العدالة الانتقالية تحديث 11 أيلول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————–
المبادئ فوق الدستورية في سورية مرّة أخرى/ نادر جبلي
07 سبتمبر 2025
ما دفعني منذ أكثر من ثمانية أعوام إلى العمل الجاد على موضوع “المبادئ فوق الدستورية” (مواد دستورية محصّنة ضد التغيير) القناعة الراسخة بأن الصدوع التي أصابت الاجتماع الوطني السوري، بفعل نظام الطغمة البائد، أصبحت من العمق والخطورة إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان معالجتها بالأدوات الطبيعية التي تُعالَج بها الخلافات بين الجماعات الوطنية، ولم يعد ثمّة ما يمكنه أن يعيد السوريين إلى بعضهم إلا وثيقة وطنية بمستوى مبادئ فوق دستورية، تُطمئِن الجميع إلى أن ما سيتم تضمينه في هذه الوثيقة سيكون محترماً في المستقبل من أي دستور ومن أي سلطة قادمة، بمعنى أنه لن يكون في وسع أي أغلبية برلمانية قادمة، مهما بلغت نسبتها، أن تلغي تلك القواعد أو تعدّلها.
بعد تسعة أشهر من التحرير، نجدنا في سورية، على صعيد الاجتماع الوطني، في وضع أسوأ مما كنّا عليه قبل التحرير، حيث الصدوع بين المكوّنات أصبحت أكثر عمقاً، والثقة بين بعضها وبين الأغلبية أصبحت شبه معدومة، والخوف والتوجّس من الآخرين ومن المستقبل أصبحا هما الموجِّهان، والعوامل الطاردة أقوى بكثير من العوامل الجاذبة… ونرانا مرّة أخرى، وأكثر من قبل، أمام فكرة الحاجة إلى الشيء الاستثنائي الكبير القادر على دفع السوريين باتجاه بعضهم، وهو المبادئ فوق الدستورية حصراً، فالحاجة إلى المبادئ فوق الدستورية، أي إلى ضماناتٍ قوية ومستقرّة بما فيه الكفاية، تصبح أكبر كلما تعمّقت أزمة الثقة بين الجماعات الوطنية، وارتفع منسوب الخوف والهواجس لديها، والأمران (الضمانات القوية وانعدام الثقة) على تناسب طردي، وبدون المخاوف لا حاجة للحديث عن ضمانات.
كالعادة، تُهاجم الفكرة وتُشيطن، جهلاً أو مصلحةً أو خبثاً.. فثمّة من لا يعرف ماهية المبادئ فوق الدستورية ووظيفتها، لكنه يكتفي بالعنوان الملتبس (فوق الدستورية) لفتح النار على الفكرة وعلى مروّجيها.. فكيف يكون هناك شيء فوق الدستور، وهو القانون الأسمى الذي يعكس العقد الاجتماعي وإرادة الشعب؟ وهل ثمّة إرادة تعلو على إرادة الشعب سوى إرادة الله؟
وثمّة من يعرف تلك المبادئ، وقد قرأ عنها، أو قرأها في دساتير مختلفة، ويعرف دورها الاستثنائي في حماية الدول الخارجة من مراحل مؤلمة خلَّفت جروحاً غائرة في الاجتماع الوطني (حروب أهلية، استبداد، استعمار…) لكن مصلحته الآن، ومصلحة جماعته الدينية أو العرقية، تقتضي تجاهل الموضوع، بل مهاجمته وشيطنته بكل الوسائل الممكنة. وهؤلاء، وغالبيتهم العظمى من الإسلاميين والعروبيين، لا يعلنون دوافعهم، بل يستغلون تلك الخاصرة الرخوة إياها، المفهومة شعبيّاً، أي الاعتداء المفترض لتلك المبادئ على الديمقراطية وعلى إرادة الشعب، وثمّة من يعرفونها، لكنهم يرونها وسيلة تستخدمها “الأقليات” بهدف الحد من قدرة وحقّ الأغلبية، العرب السنة، في الحكم.. وقد سمعتها صراحة في برلين، عقب محاضرة لي في الموضوع قدّمتها في مؤتمر “تجارب سورية الدستورية”، وتلقّيت إثرها كمّاً كبيراً من الاحتجاجات والانتقادات من بوابة الاعتداء على الديمقراطية وإرادة الأغلبية. فقد جاءني مدير المؤتمر في مساء ذلك اليوم، وقال لي إن خلفية تلك الاحتجاجات اعتقاد هؤلاء، ومعظمهم من الإسلاميين، أن هدفك من تسويق فكرة المبادئ فوق الدستورية تقييد حكم السنة العرب وإضعافهم في حال وصولهم إلى السلطة.
الآن، ومع هذا المشهد الوطني الأشدّ بؤساً في تاريخنا، ومع اتساع الشروخ وانعدام الثقة بين الجماعات السورية، وذهاب بعضها بعيداً وعلناً في طلب الاستقلال، أرى ضرورة إحياء فكرة المبادئ فوق الدستورية ودعمها وتسويقها على نطاق واسع، لأنها الأداة الوحيدة القادرة على وقف هذا التدهور المتسارع، ووضع سورية على سكّة التعافي من جديد.
