأمن، وبدرجة أقلّ التوغل الصهيوني. لم يلحظ الرأي هذا خطر التوغّل الصهيوني مباشرة بعد التقسيم، وجاء في الدرجة السابعة، وكان يُفترض الربط بين التقسيم وهذا الخطر الصهيوني هذا. وقد أكدت النسب العددية أن الطائفية والإثنية والقبلية السبب الثاني الذي يؤدّي إلى التقسيم، وهذا رأي مهم، حيث هناك خطورة حقيقية على مستقبل سورية (التقسيم) في حال استمر تسييس هذه البنى، وسواء من السلطة أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو السويداء، أو لدى قطاعات من الشعب.

عدد الراغبين بالهجرة لأسباب اقتصادية هو 40%، بينما عدم الاستقرار الأمني بنسبة 35%، ولأسباب سياسية 3%. وربما تفضيل الهجرة، لأن دخل 43% لا يفي بالاحتياجات الأساسية، بينما 42% منهم بحالة حرجة، و11% فقط يغطون احتياجاتهم ويوفرون من دخلهم. وإن 36% منهم يتلقون تحويلات من الخارج وبشكل شهري، بينما 59% لا يتلقون أية مساعدات. إذاً هناك وضع اقتصادي كارثي، ويتفق مع أرقام الأمم المتحدة لحالة الفقر80%، بينما الذين يوفرون المال نسبة صغيرة للغاية، وهذا يعني أن هناك انقساماً طبقياً حادّاً في سورية.

النسب التي تثق بتطبيق الدولة للقانون هي 47%، بينما ترى نسبة معتبرة أن تطبيق القانون ولصالح فئة من المجتمع، 31%. وفي هذا الإطار بدا أن نسبة كبيرة تثق بالأمن العام 56% بينما تثق بالحكومة 55% وبوزارة الدفاع 54% وبالمحافظين 53%، وبالتالي، النسبة الأخرى لا تثق بهذه المؤسّسات، أي قرابة نصف السكان. يلفت الانتباه أن نسبة 15% تتحدث أن الفساد المالي والإداري منتشر جداً، بينما نسبة 42% تراه منتشراً إلى حد ما، و7% تراه غير منتشر، 32% تراه منتشراً إلى حد قليل. وتفيد هذه النسب بأن الفساد الذي كان يسم نظام الأسد لم ينته، وموجود بكثافة.

هناك نقاش سوري كبير بشأن كيف يمكن تطبيق العدالة الانتقالية، هل على نظام الأسد فقط أم على كل الأطراف. ترى نسبة 65% أن المحاسبة يجب أن تشمل الجميع، بينما يشير 25% إلى محاسبة ضباط النظام وشبّيحته فقط، وهذا يشير إلى وعي سوري متقدم بشأن كيفية تجاوز الماضي، فالأمر غير ممكن بمحاسبة جهة واحدة، وترك الجهة الأخرى، وضرورة أن تكون العملية نزيهة.

هناك تيار واسع يبدو متشائماً من رغبة الناس بالديمقراطية، بينما أوضح “المؤشّر” أن النسبة الأكبر من السوريين تفضلها، 60%، بينما يعارضها 15% وبشدّة 6% فقط. وفي السؤال عن أفضل أشكال الحكم، كانت النسبة 61%، لصالح الديمقراطية والتعددية السياسية بينما فضلت نسبة صغيرة نظاماً محكوماً بالشريعة، 8%، ومن دون انتخابات أو أحزاب سياسية، وباعتبار الأغلبية مسلمة في سورية، فهو يشير إلى أن خيارها هو الديمقراطية، وبالاتجاه ذاته فضلت نسبة 42% الدولة المدنية بينما 28% فضلت الدينية، ونسبة معتبرة 22% لا يعنيها الأمر! وبالسؤال عن أهمية المساواة بين السوريين وبغض النظر عن الدين والريف أو المدينة أو الجنس أو القومية والنفوذ السياسي فقط كانت النسبة 77%. إذاً النسبة الأساسية من السوريين، ولاسيما السنة، تفضل دولة مدنية بنظامٍ ديمقراطي وبحقوقٍ متساوية. وضمن السياق نفسه، أكد 53% أنهم سيسمحون لأي حزب بالحكم شريطة إجراء انتخابات نزيهة وحرّة بينما عارض الأمر 31%، وأنهم لن يوافقوا على انتخاباتٍ لا يفوز فيها الحزب الذي يؤيدونه.

وفي الموقف من الدولة الصهيونية، أكدت نسبة 60% أن هذه الدولة تهدد المنطقة واستقرارها، وسورية ضمناً، وتأتي إيران بعدها 50%. وبالسؤال عن أهمية القضية الفلسطينية، فقد أجاب 69% من السوريين بأنها قضية العرب جميعاً وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بينما ذكر 15% أنها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم. بدا الشعور بالضعف تجاه دولة العدو مع سؤال عن إمكانية الاعتراف بهذه الدولة، فقد كانت النسبة بين السوريين المستجوبين 17% وفي مصر 12%، بينما في لبنان 9%. مع ذلك، رفضت نسبة 70% أي اتفاق مع الدولة الصهيونية من دون عودة الجولان، بينما وافق على ذلك 19%. من الواضح أن هناك تشوشاً كبيراً في وعي السوريين تجاه هذه القضية، وربما يتعلق الأمر بأوضاعهم الكارثية والراغبة في الاستقرار، لكن هناك نسباً ممتازة بما يخصّ الموقف من القضية الفلسطينية أو سوريّة الجولان، ويدعم هذه النسب أن أغلبية سورية 88% ترى الدولة الصهيونية تهدّد الاستقرار في سورية.

وافقت نسبة هامة على فصل الدين عن الدولة 57%، بينما عارض الفصل 22% وعارض بشدّة فقط 8%. في إطار الحقل الديني، عارضت نسبة 75% اعتبار شخص غير متدين سيئاً، بينما وافق 12% على ذلك. وبخصوص التعامل مع الأشخاص، فعلى الأساس الديني فقط 21% بينما أكّدت نسبة 58% أن لا مشكلة في التعامل، وفضلت نسبة 15% التعامل مع غير متدينين.

الشرط السوري المعقد، كتأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات، الرّقة والحسكة والسويداء، وأضيفت القنيطرة، نظراً إلى التوغل الصهيوني الخطير فيها، والكثير من السيولة والتغير، يجعل النسب المعالجة أعلاه شديدة التغير. وبالتالي، وعلى أهميتها، وهي تعطي مؤشّرات عامة، فإنه يصعب الركون إلى ثباتها، وثبات الاستنتاجات العامة لاتجاهات الرأي.

العربي الجديد

————————

الطائفية السورية في مؤشّر المركز العربي/ أرنست خوري

03 سبتمبر 2025

قراءة نتائج استطلاع الرأي الضخم الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (مركز حرمون سابقاً) فعلٌ مفيدٌ لكل قارئ؛ لصنّاع السياسات في سورية والأكاديميين هناك، وللقيّمين على مؤسّسات بحثية عربية ودولية، ولكن أيضاً للصحافيين ولصنّاع الرأي ولكل مهتم بالشأن السوري، أجنبياً كان أو حاملاً بطاقة هوية ذلك البلد. ومن يعرف شيئاً عن المركزين، لا بد أنه يثق بمهنية باحثيهما والمشرفين عليهما. أما المتسائلون بشأن عيّنة الاستطلاع ومعايير اختيار أفرادها ومنهجيتها ودرجة تمثيلها المجتمع السوري، فلهم أن يتقصّوا المعلومات الواردة على الموقعين الإلكترونيين للمركزين، والبيان المطوّل الصادر عنهما يوم الأحد، والذي يخبرنا ما يكفي عن حجم العيّنة وشمولها المحافظات الـ14 وهامش الخطأ في الاستطلاع ومدّة العمل عليه وعدد الباحثين والمشاركين فيه وعدد ساعات العمل على إنجازه، ليكون “الأول من نوعه في تاريخ سورية” من ناحية حجم عيّنته وتضمّنه أكثر من 420 سؤالاً عن أحوال السوريين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووطنياً، وصولاً إلى علاقتهم بوسائل التواصل الاجتماعي.

في سياق سوري متخم بالطائفية، جدير التوقف عند عدد من نتائج الاستطلاع الخاصة بالمذهبية والطائفية. نتائج وإجابات تؤكّد كم أنها داخلية مشكلة تقليلنا من شأن أمراضنا الاجتماعية ــ السياسية، وعيشنا في عالمين متوازيَيْن، أحدهما ينتمي إلى الخطاب الوطني المجرّد عند الإجابة عن أسئلة استطلاع رأي مثلاً، والثاني يتلوّث بالممارسة عندما يغرق في وحل الواقع. فأن يجيب 64% من المستطلعة آراؤهم بأن “الشعب السوري نجح عبر السنين (…) في الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة”، فإنما هذا يضعف من مصداقيتّه اعتراف 84% من المستجيبين إياهم بأن الناس هذه الأيام يصنّفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي وديني في سورية.

لا يعود التناقض هذا إلى مشكلة في استطلاع الرأي الذي من واجباته طرح أسئلة متشابهة ومتلاحقة أحياناً مع فوارق مهمّة، ولكنها غير مرئية بشكل جليّ (nuances). جزء من التناقض هنا في إجابات المستطلعة آراؤهم يفسّره جواب لاحق يفيد بموجبه 41% من المستجيبين بأن التوتر بين المواطنين بحسب المذهب أو الدين سببه تدخلات جهاتٍ خارجية وليس نتيجة غياب المواطنة والتسامح كما يعتقد 36% من أفراد العيّنة. هناك استسهال عند فئاتٍ شعبيةٍ كثيرة، ليس في سورية فحسب، لرمي المسؤولية على الأجنبي وتبرئة الذات من أمراض عضوية، وهي من صناعة محلية جداً، كالطائفية. فممّا يقوله الجوابان أعلاه، إننا، نحن السوريين، عشنا “عبر السنين” عصراً ذهبياً في بوتقة أسرة واحدة، ولكننا “هذه الأيام” نعيش انتكاسة طائفية نفاقمها بالأفعال، ثم نحاربها بقول إنه لا فرق لدى 66% منّا في التعامل مع الآخرين، بغضّ النظر عن طوائفهم أو دياناتهم، وإننا لا نمانع أن يكون جيراننا من ديانات وطوائف وإثنيات أخرى.

لعلم نفس الجماعة على الأرجح مساهمة في تفسير تناقض أجوبة أفراد مستطلعة آراؤهم، فعندما يتلقّى شخص أسئلة مكتوبة أو عن طريق مقابلة مباشرة، يميل أحياناً كثيرة إلى أجوبة الصواب السياسي، وأحياناً أخرى على العكس من ذلك، يتقيّأ كل القذارات بلا فلتر، تماماً مثل ما يفعل عندما يكون خلف شاشة قاتلاً ومقتولاً على جبهات “السوشال ميديا”. فما نراه من عداء طائفي في سورية، ومن فرز جغرافي وسياسي وديمغرافي فاضح على أساس مذهبي، يجعل قولاً كـ”إنّ معظم السوريين بعيدون عن التمييز الطائفي والإثني في التعامل مع الآخرين” فيه إنّ. في المقابل، أغلب الظن أن معظم السوريين وغير السوريين يعتبرون لحسن الحظ أن الطائفية مرضٌ، المجاهرة فيه عيب، فتراهم أحياناً كثيرة ينزعون إلى تقديم صورةٍ غير طائفيةٍ عن أنفسهم في استطلاع رأي محترَم، في مقابل غوصهم في الطائفية حتى الركب عندما يحين وقت الجدّ في مناسباتٍ غير محترمة.