لا يتسع المقام هنا للتوسّع في شرح فكرة المبادئ، والمصادر متاحة لمن يرغب، لكني أودّ تأكيد ما أكتبه وأقوله دائماً، معتمداً على اطّلاعي الواسع على التجارب الدولية، أن المبادئ فوق الدستورية، إضافة إلى أنها الضمانة العليا، ومصدر الطمأنينة الأهم للجميع، أغلبيّة وأقليّات، هي، في الوقت نفسه، مصلحة خالصة لهم، وليس فيها أي انتقاصٍ من مبادئ الديمقراطية، ومن حقّ الأكثرية في الحكم، وليس من أغراضها الحدّ من صلاحيات الأغلبية في الحكم، إنما الهدف منها حصراً الحد من قدرة الأغلبية الحاكمة على الطغيان، ومن قدرتها على المساس بحقوقٍ أساسيةٍ وثابتةٍ من حقوق البشر، كالحرّيات العامة والخاصة.. وثمّة فرق كبير بين الحكم والطغيان، ولا أعتقد أن ثمّة عاقلين يختلفان على رفض الطغيان أنّى كان مصدرُه، حتى لو كان سلطة أغلب الشعب، فهل من الديمقراطية أن تقرّر أغلبية برلمانية تمثل 99% من الشعب، حرمان الـ 1% الباقين من بعض حقوقهم؟
لو استثنينا الطغاة أنفسهم، أو من يحملون طموح الطغيان.. فهل يجد “العربي السنّي” مثلاً مشكلة في قاعدة دستورية محصّنة ضد التغيير تنصّ على انتقال السلطة ولا تسمح للحاكم بتأبيد حكمه؟ وهل يجد مشكلةً في قاعدة من النوع نفسه (محصّنة) تضمن الفصل بين السلطات، وتمنع السلطة التنفيذية من التغوّل على باقي السلطات؟ وفي قاعدة أخرى، تمنع المساس بالحرّيات؟ وفي رابعة تضمن استقلال القضاء… وهل ثمّة ما يُطمئن “العربي السنّي” إلى حقه الدائم في الحكم وفي مؤسّسات الدولة أكثر من قواعد فوق دستورية تقطع الطريق على تسلّل استبدادٍ جديدٍ يعطّل الآليات الطبيعية لانتخاب الحكام والمسؤولين أو اختيارهم؟
في الواقع، جميع السوريين بحاجة إلى طمأنة، أغلبيّاتهم مثل أقليّاتهم، فالعربي يريد الاطمئنان إلى أن الكردي والدرزي لا يريدان الانفصال، ولا يريدان الاستقواء بالخارج على أبناء بلدهما، والسنّي يريد الاطمئنان إلى أن الآخرين ليس لديهم مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين، ولا يعملون على إقصائهم عن الحكم وتهميشهم مرّة أخرى. والكردي يريد الاطمئنان إلى أنه سيكون مواطناً كامل المواطنة في دولته، وأن ثقافته وحرّياته ستكون دائماً موضع احترام، ولا يمكن لأحد الانتقاص منها مستقبلاً، وأن هامشاً واسعاً سيكون له في إدارة مناطقه واختيار ممثليه.
لسائلٍ أن يسأل، وهو محقّ: وما هو حظ فكرة من هذا النوع مع وجود سلطةٍ ترفض حتى فكرة المشاركة من أساسها؟ ولا تعترف إلا برؤيتها ونموذجها ورجالها؟… الجواب: نعم، هذا ما بدا عليه نهج السلطة منذ وصولها، لكن يُفترض أن قناعات السلطة بدأت تتغيّر بعد تسعة أشهر من الحكم، لم يحصل فيها إنجاز حقيقي، وحصلت فيها مجزرتان كبيرتان تركتا أثراً سلبيّاً كبيراً على الاجتماع الوطني، وعلى شعبية السلطة، وعلى المزاج الدولي. وربما أصبحت (السلطة) أكثر قرباً من الاعتراف بحقوق الآخرين، وقناعة بضرورة التفاهم معهم، وقناعة بفشل منطق القوة والإخضاع وخطورته.
أختم بأن المبادئ فوق الدستورية حلٌّ فعّال لما نحن فيه، بل أكاد أقول إنها “الحلّ”، لقدرتها الاستثنائية على طمأنة السوريين، ودفعهم إلى العودة إلى بعض، بعد هذه الرضوض الشديدة التي أصابت اجتماعهم الوطني. وأؤكّد أنها مصلحة خالصة للجميع، للأكثرية كما للأقليات، ومن مصلحة الجميع تفهّمها وقبولها والدفع باتجاهها، وليتنا نبدأ بفتح النقاش الواسع والمسؤول حولها.
العربي الجديد
———————————
العدالة تبدأ من الداخل.. ملاحظات على زيادة رواتب القضاة في سوريا/ ميشال شماس
2025.09.10
في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تمر بها سوريا، جاء قرار وزارة العدل برفع رواتب القضاة كخطوة طال انتظارها، في خطوة وُصفت بأنها إصلاحية وتهدف إلى تعزيز استقلال القضاء.
غير أن هذا القرار، في بنيته وآلية تطبيقه، يكشف عن خلل بنيوي في فهم العدالة داخل المؤسسة القضائية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى اتساقه مع مبادئ الإنصاف الوظيفي، والتوزيع العادل للموارد، والشفافية المؤسسية.
اليوم، لا يمكن الحديث عن استقلال القضاء بمعزل عن الكفاية المالية للقاضي. فالقاضي الذي يخضع لضغوط معيشية أو يشعر بعدم الإنصاف في تعويضه، يصبح عرضة للتأثيرات الخارجية، ويفقد جزءًا من قدرته على ممارسة دوره كضامن للعدالة. من هنا، فإن رفع رواتب القضاة لا يُعد ترفًا وظيفيًا، بل هو شرط بنيوي لضمان نزاهة السلطة القضائية واستقلالها.
لكن هذه الضرورة لا تعني أن أي زيادة مالية تحقق الهدف المنشود. فالمعيار ليس في حجم الزيادة فقط، بل أيضًا في آلية توزيعها، ومدى اتساقها مع مبادئ العدالة المهنية. إن تجاهل الأقدمية، وتغليب المنصب الإداري على الكفاءة، وتحويل التعويضات إلى أدوات تمييز، كلها مؤشرات على خلل في فهم وظيفة القضاء، وعلى غياب رؤية إصلاحية حقيقية.
أولًا: التمييز داخل الغرفة القضائية الواحدة
من أبرز مظاهر الخلل في القرار الأخير هو التفاوت الصارخ في الرواتب والتعويضات بين القضاة العاملين ضمن نفس الهيئة أو الغرفة القضائية. ففي حالات متعددة، يتقاضى قاضٍ راتبًا يفوق زميله الذي يؤدي ذات المهام، لمجرد أنه يشغل منصبًا إداريًا، بغض النظر عن الأقدمية أو الدرجة الوظيفية. بل إن بعض القضاة الجدد، ممن لم يمضِ على تعيينهم سوى أشهر، يتقاضون رواتب أعلى من زملاء لهم لديهم خدمة أطول.
هذا النوع من التمييز لا يُفسَّر إلا بغياب معيار موضوعي في توزيع الرواتب، ويؤدي إلى تقويض مبدأ العدالة المهنية داخل المؤسسة القضائية. كما أنه يخلق بيئة خصبة للغبن والتوتر والانقسام، ويُضعف روح الزمالة والتكافل بين القضاة، وهي عناصر أساسية لضمان استقلال القرار القضائي وتماسكه.
ثانيًا: تغييب معيار الأقدمية والدرجة.. مكافأة المنصب لا الكفاءة
في أي منظومة قضائية تحترم نفسها، تُعد الأقدمية والدرجة الوظيفية من الركائز الأساسية في تحديد الرواتب والتعويضات. فهي تعكس تراكم الخبرة، والاستحقاق المهني، والالتزام طويل الأمد بالمهنة القضائية. لكن القرار الأخير تجاهل هذا المعيار بشكل فاضح، وفضّل الموقع الإداري كعامل حاسم في تحديد الأجر، مما أدى إلى قلب منطق المكافأة رأسًا على عقب.