وهنا يُطرح السؤال عن أيهما أفضل: اعتراف بالطائفيّة هو أقرب إلى الوقاحة من الصراحة، أو كذب وادّعاء بُغض المذهبية لأن القائل الطائفي يخجل فعلاً من مرضه؟

العربي الجديد

————————

هذا الاستطلاع السوري/ معن البياري

01 سبتمبر 2025

الحدثُ نوعيّ، لا مبالغة ولا مداهنة، إشهار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أمس في دمشق، نتائج أولية لاستطلاع آراء السوريين في شؤونهم الراهنة (الراهنة جدّاً)، أنجزَه بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. لأسبابٍ وفيرة، في مقدّمتها أنه يحرّر كثيرين من داء الاستغراق في ملاعب السوشيال ميديا، ومداولات السوريين فيها عن أمور بلدهم، في اصطفافاتٍ وانفعالاتٍ ومكايدات، يشوّش غالبُها الأذهان، ويوتّر بعضُها الأعصاب… نحن هنا أمام مجهودٍ علميّ، بالغ الاحترافية، يتوفر على مستوىً عالٍ من الصدقية، فهو مسحٌ ميدانيٌّ، غير مسبوق، لآراء السوريين فيما هم عليه من أحوالٍ وأسئلةٍ وآفاقٍ وانتظارات (98% مستوى الثقة بالعيّنة). وسبب آخر لوجاهة القول، هنا، بالاستثنائيّة النوعية للحدث المعرفي الرفيع، إنه يُخبرنا بما صار من شديد الإلحاح أن نعرفه، نحن المنشغلين بالموضوعة السورية، وبالمنزلة نفسها من الإلحاح أن يعرفَه أهل الحكم والقرار في دمشق.

أول الملحوظ أن ثمّة رضىً، عالياً بعض الشيء، من السوريين، على الأداء العام للسلطة، وأن ثمّة تفاؤلاً واسعاً، على الرغم من حدّة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يفصّل فيها “المؤشّر”. ثانياً، أنهم أقليةٌ من يريدون دولةً دينية، فيما أقلّ من النصف قليلاً يريدونها مدنية، بينما الأمر عند نسبةٌ وازنة (22%) سيّان، فيما لا إجابة لدى 8%. والمعطيات الثلاثة هذه، بالنسب المفصّلة (والتفصيليّة) يفيد النظر فيها كثيراً، والتفسير الأقرب إلى الوجاهة هنا أن الرضى، المتحدّث عنه (وأسبابه مشروحة) عن مسارٍ يراه 54% في الاتجاه الصحيح، وعن أداء سلطةٍ ذات مرجعيةٍ سلفيةٍ معلومةٍ لا يعني أن السوريين يتطلّعون إلى سمْتٍ ديني ظاهر لأي سلطة مقبلة. وفي وسعنا القول أي سلطةٍ منتخبة، ما دام أن النسبة الأكبر (61%) من السوريين يروْن الأفضل لبلدهم نظاماً ديمقراطيّاً يضمن التعدّدية السياسية ومحاسبة المسؤولين، و8% فقط مع نظام محكوم بالشريعة الإسلامية من دون وجود أحزابٍ وبلا انتخابات. يضاعف من أهمية هذا المعطى أن الذين يؤيدون وجود تيار وطني سوري (بدون أيديولوجيا) يتقدّمون بفارقٍ مهمٍّ على الذين يؤيدون تياراً إسلامياً، وإنْ يتقدّم هذا على التيارات القومية العروبية والعلمانية والليبرالية.

أما وأن 34% يعتقدون أن خطاب الطائفية منتشرٌ في سورية، وهم النسبة الأكثر ممن يروْن انتشاراً للتمييز بين الناس على أساس مذاهبهم ودياناتهم، ثم انتشاراً للتمييز بين الناس على أساس محافظاتهم، ثم انتشاراً للتمييز بين أبناء الريف وأبناء المدن، فهذا يعني أن له وافرُ الصحّة ما نتداول فيه، نحن كتّاب الرأي وأهل الإعلام، والمشاركون في النقاش العام، عن منسوبٍ مرتفعٍ للخطاب الطائفي في البلد، ربما زاد عمّا كان عليه قبل أحداث مارس/ آذار الماضي في الساحل، وقبل أحداث يوليو/ تموز في السويداء. ما يقضي بأن تصير من أول الأولويات أمام السلطة الانتقالية القائمة، ومعها وقبلها وبعدها، النخبة السورية العريضة، صياغة تعاقدٍ اجتماعيٍّ، يقوم على خياراتٍ عمليةٍ اجتماعيةٍ معاينة، تُنقذ سورية من شقاقٍ طائفيٍّ لا ينفكّ يتسع، وإن تعلو الإنشائياتُ إياها في منصّات الرسميات. وهذه هي المرّة الأولى التي تتوفّر فيها معطياتٌ معرفيةٌ مدقّقة، بالنسب المدقّقة، في هذا الموضوع، يُيسّرها “المؤشّر” الذي تأتي هذه السطور (بإيجاز مخلٍّ حقيقة) على نتفٍ منه، ويلزم أن توضع على طاولة أهل الحكم، لما في هذا من إفادةٍ مؤكّدةٍ في استكشاف معالجاتٍ ممكنةٍ في هذا الملف العويص. سيّما أن “المؤشّر” نفسه يُخبرنا بأن 42% من السوريين يعتقدون أن الناس صاروا يعرّفون أنفسهم وغيرهم على أساسٍ مذهبيٍّ ودينيٍّ أكثر مما كانوا عليه منذ أكثر من عام. أمّا إذا قيل إن الشناعات الأسدية، في عهدي الأب والابن، من أسباب هذا الحال، فإن شناعاتٍ عوينت في شهور الحكم الانتقالي التسعة الماضية سببٌ كبير أيضاً.