هذا النهج لا يُضعف فقط الحافز لدى القضاة الأقدم، بل يخلق شعورًا باللاعدالة داخل الجسم القضائي، ويحوّل الترقيات إلى مسألة حظ أو علاقات، بدلًا من أن تكون نتيجة طبيعية للكفاءة والالتزام. كما أنه يُفرغ مفهوم “الدرجة القضائية” من محتواه، ويُضعف من هيبة التسلسل الوظيفي، ويُكرّس منطقًا إداريًا هشًا لا يستند إلى معايير مهنية واضحة.
ثالثًا: الفجوة بين القضاة والموظفين الإداريين
القرار الأخير برفع رواتب القضاة كشف عن فجوة كبيرة بين القضاة وباقي العاملين في الجهاز القضائي، من كتّاب ومحضرين وموظفي إدخال البيانات. ففي حين تجاوزت رواتب بعض القضاة حاجز 1000 دولار شهريًا، بالكاد يحصل الموظف الإداري على 250 أو 300 دولار، رغم أن العملية القضائية لا تكتمل دون مساهمته المباشرة في الإجراءات والتنفيذ.
هذا التفاوت لا يمكن تبريره بمنطق “أهمية الدور”، لأن العدالة ليست نتاج فرد، بل منظومة متكاملة تتطلب تنسيقًا بين القاضي والكاتب والمحضر والموظف الفني. إن تكريس هذا الفارق المالي يعكس نظرة هرمية قاسية، تُضعف روح الفريق داخل المؤسسة، وتحوّل بيئة العمل القضائي إلى فضاء من التراتبية والتذمر، بدلًا من أن تكون فضاءً للتكامل والتعاون.
كما أن هذا التفاوت يُضعف من كفاءة الأداء العام، إذ يشعر الموظف الإداري بالتهميش، ويُفقده الحافز لتقديم خدمة قضائية فعالة، مما ينعكس سلبًا على جودة العدالة المقدمة للمواطن.
رابعًا: نشر الرواتب على الملأ
يُعتبر نشر رواتب القضاة والموظفين أمرًا غير مألوف في الأنظمة القضائية الرصينة، لما ينطوي عليه من مساس مباشر بخصوصية القضاة، وفتح الباب أمام التأويلات والضغوط، بل وربما الاستهداف الشخصي. فالقاضي، بحكم موقعه الحساس، يحتاج إلى قدر من الحصانة المهنية التي تقيه من أي تأثير خارجي قد ينعكس على استقلالية قراره.
إن الكشف العلني عن تفاصيل الرواتب لا يخدم مبدأ الشفافية بقدر ما يهدد هيبة السلطة القضائية، ويعرض أفرادها لموجات من النقد أو الاستغلال، خاصة في بيئات تعاني من اضطرابات اقتصادية أو سياسية. كما أن هذا النشر يُضعف من تماسك الجسم القضائي، ويُغذي المقارنات الداخلية، ويُكرّس الشعور بالغبن بين القضاة أنفسهم، بدلًا من أن يُعزز روح الانضباط والثقة المهنية.
إن الحفاظ على خصوصية الرواتب القضائية ليس امتيازًا، بل ضرورة مؤسسية لضمان نزاهة العدالة واستقرارها.
خامسًا: الاستفادة من التجارب الدولية
في العديد من الأنظمة القضائية حول العالم، يُنظر إلى هيكل الرواتب القضائية كأداة استراتيجية لضمان استقلال القضاء، وليس مجرد بند مالي في ميزانية الدولة. والتجارب الدولية تُظهر أن العدالة في الرواتب لا تتحقق برفعها فقط، بل بتوزيعها وفق معايير موضوعية، تضمن الإنصاف وتحفّز الأداء، وتُحصّن القضاة من الإغراءات دون أن تُكرّس التفاوتات الداخلية.
في فرنسا يتم الاعتماد على سلم قضائي موحّد يرتكز على الأقدمية والدرجة، مع زيادات طفيفة للمهام الخاصة مثل النيابة العامة أو محكمة النقض. هذا النموذج يُقلل من التمييز ويُعزز الانسجام المهني.
في ألمانيا يتم ربط رواتب القضاة بمستوى مرتفع يفوق متوسط رواتب القطاع العام بثلاثة أضعاف، لضمان تحصينهم من أي تأثير خارجي، دون خلق تفاوتات داخلية تُضعف الثقة المؤسسية.
أما في المغرب، فبعد إصلاحات 2011، تم إنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يشارك في تحديد الرواتب والتعويضات، منعًا لهيمنة السلطة التنفيذية، وضمانًا لاستقلال القرار المالي.
هذه النماذج تؤكد أن العدالة المالية داخل السلطة القضائية لا تُبنى على الامتيازات، بل على الإنصاف، والاستقلال، والشفافية في آليات التوزيع. وهي دروس ينبغي أن تُؤخذ بعين الاعتبار في أي محاولة إصلاحية داخل السياق السوري، إذا أُريد لها أن تكون جادة ومستدامة.
المطلوب: إصلاح قضائي حقيقي
إذا كان الهدف من رفع الرواتب هو بناء سلطة قضائية مستقلة ونزيهة، فإن الطريق لا يمر عبر الأرقام وحدها فقط، بل أيضًا عبر بنية توزيع عادلة، ورؤية مؤسسية متماسكة. الإصلاح المالي يجب أن يكون جزءًا من إصلاح شامل، لا إجراءً يُكرّس التفاوتات ويُضعف الثقة الداخلية. ولتحقيق ذلك، لا بد من اعتماد المبادئ التالية:
سلم رواتب موحّد وعادل يرتكز على الأقدمية والدرجة، مع هامش محدود للتمييز الوظيفي المرتبط بالمهام ذات الطابع الخاص.
إلغاء التمييز داخل الغرفة القضائية الواحدة، بحيث لا يُكافأ المنصب الإداري على حساب الكفاءة والخبرة.
إشراك القضاة أنفسهم في وضع آلية الرواتب والتعويضات، لضمان استقلال القرار المالي عن السلطة التنفيذية.
ربط الإصلاح المالي بإصلاح مؤسسي شامل يشمل التعيينات، التدريب، ضمانات الاستقلال، وتطوير البنية التحتية للمحاكم.
إن العدالة لا تُبنى على الامتيازات، بل على الإنصاف، والشفافية، والتكافؤ المهني. وأي إصلاح لا يستند إلى هذه القواعد سيظل هشًا، مؤقتًا، وعرضة للانهيار أمام أول اختبار حقيقي.