تتنوّع القضايا التي انشغل فيها “المؤشر”، غير المسبوق في منهجيّته وشموله (في عموم سورية)، وفي راهنيّته (25 يوليو/ تموز – 17 أغسطس/ آب)، ولا تحتمل العجالة هذه إحاطةً بها. ولكن ما تُختَتم به هذه السطور أن من شديد اللزوم أن يُطالَع هذا المنجز جيّداً، وأن تُطرح معطياتُه ونواتجه، وكذا التطلّعات التي ينشدها السوريون، أمام أهل الدرس والبحث، وقبلهم أمام أهل القرار، المطالبين بتحسّس آراء الناس في شؤونهم دورياً،… ومن دون مسبقاتٍ وفرضياتٍ، بداهةً.

العربي الجديد

——————————

المؤشّر العربي: مستقبل سورية أفضل مما نتوقّع/ غازي دحمان

04 سبتمبر 2025

إجراء استطلاع لمعرفة اتجاهات الرأي العام في سورية حدثٌ غير مسبوق في تاريخ الجمهورية السورية، أو على الأقل منذ أكثر من خمسة عقود، إذ لطالما كانت مثل هذه المسائل محرّمة، وتدخل في إطار قضايا الأمن القومي، ذلك أن توفر مؤشّرات ومعطيات حقيقية عن اتجاهات الرأي العام، وقراءة الجمهور الواقع، والتعبير عن رؤيته إلى المستقبل، يعدّ نوعاً من البيانات التي يجب أن لا تخرُج من ضمن أدرج المخابرات، خوفاً من أن تستغلها أطراف داخلية وخارجية ضد نظام الحكم الاستبدادي.

من هنا، يمكن قراءة الاستطلاع الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، باعتباره تجربة تستحقّ القراءة والتدقيق في النتائج التي خلَص إليها، ولا سيما أن للمركز خبرة سنوات طويلة في هذا النوع من الاستطلاعات، في إصداره “المؤشّر العربي” سنوياً، باستخدام منهجيات وتقنيات متطوّرة، بشهادة أكاديميين وأصحاب اختصاصٍ عديدين.

وتأتي أهمية الإستطلاع، من أنه يضع مادة علمية بين يدي الباحثين وصنّاع القرار يمكن الاستفادة منها في قراءة الراهن السوري والمستقبل من زوايا عديدة، بعضها جرى التعتيم عليه، أو تناوله بناء على معلومات مضلّلة إلى حد بعيد، إذ طالما انبنت التصوّرات عن الأوضاع السورية بناء على حوادث معينة أو توقّعات واستشرافات، لم تكن كافية لقراءة التوجّهات، أو عبر التركيز على زاوية معينة، وتعميم تلك القراءة قسراً على مجمل الواقع السوري الذي يتصف بالتشابك والتعقيد الشديد بين قضاياه ومشكلاته وأزماته.

لافتٌ في الاستطلاع حجم الأمل الكبير لدى السوريين، رغم قساوة الأوضاع الاقتصادية والخدمية والمعيشية، وهذا يعني أن لدى السوريين توقّعات مرتفعة السقف في هذا الشأن، ستشكل ضغطاً على الحكومة لترشيد سياساتها والعمل الجادّ في هذا الحقل، والراهن أن في سورية ارتباطاً كبيراً بين التوجهات السياسية والتحسّن على المستوى الاقتصادي، ولا سيما أن أغلب ما جرى إعلانه من مشاريع استثمارية مستقبلية جاء لأسبابٍ سياسيةٍ بدرجةٍ كبيرة، ومن ثم، ستبقى عرضة للتطوّر في هذا المجال، وهذا ما يجب أن تدركه الحكومة.

لا يكشف الاستطلاع فقط ثقافة لدى السوري تطلب الديمقراطية والدولة المدنية وتنبذ التطرّف، بقدر ما يكشف عن وجود وعي لدى السوريين أن هذه القضايا هي تأشيرة للدخول في العالم الجديد، أو يمكن اعتباره نوعاً من التكيّف مع مسار عالمي يحبذ هذه التوجّهات، ما يعني أيضاً أن الشريحة الكبرى من السوريين، بحكم سنوات الثورة والاغتراب والاطّلاع على تجارب الشعوب، قد تشكَّل لديها وعي سياسي واجتماعي ناضج إلى حد كبير يتطلّب من صنّاع السياسات صياغة آليات مناسبة للتلاقي مع هذا التطور الملحوظ في الوعي الجمعي.

يؤشّر الاستطلاع على المستقبل أكثر من تركيزه على الراهن، كونه ينطوي على حمولاتٍ واسعةٍ من آمال السوريين وتصوّرهم المستقبل الذي يريدونه في المجالات السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد الوحدة الوطنية، يمكن وصفه بخريطة طريق مستقبلية يحاول السوريون صياغتها، والتمنّي على صنّاع القرار أخذها في الاعتبار، وتلك الآمال والتطلّعات روافع مهمة لسورية الجديدة تمنح صانع القرار هامشاً من المشروعية، لكن تنبهه، في الوقت نفسه، إلى أن تلك المشروعية متولّدة بدرجة كبيرة من قيادته التغيير، ومن قناعة شرائح سورية كثيرة إلى أنهم شركاء في هذا التغيير، بل صنّاعه، ومن ثم، لا بد أن تكون هناك ترجمات حقيقية لهذا الأمر من خلال مخرجات ملموسة، ولا سيما على الصعد السياسية والاقتصادية، بالنظر إلى قابليّتها للقياس والمعايرة.

من المسائل التي كشفها الاستطلاع أن سورية لم تذهب إلى حد بعيد في التطرّف الديني، إذ رغم التهويل الإعلامي، ولا سيما بعد أحداث الساحل والسويداء، والزعم أن نسبة كبيرة من السوريين تتعاطى السياسة من منطلقاتٍ دينية، فقد ثبت أن النسبة الغالبة لا تؤيد قيام دولة على أساس ديني، وتفضّل بدلاً من ذلك دولة مدنية، ورغم أن من يتصدّر المشهد في المرحلة الراهنة هم شخصيات ذات خلفية دينية، على مستوى أغلب مكوّنات المجتمع السوري، وصعود الخطاب الطائفي بدرجةٍ غير مسبوقة، يفضّل الاتجاه السوري العام الدولة المدنية، وقد يعكس ذلك إدراك السوريين أهمية هذا الأمر عاملاً للخروج من الأزمة الراهنة.

آراء السوريين، وإن بدت أنها ترغب في منح فرصة للنظام السياسي للإقلاع بالبلاد إلى أفقٍ أفضل، يتوقّعونه ويفضلونه، لا يعني ذلك تفويضاً عاماً للتصرّف بقضايا السوريين، ولا سيما المصيرية، فقد وضعت آراء السوريين محدّدات تجاه تحرّكات السلطة الحالية، ولا سيما في مسألة العلاقة مع إسرائيل والموقف من استرجاع الأراضي المحتلة، ما يُضعف هامش المناورة أمام هذه السلطة، في تفاوضها مع إسرائيل، كما أنه يكشف حقيقة مهمّة حاول الإعلام الصهيوني تزويرها من أن الجزء الأكبر من السوريين يرحب بالسلام مع إسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب التنازل عن الأرض المحتلة.

بقدر ما يقدّم الاستطلاع بيانات مهمة يمكن للباحثين وصُنّاع السياسات الاستفادة منها، فإنه يفرض عليهم تعديل اتجاهاتهم وزوايا قراءاتهم الواقع السوري، والتدقيق ملياً بطموحات السوريين المتطوّرة، وإلا فستتضارب أبحاثهم وسياساتهم حتماً مع المضمون الحقيقي لإرادة السوريين وتطلّعاتهم المستقبلية.

العربي الجديد

—————————–

ما حمله استطلاع رأي السوريين/ عمر كوش

05 سبتمبر 2025

أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات نتائج استطلاع رأيٍ نفذه في سورية، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في دمشق، وبوصفه جزءاً من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025. وتستدعي نتائج الاستطلاع النظر فيما تحمله من دلالاتٍ ومواقف، كونها أول مؤشّر يرصد توجهات السوريين في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ إعادة بناء الدولة السورية ورسم ملامح مستقبلها.

بداية، هذه هي المرّة الأولى أيضاً، التي يعبّر فيها آلاف السوريين بحرّية عن آرائهم وهمومهم وتوجّهاتهم حيال مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشغل بالهم، ومن دون توجّس أو خوف من الاعتقال والملاحقة. وأظهرت نتائج الاستطلاع أن الرأي العام في سورية متعلق بالأمل بمستقبل بلاده، ومتفائل بتحسّن أوضاعه على مختلف الصعد، على الرغم من التحديات الأمنية، ودعوات الانفصال التي يطرحها بعضهم، ومن التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية، فضلاً عن الشروخ في الجسد السوري. ومن ثم، تقدّم نتائج الاستطلاع صورة تعاكس تماماً ما يُتداول في العديد من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تقدم صوراً مختلفة عن السوريين وبلادهم.

يلفت الانتباه حجم عينة المستجيبات والمستجيبين لهذا الاستطلاع، التي بلغت 3690 شخصاً، بحيث يمكن اعتبارها تمثل شريحة واسعة من السوريين، جرى اختيارها “بطريقة طبقية عنقودية متعدّدة المراحل”، كي يشمل تمثيلها مختلف تكوينات المجتمع السوري الاجتماعية والاقتصادية في جميع المحافظات. إضافة إلى حداثة الاستطلاع الذي نُفّذ من 25 يوليو/ تموز إلى 17 من أغسطس/ آب 2025. وهي فترة تفرض مواجهة صعوبات رصد آراء المستجيبين، بالنظر إلى توزّع بعضهم في مناطق تسيطر عليها قوى الأمر الواقع، وإلى الظروف الحسّاسة التي تمرّ بها على خلفية الأحداث والانتهاكات التي شهدتها مناطق الساحل قبل أشهر، وما شهدت محافظة السويداء أخيراً.

ليس مستغرباً أن يرى 56% من المستجيبين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، لأن إسقاط نظام الأسد البائد كان أمراً عظيماً بالنسبة إليهم، أفضى إلى خلاصهم من حواجز أجهزة الأمن التي كانت تقطع أوصال مدنهم وبلداتهم، وتبتزّهم، وتهدّد حياتهم، إلى جانب انفراط عقد مجموعات الشّبّيحة، وما كان يُعرف بالحرس الوطني، وهروب رموز النظام وأزلامه، فضلاً عن إطلاق “سراح المعتقلين، وتحسّن الأوضاع الأمنية، والاتجاه نحو الاستقرار، ورفع العقوبات”. ولذلك كان طبيعياً أن يُعبر ما بين 80% و94% عن مشاعر الأمل والفرح والسعادة بعد إسقاط النظام. ولا يعدم الأمر وجود 20% منهم تنتابهم مشاعر قلق أو عدم يقين، خصوصاً بعد الانتهاكات والمجازر التي ارتكبت خلال أحداث الساحل والسويداء. ويمكن تفهم أن 57% من المستجيبين يرون أن الوضع السياسي جيد جداً أو جيد، فيما عبّرت غالبيتهم عن معاناتهم المعيشية، لأن الوضع الاقتصادي سيئ جداً، الأمر الذي يفسّر رغبة 27% من السوريين في الهجرة لأسباب اقتصادية وأمنية، حيث يكشف الاستطلاع أن 42% من أسر المستجيبين تعيش في حالة فقر وعوز، ودخلهم لا يكفي لتغطية حاجاتهم الأساسية، فيما يعيش قسمٌ منهم حالة كفاف، وأغلبية الأُسر الفقيرة تعتمد على الاستدانة والمعونات من المعارف في سد حاجاتها الأساسية، خصوصاً تلك الأسر التي لا تصل إليها تحويلات مالية من أقاربها في الخارج.