العدالة لا تُشترى.. بل تُبنى
العدالة تبدأ من داخل المؤسسة القضائية، من شعور القاضي بأنه جزء من منظومة عادلة، لا مجرد موظف محبط. وعندها فقط، يمكن أن يصبح القضاء سلطة حقيقية، لا وظيفة متذمرة، ويؤدي رسالته كركيزة لسوريا الجديدة.
تلفزيون سوريا
—————————–
شطب وتجميد أكثر من 100 محامٍ.. ترحيب بتنظيف سوريا من “أزلام النظام” وتحذيرات من خلط “الصالح بالطالح”/ جانبلات شكاي
10 أيلول 2025
قامت مجالس فروع نقابة المحامين في دمشق ودرعا وطرطوس بشطب 106 من جداول المحامين من بينهم نقباء سابقون ورؤساء وأعضاء مكاتب فروع بدعوى “قيامهم بأفعال لا تتفق مع كرامة المهنة وشرفها وتحويل المجالس النقابية إلى أجهزة أمنية وشطب مئات المحامين تعسفياً إلى جانب الإهمال الإداري المتعمد”. وقد أثارت القرارات تفاعلات مرحبة بعملية “تنظيف” النقابة من أزلام النظام السابق، وسط مطالبات بضرورة توخي الدقة والاعتماد على القرائن والثبوتيات المؤكدة، إلى جانب اعتراض آخرين باعتبار أن القرارات ظلمت محامين عُرف عنهم نظافتهم ودفاعهم عن زملائهم زمن النظام البائد.
أجهزة أمنية رديفة
وأوضح قرار مطول صادر عن مجلس نقابة دمشق “ثبوت المسؤولية القانونية والمهنية لرؤساء وأعضاء مجالس النقابة ومجالس الفروع في الفترة بين عامي 2011- 2025 عن مخالفات جسيمة لقانون تنظيم مهنة المحاماة والنظام الداخلي للنقابة تمثلت في عدم قيام من تولوا مسؤوليات وصلاحيات نقابية بواجباتهم في الدفاع عن النقابة ومنسوبيها في وجه تغول الأجهزة الأمنية للنظام البائد وانتهجوا التأييد العلني لجرائم النظام البائد وإنكارها، مع تحويل المجالس النقابية إلى أجهزة أمنية رديفة للقمع وتكميم الأفواه وملاحقة المحامين بسبب الموقف السياسي المناهض لجرائم النظام، إلى جانب شطب مئات المحامين تعسفياً وبناءً على توجيهات الأجهزة الأمنية”.
وتحدث القرار عن “إهمال إداري متعمد للواجبات القانونية لمن تولوا مهام الرئيس وأمين السر والخازن لاسيما إهمال قسم الديوان والقسم القضائي والهدر المالي وصرف النفوذ وإساءة استخدام السلطة وتفشي المحسوبيات وقبول الهدايا”، كما تطرق القرار إلى “الخلل الإداري في القسم المالي ووجود شبهة فساد مالي تستوجب فتح تحقيق مالي مهني مستقل”، مع “إهمال نظام التمرين واستغلال المتمرنين لغايات انتخابية”، إلى جانب “تورط عدد من المحامين المقربين من الأجهزة الأمنية بالوشاية بزملائهم والتسبب باعتقالهم ومقتل عدد منهم تحت التعذيب في معتقلات النظام البائد وكذلك التورط في التأييد العلني المتكرر لجرائم النظام بحق أبناء شعبهم والتحريض على القتل والإبادة على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وفي المحافل الدولية كاللجنة الدستورية ومؤتمر المحامين العرب”.
وبعد أن أوضح القرار الأسباب التي اعتمد عليها لاتخاذه أكد على شطب كل من النقباء السابقين نزار السكيف والفراس فارس، وهما معتقلان حاليا، والحسن محمد بركات، إضافة إلى شطب رؤساء سابقين لفرع دمشق هم محمد جهاد اللحام (رئيس مجلس الشعب السابق)، وعبد الحكيم السعدي ومحمد خالد رضوان الحمصي، وشطب الأعضاء في مجلس الفرع مظهر عبدو السواح، وغسان محمود حمامي، وأحمد سالم ابراهيم نابلسي، وهنادة أحمد شربجي.
وطال الشطب الحكمي محامين آخرين شغلوا مناصب رسمية في عهد النظام السابق منهم العضو في المحكمة الدستورية العليا ماجد رشيد خضرة، وعضو مجلس الشعب ورئيس وفد النظام السابق في اللجنة الدستورية في اجتماعات جنيف أحمد نبيل كزبري، وعضو مجلس الشعب وعضو وفد النظام إلى محادثات جنيف محمد خير أحمد العكام، والقاضي وائل عبد اللطيف الطباع، وثائر أحمد إبراهيم، وناهض ملحم سليمان، وحسام وليد حسن، ومحمد عبد الحميد العيسى، وسها بنت رفعت عبود.
وأوضح مجلس النقابة أن ما أصدره الإثنين هو “قرار إداري معجل النفاذ قابل للطعن إفرادياً أمام مجلس النقابة”.
وتفاعل مع القرار العديد من المحامين وطالب بعضهم بتحريك الدعاوى بحقهم مسلكيا وجزائيا والحجز على أموالهم، مشددين على ضرورة تنظيف النقابة من المحامين النصابين، وأن تطال قرارات الشطب فروع النقابة في باقي المحافظات.
إصلاح نقابي مطلوب
واعتبر نقيب المحامين السابق أحمد دخان القرار الصادر عن مجلس فرع دمشق بأنه “شأن نقابي صرف يجب أن يُبنى فقط على أسس قانونية ومهنية واضحة، بعد تحقيق عادل، وضمن الضوابط التي حددها قانون تنظيم مهنة المحاماة والنظام الداخلي للنقابة”.
وقال دخان لـ”القدس العربي” إن “مبدأ المحاسبة جزء من الإصلاح النقابي المطلوب، لكنه لا يجب أن يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو الإقصاء، بل يجب أن يهدف إلى حماية المهنة من أي تجاوزات تسيء إليها أو تُفقدها ثقة المجتمع بها”.
وعلق دخان، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجلس مدينة إدلب، حول ما يثار عن قوائم فصل قادمة أو احتمال تحريك دعاوى، موضحاً أن “المحاسبة القضائية أو التأديبية لا تتم بالتكهن أو التسريبات، بل عبر مسارات قانونية واضحة تحفظ حقوق الجميع، وتضمن العدالة، وتراعي مبدأ قرينة البراءة”.
وأضاف: “إن مثل هذه القرارات تأتي تجسيداً لمبدأ العدالة الانتقالية التي نص عليها الإعلان الدستوري للبلاد، والمطلوب اليوم هو تكريس العمل النقابي كقيمة أخلاقية ومهنية، لا كساحة للصراع أو التشهير، والحرص على نقابة قوية تحتكم للقانون وحده، لا لردود الأفعال أو الضغوط”.