يقدّم الاستطلاع صورة سورية ما بعد نظام الطاغية، يجسّدها تفاؤل بمستقبل البلاد، ونضج سياسي يقابله وجع عام من تردٍّ اقتصادي. والصورة ليست وردية، إذ يقرّ 85% بانتشار الخطاب الطائفي، ويرى 83% التمييز المذهبي واقعاً يوميّاً، ومع ذلك هناك رغبة عميقة في التعايش ضمن الإطار المسكوني المشترك بين جميع التكوينات والأطياف. ولعل ما ينغّص عيش السوريين تفشي حالات من العوز، والفقر، واعتماد على مساعدات الخارج. وعلى الرغم من المفاوضات التي تجريها السلطة مع إسرائيل، ترفض الغالبية العظمى من السوريين الاعتراف بإسرائيل، ولا تقبل بأي تسوية معها من دون عودة الجولان المحتل.

يتوقف الاستطلاع عند قضية الديمقراطية، بوصفها أكثر قضية حساسة في المرحلة الراهنة في سورية، يرى 61% من السوريين أن النظام الديمقراطي الأفضل للحكم في بلدهم، بعكس ما يشاع في بعض الأوساط السياسية، إذ تشير هذه النسبة إلى توق السوريين إلى الديمقراطية بوصفها أفضل الأنظمة السياسية، لكن الأهم أن غالبية السوريين تعنيهم الديمقراطية بالافتراق عن المواقف الأيديولوجية. كما أن أكثر من نصف المستجيبين يقبلون بتسلّم السلطة من حزب سياسي لا يتفقون معه، في حال حصوله على عدد أصوات يؤهله إلى ذلك ضمن انتخابات حرّة ونزيهة. ويترافق ذلك بوعي سياسي متقدّم، يتجلى بتأييد تأسيس أحزاب سياسية جديدة، إلى جانب التيارات الوطنية السورية والتيارات الإسلامية، وتأييد وجود تيارات قومية عربية، وليبرالية مدنية، ما يشي بأن غالبية السوريين لم تتأثر بالتصحّر السياسي الذي أراد نظام الأسد فرضه على المجتمع السوري.

يدخل استطلاع الرأي في سياق تقليد دأب عليه المركز العربي، لكنه في الحال السورية كان متعذّراً، أو بالأحرى محرّماً، في العقود السابقة. والمأمول أن تنتهجه مراكز البحوث والدراسات السورية، كونه يسهم في استجلاء الرأي العام السوري حول مختلف القضايا السياسية والاجتماعية، وفي تحقيق قدر أكبر من المشاركة المجتمعية العامة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سورية ما بعد نظام الأسد. والأمر برسم السلطة الجديدة، كي تأخذ بما عبّرت عنه الأغلبية حول عدم نجاحها في ضمان التعدّدية السياسية، وإنهاء التمييز بين المواطنين، وتطبيق مبدأ المحاسبة بحق كبار المسؤولين. إضافة إلى انتشار الفساد المالي والإداري في البلاد، خصوصاً بعد أن أصبح السوريون، رغم فقرهم المدقع، أكثر اتصالًا بالعالم.

العربي الجديد

—————————

المؤشر العربي في سورية: وسائل التواصل واستخداماتها

العربي الجديد

03 سبتمبر 2025

كشف استطلاع الرأي الذي نُفّذ في سورية بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (جزء من استطلاعات المؤشر العربي لعام 2025)، عن حضور متزايد للفضاء الرقمي في حياة السوريين، حيث أظهرت نتائجه أن 78% من المواطنين السوريين يستخدمون الإنترنت بدرجات متفاوتة، وهو ما يعكس اتساع رقعة الاعتماد على الشبكة في مختلف نواحي الحياة اليومية، سواء في التواصل الاجتماعي أو متابعة الأخبار أو الاطلاع على المستجدات. ومن بين هؤلاء المستخدمين يمتلك 98% حساباً واحداً على الأقل على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، ما يجعل هذه المنصات بوابة رئيسة للتفاعل مع العالم الخارجي.

ولم تعد وسائل التواصل مجرد أداة للترفيه أو التواصل الشخصي، بل أصبحت فضاءً عاماً أساسياً للنقاشات وتبادل المواقف والمعلومات، في ظل محدودية الفضاءات التقليدية للتعبير عن الرأي.

وتوضح نتائج المؤشر أن السوريين يستخدمون الإنترنت بفعالية في التفاعل مع القضايا العامة، إذ أشار 70% من مستخدمي الإنترنت إلى أنهم يوظفون الشبكة للتعبير عن آرائهم حول الأحداث السياسية الجارية، فيما قال 67% إنهم يستخدمونها للتفاعل مع قضايا سياسية مختلفة، سواء من خلال التعليق أو المشاركة أو النشر. وتشير هذه النسب المرتفعة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي صارت مجالاً رئيسياً لتداول الآراء والمواقف.

ورغم الجدل المتزايد حول طبيعة المحتوى المتداول عبر هذه المنصات، فإنّ 79% من المستجيبين أكدوا أن وسائل التواصل الاجتماعي تظل أدوات مهمة، لأنها تمكّن الأفراد من التعبير عن آرائهم بحرية، بغضّ النظر عن اختلاف توجهاتهم أو مواقفهم السياسية.