وبين دخان أن “نقابة المحامين تؤمن بأن كرامة المحامي لا تقل قدسية عن استقلال المهنة، وأن أي قرار تأديبي سواء كان بالشطب أو بغيره، يجب أن يُبنى على أدلة واضحة، وإجراءات قانونية عادلة، وتكفل للمحامي حق الدفاع والطعن”.
وبخصوص الحالات التي ثبت بحقها مخالفات موثقة، قال دخان إن “النقابة التزمت بتطبيق أحكام القانون، حفاظاً على سمعة المهنة وهيبتها، أما في الحالات التي وُجدت فيها ملابسات أو نقص في الأدلة، فينبغي ابتداء اجراء التحقيق الشفاف وعلى ضوء النتيجة يقوم رئيس الفرع أو النقيب بتحريك الدعوى المسلكية أو حفظ الشكوى التي من الممكن أن تقدم من قبل أحد أصحاب العلاقة او المتضرر من أي إجراء أقدم عليه المحامي المشطوب، على أن يكون وفق الأصول المتبعة في قانون تنظيم المهنة حتى لا يشوب قرار النقابة أي غموض ويميز تماماً بين من تورط بأفعال تسيء للمهنة والمجتمع، وبين من يكون قد تأثر بتقارير أو ظروف غير مكتملة، والنقابة لن تسمح بأن يُظلم أحد، لكنها أيضاً لن تتهاون مع من تجاوز القانون أو خان الأمانة المهنية”، موضحاً أن “باب المراجعة والطعن مفتوح أمام كل من يرى نفسه متضرراً، إيماناً منّا بأن العدالة لا تتحقق إلا بالشفافية، وتكافؤ الفرص، وضمان حق الدفاع”.
شطب بحجة الغياب
وإلى جانب قرار مجلس نقابة دمشق بشطب 19 محامياً، صدرت قرارات مشابهة من مجلسي فرعي النقابة في طرطوس ودرعا، حيث صدر الأربعاء قبل الماضي قرار شطب بحق 10 محامين، حمل الرقم 268 وجاء فيه إن مجلس فرع نقابة المحامين في طرطوس بجلسته المنعقدة بتاريخ الثالث من أيلول/ سبتمبر الجاري (…) وبناء على مقتضيات العدالة وعلى مقتضيات المصلحة العامة وعلى أحكام المادة 23 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، وعطفاً على بيان الحركة من “الهجرة والجوازات” وورود عدة كتب من السادة مفوضي القصر العدلي في طرطوس والمناطق، تؤكد سفر عدد من محامي الفرع خارج القطر سواء بطرق شرعية أو غيرها، وباعتبار أن المحامين التالية أسماؤهم قد خالفوا واجبات المحامي وقانون تنظيم المهنة، وتصحيحاً للخطأ المادي الكتابي، فقد تقرر شطب كل من المحامين: سميرة على البارودي، محمد محمود المعلم، فرح محمد المعلم، مرح محمد المعلم، فهد علي خيربك، طارق محمد مفلح، غاندي عباس ديوب، سامر محمد عیسی، أحمد خرفان كناج، غسان علي حسن”.
وأكد مجلس الفرع أن القرار قابل للطعن شخصياً أمام مجلس النقابة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الإعلان عنه.
وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي” قال رئيس فرع نقابة المحامين في درعا سليمان القرفان إن مجلس النقابة في محافظته كان قد أصدر في الثامن عشر من حزيران/ يونيو الماضي قراراً بشطب 77 محامياً، قسم منهم لذات الأسباب التي وردت في قرار مجلس فرع طرطوس الأخير، حيث أن هؤلاء تغيبوا عن مقار فرعهم في درعا بدليل عدم تنظيمهم أي وكالة، ومن دون أي تبرير أو إبلاغ رئيس فرعهم لفترة تجاوزت الشهرين، ولكن أيضاً بسبب أن عدداً كبيراً منهم كانوا مخبرين وكتبوا تقارير للأجهزة الأمنية بحق زملائهم في المهنة وتم على أساسها اعتقالهم بل وتم تصفية محامين من الثوار بتهمة أنهم إرهابيين، ونحن تأكدنا مما سبق بعد أن وضع الثوار أيديهم على كامل الوثائق المتوفرة في مقار الأجهزة الأمنية سواء في المحافظات أو في العاصمة دمشق، بعد اسقاط النظام السابق”.
وبين القرفان أن قائمة المشطوبين في درعا ليس من بينهم رئيس فرع نقابة أو أعضاء من مكتب الفرع، مشيراً إلى أن “النقيب السابق في درعا ما بين 2010 إلى 2018 فهد العدوي هو الوحيد الذي أساء كثيراً، وكان عميلاً أمنياً بامتياز وتضرر منه معظم محامي درعا، ولكن وضعه الصحي باعتبار أنه على فراش الموت لإصابته بالسرطان هو ما شفع له”.
وعلق القرفان على جملة الاتهامات المطولة التي وجهت للمحامين الذين تم شطبهم من فرع دمشق، من دون الإشارة إلى حجة الغياب وقال: “إن هؤلاء كان لهم وضع خاص وكل تصرفاتهم كانت مخالفة لقانون تنظيم المهنة، وأنا شخصيا من أكثر المتضررين من النقيب السابق نزار سكيف، حين تم اعتقالي عام 2012 لستة أشهر في فرع المخابرات العسكرية 215 (سرية المداهمة) ومن ثم احالتي إلى القضاء العسكري واستجوابي لـ18 يوما من دون وجود محام يدافع عني من النقابة لأن سكيف رفض وخالف قانون تنظيم المهنة بحجة أننا إرهابيين ولا يجب الدفاع عنهم.
وأكد القرفان أنه “إلى اليوم لم تصدر قوائم شطب من فروع محافظات أخرى، لكن الأمر مرتقب ومتوقع خلال الفترة المقبلة”، موضحاً أن “فرع نقابة حلب أصدر قراراً بتجميد عضوية 68 محامياً وتم منعهم من مزاولة المهنة حالياً إلى حين صدور القرارات الخاصة بحقهم بعد إحالتهم على مجلس التأديب”.
الصالح بالطالح
المحامي هيثم نوري انتقد قرار مجلس فرع دمشق بشطب أسماء محامين وقال إن “المجلس المعدوم في التشكيل بزعمِ التحرير لم ولن يُصدرَ سوى قرارات معدومة التأثير، ومن كانَ فاقداً لأبسطِ شروط الولاية ليسَ لهُ أن يمارسَ مسرحية الدفاع عن العدالة”.
وتابع: إننا ننحرف عن مطالبنا في العدالة والانتخابات الديمقراطية لنمنحُ صلاحية الرئاسة والتعيين لمن لا يعرفُ كتابة استدعاء دعوى، ونُقصي من بيننا أصحابَ الخبرة الذين كانوا ومازالوا لنا مُعينين وبدلاً من أن نستفيدَ من خبرةِ الجيد الصالح فإننا نشطبهُ مع الطالح”.
ودافع نوري عن عضو مجلس فرع دمشق المشطوب عبد الحكيم السواح، وهو ما أيده فيه العديد من المحامين فقال كمال زيدو إنه “خير من كان في موقعه في أسوأ الظروف”، كما قال عنه إبراهيم عبد الله إنه “كان انساناً قبل كل شيء يحترم الجميع ولا يبخل بأي طلب ضمن القانون النقابي”.
القدس العربي
————————————-
مذكرات التوقيف الفرنسية.. بداية مسار قانوني لمحاسبة نظام الأسد/ أيهم الشيخ
6 September 2025
في خطوة قضائية غير مسبوقة، أصدرت المحاكم الفرنسية في آب/ أغسطس الماضي سبع مذكرات توقيف دولية بحق مسؤولين كبار في النظام السوري السابق، بمن فيهم الرئيس المخلوع بشار الأسد، شقيقه ماهر الأسد، علي مملوك، علي أيوب، رفيق شحادة، وثلاثة آخرين من القيادات الأمنية والعسكرية. تتعلق هذه المذكرات بقصف متعمد لمركز إعلامي في حي باب عمرو بحمص عام 2012، أسفر عن مقتل الصحفية الأميركية ماري كولفين (56 عاماً) والمصور الفرنسي ريمي أوشليك (28 عاماً)، وإصابة المراسلة الفرنسية إديت بوفييه، المصور البريطاني بول كونروي، ومترجمهما السوري وائل العمر. التحقيق الفرنسي، الذي استند إلى اتصالات النظام وشهادات ناجين، أثبت أن الهجوم كان جزءاً من سياسة ممنهجة لقمع الصحافة، مما يُصنف كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. هذه المذكرات، القابلة للتعميم عبر الإنتربول، تحد من حركة المتهمين دولياً، خاصة في الاتحاد الأوروبي، وتفتح الباب لمحاكمات غيابية بموجب القانون الفرنسي.
في تصريح لموقع الترا سوريا، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن إصدار مذكرات توقيف بحق بشار الأسد، ماهر الأسد، علي مملوك، وآخرين من قيادات النظام، يُعد خطوة “ممتازة وفي الاتجاه الصحيح”. وأضاف أن هذه المذكرات تجعل المتهمين “مطلوبين للعدالة والمحاسبة”، مؤكداً أنها تفتح الباب للتحقيق معهم ومحاكمتهم، وهو ما وصفه بـ”أمر في غاية الأهمية”. وأوضح أن صدورها عن القضاء الفرنسي يمنحها وزناً خاصاً، نظراً لمعاييره القضائية العالية، مع إمكانية تعميمها عبر الإنتربول، مما يتيح إلقاء القبض على المطلوبين خارج سوريا. وختم بالقول: “بغض النظر عمّا إذا جرى إلقاء القبض عليهم أم لا، فإن هذه الخطوة تبقى بالغة الأهمية، لأنها تثبت أن هؤلاء فارّون من وجه العدالة ومطلوبون أمامها”. تندرج هذه الخطوة ضمن جهود دولية لمحاسبة مسؤولي النظام السوري على جرائمهم خلال الثورة التي بدأت عام 2011. بشار الأسد، الذي فر إلى روسيا في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد سقوط نظامه، وماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، يُعتبران المسؤولين الرئيسيين عن هذه الجرائم. علي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني، وعلي أيوب، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، ورفيق شحادة، قائد فرع الأمن العسكري في حمص، شاركوا في التخطيط والتنفيذ. هذه المذكرات تُضاف إلى سوابق قانونية، مثل محاكمة أنور رسلان في ألمانيا عام 2022 بتهمة التعذيب في فرع الخطيب، التي أسفرت عن حكم بالمؤبد.
قانونياً، تعكس المذكرات تطبيق مبدأ الولاية العالمة، الذي يسمح بملاحقة جرائم الحرب بغض النظر عن مكان وقوعها. المحامي غسان أحمد، المتخصص في القضايا الدولية ويمثل ضحايا الثورة السورية، صرح لموقع “الترا سوريا” بالقول: “هذه المذكرات انتصار للعدالة الدولية، تثبت أن الزمن لا يحمي المجرمين. إنها أداة ضغط على روسيا وإيران لتسليم الأسد، وستحفز دولاً مثل ألمانيا وهولندا على إصدار مذكرات مماثلة”. وأضاف أن المحاكمة الغيابية ممكنة، وقد تؤدي إلى مصادرة أصول المتهمين في أوروبا لتعويض الضحايا.
الخبير القانوني عبد الحميد الضعيف، العامل في منظمات حقوقية دولية، قال لموقع “الترا سوريا”: “صدور المذكرات من القضاء الفرنسي المستقل يمنحها مصداقية عالمية. إنها تفتح المجال لتحقيقات أوسع في جرائم النظام، مثل استخدام الأسلحة الكيميائية والتعذيب، وتؤكد أن العالم لم ينسَ الـ500 ألف قتيل والـ13 مليون نازح. يجب على الإنتربول تفعيلها فوراً لمنع تحرك المتهمين”. وأشار إلى أن روسيا قد تواجه عقوبات إذا رفضت التعاون. في سياق متصل، أكدت مصادر حقوقية لموقع “الترا سوريا” أن هذه الخطوة تاريخية، خاصة أن فرنسا، التي كانت حليفة سابقة للأسد، باتت تلتزم بحقوق الإنسان. وأضافت المصادر أن المذكرات ستعزز جهود جمع الأدلة من السوريين في الشتات، مما قد يؤدي إلى محاكمات متعددة. كما شددت على أن هذه الخطوة ليست نهاية المطاف، بل بداية لمسار قانوني طويل يهدف إلى محاسبة كل من تورط في قمع الثورة، مع دعوة لإنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا على غرار المحكمة الخاصة بلبنان.
انعكاسات هذه المذكرات متعددة. سياسياً، تزيد الضغط على روسيا، التي تستضيف الأسد، وقد تؤثر على علاقاتها مع أوروبا. اقتصادياً، يمكن مصادرة أصول النظام في أوروبا لتعويض الضحايا، كما حدث في قضايا سابقة. اجتماعياً، تمنح السوريين أملاً في العدالة وتشجع على تقديم شهادات جديدة. قانونياً، قد تدفع دولاً أخرى لإصدار مذكرات، مما يجعل الأسد ورفاقه “مطلوبين عالمياً”. ورغم تحديات التنفيذ، مثل رفض روسيا أو إيران التعاون، يرى الخبراء أن هذه خطوة حاسمة نحو العدالة الانتقالية. في الختام، إصدار هذه المذكرات يُعد رمزاً لتفوق القانون على الاستبداد.