مع ذلك، تكشف البيانات عن إشكاليات مرتبطة بجودة المحتوى المتداول، إذ يرى 78% من السوريين أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لترويج خطاب طائفي يفاقم الانقسامات الاجتماعية، بينما يعتقد 80% أنها تحولت إلى منصة لانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة.

وفي المقابل، تكشف نتائج المؤشر عن توجه مغاير في ما يتعلق بحرية التعبير، إذ يوافق 76% من المستجيبين بدرجات متفاوتة على أنهم يستطيعون نشر محتوى ينتقد الحكومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من دون خوف من العواقب. وتعد هذه النتيجة لافتة في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية في سورية، إذ يرى عدد كبير من المستخدمين أنّ المنصات الرقمية تتيح لهم مساحة للتعبير عن آرائهم بدرجة من الأمان، مقارنة بالفضاءات التقليدية.

أما على صعيد الثقة بالمحتوى الرقمي، يدلّ المؤشر على تفاوت ملحوظ بين المستخدمين. فبينما يعتمد قطاع واسع من السوريين على تطبيقات التواصل الاجتماعي باعتبارها مصدراً رئيسياً للأخبار والمعلومات، يبدي آخرون حذراً واضحاً تجاه مصداقية ما يُنشر عليها، نتيجة انتشار المعلومات المضللة وغياب مصادر موثوقة للتحقق من صحتها.

يُذكر أن نتائج الاستطلاع أعلنت الأحد الماضي، وأوضح المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات محمد المصري أنّ الاستطلاع نُفّذ على عيّنة مكوّنة من 3690 مستجيباً ومستجيبة، مشيراً إلى أن العيّنة اعتمدت منهجية طبقية عنقودية متعددة المراحل، وهي ممثلة للمجتمع السوري بكل محافظاته وتنوعاته الاجتماعية والاقتصادية. وبلغت درجة الثقة في نتائج العيّنة 98%، بهامش خطأ تراوح بين ±2 و3%.

استمر تنفيذ العمل الميداني 25 يوماً، في الفترة ما بين 25 يوليو/ تموز الماضي و17 أغسطس/ آب الماضي، بمشاركة أكثر من 100 باحثة وباحث، وبإجمالي تجاوز 78 ألف ساعة عمل.

وأشار المصري إلى أن هذا الاستطلاع يُعد الأول من نوعه في تاريخ سورية من حيث حجم العيّنة وشمول جميع المحافظات، فضلاً عن احتوائه على أكثر من 420 سؤالاً تناولت موضوعات محورية وراهنة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة، فضلاً عن قضايا الاندماج الاجتماعي والوطني.

العربي الجديد

—————————

 المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة: منتدى أول بدمشق/ رائف مرعي

الخميس 2025/09/04

مع دخوله العام الخامس من تأسيسه، أطل المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، للمرة الأولى، ولمدة يومين، من مسقط رأسه الفعلي والحقيقي، دمشق، بعد غربة قسرية فرضتها منظومة الحكم البائد قاربت ثمانية أعوام، قضاها المركز بأبحاثه ومتابعاته مراقباً من خارج البلاد، وتخللتها أربع دورات شكّلت فضاءات معرفية وأكاديمية مستقلة من المقاربات ودراسة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية حول سوريا، وعنها، من رؤى متعددة الاختصاصات، متنوعة المشارب.

ميزة أخرى وإضافية، يحملها المنتدى في دورته هذه، وهي أنه يضع حجر الأساس لأول مؤتمر أكاديمي يعقد في العاصمة السورية، يجمع شمل الباحثين السوريين الذين ولدت ونضجت إنتاجاتهم المعرفية خارج سوريا، والباحثين الأكاديميين داخل البلاد. وهيأت الموضوعات المطروحة خلال جلسات المنتدى، والتي تناولت مجالات مختلفة، أرضية حرة وصلبة لنقاش مفتوح، ويرى مدير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة الدكتور حسام الحافظ أنه “لم يبقَ في مستوى التنظير بل حاول أن يربط المعرفة بالسياسات العامة والحلول العميلة، فقد تجاوز الحضور المئتين، بين خبراء وأكاديميين وباحثين من داخل سوريا وخارجها، وهذا منح المنتدى زخماً وعمقاً”. فيما اعتبر منسق منصة الذاكرة السورية التابعة للمركز العربي، أحمد أبازيد، أن أهمية عقد المنتدى في دمشق تكمن في “استعادة المكانة الأكاديمية والبحثية لسوريا بعد عقود من إغلاق المجال العام وحظر النقاشات السياسية والفكرية في البلاد”.

وفي السياق، قال جمعة حجازي، الاستشاري وخبير التنمية والتخطيط، لـ”المدن” أن “المنتدى يأتي في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، فيها متغيرات كثيرة على صعيد القوانين وهياكل المؤسسات الحكومية، وأيضاً على صعيد العلاقة بين الدولة والمجتمع وكيفية بناء السلام وبناء الدولة والانتقال بمفهوم الدولة إلى شكلها الحديث على كافة المستويات العلمية والإدارية”. ومع كثرة التشابكات التي خلفتها الحرب في سوريا، والتي أثرت بشكل مباشر في نماذج التماسك والاندماج الاجتماعي ورأس المال الاجتماعي، يلفت الدكتور الحافظ إلى أن انعقاد المنتدى في دمشق” يحمل رسالة مزدوجة: “أولاً، أن الداخل السوري ليس معزولاً عن مسارات المعرفة والتفكير الدولي. وثانيًا، أن الأكاديميا تستطيع أن تكون جسراً بين السوريين أنفسهم، وبينهم وبين العالم”. وأضاف الحافظ لـ”المدن”: “إن التوقيت يحمل دلالة رمزية بأن مرحلة جديدة قد بدأت، يكون فيها إنتاج المعرفة جزءاً من عملية إعادة التأسيس بعد الحرب”.