الترا سوريا
————————————-
سجن صيدنايا.. مقبرة الأحياء ومنظومة الشر المطلق/ محمد جفال
6 September 2025
في أعماق الظلام، حيث تتلاشى الإنسانية وتغرق في وحل البربرية، يقبع سجن صيدنايا، ليس كمجرد بناء من حجر وباطون، بل كمنظومة شرٍّ كاملة الأوصاف، مصممة بعناية لتكون مسلخًا بشريا يحطم الأرواح قبل الأجساد.
في هذا السجن، الذي تحول إلى رمزٍ للإجرام المنظم، كتب النظام السوري سيرة الوحشية التي تجاوزت حدود الخيال، تاركًا خلفه أنين الأسر المكلومة وصرخات الأمل المغتال.
رحلة العذاب تبدأ من الحسكة
الحسكة، تلك المدينة القابعة على أطراف الجغرافيا السورية، لم تسلم من مخالب صيدنايا. مئات من أبنائها، الذين حملوا في قلوبهم أحلام الحرية في ربيع 2011، وجدوا أنفسهم في قبضة نظامٍ لا يعرف الرحمة.
لم تكن الحسكة مجرد نقطة على خريطة الاعتقالات، بل كانت مسرحًا لمآسي عائلاتٍ فقدت فلذات أكبادها في غياهب سجنٍ صُنع ليكون مقبرةً للأحياء.
عبد الكريم.. أنغام الأكورديون المغتالة
عبد الكريم الخلف، شابٌ في مقتبل العمر، كان يعزف أحلامه على أوتار “الأكورديون”. طالب معهد الموسيقى، شغوفٌ بنظم المقطوعات التي تحمل في طياتها روح الفرح والحياة. لكن آلة نظام البعث الإجرامية لم ترَ فيه سوى رقمٍ آخر في سجل ضحاياها. في بدايات 2015، وأثناء توجهه إلى معهده في الحسكة، اختطفته الأجهزة الأمنية ليبدأ رحلة العذاب التي لم يكن لها نهاية سوى الموت.
أبو حسين، والد عبد الكريم، يروي قصة الخسارة بصوتٍ مكسور، كأن كل كلمةٍ تنبش جرحًا لم يندمل. “دفعتُ كل ما أملك، مبالغ طائلة، فقط لأرى ابني لدقائق معدودة خلف شبك سجن صيدنايا. عشر دقائق، بحضور جلادٍ يراقب، كانت كل ما منحوني إياه”. يصف الأب تلك اللحظات بأنها كانت كالسكين التي تقطع القلب، فعينا عبد الكريم، رغم صمته، كانت تحكي قصة العذاب الذي لا يُوصف. “كان لا يزال يتمتع بصحة جيدة نسبيًا، لكن عينيه كانتا تقولان ما لم يستطع لسانه قوله”.
تلك الزيارة، التي كلفت أبو حسين كل مدخراته، كانت الأولى والأخيرة. بعد ثلاث سنوات، في 2018، تلقت العائلة الخبر المفجع: عبد الكريم “متوفى”. اسمه مدرج في سجلات الوفيات التي وزعتها الأجهزة الأمنية على دوائر السجل المدني في الحسكة. تاريخ الوفاة؟ وهمي، غامض، يتزامن مع أيام قليلة بعد تلك الزيارة اليتيمة. “هل اشتريتُ موت ابني؟” يتساءل الأب بألم، وهو السؤال الذي يتردد في أعماق كل من دفع ليلتقي بأحبائه في صيدنايا، ليكتشف لاحقًا أن تلك اللحظات كانت وداعًا أخيرًا.
“صيدنايا ليس سجنا، بل منظومة شرٍّ كاملة الأوصاف. كل شيء فيه مصمم بعناية ليعذب، ليحطم، ليقتل ببطء. لا عشوائية فيه سوى عشوائية الشر المطلق”. هكذا يصف أبو حسين ذلك المكان الذي تحول إلى مقبرةٍ للأحياء، حيث يفقد المنطق قيمته، وتغيب أي إمكانية للتأمل أو التفسير.
عامر وعمران.. أخوان في قبضة الوحشية
لم تكن قصة عبد الكريم الوحيدة التي تحمل طابع المأساة. عائلة عيسى الهايس عاشت جحيمًا مضاعفًا. ابناه، عامر وعمران، شابان كانا يحلمان بمستقبل مشرق في كلية الهندسة المدنية بالحسكة، لكنهما وقعا ضحية نفس المنظومة الإجرامية.
عامر، الذي اعتقل لأول مرة في 2012، عانى التعذيب في صيدنايا قبل أن يطلق سراحه بعد أشهر. لكن النظام لم يتركه ينعم بالحرية طويلًا. في 2015، أعيد اعتقاله من داخل الكلية، وتبعه أخوه الأصغر عمران بعد أيام قليلة.
عيسى، الوالد المكلوم، حاول جاهدًا لقاء ابنيه. لكنه اصطدم بجدار الصمت والإنكار من الأجهزة الأمنية، التي كانت تنفي وجودهما في سجونها. “كنت أعلم أنهما في صيدنايا، لكن لم يسمحوا لي برؤيتهما. كل محاولاتي باءت بالفشل”.
في 2018، جاءت الصدمة الكبرى: اسما عامر وعمران مدرجان في قوائم الوفيات، بنفس الأسلوب البارد الذي اعتادته الأجهزة الأمنية. تاريخ الوفاة؟ غامض، موحد، كأنه جزء من خطة ممنهجة لإنهاء حياة المعتقلين دون لحظات وداع.
“رأيتُ صور أحبال الشنق ملقاة على أرض السجن بعد سقوط النظام. مكابس الأجساد التي تحول الجثث إلى نفايات بشرية، دماؤها تجري في مصارف المجاري. الزنازين خالية من الحياة، لكنها تحمل رائحة الشر اللا نهائي”. هكذا يصف عيسى المشاهد التي انتشرت من داخل صيدنايا، مشاهدٌ تجسد وحشيةً لا يمكن لعقلٍ بشري أن يستوعبها.
خمس دقائق بملايين الليرات
في دولة الأسد، كان الأمل سلعةً تُباع وتُشترى. خمس دقائق مع ابنٍ معتقل قد تكلف خمسة وعشرين مليون ليرة، أو أكثر، أو أقل، حسب “السمسرة”. من كان يملك ترف المساومة؟ الأب الذي يدفع كل ما يملك يعلم أن تلك اللحظات قد تكون الوداع الأخير، لكنه يتشبث بها. ربما ليقول لابنه: “لم أنسك.” ربما ليخفف عن نفسه ثقل الرحيل دون وداع. وربما، كما يقول الجميع، لأن الأمل الذي لا يموت كان يهمس بأن شيئًا ما قد يتغير.
لكن الواقع كان أقسى. اللقاءات الباردة، بحضور الجلاد، كانت مسرحيةً مأساوية. وجوه المعتقلين شاحبة، ملامحهم اختفت تحت وطأة التعذيب. كلمات قليلة، مرتبكة، أو صمتٌ مطبق. والأكثر إيلامًا؟ أن سجلات الوفاة، التي صدرت لاحقا، كانت تشير إلى تواريخ وفاةٍ موحدة، غالبا بعد اللقاء مباشرة. “لماذا كانوا يقتلونهم بعد زيارة ذويهم؟” سؤالٌ يظل بلا إجابة، لطخة سوداء في وجدان الآباء، وجرحٌ لا يلتئم.
صيدنايا.. صدمة للإنسانية
سجن صيدنايا ليس مجرد مكان للحبس والعقاب، بل هو تجسيد للشر المطلق. بناءٌ هندسي تحول إلى مسلخٍ بشري، حيث تُصنع الزنازين لتحطيم الروح، وتُستخدم أحبال الشنق لإنهاء الحياة، وتُحول مكابس الأجساد الضحايا إلى نفايات. كل تفصيل فيه يحمل بصمة الغلّ والكراهية، منظومةٌ لا مكان فيها للعشوائية، سوى عشوائية الجنون الذي يتجاوز حدود المنطق.
هذا السجن، الذي شهد إبادة أحلام السوريين، يظل وصمة عارٍ على جبين الإنسانية. إنه ليس مجرد فصلٍ مظلم في تاريخ سوريا، بل بيانٌ عن قدرة الإنسان على الغرق في الوحشية. عبد الكريم، عامر، عمران، وآلاف غيرهم، لم يكونوا أرقامًا في سجلات الوفاة، بل كانوا أحلامًا، آمالًا، وأرواحًا سُحقت تحت وطأة نظامٍ لم يعرف سوى لغة الموت. اليوم؛ ينتظر ذووهم العدالة. فهل سيتم تحقيقها؟!
——————————–
الشبكة السورية تحذّر من تجاوزات “لجنة السلم الأهلي” وتدعو لتصويب المسار
9 سبتمبر 2025
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا جديدًا بعنوان: “العدالة الانتقالية والسلم الأهلي: أخطاء لجنة السلم الأهلي في سوريا وضرورة تصويب المسار”، وجهت فيه انتقادات حادة لأداء “لجنة السلم الأهلي” في سوريا، مشيرة إلى أن ممارساتها تشكل تهديدًا حقيقيًا لمسار العدالة الانتقالية وتقويضًا لفرص تحقيق سلام مستدام.
انطلقت الشبكة في تقريرها من تعريف العدالة الانتقالية بوصفها منظومة من العمليات والآليات التي يعتمدها المجتمع للتعامل مع إرث الانتهاكات، وتشمل الملاحقات القضائية، ولجان تقصي الحقائق، وبرامج التعويضات، والإصلاحات المؤسسية، إضافة إلى المبادرات المعنية بتخليد الذكرى.
وركزت على تحليل طبيعة العلاقة المعقدة بين متطلبات تحقيق العدالة الانتقالية وبناء السلم الأهلي في مجتمعات ما بعد النزاع، مقدمةً قراءة نقدية مفصلة لأداء اللجنة المشكّلة في سوريا، ومختتمة بعدد من الاستنتاجات والتوصيات الموجهة إلى الجهات المعنية.
إشكاليات وتجاوزات
سجلت الشبكة في تقريرها جملة من الإشكاليات المتعلقة بعمل اللجنة، أبرزها تجاوز الصلاحيات القضائية من خلال ممارسة صلاحيات تنفيذية تتعلق بالإفراج عن المعتقلين وإصدار عفو دون تفويض قانوني واضح.
وأشارت إلى غياب المعايير والضوابط التي تنظم عمل اللجنة، وإصدارها قرارات دون الإعلان عن الأسس التي تستند إليها، مما يقوّض مبدأ الشفافية.
وحذرت من الخلط بين الدور المجتمعي للجنة من جهة، والدور القضائي والتنفيذي من جهة أخرى، معتبرةً أن هذا الخلط يهدد مبدأ استقلال السلطة القضائية.
انعكاسات سلبية على العدالة والضحايا
وثّقت الشبكة في تقريرها آثارًا سلبية نجمت عن أداء اللجنة، من بينها تقويض ثقة المجتمع في مسار العدالة الانتقالية بسبب اتخاذ قرارات خارج الإطار القانوني، وإرسال رسائل خاطئة للضحايا توحي بتغليب منطق “الاستقرار” على حساب “العدالة”، وتعزيز خطر الإفلات من العقاب.
واستنكرت تجاهل اللجنة حقوق الضحايا في المعرفة والمشاركة في عملية اتخاذ القرار، واستخدام تبريرات عامة وغير محددة، مثل “المساهمة في ردع العدوان”، دون توضيح كافٍ، والانعكاسات السلبية لهذه التبريرات.
توصيات لتصويب المسار
دعت الشبكة إلى سلسلة من الخطوات التصحيحية، أهمها سنّ قانون خاص بالعدالة الانتقالية يضمن مشاركة مجتمعية واسعة، وإعادة تحديد مهام لجنة السلم الأهلي لتقتصر على الحوار والمصالحات المحلية فقط، وضمان عدم ممارسة أي صلاحيات قضائية أو تنفيذية.
كما دعت إلى احترام استقلال القضاء ومنع تدخل أي جهة غير قضائية في صلاحياته، واعتماد مبدأ الشفافية من خلال نشر جميع قرارات العفو والإفراج مرفقة بتبريراتها القانونية الواضحة، وتنسيق المسارات الأربعة للعدالة الانتقالية: المساءلة، كشف الحقيقة، التعويضات، والإصلاح المؤسسي.
وشددت الشبكة في ختام تقريرها على أن العدالة الانتقالية والسلم الأهلي ليسا مسارين متناقضين، محذرةً من أن أي تجاوز للأسس القانونية والحقوقية، بما في ذلك تدخل اللجنة خارج نطاق اختصاصها، سيؤدي إلى تقويض جهود بناء دولة القانون وتحقيق مصالحة مجتمعية مستدامة في سوريا.
——————————-
=========================