اختتام أعمال المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة

صاغت المشاركات في هذه الدورة من أعمال المنتدى، قدراً كبيراً من الجدية والتنوع، بحيث تجاوز حجم المشاركة الثلاثين ورقة بحثية محكمة، تناولت قضايا تمس صميم الواقع السوري. ويقول حجازي لـ”المدن”: “المؤتمر أضاف الكثير من المحاور التي تعكس الواقع الراهن وتحاول أن تؤسس لمرحلة جديدة من التلاقي ما بين صناع الفكر وقادة الرأي للوصول فعلاً إلى أفضل الممارسات على صعيد بناء النماذج الاقتصادية وفهم الارتباطات بين المتغيرات التي تحكم عملية الانتقال السياسي في سوريا سواء بفهم قضايا المواطنة وقضايا الشباب والتمكين الاقتصادي والسياسي ومشاركة المرأة”.

لا ريب أن المنتدى وفر صورة بانورامية لتحديات المجتمع السوري اليوم، لكنه أيضاً قدم أدوات تحليلية ورؤى واقعية تساعد على مواجهتها، الأمر الذي يعني في ما يعنيه، وجود خريطة طريق واضحة المعالم، وآلية تطبيق مكتملة الأركان لدى القائمين على المركز، وهو ما كشفه لـ”المدن” د.الحافظ: “ما بدأناه هنا، هو إسهام لإيجاد مدرسة بحثية سورية جديدة تنفتح على العالم، لكن تنطلق من الداخل، وإذا كان المنتدى هو الأول من نوعه بعد مرحلة صعبة مرت بها البلاد، فإننا نريده حجر الأساس لشبكة معرفية مستدامة، تسهم في شرم السياسات العامة وتدعم عملية التنمية والاستقرار”. وهو ما ذهب إليه أيضاً أحمد أبازيد، قائلاً لـ”لمدن”: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، أنشأ فرعه في سوريا باسم المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وهو يضم مشاريع المركز حول سوريا وستكون له في سوريا مشاريع بحثية عديدة، إضافة إلى نشاطات مرتقبة لاستعادة مكانة سوريا كمركز فكري وبحثي”.

إسرائيل عدوة

وفي معرض إجابته عن عناوين الورقة التي قدمها خلال مشاركته في الورشة الختامية للمنتدى، والمتعلقة بالنقاش حول الموضوع الأمني والعسكري في سوريا الجديدة، أوضح أبازيد: “خلصت الورقة إلى أن إسرائيل تمثل التهديد العسكري الرئيس للدولة السورية على مستوى تنفيذ عمليات عسكرية برية وجوية واحتلال الأراضي بشكل مباشر واحتمالية فرض قيود طويلة الأمد على طبيعة الوجود العسكري السوري في المنطقة الجنوبية وقيود قدرات التسليح المستقبلية للجيش السوري، وهو ما يعني أن الأمن الوطني السوري مهدد ومكشوف على المدى البعيد”.

وأكد د.الحافظ بدوره على أن “التحديات الجوهرية تبدأ من إعادة بناء العقد الاجتماعي، إلى تمكين المؤسسات المحلية، وعودة المهجرين، وصولاً إلى إعادة الاعتبار للتعليم والبحث العلمي”، مضيفًا: “هذه الخلاصات تشكّل قاعدة معرفية يمكن البناء عليها في عملنا المستقبلي وتفتح الباب أمام مقاربات أدق وأعمق لواقع المجتمع السوري”.

أول استطلاع رأي في تاريخ سوريا

توازياً مع أعمال المنتدى، أنجز المركز العربي بالتعاون مع فرعه بدمشق، دراسة مسحية للوقوف على اتجاهات الرأي العام في سوريا، وهو استطلاع دوري تحت مسمى “المؤشر العربي” ويشكّل جزءاً من استطلاعاته للعام 2025، في شأن موضوعات مختلفة ذات أهمية للمواطنين في المنطقة العربية. كما يُعدّ إرساءً لتقاليد أكاديمية رفيعة المستوى، خصوصاً أن هذا الاستطلاع، هو الأول من نوعه في تاريخ سوريا من ناحية حجم العينة، وتغطية جميع المحافظات وتضمنه لأكثر من 420 سؤالًا، تناولت المسألة السورية براهنيتها على الصعد كافة، ما يتيح لصنّاع السياسات في البلاد والحقل الأكاديمي السوري، مصدرًا مهما للمعلومات المطلوبة في تعميق المعرفة بالمجتمع، بعيدًا من الصور النمطية والأحكام المسبقة.

جمعة حجازي، الاستشاري والخبير في التنمية والتخطيط، والذي كان مساهماً مباشرًا وفعلياً في هذا الاستطلاع، ذكر لـ”المدن” بعضاً من منهجية وآلية المسح المطبقة: “اعتمد الاستطلاع على تصميم علمي صارم، يضمن دَقَّة النتائج وقابليتها للتعميم، فقد تم استخدام تصميم عنقودي متعدد المراحل مع تقسيم طبقي شمل جميع المحافظات والمناطق الإدارية والنواحي، بما يحقق التمثيل الجغرافي والاجتماعي العادل”، وأضاف: “استغرق العمل أكثر من 78 ألف ساعة بمشاركة فريق مدرب، مع تطبيق إجراءات صارمة للتحقق من وجود البيانات”. وختم حجازي بالقول: “كل صوت في هذا الاستطلاع، هو شهادة على أن السوريين لم يفقدوا قدرتهم على الحلم، ولم يتخلوا عن حقهم في المشاركة في رسم ملامح الغد. لقد أصبح صوتهم مسموعًا، ليس فقط في أروقة البحث العلمي، بل في فضاء السياسات العامة، ليقول للعالم: نحن هنا، نطالب بأن يكون لنا مكان في مستقبل بلادنا، ونرفض أن نُختزل في خانة الأرقام أو ضجيج الأخبار”.

المدن

—————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى