إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 06-11 أيلول 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

————————————

تحديث 11 أيلول 2025

——————————

 هل ستكون “الدولة الدرزية” المأمولة: مدنية، وديمقراطية وتشاركية؟/ إياد الجعفري

2025.09.11

عادةً ما يُستخدم تعبير “رؤية”، لتوصيف صورة ذهنية للمستقبل المطروح من جانب “قائد” أو مجموعة سياسية، يتم تقديمها لأنصاره، ويتم الترويج لها من جانب منظّرين محسوبين على هذا “القائد” أو “المجموعة السياسية”.

وبقدر ما تكون هذه “الرؤية” منطلقة من الواقع، كما هو قائم، لا كما هو مأمول، كلما كان هذا “القائد” أو تلك “المجموعة السياسية”، أكثر صدقية مع أنصارها، في الوعد المقدّم بتحقيق هذا المستقبل.

وفي كثير من الأحيان، تنجح البروباغندا المروَّجة من جانب المنظّرين الموالين لهذا “القائد” أو “المجموعة السياسية” في حرف أنظار وعقول أنصارهم، عن هشاشة “الرؤية” المزعومة، جراء عدم انطلاقها من واقع قائم، بالفعل.

خلال الأسبوعين الفائتين، أطل الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، في تسجيلين مصوّرين، يكشف فيهما عن ركائز لـ “الرؤية”، التي يقدّمها لأنصاره. ومنذ سقوط نظام الأسد، في 8 كانون الأول الفائت، أشار الهجري إلى جملة ركائز، كان يراها هي الأنسب لبناء سوريا الجديدة. أولى تلك الركائز، هي اللامركزية، وثانيها، هي المدنية. ناهيك عن التشاركية في صنع القرار، التي كان يشير إليها بتعبيرات غير مباشرة. لكن ذلك تم تجاوزه بعد الأحداث الأليمة التي وقعت في السويداء، منتصف شهر تموز الفائت. وفي الإطلالات الأخيرة للهجري، كان يمكن التقاط تغيّر نوعي في الركائز، لتصبح: الاستقلال، المدنية، الديمقراطية. التغيّر الأبرز كان في أولى الركائز. بينما المدنية، والديمقراطية التي تتبع ضمناً، مبدأ التشاركية، بقيت الركائز التي يقدّم الهجري، بموجبها، “رؤية” تميّز المستقبل المأمول للـ “الدروز”، عن ذاك الذي ينتظرهم في ظل دولة سورية واحدة، تحكمها سلطة مركزية، هي الحكومة الانتقالية في دمشق، المُـتهمة بالإقصاء والاستفراد بالسلطة، واعتماد أدوات توحي بالتوجه نحو ديكتاتورية مستقبلية، تقوم على أساس التمييز الطائفي والعِرقي. وهي السردية التي تقوم عليها كتابات المنظّرين الداعمين لـ “رؤية” الهجري.

ونحن هنا نريد تجاوز كل ما يتعلّق بالكيفية التي يمكن بموجبها تحقيق “الرؤية” التي يقدّمها الهجري لجمهوره. فذلك مما تم الحديث عنه بكثافة في الآونة الأخيرة. ما نريد نقاشه هنا، هو، إلى أي حد يمكن للـ “رؤية” الهجري أن تؤسس كياناً سياسياً مغايراً لذاك الكيان الذي يدعو للانفصال عنه، بسبب طبيعته؟ ونكرر هنا، أن تلك الطبيعة محددة بصورة أساسية، وفق سردية أنصار “رؤية” الهجري، بثلاثية: التمييز الطائفي والعِرقي، والاستبداد، والإقصاء. لذا، يتم تأسيس “رؤية” الهجري، بالضد منها، وفق محددات ثلاثة: المدنية (ضد التمييز بين مواطني الدولة الواحدة على أساس الدين أو العِرق)، والديمقرطية (ضد الاستبداد)، والتشاركية (ضد الإقصاء). فهل يمكن تحقيق هذه “الرؤية” في “الدولة الدرزية” المأمولة، وفق وعد الهجري لأنصاره، بالانطلاق من الواقع القائم؟

يمكن استنباط الجواب من تعبيرات الشيخ الهجري، في إطلالتيه الأخيرتين. فهو تحدث عن اعتماده لما توافق عليه “المجتمع”، وهو حق تقرير المصير، “مهما كانت التضحيات”. لكن كيف عرف الهجري، أن ذاك ما توافق عليه “المجتمع الدرزي”؟ نجد الجواب في إشارته إلى “الساحات والتجمعات اللي عم يعملوها شبابنا وحرائرنا”، أي التظاهرات المطالبة بالانفصال. لكن، هل تلك التظاهرات تعبير متفق عليه، عن إرادة “الدروز”؟ كيف نستطيع الجزم بذلك؟ ببساطة، استندت مطالبة الهجري بالاستقلال، إلى بضع تظاهرات، من السهل لسلطات الأمر الواقع في أي مكان، تنظيم أضخم منها بمرات، دون أن تعبّر بالضرورة عن إرادة الجمهور.

الملفت، أن المخالفين لمطلب استقلال “الدروز”، من الشخصيات القيادية الدرزية ذاتها (كـ سليمان عبد الباقي، وليث البلعوس)، تم توصيفهم بـ “الخونة” في خطاب الهجري وجمهوره. وإذا افترضنا أن الأغلبية “الدرزية” مصطفة بالفعل، وراء مطلب الهجري بالاستقلال عن سوريا، ماذا عن حق “الأقلية” التي تمثّلها “رؤية” عبد الباقي والبلعوس، بالوصول لتسوية سياسية مع دمشق ضمن سوريا موحّدة؟ ألا يحق لهذه “الأقلية”، إن افترضنا مجازاً أنها “أقلية”، أن تشارك في قرار مصيري ومُكلِف للغاية، بحجم قرار الاستقلال عن دمشق في بقعة جغرافية محصورة ومحدودة الموارد؟ إن كان الجواب: هو قرار “الأكثرية”، وإن افترضنا مجازاً أن ذلك صحيح، ألا يكون هو الوجه الآخر لسردية أنصار الحكومة في دمشق، أنهم يمثلون “الأكثرية”، ويحق لهم الاستفراد برسم معالم مستقبل البلاد؟! ألا يكون أنصار الهجري، بذلك، يقومون بما عابوه على الحكومة في دمشق، التي ادعت تمثيل “الأكثرية”؟!

إحدى أبرز مؤشرات عدم وضوح “رؤية” الهجري، للهجري نفسه، تكراره ثلاث مرات على الأقل، الإشارة إلى المطالبة بالاستقلال في المنطقة الجنوبية في سوريا. فأي منطقة يقصد؟ كما نعلم، المنطقة الجنوبية تشمل درعا وريف القنيطرة. ونعلم جيداً، أن أبرز مشكلة قد تواجه مشروع الاستقلال للسويداء هو انعدام الوصل اللوجستي مع طرف خارجي يمكن أن يدعم هذا المشروع بشكل مباشر، والممر لذلك، هو عبر درعا حصراً، أو بقبول أردني غير متوافر. فهل كان استخدام الهجري لتعبير “المنطقة الجنوبية”، مراراً، عبثياً؟ أم أنه يعبّر عن إدراكه لهذا المقتَل اللوجستي للدولة المأمولة التي يعد بها أنصاره؟

وحتى مع الإقرار بأغلبية ساحقة لأهلنا الدروز في محافظة السويداء (بنسبة 90% تقريباً)، يبقى أن هناك “أقليات”، بالمعنى الطائفي للكلمة، قد لا تحبّذ خياراً بحجم الانفصال المُكلف عن سوريا. وقد استخدم الهجري تعبيرات حصرية خاصة بـ “الدروز” بوصفهم من ستمثّلهم الدولة المأمولة. ألا يشكل ذلك وجهاً آخر لما يُعاب على بعض أنصار الحكومة في دمشق، من الموتورين، الذين يتحدثون عن “سُنيِّة” الدولة السورية، بوصفها حقاً للـ “الأكثرية”؟

في الختام، لا يعني ما سبق، أننا نُغفِل حجم الخطيئة الكبرى التي اقترفتها الحكومة الانتقالية في دمشق، أثناء معالجتها لأزمة السويداء قبل شهرين. خطيئة جرتنا إلى ما نحن فيه اليوم، دون أن نغفل مسؤولية الهجري نفسه، ومن معه، في الدفع نحو هذه الخطيئة، أيضاً. أما الخطيئة الأخرى المُناظرة لها، الجارية اليوم، فهي تقديم “رؤية” كارثية لمستقبل الدروز، لا تستند إلى واقع، بل إلى مأمول غير قائم أساساً. هي بروباغندا سلطوية جديدة، تماثل ما يصدر عن مختلف السلطويات في العالم، والتي تستثمر في شد عصب أنصارها، بكل الطرق الملائمة، مهما “كانت التضحيات”، كما قال الهجري بنفسه. هي الوجه الآخر تماماً، لما يُعيبونه، فيمن يريدون الانفصال عنهم.

تلفزيون سوريا

—————————-

إسرائيل في خطاب السلطة السورية الانتقالية/ مالك الحافظ

11 أيلول 2025

لا يمكن قراءة خطاب السلطة الانتقالية في سوريا إلا بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن هشاشتها البنيوية. فهو لا يُنتج سياسة ولا يطرح مشروعًا، بل يكشف أن البقاء ذاته صار مشروعها الوحيد.

لم يكن تصريح أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي لرئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، حول “التحرك بواقعية” في ملف العلاقة مع إسرائيل على قناة “الجزيرة مباشر”، حديثًا عابرًا، بل مثّل تعبيرًا صريحًا عن طبيعة الخطاب الذي باتت السلطة الانتقالية تُنتجه لتثبيت وجودها في النظام الدولي.

هذا الخطاب ينطلق من موقع هشاشة مُعلَنة، إذ يرى أن “معرفة القدرات الحقيقية لسوريا” يعكس “وعيًا سياسيًا”، بينما المسألة في جوهرها إقرارٌ بالعجز. فما يُعرض باعتباره لغة “واقعية” يمكن قراءته كخطاب هشاشة موجّه إلى الخارج. وهو يُعيد تعريف العلاقة مع العدو بوصفها “بوابة بقاء”، لا باعتبارها ملفًا سياديًا أو صراعًا وجوديًا.

الاستجداء ولغة العجز

تتّصل المسألة هنا بكيفية تظهير السلطة لذاتها عبر لغة تكشف موقعها في المشهد الراهن. فالحديث عن العودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 منفصل عن سياق الأحداث، إذ لم يعد هذا الاتفاق معبّرًا عن توازناتها، بل بات يُستعمل كنوع من ذاكرة مفاوِضَة لإنتاج وهم الاستمرارية. فالسلطة الانتقالية لا تعود إلى الاتفاق لضرورته العملية، بل لكونه يشكل غطاءً رمزيًا يتيح لها إخفاء هشاشتها عبر الاستناد إلى لحظة تفاوضية قديمة. وبذلك يُستثمر الماضي كأداة لتبرير الضعف وتغليفه بشرعية زائفة.

الركيزة المفهومية في خطاب السلطة الانتقالية هي “الواقعية”، غير أن هذه الواقعية لا تحمل دلالاتها المألوفة في حقل العلاقات الدولية – حيث تعني موازنة المصالح وتقدير موازين القوى – بل تتحول هنا إلى استجداء. إذ إن “معرفة القدرات الحقيقية لسوريا”، كما ترد في هذا الخطاب، تمثل إقرارًا معلنًا بالضعف، وهي محاولة لتغليف الخطاب بلغة سياسية تبدو مقبولة للخارج. هذه اللغة تعمل كآلية لإنتاج شرعية بديلة عن الشرعية الوطنية، بحيث تسعى السلطة الانتقالية إلى إظهار نفسها للقوى الدولية بمظهر السلطة العقلانية، حتى لو جاء ذلك على حساب سيادتها.

هنا يتضح أن العلاقة الموصوفة بالواقعية تنزلق إلى ما يمكن تسميته بمبدأ “الشراكة الضمنية” بين السلطة الانتقالية والاحتلال الإسرائيلي. فالسلطة لا تواجه العدو من موقع خصومة، بل تستنجد به وتُخاطبه كطرف قادر على تأمين بقائها، أي أن إسرائيل تُعاد صياغتها في الخطاب كشريك محتمل في تثبيت النظام الانتقالي.

إن تحويل العدو إلى “شريك اعتراف” ليس مجرد تنازل ظرفي، بل هو انتقال عميق من منطق السيادة إلى منطق الوظيفة. وفي هذا الإطار، لا تعود السياسة تُدار لمصلحة الداخل أو لحماية المجال الوطني، بل تصبح أداة لتلبية شروط الخارج وضمان القبول الدولي.

من خصم محتل إلى شريك بقاء

التحوّل الجوهري الذي يكشفه خطاب السلطة الانتقالية يتمثل في تحويل العلاقة مع العدو إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج الشرعية. فمجرد الإقرار بـ”المفاوضات المستمرة” يعني أن السلطة باتت تؤسّس مشروع بقائها على قاعدة قبول الآخر بوصفه ضامنًا، وليس خصمًا. هذه النقلة تُرسّخ منطق الاعتماد على العدو كشرط بنيوي يرسم حدود الحركة السياسية للسلطة ويضبط إيقاعها.

ويمكن قراءة هذا الخطاب في إطار ما يسميه جورجيو أغامبن “السياسة الاستثنائية”، أي النمط الذي تقوم فيه السلطة على إدامة حالة الطوارئ بوصفها شرط وجودها. وفي الحالة السورية، لا يعود وجود السلطة مستندًا إلى عقد اجتماعي أو قاعدة شرعية داخلية، بل إلى تحويل الاحتلال إلى حالة استثناء دائمة تُقدَّم كضرورة واقعية. هكذا تُفرَّغ السياسة من معناها الأصلي، وتتحوّل إلى تواطؤ لغوي ـــ سياسي يجعل الاحتلال شريكًا ضمنيًا في إنتاج شرعية شكلية.

إن أدوات تحليل الخطاب تكشف أن هذا النمط من اللغة ليس محايدًا. فالمفردات التي يكررها هذا الخطاب – “الواقعية”، “القدرات الحقيقية”، “العودة إلى الاتفاق” – تعمل كآليات لإنتاج معرفة تخدم بقاء السلطة. وهنا يمكن استدعاء ميشيل فوكو حول ثنائية السلطة والمعرفة. فالمعرفة لا تُعطى باعتبارها توصيفًا محايدًا للواقع، بل تُصاغ كمنتَج سلطوي يُعيد تعريف هذا الواقع بما يخدم استمرارية الحكم. بهذا المعنى، فإن السلطة الانتقالية تصوغ خطابًا يحوّل الاستسلام إلى “واقعية”، والاستجداء إلى “شراكة”، فيعيد إنتاج قصورها الذاتي بِلغة تُخفيها وتشرعنها.

وإذا أعملنا تعريف كارل شميت للسياسة باعتبارها تمييزًا بين الصديق والعدو، فإن الخطاب الانتقالي السوري يبدو متناقضًا مع هذا التصوّر. فهو لا يعزز التمييز بل يذوّبه. أما خطورة هذا المسار فتكمن في وضع مستقبل السلطة على أساس “التوافق مع العدو”، لا على “التأسيس من الداخل”.

في المحصلة، لا يمكن قراءة خطاب السلطة الانتقالية في سوريا إلا بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن هشاشتها البنيوية. فهو لا يُنتج سياسة ولا يطرح مشروعًا، بل يكشف أن البقاء ذاته صار مشروعها الوحيد. هذا البقاء تُعاد صياغته عبر أربعة مستويات مترابطة: أولًا، من خلال الاستجداء التي تحوّل الاعتراف بالضعف إلى لغة عقلانية زائفة؛ ثانيًا، عبر إعادة تعريف العدو بصورة شريك ضمني يساهم في تثبيت السلطة؛ ثالثًا، عبر إنتاج معرفة رمزية تُخفي العجز وتحوّله إلى سردية سياسية؛ ورابعًا، من خلال جعل الاعتراف الخارجي أهم من أي قاعدة وطنية أو شرعية داخلية.

موقع أوان

——————————–

اجتماع الدم في قنوات.. تحقيق يكشف كواليس قتل وتهجير البدو من السويداء

أيلول 11, 2025

كشفت تحقيق استقصائي لصحيفة الثورة بعنوان “الفراغ الأمني الذي ابتلع البدو.. كواليس اجتماع الدم في السويداء”، تفاصيل دامية عن أحداث وقعت في محافظة السويداء منتصف تموز الماضي، إثر انسحاب قوات الجيش والأمن، ما أدى إلى فراغ أمني استغلته فصائل محلية لتنفيذ عمليات قتل وتهجير ممنهجة بحق عشائر البدو.

شهادات مروعة

تضمن التحقيق شهادات مروعة لنجاين، منها شهادة شعبان الحمد الذي وثق مشهدين صادمين؛ الأول لامرأة حامل بقر بطنها وسحب جنينها من رحمها في مدينة شهبا، والثاني لطفل قطع رأسه برشاش “دوشكا” أمام والدته الغارقة في دمائها.

وأرفق التحقيق بصور تظهر جثثاً تنهشها الكلاب على قارعة الطريق وأخرى مكدسة في ساحات عامة، ما يعكس حجم الفظائع المرتكبة.

اجتماع الدم

ويسرد التحقيق كيف ملأت فصائل محلية، بعضها مرتبط بالمجلس العسكري في السويداء، الفراغ بعد انسحاب قوات الجيش والأمن من محافظة السويداء صباح 17 تموز، لتنفيذ خطة تم إعدادها مسبقاً في اجتماع سري بمزرعة في بلدة قنوات بحضور الشيخ حكمت الهجري.

وبحسب شهادة أحد الحاضرين للاجتماع فقد تم وضع خطة لطرد البدو بالقوة، وشمل توزيع المهام على الفصائل المحلية المشاركة، في ما وصفه التحقيق بـ”اجتماع الدم”، الذي حضره أبرز قادة الفصائل المحلية كـ عميد جريرة وبهاء الشاعر وأبو ذياب وطارق الشوفي.

تصعيد ميداني وتحريض رقمي

ويشير التحقيق إلى أن ما صدر عن “اجتماع الدم” لم يكن قراراً مفاجئاً؛ ففي الساعات التي سبقت الاجتماع وخلال يوم 17 تموز نفسه، كان وسم “السويداء_تحارب_الإرهاب” يسجل قفزة غير مسبوقة، وذلك في مؤشر على حملة تعبئة منسقة.

وترافق هذا الانفجار الرقمي مع مقاطع مصورة تداولتها منصات محلية عن كمائن استهدفت الجيش ومثلت بجثث عناصره، إضافة إلى اعتقالات عشوائية طالت مدنيين من البدو داخل المدينة.

وساهم هذا التزامن بين التصعيد الميداني والتضخيم الرقمي في تصوير البدو كـ”خطر وجودي يجب اقتلاعه”، الأمر الذي هيأ الأرضية لاجتماع المزرعة، حيث اتخذ القرار الفعلي بالهجوم.

توثيق المجازر

ووثق التحقيق تنفيذ الفصائل المحلية في السويداء عمليات قتل ميداني وحرق ونهب للمنازل بشكل ممنهج في أكثر من 9 قرى وأحياء، بينها حي المقوس وشهبا وسهوة بلاطة والكفر.

كما وثق ناجون من شهبا والمقوس مقتل ما لا يقل عن 60 شخصاً من أقاربهم وجيرانهم عبر قوائم مكتوبة بخط اليد، وقد دفنوهم على عجل، فيما بقي عشرات آخرون في عداد المفقودين حتى اليوم.

سرد للأحداث

وسرد التحقيق الأحداث التي وقعت في السويداء في تموز الماضي، حيث كانت الشرارة الأولى في 11 تموز، وتمثّلت بحادثة سرقة شاحنة خضار على طريق دمشق–السويداء، تبعها سلسلة من عمليات الخطف المتبادل بين البدو والدروز، وتحولت خلال يومين إلى مواجهات عنيفة شملت قصفاً للأحياء التي يقطنها عشائر بدوية، وحصاراً للقرى.

وأشار التحقيق إلى أن هذه الحوادث كانت بمثابة الذريعة التي استغلت لتبرير التصعيد المنظم ضد العشائر.

وفي 14 تموز، دخلت قوات الجيش والأمن كقوة فصل لكنها قوبلت برفض الفصائل المحلية، وتعرّضت لكمائن متزامنة أدت إلى مقتل وأسر عدد من عناصرها، ووثق التحقيق من خلال مقاطع فيديو عمليات التمثيل بالجثث والقتل الميداني لعناصر الجيش والأمن.

بالتزامن مع ذلك، شنت طائرات مسيرة إسرائيلية ضربات داخل السويداء ودمشق استهدفت وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، وألقى السيد الرئيس أحمد الشرع خطاباً عاجلاً أعلن فيه خفض مهام الجيش في السويداء، وإحالة مسؤولية الأمن إلى الفصائل ومشايخ العقل، من أجل المصلحة الوطنية العليا.

الانسحاب ثمرة تقدير استراتيجي

ونقلت الصحيفة عن المحلل العسكري ضياء قدور، الذي يرى أن “الانسحاب من السويداء لا يمكن قراءته كقرار معزول أو ارتجالي، هو ثمرة تقدير استراتيجي دقيق للواقع السياسي والأمني في سوريا أمام تصاعد الضربات الإسرائيلية على مراكز حساسة، وتنامي الاحتقان الداخلي”.

ويشير قدور إلى أن الانسحاب رافقه إجراءات للحد من الفراغ الأمني، أبرزها التنسيق مع وجهاء السويداء ومشايخ العقل لمنع الفوضى.

ونقل التحقيق عن مديرة قسم التوثيق في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نور الخطيب قولها إن “قسم التوثيق في الشبكة تلقى عدداً من البلاغات الأولية من مصادر محلية موثوقة، إضافة إلى شهادات مباشرة من شهود عيان وأقارب للضحايا، تشير هذه الإفادات إلى أن الضحايا كانوا من المدنيين غير المشاركين في أي عمليات قتالية، وأن عمليات التهجير ارتبطت بانتماءات عشائرية أو طائفية”.

وأضافت الخطيب: “تشير المعلومات الأولية التي حصلنا عليها – والتي لا تزال قيد التحقق – إلى تورط مجموعات مسلحة محلية، من بينها عناصر يعتقد أنها مرتبطة بمليشيات تابعة لعائلة الهجري، في تنفيذ عمليات القتل أو التهجير”.

——————————

من غزة إلى الدوحة.. ملامح مشروع إسرائيل الكبرى/ صهيب جوهر

2025.09.11

لم يكن العدوان الإسرائيلي الذي استهدف قيادات حركة حماس في قلب العاصمة القطرية حادثة عابرة أو طارئة في سياق حرب غزة. بل جاء هذا التطور كترجمة صريحة للتحول العميق الذي أصاب الذهنية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، اليوم الذي غيّر موازين الحسابات الأمنية والسياسية لتل أبيب، وفتح الباب أمام نهج جديد يتجاوز كل الاعتبارات التي كانت تضبط السلوك الإسرائيلي لعقود طويلة.

فإسرائيل، التي كانت تفصل سابقاً بين ساحات الاشتباك وحدودها، وبين الدول المتصالحة معها وتلك التي تناصبها العداء، أسقطت اليوم هذا الحاجز تماماً، وأصبحت تتعامل مع المنطقة كوحدة مستباحة يمكن ضربها متى اقتضت مصالحها ذلك.

اللافت أن الاعتداء على الدوحة لم يستهدف فقط وفد حركة حماس الذي كان في قلب مفاوضات التهدئة، ولا الوساطة القطرية التي حاولت منذ بداية الحرب أن تفتح كوة في جدار الصراع. بل إن الضربة حملت رسالة رمزية إلى قطر نفسها، الدولة الصغيرة التي نجحت خلال العقدين الأخيرين في فرض حضورها على الساحة الدولية كوسيط وراعٍ للتسويات وكلاعب يتجاوز حجمه الجغرافي. فجأة، وجدت الدوحة نفسها في قلب النزاع، لتكتشف أن أدواتها الناعمة، من استثماراتها الإعلامية والرياضية إلى قوتها الدبلوماسية، عاجزة عن تحييدها عن نيران الصراع عندما يقرر الطرف الإسرائيلي إدراجها في بنك أهدافه.

لم يشفع لقطر أنها واحدة من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، ولا أنها تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، قاعدة العديد، التي شكلت لعقود ركيزة أساسية في الاستراتيجية الدفاعية لأمن الخليج. كل هذه العناصر لم توفر للدوحة سياقاً ردعياً في وجه إسرائيل المتوحشة على العكس، كشفت الضربة أن التحالفات التقليدية لم تعد تشكل ضمانة، وأن إسرائيل، في منطقها الجديد، لا تتورع عن ضرب أي طرف إذا اقتضت مصالحها ذلك، حتى لو كان منخرطاً في ترتيبات التطبيع أو الوساطة.

والرسالة التي وجهتها تل أبيب عبر قصفها للدوحة واضحة: لا مكان لوسطاء، ولا وزن لاتفاقيات، ولا حصانة لدول تحاول أن تقف في الوسط. فمن الضاحية الجنوبية في بيروت، حيث اغتيل صالح العاروري، إلى قلب طهران باغتيال إسماعيل هنية، وصولاً إلى الدوحة لمحاولة اغتيال خليل الحية، تتعامل إسرائيل مع الساحات كلها بالمعيار نفسه. هذا ينسف الفكرة السائدة عن إمكانية التمايز في التعاطي مع إسرائيل، ويعني أن “إسرائيل الكبرى” لم تعد مشروعاً جغرافياً توسعياً فقط، بل مشروعاً أمنياً وهيكلياً يرمي إلى إعادة صياغة المنطقة بكاملها.

وليس خافياً أن هذا التحول يعكس عقلية استعمارية تعود بنا إلى المراحل الكلاسيكية من التاريخ الحديث. إسرائيل لا تسعى فقط إلى ردع خصومها، بل إلى فرض منظومة هيمنة كاملة: السيطرة على طرق الطاقة والغاز، التحكم بالممرات المائية، فرض مناطق عازلة خالية من السكان، وتفكيك الدول المركزية عبر اللعب على تناقضات مكوناتها الاجتماعية والطائفية.

إنها محاولة لإعادة إنتاج “سايكس – بيكو” جديد ولكن بيد إسرائيلية هذه المرة، حيث لا تكتفي تل أبيب بفرض وجودها على حدود فلسطين التاريخية، بل تمتد يدها لتطول الخليج وشمال أفريقيا وشرق المتوسط.

في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن الاستهداف الإسرائيلي للدوحة ترافق مع اعتداءات في أربع دول عربية أخرى خلال 24 ساعة فقط: لبنان، سوريا، تونس، وفلسطين. المشهد يوحي بأننا أمام استراتيجية متكاملة لتوسيع نطاق الحرب، لا أمام عمليات متفرقة. الأخطر أن إسرائيل لم تتردد في قصف وفود تفاوضية، وهو ما يعني عملياً أنها أسقطت فكرة المفاوضات كآلية للحل. فتل أبيب لا ترى في التفاوض سوى فرصة لإعادة التموضع أو كسب الوقت، لكنها في جوهرها لا تؤمن بالتسويات، بل تفضّل الحسم العسكري والفرض بالقوة.

ومن زاوية لبنانية، فإن الضربة على قطر تعمّق النقاش حول مصير سلاح حزب الله. فأنصار الإبقاء على هذا السلاح سيجدون في ما جرى دليلاً إضافياً على أن الحياد لا يحمي أحداً، وأن إسرائيل لا تعترف بتمييز بين دولة مقاومة ودولة مطبّعة. وإذا كانت الدوحة، بكل تحالفاتها وعلاقاتها، لم تنجُ من العدوان، فكيف يمكن للبنان أن يعوّل على أي اتفاقيات أو تفاهمات لتجنيبه الاستهداف؟ هذا المنطق يعزز موقف الفريق المؤيد للإبقاء على معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، ويجعل أي محاولة داخلية لانتزاع سلاح الحزب أكثر تعقيداً.

لكن التبعات لا تقف عند لبنان. فالخطر يتوسع ليشمل كامل البنية الإقليمية. إسرائيل لا تريد فقط إخضاع حماس أو تحجيم النفوذ الإيراني، بل تريد استسلاماً عربياً شاملاً. وهذا يعني التحكم بمسارات السياسة والاقتصاد والثروات في العالم العربي. مشاريع التهجير التي يُتداول بها – من نقل سكان غزة إلى مصر، وأهل الضفة إلى الأردن، وإفراغ شريط حدودي من لبنان – ليست سوى خطوات في مشروع أكبر يرمي إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية للمنطقة. وبالتوازي، يجري الضغط على سوريا لتقسيمها عملياً، وعلى تركيا عبر الورقة الكردية تارة، وعبر تحفيز المعارضة ثانياً، وعلى الخليج عبر تهديدات مباشرة أو غير مباشرة لأمنه الطاقوي.

هذا الواقع يضع العالم العربي أمام لحظة مفصلية. فكل الكيانات التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى تبدو اليوم مهددة. إسرائيل تتصرف كقوة إمبريالية، تتجاوز القوانين الدولية، وتفرض وقائع بالقوة. والاعتماد على المظلات الأميركية أو الغربية بات خياراً شديد الهشاشة، بعدما أثبتت واشنطن أنها غير قادرة أو غير راغبة في كبح الجموح الإسرائيلي.

حتى الأوروبيون الذين طالما رفعوا شعار القانون الدولي ظهروا عاجزين عن فعل شيء أمام الانتهاكات المتكررة، وأمام هذا الواقع، لم يعد مجدياً الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التحذير. المطلوب مقاربة جديدة جذرية. ربما آن الأوان لطرح فكرة قمة عربية أو خليجية طارئة تعيد النظر في مجمل السياسات، من ملف التطبيع إلى بناء منظومات دفاع مشتركة.

والمطلوب التفكير في أدوات ردع حقيقية، وإلا فإن العالم العربي سيجد نفسه، دولة بعد أخرى، تحت رحمة المشروع الإسرائيلي. فتل أبيب لا تكتفي بالضربات الجوية، بل تسعى أيضاً إلى خلق بؤر توتر داخلية، عبر تغذية الصراعات الطائفية والعرقية، وتشجيع النزعات الانفصالية، وزرع الفوضى كوسيلة للهيمنة.

إن ما جرى في الدوحة يجب أن يُقرأ على أنه إعلان صريح بأن إسرائيل لم تعد تعترف بأي حصانة أو أي دور وسطي. الاستهداف لم يكن لقطر كدولة فقط، بل لدورها ومعناها ورمزيتها. إنه استهداف لفكرة أن دولة تستطيع أن تلعب دور الوسيط النزيه. والرسالة الأعمق أن إسرائيل ليست معنية بتسويات، بل بحلول صفرية تفرض فيها استسلاماً كاملاً على كل الأطراف.

في المحصلة، المشهد الإقليمي أمام لحظة فارقة. إسرائيل تتحرك كقوة استعمارية جديدة، والعالم العربي مهدد في وجوده وبنيته. وإذا لم تُبادر الدول العربية إلى بناء استراتيجية مواجهة حقيقية، فإننا سنكون أمام مرحلة عنوانها “إسرائيل الكبرى” التي لا تقوم على الاحتلال الجغرافي وحده، بل على الهيمنة الكاملة على مستقبل المنطقة سياسياً واقتصادياً وثقافياً. ولعل اللحظة الراهنة تفرض على العواصم العربية أن تتجاوز حساباتها الضيقة، وأن تدرك أن كل يوم تأخير يمنح إسرائيل فرصة إضافية لترسيخ وقائع يصعب تغييرها لاحقاً.

تلفزيون سوريا

——————————

قصف الدوحة… هل بدأت “إسرائيل” تنفيذ ما بشّر به المبعوث الأميركي باراك؟/ محمد سالم

10 سبتمبر، 2025

صرح المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك مؤخراً تصريحاً يستحق الوقوف عنده للتأمل، حيث أشار إلى أن “إسرائيل” قد تغيرت بعد هجمات 7 أكتوبر، ولم تعد تعترف بالحدود التقليدية التي رسمتها سايكس بيكو، حيث لم يعد لتلك الحدود معنى وفق الرؤية “الإسرائيلية”، مؤكداً أن “إسرائيل” ستتخذ أي إجراءات تراها ضرورية لحماية أمنها ومنع تكرار الهجمات، بما في ذلك الذهاب إلى أي مكان وفي أي وقت، في دلالة واضحة على تجاوز الحدود لمختلف البلدان في المنطقة[1].

يُعد هذا التصريح ذا أهمية بالغة ويستحق التوقف عنده، لما يحمله من اعتراف صريح من ممثل أميركي رفيع المستوى بطبيعة السلوك الذي تمارسه “إسرائيل” في المنطقة، والذي يتجلى كعربدة إقليمية لا تعترف بالحدود أو السيادة. خطورة هذا التصريح تكمن في ما يعنيه من تهديد مباشر لأمن سوريا الجديدة تحديداً، ولأمن المنطقة عموماً، خاصة في ظل تصريحات نتنياهو المتكررة عمّا يُسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، وانخراط “إسرائيل” النشط في دعم أطراف داخل سوريا بما يخدم هذه الرؤية التوسّعية.

سنحاول في هذا المقال التحليلي الوقوف على هذا التصريح وما ينطوي عليه من دلالات، واستشراف الآفاق والانعكاسات المحتملة لهذه السياسة “الإسرائيلية” الجديدة، كما سنسعى إلى فهم مدى انسجامها مع التوجهات الأميركية، واستقراء جدواها وإمكانية تحقُّقها في ضوء المعادلات الإقليمية والدولية الراهنة، خاصة بعد الهجوم “الإسرائيلي” الأخير على الدوحة، والذي يُعتبر تجلياً واضحاً للتصريحات المذكورة (الذهاب إلى أي مكان وفي أي وقت)، ودون خطوط حمراء[2].

من بوش ورايس إلى باراك ونتنياهو؛ استمرارية خطاب الشرق الأوسط الجديد:

في الحقيقة، الحديث عن تغييرات في الحدود في المنطقة ليس جديداً، بل هو تقديم جديد لخطاب قديم. نتذكر ذلك الكلام قبل وأثناء الحرب الأميركية على العراق، والتي جاءت مدفوعة بعوامل متعددة؛ أبرزها الدافع الديني المستند إلى “المسيحية الصهيونية Christian Zionism” التي كانت ذات نفوذ واسع خلال عهد الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش، ويُشير باحثون مثل جون ميرشايمر إلى أن هذه الحرب تأثرت بشكل كبير بالضغط الذي مارسه اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل”، على حساب المصلحة الأميركية[3].

ولا يمكن نسيان تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، كوندوليزا رايس، التي تكلّمت عن “الشرق الأوسط الجديد (New Middle East)”، مختارة التعبير “الإسرائيلي” الشائع الاستخدام لدى عدد من السياسيين والمفكرين “الإسرائيليين”، أبرزهم شمعون بيريز، الذي ألّف كتاباً يحمل العنوان نفسه: “الشرق الأوسط الجديد”، وصدر عام 1996[4].

والجدير بالذكر أن باراك مبعوث الرئيس الجمهوري ترامب، يأتي كممثل لإدارة يتزعمها الحزب الجمهوري، المعروف بعلاقته الوثيقة بالعقائد الدينية، وخاصة المسيحية الإنجيلية الداعمة لـ”إسرائيل”[5]، في انسجام واضح مع وجود حكومة دينية متطرفة في “إسرائيل” نفسها.

في السياق نفسه، تتقاطع قراءة هذا التصريح مع الخطاب التوسعي المتجدد الذي أعاد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو إبرازه مؤخراً؛ في دلالة صريحة على تبنّي رؤية توسعية لـ”إسرائيل”[6]. وقد قوبلت هذه التصريحات بإدانات عربية وإسلامية واسعة؛ إذ أدانت السعودية «بأشدّ العبارات» ما سمّاه نتنياهو «رؤية إسرائيل الكبرى»[7]، كما صدر بيانٌ عربي–إسلامي مشترك اعتبرها تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم الإقليمي[8]. علاوة على ذلك، شهدنا في الآونة الأخيرة تكثيفاً ملحوظاً في الخطاب “الإسرائيلي” حول الوضع في سوريا، لا سيما بالتسويق لما يُسمّى بـ”ممر داوود” وضرورة إعادة هيكلة سوريا على أسس فيدرالية[9]، وإعطاء مكونات معينة الحكم الذاتي، لنشهد بعد ذلك مطالبة واضحة لأول مرة من أطراف سورية، ليس بالحكم الذاتي فقط، بل بالانفصال الكامل والاستقلال عن سوريا، مع توجيه شكر لنتنياهو، في تماهٍ واضح مع الأجندات “الإسرائيلية”[10].

الجدير بالذكر أن تصريحات باراك الأخيرة ليست الأولى من نوعها في هذا السياق؛ فقد سبق أن أدلى بتصريحات داعمة بشكل أو بآخر لهذه التصورات. على سبيل المثال، تحدّث عن احتمال عودة لبنان إلى بلاد الشام مجدداً، وذلك في سياق تلويحه بضرورة تحرُّك الحكومة اللبنانية لاحتواء سلاح “حزب الله”[11].

وفق ما تم إيضاحه من السياق السابق، يصبح كلام المبعوث الأميركي جزءاً من مشهدٍ أوسع تُعاد فيه صياغة العقائد الأمنية وخطط إعادة تشكيل المشرق، وتبرز فيه أخطار مباشرة على سوريا وبيئتها الإقليمية.

انكسار وهم السيطرة؛ فشل الضربات الاستباقية من واشنطن إلى تل أبيب:

ربما يشبه سلوك “إسرائيل” بعد 7 أكتوبر سلوكَ «النمر الجريح»: اندفاعٌ لاستثمار الصدمة في توسيع «الهامش الأمني»، وشرعنة الضربات الاستباقية، وفرض إيقاعٍ إقليميّ بالقوة. ويُذكّرنا هذا بتجربة الولايات المتحدة بعد 11 أيلول عام 2001، وهي مثال حاضر يُحذّر “إسرائيل” من كِلفة هذا النهج وحدوده[12]، فمبدأ «الضربة الاستباقية» قاد إلى حربي أفغانستان والعراق وما تلاهما من استنزافٍ بشري ومالي هائل، ما جعل باراك أوباما يصعد إلى الرئاسة على وعد بإنهاء تلك الحروب[13]، وهي إشارة سياسية صريحة إلى أن تلك المقاربة أرهقت الناخب والاقتصاد الأميركيين. فوق ذلك، لم تعد الولايات المتحدة اليوم عند ذروة الهيمنة المنفردة التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي، فيما تتزايد مؤشرات التنافس الدولي وتراجع القابلية لتحمّل مغامرات طويلة ومفتوحة، وهو ما يؤثر على قدرات “إسرائيل” على اعتبار أن الولايات المتحدة تعتبر الداعم الأبرز لها.

على الأرض، تُواجَه مقاربة “إسرائيل” بعقبات بنيوية مماثلة، فقد أظهرت جولة التصعيد المباشر مع إيران في الحرب الأخيرة ضعف قدرة “إسرائيل” على الحسم لجهة أهدافها المعلنة حينها، ولم تستطع منع وصول الصواريخ الإيرانية إليها وتحقيقها لآثار تدميرية رغم كثافة الضربات الجوية على المنصات الصاروخية[14]، ووجود الدروع الصاروخية، كما بقي هدف «القضاء على حماس» عصيًّا على الحسم رغم الوعود المتكررة واستمرار العمليات في غزة.

 سياسيًا، تتآكل كفاءة النفوذ التقليدي للوبي المؤيد لـ”إسرائيل” في واشنطن، إلى حدّ أن دونالد ترامب نفسه تحدّث علناً عن أن “السيطرة الكاملة” على الكونغرس من قبل “إيباك” لم تعد قائمة[15]، مما يعني لدى البعض تراجعاً تدريجياً للدعم الأمريكي المطلق لـ”إسرائيل”.

علاوة على ذلك، لدى “إسرائيل” نفسها تجارب سابقة، فقد اضطرت للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، وفكّ الارتباط عن غزة عام 2005. في المحصلة قد تحاول”إسرائيل” اجتراح نسخةٍ محدثة من «عقيدة ما بعد 11 أيلول»، لكنّ شروط الإقليم والنظام الدولي اليوم تجعل احتمال تكرار مسارٍ توسعيّ ناجز أقلّ ترجيحاً وأكثر كلفةً ومخاطرة.

خاتمة:

لا تمثل تصريحات المبعوث الأميركي باراك حول السياسة “الإسرائيلية” الجديدة، ورؤيتها لشرق أوسط يتجاوز حدود سايكس–بيكو، قراءة تحليلية استشرافية للسلوك “الإسرائيلي” فحسب، بل تعكس أيضاً وجود ضوء أخضر أميركي يتيح لهذا السلوك أن يمضي قُدماً، ويتجلى ذلك بصورة واضحة في الغارات “الإسرائيلية” في العاصمة القطرية، والتي تحمل دلالات عملية على ترجمة هذا التوجُّه إلى خطوات ملموسة.

وينتج ذلك عن ردة فعل “إسرائيل” بعد هجمات 7 أكتوبر، والتي ترتبط بعوامل داخلية عديدة، منها وجود بنيامين نتنياهو داخل ائتلاف حكومي مأزوم، وسعيه شخصياً إلى الهروب إلى الأمام من أزماته السياسية والقضائية، كما تستند إلى محاولة استثمار اللحظة بوصفها فرصة لتوسيع هامش الحركة وإعادة تعريف قواعد الاشتباك وإحداث تغييرات في خرائط المنطقة، غير أنّ هذه المقاربة تصطدم بمحددات بنيوية على المستويين الدولي والإقليمي، فالنظام الدولي يتجه تدريجياً إلى تعدُّد الأقطاب مع تراجع القدرة الأميركية على توفير غطاء مفتوح لمغامرات توسعية، فيما تتزايد أدوار قوى إقليمية وازنة مثل تركيا[16]، ويتصاعد وعي الرأي العام العربي الشعبي والرسمي وحساسيته بعد تصريحات نتنياهو حول “إسرائيل الكبرى”، الأمر الذي يُقلّص إمكانية تمرير مشروع تغييري واسع النطاق.

وعلى المستوى العملي، تتكرر المؤشرات على محدودية القدرة “الإسرائيلية” في تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة، سواء في تجربة الانسحاب من جنوب لبنان وغزة، أو في المواجهات الأخيرة مع إيران، وفي حرب غزة، كما أنّ تراجع نفوذ اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل” في الداخل الأميركي، مع إقرار شخصيات بارزة مثل الرئيس دونالد ترامب بأن السيطرة الكاملة على الكونغرس لم تعد قائمة، وهو ما يعكس تقلصاً محتملاً قادماً للدعم الأمريكي غير المحدود، وبناءً عليه فإن محاولة “إسرائيل” اجتراح نسخة محدثة من عقيدة ما بعد 11 أيلول الأمريكية تواجه بيئة مغايرة، تجعل احتمالية تحقيق تغيير جذري ناجح محدودة.

تُشكّل هذه السياسة “الإسرائيلية” عاملاً إضافياً لإطالة الأزمات وتعميق التوترات بدلاً من أن تشكل أساساً لإعادة بناء استقرار إقليمي، وهو ما يشكل عامل تصادم مع مصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية.

يؤكد ما سبق أن لسوريا الجديدة أوراق قوة متعددة في مواجهة “إسرائيل” على المدى الطويل، خاصة مع سعيها إلى تموضع يُعزّز استقرار وأمن المنطقة، وهو ما يتقاطع مع مصالح عدد من القوى الإقليمية والدولية، ويأتي هذا في اتجاه معاكس للتوجه “الإسرائيلي” الذي يسعى إلى تصدير نموذج يزعزع الاستقرار، ويكرس مظاهره عبر تهديد الأمن الإقليمي والدولي في ملفات مُعقّدة مثل دعم قوى انفصالية، ومنع سيطرة السلطة السورية على كافة أراضيها، ما يجعل المنطقة معرضة لمخاطر تجارة المخدرات، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، إضافة إلى قضايا أخرى مشابهة.

[1] روسيا اليوم، 29 آب / أغسطس 2025، المبعوث الأميركي توم بارّاك: “إسرائيل لن تلتزم بحدود سايكس–بيكو بعد أحداث 7 أكتوبر”، الرابط.

[2] تم تلقي خبر الهجوم على الدوحة أثناء مراجعة هذا التقرير، وتم تعديل التقرير على عجالة ليأخذ بعين الاعتبار الحدث.

[3] محمد سالم، اللوبي الموالي لـ”إسرائيل” في أمريكا وتأثيره في السياسة الخارجية في “الشرق الأوسط”، 31 أيار / مايو 2023، الرابط.

[4] هشام جعفر، الجزيرة نت، 30 نيسان / أبريل 2024، الشرق الأوسط الجديد.. لا ينبغي المبالغة في الاستنتاجات، هشام جعفر، الرابط.

[5] بحسب تقرير لوكالة الأناضول التركية، يُعرف الإنجيليون بـ”المسيحيين الصهاينة”، لدعمهم المشروع الصهيوني، ووجود العديد من التقاطعات بين مساعي الجانبين، وإن من منطلقات عقدية/أيديولوجية مختلفة، ومنذ عقود، يدعم الإنجيليون عمومًا مرشحي الحزب الجمهوري، لكونهم “ملتزمين أكثر دينيًا”، وفق الاعتقاد السائد، ينظر: “الإنجيليون أبرز داعمي ترامب وحزبه.. من هم وما أجنداتهم؟”، وكالة الأناضول، 4 آب / أغسطس 2018، الرابط.

[6] في مقابلة على قناة i24 قال نتنياهو إنه «في مهمة تاريخية وروحانية»، وأجاب عند سؤاله عن ارتباطه برؤية «إسرائيل الكبرى»: «جِدًّا… إذا سألتني، فنحن هناك»، الجزيرة نت، 13 آب / أغسطس 2025، تصريح نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى” يثير غضبًا واسعًا بين المغردين، الرابط.

[7] وكالة الأناضول، 13 آب / أغسطس 2025، السعودية تدين بأشدّ العبارات تصريحات نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى”، الرابط.

[8] وزارة الخارجية العُمانية، 16 آب / أغسطس 2025، بيان مشترك لعدد من الدول والمنظمات العربية والإسلامية يدين تصريحات نتنياهو بشأن ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، الرابط.

[9] محمد سالم، “ممر داوود: أحلام تل أبيب الجيوسياسية في مواجهة إرادة أصحاب الأرض”، مركز الحوار السوري، 29 تموز / يوليو 2025، الرابط.

[10] الحدث، 4 أيلول / سبتمبر 2025، “حكمت الهجري يجدد مطالب الانفصال عن سوريا… ويطالب بـ ‘كيان مستقل’ في السويداء ويشكر نتنياهو وترمب على ‘الدعم’”، الرابط، في ذات الوقت، شهدت الحدود السورية الجنوبية، خصوصًا في محيط ريف دمشق (الكسوة وقطنا)، توغلات ومداهمات “إسرائيلية” متكررة، من إنزال جوي إلى هجمات برية وقصف متواصل. هذه العمليات يبدو أنها تشكل استكشافًا تمهيديًا لطرق تهديد العاصمة ومحيطها، عبر إحاطتها من الجنوب وتشديد الضغط الأمني عليها، الجزيرة نت، 28 آب / أغسطس 2025، “هذا ما نعرفه عن الإنزال الإسرائيلي بمنطقة الكسوة قرب دمشق”، الرابط.

[11]  كيف قرأت القوى السياسية اللبنانية تصريحات توم براك عن سوريا ولبنان؟، الجزيرة نت، 16 تموز / يوليو 2025، الرابط.

[12] وقد ظهر هذا الأمر على لسان عدد من الخبراء الأميركيين الذين حذّروا من أن سلوك “إسرائيل” بعد هجمات 7 أكتوبر يشبه إلى حدّ كبير ما قامت به الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر؛ حيث اندفعت القيادتان، تحت ضغط الرأي العام، إلى استخدام القوة العسكرية قبل تحديد أهداف واضحة، الأمر الذي أدى لاحقًا إلى تعديل الأهداف بما يتناسب مع الواقع الميداني. ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن “إسرائيل”، كدولة صغيرة بموارد محدودة، لا تملك القدرة البشرية أو المالية لاحتلال غزة وإعادة إعمارها بمفردها، وعليها أن تستخلص الدروس من التجربة الأميركية في «الحرب العالمية على الإرهاب»: تحديد النهاية المرجوّة قبل الانطلاق، إدراك أهمية كسب «القلوب والعقول»، تجنّب خوض حرب متعددة الجبهات، والحذر من التداعيات غير المقصودة. ويرون أن استمرار “إسرائيل” دون أهداف قابلة للتحقق قد يهدد حتى مكاسبها الدبلوماسية في مسار التطبيع مع عدد من الدول العربية.

ينظر:

LTC Jay Figurski (Association of the United States Army), 12 February 2024, What Israel Can Learn from the U.S. Global War on Terrorism, Link.

[13] Associated Press, October 21, 2011, President Obama has ended the war in Iraq, Link.

[14] Associated Press, June 19, 2025, Iranian missile strikes show Israel’s aerial defense array is not ironclad, Link.

[15] Middle East Eye, September 2, 2025, “Donald Trump says Israel has lost its ‘total control’ over US Congress,” Link

[16] والتي بدأت تتخوف من السلوك “الإسرائيلي” مؤخراً، وتتجه للاستعداد للمواجهة، ينظر:

Daily Sabah, August 27, 2025, Turkey launches nationwide project to build modern shelters in preparation for wars and disasters, Link.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

 وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري

——————————-

التلاعب الصهيوني بسلطات الأمر الواقع السورية/ أحمد جبر

25 اغسطس 2025

بعد هرب بشار الأسد إلى موسكو سارع الاحتلال الصهيوني إلى قصف كل مواقع الجيش السوري، مدمّرًا بذلك تقريبًا كامل قدرات الجيش السوري العسكرية المتبقية. حينها شنّ أكثر من 480 غارةٍ جويةٍ، دمرّت سلاح الجو والبحرية السورية كلّه، رافق العملية الجوية الصهيونية، عمليةٌ بريةٌ احتل بموجبها عددًا من المدن والقرى السورية، كما قتل وأسر العشرات من أبناء الشعب السوري. في المقابل ما كان ممن حلّ مكان بشار الأسد في قصر الشعب إلّا المحافظة على يده ممدودةً تأبى التراجع تجاه المعتدي الخارجي والمحتل، فمقدرات الجيش دمّرت، ولا قدرة لسورية المنهكة بعد ثورةٍ شعبيةٍ دفعها نظام الأسد دفعًا كي تصبح حربًا أهليةً، والتي ما لبثت أنّ تحولت إلى حربٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على سورية. لذلك كان الكلام أن لا إمكانية لمواجهة الاحتلال إلّا ببناء الجبهة الداخلية وتعزيزها، كلامٌ لا غبار عليه، لكن الأفعال جاءت مكذبةً له، فبدلًا من توحيد الجبهة الداخلية وتعزيزها تفرد أحمد الشرع ومن خلفه هيئة تحرير الشام بالسلطة في دمشق، الذين أخرجوا للشعب إعلانًا دستوريًا بمواد أكثر استبداديةً من دستوري 1973 و2012.

لم تكتفِ سلطة الأمر الواقع القابعة في دمشق بالاستئثار بالحكم من دون مشاركة أحد، بل أعلنت النفير العام، وصدحت الجوامع بـ”حي على الجهاد”، ليس ضدّ الاحتلال الصهيوني لمواجهة ما سردنا من أفعاله أعلاه، إنّما ضدّ أبناء الشعب السوري نفسه، بعد سلسلةٍ من الانتهاكات المستمرة منذ هروب الأسد إلى اليوم، بحقّ كلّ من يعارض سلطة الشرع، إذ ارتكبت قوى الأمن العام، والجيش السوري الجديد، ومليشيات الفزعات في مارس/آذار الماضي مجازر مروعةً بحقّ العلويين السوريين، راح ضحيتها آلف مدنيٍ.

ضمن السياق ذاته، وبتتابع الأحداث، حافظ أحمد الشرع على ثبات موقفه إلى اليوم، وأبقى يده ممدودةً للاحتلال، فهو يحاول أن يؤكّد بكلّ مناسبةٍ على سعيه الدؤوب إلى السلام، ويرفض قطعًا أنّ تمثّل سلطته أيّ تهديدٍ لأحد خارج حدود سورية، أما الداخل فهو شأنٌ داخليٌ.

وفقًا لوسائل الإعلام الدولية، والتصريحات الرسمية الغربية، خصوصًا الأميركية والصهيونية، توالت اللقاءات والاجتماعات بين مسؤولي سلطتي دمشق والاحتلال، وزاد الود بين الطرفين، وخرجت العديد من التقارير الإعلامية التي تفيد باقتراب توقيع اتّفاق “سلامٍ” بين الطرفين، يحول الجولان إلى “حديقة سلامٍ”، تحت سلطة الاحتلال طبعًا؟!

ومع ازدياد الود أكثر؛ شارك الاحتلال الصهيوني في الاجتماعات بين سلطة دمشق والمندوب السامي الأميركي لسورية ولبنان، توماس برّاك، وفي باكو عاصمة أذربيجان، وخلال زيارةٍ رسميةٍ للشرع تم الاجتماع في 2025/7/12 على المستوى الوزاري بين سلطتي دمشق والاحتلال. وفي اليوم التالي للاجتماع هاجمت قوات “الجيش السوري الجديد” والأمن العام وميليشيات الفزعات السويداء، وباشرت بارتكاب مجازر وانتهاكاتٍ أشد قسوةً من مجازر الساحل. في المقابل أعلن الاحتلال أنّه حامي الدروز الرسمي، ولم يكتفِ بقصف بعض أرتال المهاجمين، بل نسف قيادة الأركان السورية في دمشق، ما أغضب الشرع ودفعه إلى الاعتراض لدى توماس برّاك، وهو محقٌ تمامًا، فلم يقم إلّا بما اتفق عليه باجتماع باكو، أو على أقلّ تقدير ما فهمه من الاجتماع. وهذا ما عبر عنه برّاك، واصفًا المشكلة بـ”سوء تفاهمٍ” أودى بحياة المئات من السوريين، وسبب حالة فصامٍ لدى العديد من السوريين، فمن جهةٍ، اتهم مؤيدو الشرع السوريين في السويداء بالعمالة للاحتلال، رغم أن الشرع هو من التقى الاحتلال ونسق معه، وعلى الجهة الأخرى رفع بعض السوريين الجهلة في السويداء علم الاحتلال، الذي شكره حكمت الهجري علنًا أيضًا، رغم أن الاحتلال هو من أعطى الضوء الأخضر، أو على أقل تقدير هو سبب سوء التفاهم الذي أدى إلى المجزرة. حالةً لا يمكن أن تفسر إلّا بالفصام.

سطع نجم الهجري، وظهر أنّه الحامي لأهل الجبل، وصار من حقّه الطموح لأن يصبح قوّة أمر واقع في السويداء، وربّما من الممكن أن يتحول إلى سلطة أمرٍ واقعٍ أيضًا. ولا سيّما بعد أن وجد راعيًا رسميًا له (الاحتلال الصهيوني)، وبدأ بتشكيل إداراتٍ مدنيةٍ وأمنيةٍ ضمت بعض رموز نظام الأسد. هذا النجم الساطع الجديد ما كان من قوات سوريا الديمقراطية أن تفوته، لذا استضافته في مؤتمر الحسكة، وهي إحدى سلطتي الأمر الواقع السورية المدعومة أيضًا من الولايات المتّحدة، والتي تتبادل رسائل الغزل مع الاحتلال الصهيوني أيضًا، حالها حال سلطة دمشق.

لم تطرح قوات سورية الديمقراطية (قسد) نظامًا ديمقراطيًا بديلًا، إنّما أعادت إنتاج استبداد الأسد ذاته، والقتل والانتهاكات المتكررة، والاعتقال السياسي في سجونها، الذي قضى العديد منهم تحت التعذيب، كما أن ولاءها للولايات المتّحدة يعوق تحولها إلى حركة تحررٍ وطنيٍ تكون ركيزةً للشعب السوري للخروج من مأزقه.

كل سلطات الأمر الواقع السورية وكيلةٌ لاحتلالٍ أو أكثر، وكلها تخطب ود الاحتلال الصهيوني، الذي يتلاعب بها بطريقةٍ مرنةٍ وانتقائيةٍ، وهو لا يسعى إلى دعم طرفٍ واحدٍ دائمًا، بل يميل إلى إدارة التوازنات والصراعات من دون إنهائها لضمان مصالحه الأمنية والسياسية. إذ تستهدف غاراته الجوية المستمرة مواقع داخل الأراضي السورية، خصوصًا حول دمشق، مع تجنب إسقاط النظام بالكامل، حتّى لا ينهار، خوفاً من احتمالية تشكل بديل ثوري تحرري. لذلك يتغاضى عن تحركات سلطة دمشق في بعض المناطق، التي اعطيت له بوصفها مناطق نفوذ من دون أن يمس ذلك بالعلاقات والتواصل المباشرة وغير المباشرة مع سلطة دمشق.

 أيضًا؛ يسعى الاحتلال الصهيوني إلى بقاء سيطرة “قسد” على حقول النفط والغاز في الحسكة ودير الزور، ما يحرم البلاد من عائداتٍ مهمةٍ، تُهدر باقتصاد الحرب بقيمةٍ بخسةٍ بدلًا من استثمارها ببناء اقتصادٍ وطنيٍ منتجٍ. كما يستفيد الاحتلال الصهيوني من اللعب بالورقة الكردية، ويساهم بزيادة التوتر بين قسد والاحتلال التركي، ما يسمح لتل أبيب بإشغال أنقرة إقليميًا في الداخل السوري.

وفي السويداء يستغل الاحتلال الروابط الدينية والاجتماعية مع الدروز في فلسطين المحتلة ليقدم نفسه حاميًا لأبناء الطائفة في المحافظة، وهو ما يعطيه مدخلًا سياسيًا وأمنيًا، مستفيدًا من تلاعبه بسلطة دمشق المتطرفة دينيًا.

الخوف من تقسيم سورية مشروعٌ تمامًا، وهذا الخوف يجب أن يكون حاليًا وليس مستقبلًا لأنّه واقع الحال، فسورية مقسمةٌ بين سلطتي أمر واقع مع بداية تشكل سلطةٍ ثالثةٍ، واحتمالية ظهور الرابعة لاحقًا. مع العلم هناك احتماليةٌ دائمةٌ لتغير هذه السلطات، وتغير حدود سيطرتها.

الاحتلال الصهيوني لا يريد انهيار النظام كاملًا، لكنه أيضًا لا يريد تعافي سورية لتصبح دولةً قويةً، سواء بيد النظام الحالي في دمشق، أو أيّ سلطةٍ بديلةٍ مركزيةً كانت أم لا. كما أنّها حال بقية الاحتلالات في سورية تحاول إدارة الصراعات بين سلطات الأمر الواقع، والتحكم بها بدل إنهائها. أيّ إبقاء قسد، ونظام دمشق، والسويداء، في حالة “شدٍّ وجذبٍ” مستمرٍ، بحيث لا يتمكن أيّ طرفٍ من فرض سيطرته الكاملة على سورية.

للأسف؛ تقدم سلطات الأمر الواقع السورية ذلك للاحتلال على طبقٍ من ذهب، ولا سيّما أنّها تعبر عن انقساماتٍ دينيةٍ وقوميةٍ، فهي ترسخ الانقسام المجتمع عاموديًا، ما يسهل التدخلات ويسهل المهمة على قوى الاحتلال، ليصبح احتلالًا من دون أي تكاليفٍ تذكر. لذلك أكثر ما تحتاج سورية حاليا مبادرةٌ وطنيةٌ علمانيةٌ ديمقراطيةٌ تحرريةٌ جامعةٌ، ربما تفتح المجال أما الشعب السوري بالقفز فوق مراحل كارثية عديدة، سواء الحالية منها أو المتوقعة مستقبلًا إن استمر الوضع الراهن كما هو.

—————————-

 تحقيق دولي مرتقب في السويداء… وطريف “يقتدي” بجنبلاط/ جاد فياض

الخميس 2025/09/11

ثمّة قناعة بأن مبدأ المحاسبة يشكل مدخلًا للحوار والمصالحة، ودونه يبقى المسار السياسي ناقصًا، هشًا، ومعرضًا للانهيار. المحاسبة تلغي الثأر، إذ يُحاسب المرتكب، وترسي نوعًا من العدالة التي تمهّد لحل سياسي. هذا المسار هو المنطلق الأساسي لحل أزمة السويداء ومعالجة ذيولها، وخريطة الطريق تبدأ بالمحاسبة وتمر بالحوار  والمصالحة لتصل إلى الحل السياسي.

انطلاقًا مما ذكر، وضع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط رؤيته للحل في السويداء، ولم يكتف بالنظرية، بل اتجه نحو التطبيق. اتخذ جملة من الخطوات، بينها العمل على فتح طريق دمشق – السويداء والدفع باتجاه إدخال المزيد من المساعدات، لكن الخطوة الأهم في  المسار السياسي كانت إطلاق مسار تحقيق دُوَليّ   لأحداث السويداء.

في هذا السياق، تحدثت معلومات عن موافقة بَعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق في سوريا على زيارة السويداء هذا الشهر بطلب ودعم من جنبلاط، وبتنسيق مع القيادة الدرزية في السويداء ومطران المحافظة. هذه الخطوة من شأنها إطلاق مسار التحقيق الدُّوَليّ تمهيدًا لمحاسبة كل مرتكبي الانتهاكات والجرائم.

مصادر متابعة للشأن الدرزي ثمنت في حديثها إلى “المدن” الخطوة، واعتبرتها “حجر الأساس لبدء مسار الحل السياسي في المحافظة، وإجراء “لا بد منه لخدمة هدف اندماج الدروز بالدولة السورية فيما بعد”، وتطرّقت المصادر إلى “الدور الفاعل” الذي قام به جنبلاط “خلف الكواليس”،  بعيداً عن البروباغندا السياسية التي لجأ إليها البعض دون نتائج عملية تذكر.

موقف لافت لطريف

إلى ذلك، توقفت الساحتان الدرزيتان في لبنان وسوريا عند التصريحات التي أدلى بها رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، والتي شدّد خلالها على مبدأ إشراك دروز السويداء في الدولة السورية من خلال منحهم حقوقهم وتفعيل دورهم في المعادلات السياسية وفي المجلس النيابي والدستور.

وتحدثت مصادر درزية  عن تبدّل خطاب طريف وعودته إلى خريطة الطريق التي أطلقها جنبلاط، وما يحمل هذا التبدّل من مضامين. تنطلق المصادر من العلاقة المتينة بين طريف ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لتقول إن طريف يتحدث باسم إسرائيل في الملف الدرزي، ودعوته دروز السويداء إلى التوجّه نحو الحكومة السورية تشكل اعترافًا بانعدام الدعم الإسرائيلي لهم ولمشاريع الانفصال.

المصادر تقول إن طريف اتهم جنبلاط باتخاذ الموقف “الخطأ”، بما يتعلق بدروز السويداء، لكنه عاد و”اقتدى” بمواقف جنبلاط ونادى بمنح الدروز حقوقهم من خلال الحكومة السورية وإشراكهم بالمعادلات السياسية المحلية، وحينما سألته المحاورة عن دعمه طرح الانفصال، أمل طريف أن ينال الدروز حقوقهم من الحكومة السورية، وهو رفض ضمني للطرح.

في رده على سؤال “المدن” حول سبب التزام رئيس الهيئة الروحية في المحافظة الشيخ حكمت الهجري طرحه الانفصالي ورفضه العودة عنه رغم غياب دعم إسرائيلي وأميركي ودولي صريح لمشروعه، يقول مصدر درزي في السويداء إن الهجري “أسير موقفه وغضب الناس”، فشعور النقمة المسيطر في السويداء “يجبره على اتخاذ مواقف شعبوية، وإلّا خسر موقعه الاجتماعي”.

قائد أمني جديد

مستجد آخر طرأ في السويداء، كان تعيين حسام الطحان قائدًا لقوى الأمن الداخلي في المحافظة بدلًا من أحمد الدالاتي. مصدر آخر في السويداء يروي بارتياح حيثيات التعيين، فيشير إلى أن نطاق عمل الطحان السابق كان ريف دمشق، واختبر دروز جرمانا وتمكّن من حل مشكلتهم مع الحكومة وسيطه كان حسناً، وفق أهالي جرمانا، وبالتالي من المرتقب أن يكون له دور إيجابي في السويداء.

في المحصلة، فإن سلسلة الخطوات المتخذة في السويداء تمهّد لحلول جذرية لمعالجة الأزمة مع الحكومة، إذ إن إطلاق مسار المحاسبة وتغيير المقاربة الأمنية في المحافظة  هو بمثابة إجراء ضروري لمنع تكرار الأحداث الدموية وترسيخ حد أدنى من العدالة، لكن المشوار الطويل والشق الأصعب هو إجراء المصالحة بين الدروز ومحيطهم، والغد لناظره قريب.

المدن

————————–

======================

تحديث 10 أيلول 2025

—————————————

 حمزة وأقرباؤه.. أبناء العمارين يبتلعهم الغياب بين سوريا القديمة والجديدة

ربى خدام الجامع

2025.09.10

نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرًا مطوّلاً تناول قصة عائلة سورية من محافظة درعا ابتلعتها دوامة الحرب، واحدًا تلو الآخر، عبر فصول من الاختفاء القسري والاعتقال السياسي والموت الغامض.

يسلط التقرير الضوء على مصير “حمزة العمارين”، أحد أبرز مسؤولي الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، الذي اختُطف في مدينة السويداء خلال مهمة إنقاذ في تموز الماضي، بعد سنوات من الغياب القسري الذي طال أشقاءه الثلاثة في فصول مختلفة من الصراع السوري.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بالمفقودين والمفقودات في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

في شهر تموز الماضي، تعرضت العائلة لخسارة جديدة، وذلك عندما اختطف حمزة العمارين، 34 عاماً، والذي يترأس إحدى فرق الدفاع المدني السوري على يد مجهولين بمدينة السويداء خلال تأديته لمهمة إنقاذ، وقد كان شمله قد التم لتوه مع أمه وبقية أفراد العائلة في البلد، بما أنه يصغر شقيقيه عمار ومعمر، وذلك طوال مدة لم تتجاوز السبعة أشهر في مدينتهم الواقعة في الجنوب السوري بعد أن أمضى أكثر من اثنتي عشرة سنة في غربة قسرية بدأت عندما كان طالباً في الكلية.

الصليب الأحمر: عدد المفقودين في سوريا يتجاوز الأرقام الموثقة

غير أن الألم الذي تعاني منه عائلته بعد المصائب المتكررة التي تعرضت لها أصبح شائعاً في سوريا للأسف، بعد أن أخفي آلاف السوريين قسرياً خلال الحرب التي بدأت في عام 2011، ومعظم هؤلاء المخفيين والمخفيات نقلوا إلى سجون الأسد، في حين اختطفت جماعات متطرفة بعضهم، ناهيك عن الأعداد غير المعروفة التي دفنت في مقابر جماعية موزعة على مختلف أنحاء البلد.

عهد جديد.. مفقودون جدد

لم تشعر عائلات كثيرة بالارتياح عند طرد الرئيس السابق في كانون الأول الماضي، على الرغم من أن رحيله أنهى حكم آل الأسد الذي امتد لعقود طويلة، وذلك لأن أهالي المفقودين لم يعثروا على أحبائهم عندما فتحت أبواب السجون وفروع الأمن، وعندما زاروا المشرحات ونبشوا القبور بحثاً عنهم. ولهذا فإن العهد الجديد في سوريا افتتح بغضب وتوتر وخسائر بالنسبة لهم.

غير أن استمرار اختفاء الناس في سوريا، خلال موجات العنف الطائفي أو بسبب تصفية حسابات قديمة تعود لأيام الحرب، يفوق قدرة أهالي المفقودين على الاحتمال في سوريا الجديدة.

في تعقيب على ذلك، تقول عمرة العمارين، شقيقة معمر وعمار وحمزة وعمة عدي: “خسرنا ثلاثة، ولا نطيق أن نخسر الرابع، فهذا صعب علينا” وذلك أثناء لعب أولاد حمزة حولها في إحدى الأمسيات.

حمزة في البعد وفي القرب

على مدار سنين طويلة، عاش حمزة في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة الثوار في شمال غربي سوريا بعد هروبه من منطقة كانت تخضع لسيطرة النظام عندما كان طالباً جامعياً. وفي الشمال، ساهم حمزة في تأسيس منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) التي كانت تقدم الاستجابة للحالات الطارئة وعند وقوع الكوارث الطبيعية، إلى جانب الاستجابة التي كانت تقدم عند تنفيذ النظام وحلفائه لأي هجوم. أي أنه بقي بعيداً عن أهله لمدة تجاوزت 13 عاماً كما أخبرتنا شقيقته.

لكن أهله رأوه من جديد عندما هرع عائداً للجنوب بعد إسقاط الأسد، وهكذا انضم مع أهله لجموع الناس الذين توجهوا نحو السجون ومن بينها سجن صيدنايا، وذلك على أمل العثور على عمار أو عدي، ولكنهم لم يعثروا على أي منهما كما تقول عمرة.

في ظل الحكومة السورية الجديدة، أصبحت منظمة الخوذ البيضاء فرقة الدفاع المدني الرسمية في البلد، وأصبحت تقدم استجابتها اليوم للحالات الطارئة في مختلف أنحاء سوريا. ففي شهر تموز الماضي، ترك حمزة بيته من جديد، ليشارك في إطفاء الحرائق المستعرة في اللاذقية على الساحل السوري، ثم عاد ليمضي مع أهله فترة قصيرة قبل أن تطرأ حالة أخرى تمثلت بالاقتتال الطائفي الدموي الذي اشتعل في السويداء.

اختطاف حمزة

كان المدنيون محاصرين، ولهذا توجه حمزة في مهمة إنقاذ من أجلهم، بحسب ما ذكره أهله وزملاؤه. وفي اليوم الذي وصل فيه إلى السويداء الموافق لـ16 تموز، عمل على “إخلاء 35 عائلة” بحسب ما وصف زميله مهند محمد في مقابلة أجريت معه بمقر وحدة الدفاع المدني على تخوم محافظة السويداء. ولكن سرعان ما أدرك أهل حمزة وزملاؤه بأن مكروهاً حدث له.

اتصل زملاؤه على هاتفه، فرد عليهم شخص آخر وطمأنهم بأن حمزة بخير وبأنه: “سيطلق سراحه في غضون أيام قلائل”، بحسب ما ذكر محمد، ثم تمكنت زوجته من التحدث إليه لثوان معدودة، حيث قال لها: “أنا بخير، وموجود بالسويداء” وذلك بحسب ما ذكرته شقيقته التي أضافت: “اقتصر الحديث على بضع كلمات، ثم قطع الاتصال”، ويعتقد أهل حمزة بأن خاطفيه ينتمون لميليشيا درزية من أبناء تلك المدينة، وذلك بناء على علامة تشير لأحد الزعماء الروحيين في المنطقة.

فظائع بالجملة

يعتبر الاقتتال الذي حدث في السويداء الأشد دموية في سوريا منذ إسقاط الأسد، فقد اندلع بين ميليشيات درزية وقوات سنية ضمت بدو المنطقة ورجال العشائر من خارج المدينة إلى جانب قوات الحكومة. وقد ركز تقرير نشرته منظمة العفو الدولية خلال الأسبوع الماضي على جانب من الفظائع الكثيرة التي ذكر شهود وقوعها في تلك المدينة، والتي شملت إعدام العشرات من المدنيين الدروز على يد قوات ومسلحين تابعين للحكومة.

كما تعرض العشرات وربما المئات من الأشخاص للاختطاف خلال فترة الاقتتال وما بعدها، وقد تم تبادل بعض المختطفين في عمليات تبادل للأسرى جرت لاحقاً، ولهذا أعلنت منظمة العفو الدولية بأنها تلقت: “تقارير موثوقة حول عمليات اختطاف نفذتها جماعات مسلحة درزية ومقاتلي العشائر البدوية”، وبأنها فتحت تحقيقاً في الموضوع.

كان اختفاء حمزة العمارين من أشد الأحداث شؤماً، بما أنه عامل في مجال الإغاثة وبسبب عدم توفر أية معلومات عن مصيره.

ولذلك، بدت عملية اختفائه أشبه بعمليات الإخفاء التي كانت تتم أيام الأسد، عندما كان السوريون والسوريات يختفون في ثقب أسود مجهول. وتقدر منظمات حقوقية بأن أكثر من مئة ألف سوري وسورية تعرضوا للإخفاء القسري أيام حكم الأسد ويشمل ذلك عمليات الإخفاء التي حدثت خلال الحرب.

شكلت الحكومة لجنة كلفتها بالبحث عن مصير المفقودين في أيار الماضي، في خطوة لاقت ترحيباً من المنظمات الحقوقية، ولكن شابتها أمور مقلقة أخرى، وعلى رأسها أن الجماعة الثورية الإسلامية التي تترأس الحكومة اليوم تتحمل هي أيضاً مسؤولية إخفاء عدد من الأشخاص خلال الحرب.

مهمة معقدة

في تقريرها الذي نشر في 30 آب الماضي، ذكرت منظمة العفو الدولية بأنه: “ينبغي على الحكومة السورية أن تقدم المزيد على الفور، ليصبح بالإمكان القول بإن جهود البحث عن المفقودين والمفقودات قد بدأت بكل جدية”.

بيد أن الأغلبية الساحقة من المفقودين والمفقودات السوريين اختفت في سجون الأسد السرية، كما أن معظم الرجال الذين عملوا في تلك السجون فروا من البلد، ولم ينبسوا بكلمة عن الأشخاص الذين عملوا على إخفائهم.

ومقارنة بهؤلاء، يبدو من الأسهل معرفة مصير حمزة، إذ يقتصر الأمر على تحديد مكانه أو مكان جثته داخل حدود مدينة واحدة صغيرة نسبياً، وقد يتعدى الأمر للبحث عنه في أطراف تلك المدينة. إلا أن هذه المهمة أصبحت معقدة بسبب النزاع القائم بين الحكومة والسويداء ذات الغالبية الدرزية التي أعلنت استقلالها عن بقية الأراضي السورية.

كما لم تظهر أي مؤشرات للحياة هناك.

تواصلت عمرة مع أصدقاء في السويداء، إلا أن ذلك لم يفد بشيء، لأنهم مدنيون لا سلطة لهم على الجماعات المسلحة، ولهذا تقول: “لا ألومهم، إلا أن هذه الفترة عصيبة على أمه وعلى أولاده وعلي”.

وعلى الرغم من عدم ظهور أي مؤشر يدل على أنه بخير تقول أخته: “أتمنى أن يكون حمزة بخير، وأظنه كذلك”.

المصدر: The Washington Post

تلفزيون سوريا

————————————–

 نقاش في حيثيات الاستعصاء “الدرزي”/ سميرة المسالمة

الأربعاء 2025/09/10

ليس القصد من هذا العنوان التوصيف بالهوية الطائفية، رغم تمييزي بين الطوائف، باعتبارها معطىً تاريخياً ودينياً واجتماعياً، والطائفية باعتبارها معطىً سياسياً وظيفياً، يجري فيه إخضاع طائفة ما لعلاقات القوة والسلطة والمكانة.

أيضاً، فإنني في هذا العنوان أتحدث عن الاستدراج نحو الاستعصاء في سوريا من طرفين. الطرف الأول، هو السلطة الانتقالية، التي تبدو كأنها تبحث عن طريقها في الواقع السوري المعقد، لفرض شرعيتها -وهو الأمر الطبيعي لأي طرف منتصر في صراع محلي حسم لمصلحته- وتالياً، سيادتها على الجغرافيا السورية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وهذا ما يتطلب إبداء مرونة وتأنٍّ وحكمة في التعامل مع الواقع الذي ورثته بعد انهيار نظام الأسد الديكتاتوري. وهذا يستوجب توضيح هويتها، نظرياً وعملياً، بوصفها قيادةً لكل السوريين، وليس لطرف منهم على حساب طرف أخر. ذلك أنَّ أكثر شيء تحتاجه سوريا ويحتاجه السوريون من قيادتهم، هو تأكيد حقوق المواطنة المتساوية لكل السوريين. وهو أكثر شيء افتقدوه طوال العقود الستة الماضية.

بناء على ذلك، فإن مسؤولية تلك القيادة كانت تُوجِب التمهل في دراسة خياراتها تجاه منطقة استعصت على نظام الأسد الأمني لسنوات. وتشدَّد المسؤولون عن العملية أكثر مما يجب في خطوتهم إزاء السويداء، برغم معرفتهم بخصوصية تلك المنطقة، وأسباب تجنب أجهزة الأسد الأمنية الصدام المباشر معها، لحذرهم من وجود جهة خارجية، هي إسرائيل، تتحفز أو تتحين أية فرصة كي تستثمرها للتدخل في الشأن السوري. وهو ما حصل لاحقاً كما شهدنا، سواء عبر توجيه ضربات وصلت إلى العاصمة دمشق، أو عبر التهديد بمنع وجود أية قوة عسكرية سورية في الجنوب السوري، وتحت  شعار حماية الأقليات الوهمي والمضلل.

أما على الصعيد “الدرزي”، فقد عزز التدخل الإسرائيلي، العسكري والسياسي، من نفوذ القوى التي كانت محسوبة على النظام، ومن ضمنها ضباط كبار. وهذه القوى ذهبت باتجاه الالتفاف حول القيادة الروحية للطائفة، ممثلة بشيخ العقل الأكثر نفوذاً، حكمت الهجري، الذي لاقت هذه الحركة هوىً عنده، جعلته يذهب بعيداً في المطالبة بحق تقرير المصير للسويداء، وإبداء الشكر للولايات المتحدة ولإسرائيل!

وللتوضيح، فإن الأمرين؛ أي حق تقرير المصير، وشكر إسرائيل، وهي دولة استعمارية واستيطانية ودينية ودولة إبادة جماعية وحشية، يدلان على حجم الاستدراج الذي ولغت فيه القيادة الروحية، ممثلة بالشيخ الهجري. وهو ما يبين حجم الاستعصاء الحاصل، ليس إزاء الدولة السورية فقط؛ إنما إزاء شعب سوريا، بل وإزاء طائفة الدروز الذين يوجدون في شمالي سوريا، وفي العاصمة دمشق، والتي لا تجاوبُ قصةُ تقرير المصير على علاقتهم ببعضهم بعضاً أو ببلدهم، بأيّ شيء؛ بل تسهمُ في توتير العلاقات مع أبناء طائفتهم من التوجهات الأخرى المرتبطة بسوريتهم أكثر من الانجرار الطائفي.

لا حل أمنياً، ولا حل طائفياً، ولا حل خارجياً، لأي مسألة في سوريا. وكل تلك الحلول هي فخاخ مفتوحة يجري استدراج السوريين إليها، لمنع سوريا من التعافي، ومنعها من إعادة صياغة إجماعاتها الوطنية، بوصفهم سوريين مواطنين أحراراً ومتساوين. وهذه مهمة القيادة السورية الانتقالية المعنية بإدراك أن طريق التأني والحكمة والمرونة هي الأساس في بناء تلك الإجماعات الوطنية، وتوطيد السلم الأهلي. إذ إن هذا النهج هو الذي يحصن سوريا ضد التلاعبات والتدخلات والابتزازات الخارجية. وهو الذي يقوي الدولة ولا يضعفها. وهو الذي يقطع الطريق على بقايا النظام السابق، وعلى أصحاب الأجندات الخارجية والطائفية، لأن  سوريا الموحدة شعباً، هي أساس سوريا الموحدة ذات السيادة جغرافياً. وإذا كان هذا الهدف اليوم لم يعد رغبة مشتركة بين كل السوريين، فإن واجب “الأغلبية السورية”، والتي لا تعني هنا “الأكثرية السنية” (أي المكونة من كل شرائح السوريين): أن تستوعب مخاوف الطوائف، وتحررهم من قيود الطائفية. تلك المهمة الأصعب التي لا تزال مسجلة على قيد الغياب، رغبة وطرحاً.

المدن

——————————

في الدويلات السورية المستحيلة/ حسام الدين درويش

10 سبتمبر 2025

أثناء مشاركتي في برنامج حواري سياسي على “تلفزيون سوريا”، تحدّث أحد المشاركين باسم “أهل السنة والجماعة” وعن توجّهاتهم/ توجّهاتها السياسية، فاضطررت إلى القول إنّ السنة ليسوا جماعة سياسية، وإنّ كونهم سنةً، من حيث النسب اللاإرادي، لا يعني أنّ لديهم توجّهًا سياسيًّا واحدًا موحّدًا. واضطررت إلى القول إنني “سني قح” من حيث النسب، لكنني أختلف بالكامل مع التوجّه السياسي الذي ينسبه إلى “أهل السنة”. المشكلة أنّ هناك حلفًا غير معلنٍ بين أمثال الشخص المذكور ومن يفترض أنهم يتبنون توجهًا مُضادًا ومعاديًّا له، وكلّهم يتحدّثون، بالعموم، عن وجود توجّهٍ سنيٍّ واحدٍ موحّدٍ، لدى السنة، ولا يرون في الأصوات (المنتمية نسبًا إلى السنة)، والمُختلفة عنه، سوى استثناءات تؤكّد القاعدة وداعش في الوقت نفسه.

والأمر نفسه يحصل، للأسف، مع السوريين الدروز والكرد والعلويين والمسيحيين… إلخ، فهناك من يدّعي أنّه يمثّلهم ويتحدّث باسمهم كلّهم، رغم أنه لم يكن هناك فرصة لأفراد الجماعات المذكورة لانتخاب من يمثّلهم سياسيًّا. والضغوط هائلة لاختزال السوريات والسوريين إلى جماعات إثنية/ دينية/ طائفية أحادية مُتمايزة، لكن إمكانيات المقاومة المُمكنة والفعلية لهذه الضغوط كبيرة جدًّا أيضًا، وينبغي عدم الاستهانة بها، وتفعيلها واجب على كلّ من استطاع إلى ذلك سبيلًا. والضحايا الأبرز لكلّ القوى التي تدّعي أنها تمثّل جماعة ما هم الأفراد المنتمون نسبًا إلى الجماعة ذاتها. ولهذا، ولأسبابٍ أخرى، يقع على عاتق أفراد كلّ جماعة مقاومة هذه الاستباحة لهم ولتمثيلهم السياسي.

وخلال مشاركتي في برنامج منتدى دمشق الذي يقدّمه الإعلامي القدير محمد دوبا على “تلفزيون سوريا”، مع الدكتورين العزيزين محمد حبش ونجيب الغضبان، في موضوع “مستقبل الإسلام السياسي” (في سورية)، كان رأيي، باختصارٍ، أنّ مستقبل سورية ومستقبل الإسلام السياسي/ الجهادي سيتوقّف على عوامل عديدةٍ، من بينها، أو من أهمها، مدى قبول ذلك الإسلام، طوعًا، من ناحيةٍ، وكرهًا أو اضطرارًا من ناحيةٍ أخرى، بالتعدّدية، واعترافه بالأطراف الأخرى، وبأنه مجرّد طرف بين تلك الأطراف، وليس الطرف الوحيد أو “الواحد الأحد الذي ليس له كفوًا أحد”. ومن دون ذلك الاعتراف لن تقوم لسورية (الوطن) قائمة، وسيكون ذلك الإسلام مشروع حرب أهلية بدأت مسبقًا، وقد لا تنتهي في المدى المنظور.

ولا يمكن فهم الوضع في سورية بالانطلاق من رؤية جوهرانية ترى في السوريين مجرّد جماعاتٍ طائفية، ولا ترى فاعليةً سياسيةً لهم إلا من خلال هذه الجماعات. فالمسألة مسألة تطييفٍ سياسيٍّ أكثر (بكثير) من كونها مسألة طائفية سياسية مستقرة على أساس طائفيةٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ وإثنيةٍ. وعلى الرغم من كلّ عمليات التطييف، لم يتحوَّل السوريون إلى طوائف سياسيةٍ صلبةٍ. وبدلًا من استثمار هذا الأمر في الاستناد إلى الروابط السياسية القائمة على الانتماء أو الانتساب المدني الإرادي، وليس إلى النسب الأهلي الحاصل بالقدر أو الولادة، والدعوة إلى تعزيز هذه الروابط، ثمّة من يشتكي من عدم النجاح (الكامل) في عملية التطييف، ويصرّ، في الوقت نفسه، على التعامل مع الجماعات الدينية والطائفية والإثنية بوصفها جماعاتٍ سياسيةٍ مُتمايزة المصالح والتوجّهات السياسية.

ولعل أبرز عمليات التطييف التي جرت وما زالت تجري في سورية خلال الفترة الحالية وما سبقها هي تلك المتعلّقة بتحويل الجماعتين الدرزية والكردية إلى جماعتين سياسيتين، لهما مطالب وتوجّهاتٌ ومصالح ومطامح سياسية واحدة وخاصة ومتمايزة عن مطالب بقية السوريات والسوريين. لكن عملية التطييف الأكبر والأخطر حاليًّا هي تلك التي تقوم بها السلطة الحالية، بوعيٍ أو من دونه، وتتمثّل في تطييف السنة، أي تحويلهم إلى طائفة واحدةٍ ذات توجّه سياسيٍّ (طائفيٍّ) واحدٍ، مع الزعم الصريح أو الضمني، بأنها هي التي تمثّل تلك الطائفة. وتتعاضد عمليات التطييف المختلفة، ويعطي كلّ منها الدعم والتسويغ لعمليات التطييف الأخرى. وفي المجال السياسي، يكون تطييف أو تسنين السنة عاملًا من العوامل المساعدة على تطييف أو علونة العلويين ودروزة الدروز وكردنة الكرد … إلخ. وبوصفهم الكتلة العددية الأكبر، فإنّ مسؤولية السنة وتأثيرهم أو تأثير عملية تطييفهم أكبر (بكثير) من مسؤوليات الجماعات الأخرى وتأثيرها وتأثير عمليات تطييفها. وإضافةً إلى تطييف السلطة وأطراف سنية أخرى للسنة، ثمّة أطراف أخرى تساهم في هذا التطييف بالحديث عن الداعشية الفعلية أو المُمكنة، دائمًا، للسنة، وعن كونهم بالفعل طائفة في حالة فاشية متوحّشة حاليًّا، ويجب الخلاص/ التخلّص منها بكلّ الطرق المُمكنة.

ويمكن النظر إلى عمليات تطييف السنة باعتبارها جزءًا من عمليات أسلمة الدولة والمجتمع. ومثل هذه العمليات لا ولن تعبّر “في النهاية” سوى عن توجّهات ومصالح جزءٍ صغيرٍ منهم. وهذا هو حال كلّ عمليات التطييف، وكلّ الطوائف السياسية في الأنظمة الطائفية. وسبق لأقطاب من السلطة الحاكمة الحالية أن أعلنوا جهارًا حلمهم بقيام كيانٍ سنيٍّ في سورية، وساهمت عمليات الغزو والمجازر التي مارستها فصائل السلطة الحالية في الساحل والسويداء ومناطق أخرى في زيادة التجييش الطائفي وانكفاء الجماعات الأخرى وتطييفها سياسيًّا جزئيًّا على الأقل. وأفضت تلك العمليات، وعمليات التطييف الأخرى، وعوامل أخرى، إلى تعالي دعوات الانفصال عن سورية وإنشاء كيانات طائفيةٍ مستقلةٍ من أطراف متعدّدة، ولعل أبرزها، في الفترة الحالية، تلك الصادرة عن الشيخ الهجري وأخريات وآخرون في السويداء السورية. وكعادة كلّ المظلوميات، لا يكترث أصحاب تلك الدعوات بمدى معقولية مطالبهم وبمدى إمكانيات تحققّها وبسلبيات ذلك التحقّق، بل يكتفون بتسويغ دعواتهم للانفصال بالحديث عن سلبيات السلطة القائمة، في تواطؤ (ضمنيٍّ) معها، من حيث عدم التمييز بين السلطة والدولة، ومن حيث المساهمة في عمليات التطييف والتجييش الطائفي. وكالعادة، يختزل أصحاب المظلوميات (السنية والدرزية والعلوية والكردية … إلخ) أنفسهم في مجرّد ضحايا، ويختزلون أفعالهم في كونها مجرّد ردات فعل ضرورية ومسوَّغة دائمًا ومطلقًا، لكونها ردات فعل تحديدًا، غير مدركين أنّ تلك الأفعال تحتاج إلى أن تكون مسوَّغة ذاتيًّا أيضًا، وأنّ الاختزالين المذكورين ينفيان أو ينكران كونهم ذوات فاعلة ومسؤولين سياسيًّا، وحتى أخلاقيًّا.

الهجري وأتباعه أو أنصاره يقولون إنّ الطائفة الدرزية قد اختارت مشروع الانفصال، وإنّ كلّ من لا يوافق يكون قد باع ضميره. وهو بذلك يُخوِّن كلّ شخصٍ (درزي) لا يتفق مع رأيه. في المقابل، هناك من يرى في الاستنجاد بإسرائيل وبشرفاء العالم في الوقت نفسه، لدعم ذلك الانفصال/ الاستقلال، خيانة وطرفة في الوقت نفسه. وتبدو “الدولة الدرزية” مستحيلةً أكثر من الدولة الإسلامية التي تحدّث عن استحالتها وائل حلاق. وهي في كلّ الأحوال باهظة الثمن لدرجةٍ تجعلها أو ينبغي أن تجعلها خيارًا ميتًا. ويدرك (بعض) أصحاب دعوات الانفصال والتقسيم الثمن الباهظ المذكور، لكنهم يصرّون على موقفهم بحجّة أنّ ثمن بقاء سورية موحّدة قد يكون أكبر (بكثير) من ذلك الثمن الباهظ الذي يستعجلون دفعه رغم أنه يتضمّن عمليات تهجيرٍ تمسّ ملايين كثيرة من السوريات والسوريات. ويستغرب المرء يقينهم من أن عملية التقسيم ستكون، بالتأكيد، أقل سوءًا من عملية بناء سورية الوطن للجميع.

وإضافةً إلى خشيتي من عدد الضحايا الهائل والفظيع الذي سينجم بالتأكيد عن (السعي إلى) تحقيق ذلك الخيار السياسي، فإنّ هذا اليقين الزائف وغير المسوَّغ هو أكثر ما يُثير الحفيظة والحنق. ومن الناحية المعرفية، يختار دعاة الانفصال والتقسيم أن يكون ملايين من السوريات والسوريين ضحايا مؤكّدين لعمليات التهجير التي تقتضيها عمليات التقسيم والانفصال المذكورة، على الرغم من أنّ الاحتمال المعقول في أن يكون عدد ضحايا سورية الموحّدة أقل (بكثيرٍ)، وعلى الرغم من أنّ عمليات التقسيم ستفضي إلى دويلاتٍ ليس مؤكّدًا أنها ستكون أقل سوءًا من سورية، بأوضاعها الكارثية الحالية.

وإذا وضعنا جانبًا أصحاب المصالح الخاصة والنظرات الطائفية المُتعصّبة، يبدو واضحًا أنّ عددًا كبيرًا من متبني خيار الانفصال والتقسيم إنما يؤسّسون اختياراتهم بناءً على مخاوفهم، المسوّغة أو غير المسوَّغة. وقد يكون مفيدًا وضروريًّا استحضار عبارة نيلسون مانديلا القائلة: “لتكن اختياراتك معبّرة عن آمالك، لا عن مخاوفك”. والخوف ليس قائدًا مناسبًا أو مفضَّلًا عمومًا، وينبغي، في كلّ الأحوال، ألا يكون القائد الوحيد. وتزداد مساوئ هذا القائد في حالات الذعر والغضب واليأس، وتتجلّى في ردات فعلٍ نفسانيةٍ يصعب، على أصحابها وعلى من يهمهم الأمر، مناقشتها وضبطها والحدّ من هيمنتها وتسلّطها، في المجال العام، بعقلانيةٍ وصراحةٍ وودية، ومن كلّ المنظورات الضرورية المُمكنة.

وأوضاع سورية الحالية كارثية بأكثر من معنى. فالمجتمع ممزّق والدولة مُنهارة ومُستباحة، من الخارج والداخل، والأوضاع الاقتصادية بالغة السوء، والسلطة ضعيفة وتفتقر إلى الكفاءة وإلى الكثير الكثير مما تتطلّبه هذه المرحلة، وتتسم أفعالها بالكثير الكثير مما يتناقض مع عملية بناء سورية الوطن لكلّ السوريين. في المقابل، السعي إلى التقسيم، فضلًا عن تحقيقه، يزيد الطين بلةً أو البلة طينًا، ولا يحلّ أي مشكلةٍ حقيقيةٍ أو فعليةٍ، بل من المرجّح أن يزيد تلك المشاكل ويفاقمها ويخلق مشاكل أخرى كثيرةً وكبيرةً.

من المؤكّد أنّ سقوط النظام الأسدي قد أفسح المجال للكثير من المُمكنات الإيجابية التي ما كان بالإمكان وجودها أو وجودها في ظلّ حالة الموت أو الموات التي كانت تعيشها “سورية الأسد”. لكن، من المؤكّد أيضًا أنّ الانتقال من “سورية الأسد” إلى “سورية الوطن” لن يكون سهلًا؛ وهو يتضمّن وسيتضمّن الكثير من المشاكل والصعوبات والعثرات. ونحن، حاليًّا، في هذا الطريق الوعر والشاق والمُجهد والمستنزِف لطاقات كثيرين منا على التحمّل. لكن لذلك الطريق مخارج ونهايات متعدّدة ومتنوّعة. و”سورية الوطن” ليست إلا خيارًا بين الخيارات، وإمكانية بين مُمكناتٍ أخرى. ولا يبدو خيار الانفصال والتقسيم لا أكثر احتمالًا أو ترجيحًا في إمكانية الحصول ولا أكثر إيجابية أو أقل سلبية من خيار سورية الواحدة الموحّدة. كما لا يبدو أنّ الجهود الساعية إلى تسويغ ذلك الانفصال/ التقسيم لديها إمكانيات أكبر للنجاح من إمكانيات الجهود الموجّهة لقيام سورية الوطن لجميع السوريات والسوريين. وعلى الرغم من مسارعة كثيرات وكثيرين إلى نعي الوطنية السورية ودفنها مرّاتٍ عديدةٍ، فإنّ طيفها وشبحها بقي حاضرًا بطريقة تعطي الآمال (المسوَّغة) لطرفٍ، وتنغّص حياة طرفٍ أو أطرفٍ أخرى تسعى إلى “قتل الأب (السوري)” للتخلّص من سلطته وسطوته وإجرامه الفعلي والممكن، من الناحية النظرية على الأقل. ولعل تكرار عمليات نعي ودفن تلك الوطنية يبيِّن أنّ لديها من الأرواح والحيوات أكثر مما يُقال إنّ القطة تمتلكه، وإنّ موتها في جيلٍ ما يعني أنها ستولد في الجيل التالي متقمّصةً جسدًا في عملية تناسخٍ يمكن أن نأمل في أن تكون تقدميةً، وأن (نعمل على أن) تفضي إلى ما هو أفضل أو أقل سوءًا من كلّ الوطنيات السورية السابقة والحالية، الفعلية أو المزعومة. وفي كلّ الأحول، من المرجّح أن لا خلاص للسوريات والسوريين إلا بخلاصهم معًا، وليس بخلاص أو بتخلّص كلّ طرفٍ منهم من الأطراف الأخرى.

العربي الجديد

—————————

سورية ومخطّطات التقسيم الطائفية/ حسان الأسود

10 سبتمبر 2025

تتسارع منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 دعوات التقسيم في سورية، وتتزايد معها حدّة الخطاب الديني والطائفي بين مسيحيين ومسلمين وبين سنّة ودروز وعلويين، والقومي بين عرب وكرد وغيرهما. باتت بعض الدعوات علنية ومتكرّرة ومرتبطةً بشكل مباشر مع إسرائيل، فالأخيرة التي أعلنت أنها ستحمي دروز جرمانا إعلاميّاً قصفت فعليّاً قوات سورية تابعة لوزارة الدفاع وللأمن العام وقوات من العشائر على حدود السويداء، وأعلنت أنّها ستطبّق هذه السياسة كلّما تهدّد دروزَ السويداء خطرٌ مماثل. بل أكثر من ذلك، تخوض إسرائيل محادثاتٍ سياسية عبر وزير شؤونها الاستراتيجية رون ديرمر، مع سورية الممثلة بوزير خارجيتها أسعد الشيباني، لتثبيت حدود سلطة القوى الدرزية في السويداء بزعامة الشيخ حكمت الهجري. ويمكن قراءة هذا الأمر بشكل معاكس، أنّه تحديد لسلطة دمشق في الجنوب السوري كلّه من بوابة السويداء.

قبل عدّة أيام، قصف الطيران المسيّر الإسرائيلي قوّة سورية اكتشفت أجهزة تنصّت مزروعة قرب جبل المانع، جنوب العاصمة دمشق، وقد أعلنت وزارة الدفاع السورية استشهاد ستة عناصر في القصف، وأنها تمكّنت من إخلاء الجثث في اليوم التالي. ويبيّن هذا الخبر مع غيره من الأخبار التي تفيد بتنفيذ عمليات سحب ما تبقّى من سلاح ثقيل في مناطق حوران الحدود الجغرافية التي ترسمها جلسات التفاوض السورية الإسرائيلية. من يعرف جبل المانع، الواقع بين طريقي درعا دمشق والسويداء دمشق، يدرك أنّه نقطة استراتيجية منها يمكن فصل الجنوب عن سورية كليّاً. تبعت عمليات حلّ المركزيات وما تبقّى من فصائل الجيش السوري الحرّ، مثل اللواء الثامن في حوران، حالة انفلات أمنيّ كبيرة. عمليات الاغتيال التي تجاوزت حدودها المعتادة أيام نظام الأسد المخلوع تثير علامات استفهامٍ كبرى، فقد كانت أجهزة النظام تدير تلك العمليات لجعل المنطقة تحت الضغط المستمرّ والسيطرة المباشرة. أمّا الآن فيبدو الأمر مقلقاً لناحية غياب الضبط من أي نوعٍ كان. هدف استهداف الثوّار الأوائل والنشطاء المدنيين والسياسيين هدفه إفراغ المنطقة من كوادرها القادرة على إدارة شؤونها. حسب إحصائية أخيرة، فإنّ 95 قتيلاً سقطوا منذ بداية العام الجاري (2025)، من بين 291 عملية اغتيال جرى تنفيذها، وكان آخرها استهداف القائد الميداني منيف قدّاح (الزعيم) في مركز محافظة درعا، واغتيال القائد المدني محمد الهويدي في منزله في مدينة معربة، شرق درعا، سبقهما اغتيال السفير المنشق نور الدين اللباد في مدينة الصنمين.

لم تكن السويداء وحدها التي أعلنت بعضُ القوى فيها عن تشكيل إدارة محلية تحت مسمّيات مختلفة، فقد أعلنت مجموعة من السياسيين السوريين من الطائفة العلوية عن تشكيل ما سُمّي “المجلس السياسي لوسط وغرب سورية”، والذي ضمّ حسب الإعلان كلاً من حمص وريف حماة والساحل السوري وسهل الغاب. استند مؤسّسو المجلس إلى المرجعية الدولية المتمثلة بقرار مجلس الأمن 2254 التي تتحدّث بالجوهر عن حل سياسيٍ شاملٍ وغير طائفي في سورية، لكنّها تستذكر في المقابل التجارب المماثلة لما حدث في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ولمناطق الأقليات المتفرقة في دمشق وسواها، والتي وصفتها بالناجحة.

هذه الوصفة التي عبّر عنها إعلان التأسيس بقوله: “على رغم الانطلاق من المكوّن العلوي كبداية فرضها الشقاق الذي قادته سلطة الأمر الواقع، لكن ستتم المشاركة في الخطوة التالية مع باقي المكونات المحلية، ثم يمكن الاتفاق مع باقي مكونات سورية على الشكل النهائي لشكل وإدارة نظام الحكم في كامل سورية”. هذه المبادرة التي استلهمت تجربتي مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرقي سورية والسويداء، جنوب غربها، لم تأت من فراغ. بل هي حصيلةٌ طبيعيةٌ ونتاجٌ متوقّعٌ لصراع استمرّ 14 سنة مريرة خاضها السوريون في ما بينهم، الجديد فيها أنّها باتت تعلن عن وجهها الطائفي بوضوح.

بالتدقيق في ما تتناقله مصادر كثيرة من داخل المنطقة الوسطى في سورية، نجد عمليات تهجير للسكان وتغيير ديمغرافي بطيئة وغير معلنة، لكنها متواترة وكأنها ممنهجة بطريقةٍ تدعم عمليات ترسيم الحدود المعلن عنها في مشروع المجلس المذكور أعلاه. على سبيل المثال، لدينا في منطقة حمص قرية اسمها تسنين تتبع ناحية الرستن، وفي محافظة إدلب قرية تدعى البويضة على الحدود الإدارية لناحية الحمراء. وفي محافظة حماة، لدينا في ناحية الحمراء قرى العزيزية، البليل والزغبة، وفي ناحية صوران لدينا قرى قصر أبو سميرة، طليسية، معان، وفي ناحية مركز حماة، هناك قرى المبطن، أبو منسف، مريود، أرزة، كفر الطون، متنين وغور العاصي (جاري التهجير منها). أمّا في ناحية حرّ بنفسه، فلدينا قرى موسى، الحولة والزارة، وفي منطقة سلمية نجد أيضاً ناحية مركز سلمية – سباع، نوى، ذهب، حلبان، الطوبة وفان الوسطاني. جميع هذه القرى تجري فيها عمليات دهم واعتقال وتضييق تشارك فيها قوى مختلفة، يُقال إنّ بعضها من عشائر البدو وبعضها من قوى نظامية تتبع للأمن العام والجيش. يهاجر العلويون من هذه القرى نحو مناطق الساحل الداخلية، يبيع بعضهم أملاكهم وبعضهم يتركها ببساطة. وتشير خريطة هذه المناطق الجغرافية إلى حدود يتم رسمها بأناة ومن دون كبير ضجّة.

على صعيد آخر، تذكُر تقارير مختلفة أنّ الإدارة الذاتية لشمال سورية وشرقها تميّز، بشكل واضح، في عمليات الإنفاق والتنمية بين القرى والمناطق العربية، وتلك التي تقطنها أغلبية كردية، قد تطاول هذه التقارير بعض المبالغة أو المغالاة، لكنّها تبقى، في النهاية، قضايا واردة ضمن سياق الاصطفاف القومي والديني والطائفي، ليس فقط الواضح، بل والجاري تثبيته وتعزيزه بخطاب إعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتشارك فيه، مع شديد الأسف، حتى القنوات الرسمية للحكومة الانتقالية.

من باب التذكير بأنّ الموضوع ليس مجرّد مؤامرة في خيالنا سنورد مقطعاً من مقالة بعنوان “Greater Israel: an Ongoing Expansion Plan for the Middle East and North Africa”، نشرها موقع “Meddal East Political and Economic Institute” في الثاني من سبتمبر/ أيلول الجاري، يقول فيه الكاتب: “في مقال عام 1982 بعنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات” بقلم عوديد ينون (Yinon & Shahak, 1982)، نوقشت مزيد من الأفكار الجيوسياسية المتعلقة بالمنطقة، بما يتماشى مع موقف إسرائيل وصراعاتها مع جيرانها… إنها ورقة بحثية عن الحرب في الأساس. بعد عرض جوانب التنوّع المختلفة للمجتمعات العربية على نطاق واسع، وكان بعضها عالميّاً لقرون، بما في ذلك الجزائر ومصر ولبنان وسورية والسعودية والعراق، تبدأ “الخطّة” في تقديم سيناريوهات “لحلّ” هذه البلدان على أسس دينية أو عرقية: “دولة قبطية مسيحية” في مصر، والتي قد تؤدّي إلى “سقوط مصر وتفكّكها”، ما يؤدّي إلى سقوط ليبيا والسودان. يذكر المقال أيضاً: “التفكّك الكامل للبنان إلى خمس مقاطعات يمثل سابقة للعالم العربي بأكمله، بما في ذلك مصر وسورية والعراق وشبه الجزيرة العربية، وهو يتبع هذا المسار بالفعل. تفكيك سورية والعراق لاحقاً إلى مناطق عرقية أو دينية فريدة كما هو الحال في لبنان، هو الهدف الأساسي لإسرائيل على الجبهة الشرقية على المدى الطويل، في حين أن تفكيك القوة العسكرية لتلك الدول يمثل الهدف الأساسي على المدى القصير. سوف تتفكك سورية، وفقاً لتركيبتها العرقية والدينية، إلى عدة دويلات كما هو الحال في لبنان اليوم، بحيث تكون هناك دولة علوية شيعية على طول ساحلها، وأخرى سنّية في منطقة حلب، ودولة سنّية أخرى في دمشق معادية لجارتها الشمالية، والدروز الذين سيقيمون دولة، ربما حتى في الجولان التابع لنا، وبالتأكيد في حوران وشمال الأردن. وستكون هذه الحالة الضمان للسلام والأمن في المنطقة على المدى الطويل، وهذا الهدف أصبح في متناولنا اليوم بالفعل”.

أين تذهب سورية في هذا اليمّ المتلاطم، وهل بات قرْع جرس الإنذار من التقسيم فعلاً نافلاً لا قيمة له، أم لا يزال الأوان متاحاً لمنع هذا العمل من النجاح؟ ما هي الجهات المسؤولة عن هذه الأفعال التي أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها خيانة بواح لكل القيم وهدرٌ لكل التضحيات الجسيمة التي قدّمها الشعب على مذبح الحريّة؟ هل تدري السلطات السياسية في الحكومة الانتقالية خطورة ما يجري، أم أنها مشاركة فيه؟ وهل يجوز السكوت عن هذا أم أنّ السكوت مشاركة كاملة ومباشرة في الجريمة؟ كل هذه الأسئلة برسمنا جميعاً الإجابة عنها.

العربي الجديد

—————————

هل من جديد في قصة الصراع على سورية؟/ مروان قبلان

10 سبتمبر 2025

منذ استقلالها، تزامناً مع تبلور النظام الإقليمي العربي بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت سورية، نظراً إلى أهمية موقعها الجيوسياسي، ومكانتها التاريخية، إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية طامحة للزعامة والهيمنة. بدأ التنافس على سورية بين الثلاثي العربي (مصر والعراق والسعودية) مباشرة بعد استقلالها عن فرنسا. وعلى الفور، وجدت سورية نفسها مسرحاً لصراعات الطاقة التي نشبت بين الولايات المتحدة وحليفها الإقليمي بن سعود، من جهة، وبريطانيا وحليفها الإقليمي، الهاشميين في العراق، من جهة ثانية، وكان أبرز تجلياته انقلاب حسني الزعيم في مارس/ آذار 1949، الذي دعمته المخابرات الأميركية، وأطاح حكومة شكري القوتلي، ليقرّ اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، والتي كانت شرطاً لإنشاء خط التابلاين، الذي ينقل النفط السعودي إلى الساحل اللبناني، مرورا بالأردن وجنوب سورية. لكن انقلابا آخر بدعم بريطاني – عراقي سرعان ما أطاح الزعيم، وجاء بسامي الحناوي إلى الحكم، بغرض تمرير خط أنابيب نفط كركوك – بانياس، ليعود أديب الشيشكلي ليطيح، بدعم سعودي، حكم الحناوي.

مع احتدام الحرب الباردة، وخروج المنطقة من دائرة التنافس البريطاني – الأميركي، وتحوّلها إلى ساحة مواجهة إيديولوجية وجيوسياسية كبرى بين الغرب الرأسمالي والمعسكر السوفييتي، استعر التنافس على سورية، وتجسد إقليمياً بالصراع العراقي – المصري حول حلف بغداد. ربح جمال عبد الناصر المعركة ضد الحلف الذي انهار عمليّاً بعد الوحدة بين سورية ومصر في فبراير/ شباط 1958 وسقوط النظام الهاشمي في العراق في يوليو/ تموز من العام نفسه. لكن السعوديين والهاشميين لم يستسلموا أمام زعامة عبد الناصر العربية، فموّلوا الانقلاب السوري ضد الوحدة.

تراجع دور مصر الإقليمي بشدة بعد حرب 1967، وانهار بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد (1978)، ومعاهدة السلام مع إسرائيل (1979). ولحق بها العراق بعد حرب الكويت (1991)، ثم الغزو الأميركي (2003)، وانكفأت السعودية بسبب تعقد علاقاتها مع الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول (2001)، وتناقص الاهتمام الأميركي بالنفط العربي بعد تحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للطاقة في العالم. انهيار الأدوار العربية، بالتزامن مع ضعف الدور الإقليمي لسورية بعد غزو العراق، وخروجها من لبنان (2005)، نقل التنافس على سورية إلى الحلقة التالية التي تضم القوى الإقليمية غير العربية، التي صعد نفوذها نتيجة انهيار الأدوار العربية، وهي إيران التي استفادت من سقوط العراق، وتركيا التي بدأت تتّجه بأنظارها نحو المنطقة العربية، بعد فشل محاولات التحاقها بالاتحاد الأوروبي، وحسم الصراع بين الجيش والنخب الكمالية، من جهة، والقوى المحافظة اجتماعيا، المتلبلرة اقتصاديا من جهة أخرى، لصالح هذه الأخيرة، ومشروعها.

بدأ التنافس على سورية تركياً إيرانيّاً، بعد غزو العراق، مع أدوار أقل أهمية لدول الخليج العربية، لكنه انفجر تماماً بعد عام 2011 ليتحول إلى صراع وكالة مدمر، شاركت فيه ما لا يقل عن 80 جنسية، بين دول ومليشيات ومتطوعين أفراد. في أواخر عام 2023 بدا وكأن الإيرانيين ربحوا الحرب في سورية، من خلال تثبيت نظام بشّار الأسد، وبدأ العرب والأتراك يقبلون هذه النتيجة بالانفتاح على الأسد وإعادة تأهيل نظامه. لكن عملية طوفان الأقصى قلبت المشهد، إذ دخلت إسرائيل، التي ظلت تتحرّك في الظل، منذ بداية الصراع السوري، بقوة على الخط وغيّرت كل نتائجه. وقد تبنّت إسرائيل منذ 2013 سياسة “المعركة بين الحروب”، لإضعاف الوجود العسكري الإيراني في سورية، لكنها قرّرت بعد “طوفان الأقصى” إخراج إيران كليّاً من سورية. ومع انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، بدا ممكناً لتركيا، خصوصاً بعد فوز ترامب في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تغيير نتيجة الحرب، بعد أن كانت قد سلمت بخسارتها لها في سورية. فوجئت إسرائيل بهشاشة نظام الأسد وسرعة انهياره، وتسلم هيئة تحرير الشام مقاليد الحكم في دمشق. وفيما وضعت تركيا ثقلها وراء النظام الجديد، شعرت إسرائيل بأنها استبدلت خصماً بآخر (إيران بتركيا).

بسقوط نظام الأسد وخروج إيران، انتهى فصل آخر من الصراع على سورية وبدأ فصل جديد، طرفاه الرئيسان تركيا وإسرائيل. وفيما يحاول الروس والعرب البقاء في المعادلة، أو انتزاع أدوار فيها، يحاول الأميركان الخروج منها، إنما بعد ترتيب الساحة وفق رؤيتهم. السؤال الآن: أين السوريون من هذا كله، وماذا حل بثورة 2011، وتضحياتها الكبرى، وإلى متى تبقى سورية ساحة، ويبقى السوريون أدوات، في صراع إقليمي ودولي مدمر، نتيجة انقساماتهم، ورفضهم تحقيق سلام نهائي بينهم، عبر تسويات وطنية كبرى، فيما ينشدون “سلاماً” مع الخارج، أو يستعينون به بعضهم على بعض؟

العربي الجديد

—————————-

 في احتمالات الصدام العسكري بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2025.09.10

من بين المزاعم الأساسية لعلماء السياسة اعتقادُهم أنّ الأحداث ليست فريدة، وأنّ الظواهر السياسية لا تحدث عشوائيًا، بل تعاود الحدوث في أنماطٍ واتجاهاتٍ يمكن التعرّف عليها. وبالمقدور اكتشاف متشابهاتٍ محدّدة في مسلك الشعوب والأمم.

ولو صحّ أنّ هذه المزاعمَ زائفة، فلن يكون من المستطاع الاهتداءُ إلى أكثرَ من تفسيرِ كلّ حربٍ على حدة، وسيكون سببُ كلّ حربٍ مختلفًا. تلك المتشابهاتُ والأنماطُ المتكرّرة هي ما يستند إليه علماءُ السياسة لإطلاق تنبؤاتهم بخصوص الحرب والسِّلم، وهي ذاتها التي دفعت كثيرًا من منظّري العلاقات الدولية إلى استشعار الخطر المحدق بمنطقة الشرق الأوسط والتحذير من صداماتٍ عنيفةٍ محتملة.

قواعد الاشتباك في مهبّ الريح

يربط منظّرو العلاقات الدولية بين الاستقرار الدولي وتوازن القوى. وعلى مستوى الأقاليم يظلّ المفهومُ سارِيَ المفعول، بوصفه امتدادًا ــ بشكلٍ من الأشكال ــ للتوازن الدولي وتفاعلاته؛ فأيُّ تغيّراتٍ في موازين القوى على المستوى الدولي تجد صداها وارتداداتِها في أقاليم العالم. منذ نهاية الحرب الباردة حتى يومنا هذا، وبعد زوال المظلّات الأمنية التي كان يفرضها المعسكرانِ الغربيّ والشرقيّ، ما يزال توازنُ القوى في منطقة الشرق الأوسط يتعرّض لتقلّباتٍ توحي للمراقب أنّه توازنٌ مؤقّت وهشّ. ومع الحروب العديدة التي أطلقها الكيانُ الصهيونيّ بعد عملية «طوفان الأقصى» أصبح هذا التوازنُ في مهبّ الريح.

يفترض الصراعُ ــ عمومًا ــ وجودَ اتفاقٍ علنيٍّ أو ضمنيٍّ بين طرفيه، بما يعني ألّا يتجاوز الصراعُ حدًّا معيّنًا من العنف، وألّا يتجاوز قواعدَه وقوانينه الوضعيةَ والعرفيةَ (قواعدُ الاشتباك). وعندما يخرج الصراعُ عن هذا الإطار ويكون منفلتًا من كلّ القيود ــ كما يفعل الكيانُ الصهيونيّ اليوم ــ لا يمكن تصوّرُ نهايته بالسهولة التي يتخيّلها أو يتمناها الطرفُ المعتدي، حتى لو توقّفت الأعمالُ العسكرية. إنّ الرغبة الجامحة في التفرد بالهيمنة الإقليمية لدى الكيان الصهيوني، وقد اتخذت طابعَ العدوان والتنمّر على باقي القوى الإقليمية، سوف تُقابَل بتحالفِ قوى أخرى من أجل إعادة التوازن.

تنبؤاتُ “الواقعية الجديدة”

يرى أنصارُ النظرية الواقعية في العلاقات الدولية قاعدةً صارمةً مفادُها: إنّ القوى الكبرى تتوازن ــ داخليًّا أو خارجيًّا أو كليهما ــ ضد الطامحين للهيمنة؛ فإمّا تلجأ لزيادة موارد قوتها (توازنٌ داخلي)، وإمّا إلى التحالفات (توازنٌ خارجي)، أو تفعل الأمرين معًا. ويستخلص الباحثون هذه القاعدةَ ممّا تقرّره نظريتا «ميزان القوى» و«الواقعية الدفاعية» (وهما من تفرّعات الواقعية الجديدة). فـ«ميزانُ القوى» يشير إلى أنّ الدول تضمن بقاءها بمنع قوةٍ من الهيمنة، إذ تتحد الدول الأضعف ضدّ الدولة الأقوى، ويكون النظامُ الدوليُّ أكثرَ استقرارًا عندما تتوزّع القوةُ أو تتوازنُ بين القوى العظمى.

أمّا «الواقعيةُ الدفاعية» فترى أن النظام الدوليّ الفوضويّ (أي غياب سلطةٍ مركزيةٍ عليا) يدفع الدول إلى تبنّي سياساتٍ معتدلةٍ ومتحفّظة للحفاظ على أمنها وبقائها، لا لتعظيم قوّتها. الهدفُ الرئيس للدول هو تحقيقُ الأمن والحفاظُ على الوضع القائم، وأنّ السعيَ المبالغَ فيه إلى القوة قد يرفع احتمالاتِ الصراع ويقوّضُ أمنها بدلًا من تعزيزه. وبذلك تشير هذه النظرية إلى السياسة العقلانية لمعظم الدول التي تتجنب سلوكًا يُدخلها في ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ«معضلة الأمن».

معضلة الأمن

يقول هنري كيسنجر: «إذا تمتّعتْ قوةٌ ما بالأمان المطلق، فسيسفر ذلك عن تعرّض جميع القوى للخطر». تدور معظمُ أطروحات الواقعية حول هذه الفكرة. ويمكن القول ــ بلا تردّد ــ إنّ الكيانَ الصهيونيّ يخوض حاليًّا مغامرةَ الوصول إلى «الأمان المطلق»، بما يجعل جميعَ القوى التي طالها التنمّرَ ــ وهي عمليًّا جميعُ الوحدات الدولية في محيطه الإقليمي وربما أبعد ــ تشعر بالخطر، فتتّجه إلى مزيدٍ من التسلّح والاستعداد للحرب دفاعًا عن النفس أو سعيًا لفرض حالةٍ من توازن القوى.

إنّ دخول القوى في سباقِ تعظيمِ القوة يُدخلها في «المعضلة الأمنية»: حيث تتخذ دولةٌ ما إجراءاتٍ لزيادة أمنها (تعزيزٌ عسكريّ، تمسّكٌ بخيارات السلاح، عقدُ تحالفات)، فتتخذُ دولٌ أخرى الإجراءاتِ ذاتَها ردًّا عليها، فيرتفع التوتّر ويُخلق الصراع، وإن لم يرغب أيُّ طرفٍ فيه حقًّا.

مظاهر التصعيد

لقد تجاوز الكيانُ الصهيونيّ مرحلةَ استعراض القوة إلى مرحلةِ التنمّر. وفي المقابل، فإنّ ردودَ الأفعال التركية تُظهر ــ بما لا يدع مجالًا للشك ــ أنّ الأطراف دخلت أجواءَ «المعضلة الأمنية»: فتركيا تستعرض يوميًّا قدراتٍ جديدةً في التجارب الصاروخية والطيران الحربي والمسيَّر، مع خططٍ لإقامة ملاجئ تحسّبًا لحربٍ محتملة؛ وكلّها رسائلُ موجّهةٌ بالدرجة الأولى إلى الكيان الذي يُعربد في المنطقة من دون رادع. وعلى مستوى آخر، تبدو أنقرةُ ساعيةً إلى تعزيز تحالفاتها القديمة، وحشدِ دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ للوقوف إلى جانبها في مجابهة الكيان الصهيوني.

ومنذ أسابيع قليلة، وعلى أثر تصريحات نتنياهو عن «إسرائيل الكبرى»، أصدرت إحدى وثلاثون دولةً عربيةً وإسلامية، إلى جانب الأمناء العامّين للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، بيانًا مشتركًا ضدّ إسرائيل. وشدّد البيانُ على أنه «في الوقت الذي تؤكّد فيه الدولُ العربية والإسلامية احترامَها للشرعية الدولية وميثاقِ الأمم المتحدة، ولا سيّما المادةَ (2/فقرة 4) المتعلّقة برفض استخدام القوة أو التهديد بها، فإنّ هذه الدول ستتّخذ كافةَ السياسات والإجراءات التي تُؤطّر للسلام وتكرّسه، بما يحقّق مصالحَ جميع الدول والشعوب في الأمن والاستقرار والتنمية، بعيدًا عن أوهام السيطرة وفرضِ سطوة القوة».

نظريًّا يمكن القول إنّ الصدامَ قادمٌ لا محالة. لكنّ نظرياتِ العلاقات الدولية عمومًا ــ والواقعيةَ خصوصًا ــ تُعنى غالبًا بتفسير السلوك الدوليّ على مستوى النظام العالميّ والقوى العظمى؛ ولذا فهي تصلح جزئيًّا للتنبؤ بسلوك الدول في الصراعات الإقليمية التي تبقى ــ في الأغلب ــ واقعةً تحت تأثير القوى الكبرى ضبطًا وتوجيهًا وربما تحكّمًا. لذلك نرى أنّ احتمالاتِ التفاهم والتهدئة أقربُ بكثير من احتمالات الصدام. وفي نهاية المطاف، قد يكفي لخفض التوتّر الإطاحةُ بحكومة نتنياهو المتطرّفة والإتيانُ بحكومةٍ لديها رغبةٌ في المهادنة وسحبِ فتيل التصعيد.

تلفزيون سوريا

——————————-

 أي شكل من الحكم هو الأنسب لسوريا المستقبل.. مركزية، لامركزية، أم فيدرالية؟/ عبد الناصر القادري

2025.09.10

انطلاقاً مما تعيشه سوريا بعد إسقاط النظام المخلوع، ومحاولات البعض لفرض أشكال حكم على مقاساتهم، يذكرنا ذلك بما قاله أرسطو في كتابه “السياسة”: “بديهي إذن أن الدساتير كلها التي تقصد إلى المنفعة العامة صالحة، وكل الدساتير التي تقصد المنفعة الشخصية للحاكمين هي فاسدة القواعد، وليست إلا فساداً للدساتير الصالحة”.

وفي سياق ذلك، تحاول بعض الزعامات أو القيادات العسكرية أو الناشطين الذين يقدمون أنفسهم دينياً أو عرقياً أو مذهبياً، اقتسام جزء من كعكعة سوريا لصناعة أوطان جديدة أو فرض حلول تناسبهم، رغم مساعي الكثيرين من السوريين تجاوز المرحلة الانتقالية محافظين على شكل سوريا وخريطتها موحدة وسيادتها كاملة تعبر إلى مكانتها الجديدة بيسر وأقل كلفة ممكنة، بما يتوافق مع تقرير مصيرها بدستور دائم وانتخابات حرة وبقدر حجم التضحيات المبذولة خلال سنوات الثورة السورية.

وتتعالى الأصوات التي تنادي بشكل الدولة بناء على مقاس طموحاتها ومكتسباتها الضيقة، في الوقت الذي تمر به سوريا بمحاولات إسرائيلية (وعدة دول أخرى) لا تخفى لإضعافها وتفتيتها طائفياً وعرقياً مما يؤدي إلى تقسيمها وإفشال أي من سبل تعافيها.

يطالب حكمت الهجري شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء بحكم ذاتي مستقوياً بالاحتلال الإسرائيلي، وتفاوض قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على شكل إدارة لا مركزية موسعة في الحكم منطلقة من شكل الإدارة الذاتية التي تسيطر فيها معظم مساحة الجزيرة السورية، في الوقت الذي أعلن عن تشكيل مجلس سياسي لإقليم وسط وغرب سوريا الذي يتحدث عن فيدرالية كاملة، أما من جهة الحكومة المعترف بها دولياً ما زالت تصر على شكل حكم مركزي وسوريا موحدة، مع إمكانية الحديث عن تطوير قانون الإدارة المحلية رقم 107، حيث قال الرئيس أحمد الشرع رداً على سؤال أحد الإعلاميين العرب خلال استقباله لهم بدمشق، إن “في سوريا القانون 107 وهناك وزارة إدارة محلية”، مضيفاً “المهم هو تعريف الفيدرالية أو اللامركزية. إذا كانت تعني التقسيم، فهذا غير مقبول. و”هل تريد سوريا موحدة؟ هل تريد إدارة مركزية؟ هل تسمح الطبيعة الجغرافية؟ هل الشعب موافق؟”، لافتاً إلى أن هذه أسئلة تحدد الموقف.

ما أفضل شكل إداري لحكم سوريا؟

ويرى المفكر السوري الدكتور برهان غليون أن “اللامركزية الديمقراطية هي الحل في سوريا” قائلاً: “أنا أعتقد أن سوريا بحاجة إلى جرعة كبيرة من اللامركزية الإدارية. وهذا ما نص عليه برنامج المجلس الوطني السوري الذي كان أول هيئة وطنية جامعة تمثل الثورة السورية”.

وأضاف غليون في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “البرنامج تحدث عن لامركزية موسعة تسمح لمجالس المحافظات أن تشرف مباشرة على العديد من الشؤون الإدارية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها ضمن إطار القانون الواحد، ويبقى للمركز إدارة الشؤون السيادية: القوات المسحلة والمصرف المركزي والعلاقات الخارجية والقضاء (العدالة)”.

واستدرك الدكتور برهان أنه “كي تكون اللامركزية وسيلة لتوحيد الإرادة الوطنية لا قناعاً للمحاصصة والانفصال ينبغي أن تعطى لمواطني كل محافظة من خلال مجالس منتخبة قانونياً بطريقة ديمقراطية وبصورة نزيهة وشفافة يشارك فيها الجميع وليس لحزب أو جماعة. وهكذا يمكن للأكثرية القومية أو الدينية في أي مدينة أو محافظة أن تحد تمثيلها الطبيعي في مجلس إدارتها الذي يعكس خصوصياتها من دون محاصصة قومية أو طائفية وحسب معايير سياسية وأخلاقية بحيث يبرز الفرد أو الممثل الأكثر كفاءة وأمانة في نظر سكان المحافظة، بصرف النظر عن دينه وقوميته، في المجالس المنتخبة. ولن يكون هناك أي مانع من أن يكون المحافظ صاحب الصلاحيات الواسعة أو المسؤول في الإدارة كردياً أو عربياً أو مسلماً أو مسيحياً أو غيرهما. لذلك “اللامركزية الديمقراطية هي البديل عن المحاصصة وعن المركزية المعطلة معاً”.

ما بين الطروحات الواقعية وغير الواقعية

من جانبه، قال الباحث السوري الدكتور عبد الرحمن الحاج، “نحن هنا إزاء نزعات انطواء تغذيها من جهة مخاوف من المستقبل ويستثمر في هذه المخاوف خصوم أو أعداء للحكم الجديد، أو باحثون عن مصالحهم في ظل وضع انتقالي يتسم بالهشاشة وبناء مؤسسات حكم منهارة من العدم تقريباً

النقاش حول أيهما أفضل مركزية أو لا مركزية؟ سياسية أو إدارية؟ فيدرالية أو كونفدرالية؟ انفصال أو عدم انفصال؟ كل النقاش متأسس ليس على مدى صلاحية هذه الأطروحات وإنما لاعتبارات قابلة للمعاجلة، والحقيقة البينة أن جميع تلك الطروحات جميعها تستند إلى دعم خارجي كلياً أو جزئياً، ما يجعلها أطروحات رهن برغبة الدول ومصالحها التي يستند إليها”.

ويعتقد الحاج في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “جميع الطروحات في (بعض مناطق سوريا) حالياً غير واقعية، لا من جهة الجغرافيا، ولا من جهة الموارد.

وأكّد الحاج أن “هناك حاجة ماسة لتعزيز المساهمة المحلية في الحكم، والاتجاه الرئيس الشعبي هو لا إدارية موسعة، وهي صيغة مقبولة من الحكومة الانتقالية”.

ولفت إلى أن  القانون 107 (صدر عام 2011) يتحدث عن إدارة محلية موسعة، وقد يكون هذا القانون، الذي لم يتم العمل به حين صدوره، أساساً لقانون جديد لتطوير قانون لإدارة محلية لامركزية، هذا بلا شك سيلبي الكثير من الحاجة ويقلل من الضغط على المركز دون أن يفقد الدولة وحدتها وقراراتها ومؤسساتها السيادية والسياسية التي ستبقى مركزية.

وتطرق الحاج في حديثه إلى اللجوء إلى الاستفتاء حتى لو كان حقاً لمجموعة سكانية، يجب أن ينظر إليه سياسياً إذا كان ممكناً أم لا، كردستان العراق قبل بضع سنوات قامت باستفتاء للاستقلال والانتقال من وضع إقليم يقوم على الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة إلا أنه فشل رغم أنه نجح بالأصوات، لكنه غير واقعي وغير قابل للتطبيق. المسألة ليست إن كان بالإمكان إقامة استفتاء من قبل مجموعة سكانية متمركزة في منطقة جغرافية محددة وإنما في مدى واقعية تطبيق نتائج هذا الاستفتاء”.

وأشار إلى أن الاستفتاء على حق تقرير المصير لمجموعة سكانية على أرض ذات سيادة يتطلب توافقاً مع الحكومة المركزية لقبول إجراء مثل هذا الاستفتاء وإلا فإن أي استفتاء من هذا النوع لا يكتسب الشرعية اللازمة ويتم عرقلته”.

ما الفرق بين أشكال الحكم؟

تسعى سوريا الجديدة لكتابة عناوين مستقبلها في جمهوريتها التي تتشكل بعد انتصار الثورة السورية وهروب بشار الأسد وأبرز أزلام نظامه، وقد عرفت هذه البلاد منذ تأسيسها شكل الدولة المركزية بكل مافيه من إيجابيات وسلبيات وبعد انطلاق الثورة أصدر مرسوم القانون 107 إلا أنه لم يفعل، فما الفرق بين أشكال الحكم المختلفة المركزية واللامركزية والفيدرالية، وما القانون 107 وهل يتصل بشكل اللامركزية الإدارية الموسعة؟

    الحكم المركزي

هو شكل الحكم الإداري في دولة مركزية/موحَّدة، تحتكر فيه السيادة والاختصاصات العليا في يد حكومة مركزية واحدة، وتمنح هذه الحكومةُ الوحداتِ المحلية ما تشاء من صلاحيات عبر التفويض أو القوانين، مع احتفاظها بحق سحبها أو تعديلها.

 وفي هذا النموذج يكون الدستور واحداً، والبرلمان والمحاكم العليا وطنية، والجيش والمالية والسياسة الخارجية جميعها تحت سلطة المركز؛ كما تُوحَّد المعايير والقوانين الأساسية (التعليم، الصحة، الضرائب العامة…) على كامل الإقليم.

ويدار داخلياً من خلال تفويض إداري يتراوح بين:

إعطاء صلاحيات محدودة لمديريات تابعة للوزارات تعمل محلياً بأسلوب “اللامركزية الإدارية المحدودة”.

تفويض/تفويض موسّع: نقل جزء من إدارة الخدمات إلى بلديات ومحافظات مع بقاء القرار الاستراتيجي للمركز.

كما أنها يمكن أن تعطي صلاحيات من خلال لا مركزية مقننة: منح مجالس محلية منتخبة صلاحيات أوسع يُحدّدها قانون وطني، لكن ضمن دولة موحّدة (مثل ما حصل في فرنسا بعد قوانين اللامركزية، أو في إيطاليا بشكل “الدولة الإقليمية”، أو في المملكة المتحدة بنظام التفويض).

وتفرض الحكومة المركزية وحدة الأجهزة السيادية بشكل كامل: جيش موحّد، سياسة خارجية موحّدة، عملة وبنك مركزي واحد، وتشريعات عليا موحّدة.

ما مزايا الحكم المركزي؟

    وحدة القرار والهوية وسهولة تنسيق السياسات الوطنية.

    خفض التفاوت القانوني بين المناطق وتبسيط الإجراءات.

    استجابة أسرع للأزمات عندما تكون قنوات القيادة واضحة.

   ما عيوب الحكم المركزي؟

    فرط البيروقراطية والتهميش للمناطق البعيدة إذا ضَعُفت المشاركة المحلية.

    تباطؤ الخدمات بسبب مركزية الموافقات.

    تحوّل التفويض إلى أداة سياسية تُمنح أو تُسحب بقرار مركزي.

يطبق نموذج الحكم المركزي في معظم دول العالم 165 من أصل 193 دولة، لكنها تختلف في مدى اللامركزية داخل هذا الإطار، ويمكن للدولة المركزية أن تكون فعّالة وشاملة إذا قُنّنت تفويضات محلية واضحة ومستقرة، مع وحدة سيادية في الدفاع والخارجية والمالية.

 تلفزيون سوريا

 ——————————-

84 شاحنة مساعدات إنسانية وتجارية تدخل محافظة السويداء/ عبد الله البشير

10 سبتمبر 2025

دخلت 84 شاحنة، اليوم الأربعاء، إلى محافظة السويداء جنوبي سورية، وفق ما أكدت “الإخبارية السورية”، وتوزعت الشاحنات على قافلتين: الأولى محمّلة بالمساعدات الإنسانية، والقافلة الثانية تجارية، وذلك عبر طريق دمشق – السويداء.

بدوره، أكد محافظ السويداء، مصطفى البكور، في بيان له نقلته صفحة المحافظة على فيسبوك، أن الحكومة تتابع أوضاع المهجرين من قرى السويداء والمقيمين في مراكز الإيواء المؤقتة بمحافظة درعا وداخل مدينة السويداء، موضحاً أن المنظمات الإنسانية والهلال الأحمر تعمل على تأمين الإغاثة العاجلة لتلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، في ما أكد أنه “مرحلة صعبة”، لافتاً إلى أن الحكومة تعمل على وضع خطة شاملة لإعادتهم إلى قراهم وممتلكاتهم في السويداء، بما يضمن استقرارهم واستعادة حياتهم الطبيعية، مع توفير كل مقومات العودة الآمنة والكريمة لهم. وختم البكور في البيان: “إن معاناة أهلنا المهجرين خبرنا مرارتها وعشنا قسوتها، ما يضاعف مسؤوليتنا في تسريع خطوات الإغاثة والإعمار، ويعزز التزامنا تمكينهم من العودة إلى ديارهم بالشكل الأمثل”.

وأعلنت المحافظة مساء أمس مواصلة عمليات صيانة الفرن الاحتياطي في منطقة المزرعة في ريف محافظة السويداء، بهدف إعادته إلى الخدمة قبل عودة السكان إلى المنطقة. في المقابل، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تواصل تقديم المساعدات الإنسانية دون انقطاع كبير في المحافظات التي تستضيف النازحين. وقالت المفوضية في تقرير صدر عنها مساء أمس إن موظفيها يعملون لضمان استمرار تقديم الدعم، وتنفيذ بعثات ميدانية منتظمة للوصول إلى المجتمعات التي تضم أعداداً كبيرة من الأسر النازحة. علاوة على ذلك، تقدم المفوضية الدعم للسكان النازحين في درعا وريف دمشق.

وقال التقرير إنه في 31 يوليو، أعلنت الحكومة السورية تشكيل لجنة تحقيق للنظر في الحوادث التي وقعت خلال الأعمال العدائية. وستقدم اللجنة تقارير دورية وتقريراً نهائياً. وأشارت إلى أن أكثر من 30 فصيلاً مسلحاً بايعوا الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سورية، الذي يعترفون به ممثلاً شرعياً للطائفة.

وبيّن التقرير أنه منذ تصاعد الوضع الأمني في 13 يوليو، وعلى الرغم من أن وتيرة الأعمال العدائية قد خفّت بشكل عام، فإن الوضع في السويداء والمناطق المحيطة بها لا يزال غير مستقر.

————————-

 البكور: نعمل على وضع خطة شاملة لإعادة مهجري السويداء إلى قراهم وممتلكاتهم

2025.09.10

أكد محافظ السويداء، مصطفى البكور، أن الحكومة تعمل على وضع خطة شاملة لإعادة المهجرين إلى قراهم وممتلكاتهم بشكل آمن وكريم.

وقال البكور في بيان نشرته المعرفات الرسمية للمحافظة، اليوم الأربعاء، إن الحكومة تتابع أوضاع المهجرين من قرى السويداء والمقيمين في مراكز الإيواء المؤقتة في محافظة درعا وداخل مدينة السويداء، مشيراً إلى توجيه المنظمات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية في هذه المرحلة.

وأشار إلى أن الحكومة تعمل على وضع خطة شاملة لإعادتهم إلى قراهم وممتلكاتهم في السويداء، “بما يضمن استقرارهم واستعادة حياتهم الطبيعية، مع توفير كل مقومات العودة الآمنة والكريمة لهم”.

وأضاف: “إن معاناة أهلنا المهجرين خبرنا مرارتها وعشنا قسوتها، ما يضاعف مسؤوليتنا في تسريع خطوات الإغاثة والإعمار، ويعزز التزامنا بتمكينهم من العودة إلى ديارهم بالشكل الأمثل”.

مطالبات بإعادة المهجرين إلى السويداء

نظم أبناء العشائر المهجرين من السويداء، وقفة احتجاجية يوم الإثنين الماضي في بلدة الدارة الواقعة على الحدود الإدارية بين درعا والسويداء، للمطالبة بالعودة إلى قراهم وبلداتهم.

وفي حديث لتلفزيون سوريا، طالب الناطق باسم أبناء عشائر السويداء، مصطفى العميري، الحكومة السورية بالتحرك العاجل لضمان عودة المهجّرين إلى منازلهم، مؤكداً أن العشائر ترفض أي محاولات للتقسيم، ومتمسكة بالوحدة الوطنية.

وشدد العميري على أن العشائر أبناء السويداء يطالبون باستعادة أحيائهم وقراهم ومنازلهم، مؤكداً أنهم أصحاب أملاك وعقارات وجزء أصيل من المحافظة، وليسوا دخيلين عليها.

اقرأ أيضاً

لجأت العديد من العائلات التي هاجرت من السويداء إلى المدارس حيث فرت ™أكثر من 3,500 عائلة من محافظة السويداء الجنوبية السورية ولجأت إلى ريف درعا الشرقي

نزوح جماعي في السويداء يحوّل مدارس درعا إلى مساكن مؤقتة لعائلات بدوية

وبخصوص أعداد المهجرين من أبناء العشائر، أشار محدثنا إلى أن 14 حياً في السويداء، منها حي اللوزة وحي رجم الزيتون وحي المشورب وحي الحروبي وحي المقوس وحي المنصورة وحي الشقراوية، قد هُجر سكانها بالكامل، إضافة إلى عشرات القرى في الريف الشمالي والشرقي هجرت كذلك بالكامل.

وأوضح العميري أن العدد الإجمالي للمهجرين يقدر بين 120 و150 ألف شخص، أي نحو ثلث سكان المحافظة، مؤكداً أن الأراضي التي يملكها أبناء العشائر تمثل حوالي 60% من مساحة السويداء.

——————————-

===================

تحديث 09 أيلول 2025

——————————

الجولان السوري في قلب مقايضة صامتة؟/ مالك الحافظ

الأرض المحتلة بوصفها ورقة تفاوض بدل أن تكون قضية وطنية

08-09-2025

        في المشهد السوري الراهن، يبدو كما لو أن الجولان السوري المحتل خرج نهائياً من أجندة الصراع الوطني، لا بفعل الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل ضمن معادلة سياسية غير معلنة تقوم على تجميده كملف سيادي مقابل تثبيت نفوذ السلطة الانتقالية في دمشق. هذه المقايضة الصامتة التي تتقاطع مع التحولات الإقليمية الجارية، ومع مشاريع إعادة هندسة الاستقرار في المنطقة، تجعل من الجولان ورقة أمنية–سياسية بيد الخارج، لا قضية تحرر وطني بيد السوريين.

        في هذا السياق، يُصبح فهم تغييب الجولان جزءاً من قراءة أوسع لمسار السيادة المشروطة في سوريا: كيف تتحول قضايا السيادة الكبرى إلى أدوات تفاوض خارجي تُستخدَم لإضفاء شرعية على سلطة محلية؟ بينما يتراجع حضورها في الخطاب الوطني والمخيال الشعبي إلى أدنى مستوياته.

        هذا الواقع امتدادٌ لمسار طويل من التغييب الممنهج؛ فمنذ عقود لم يكن الجولان جزءاً من الفعل السياسي السوري إلا في صورته الدعائية، بعيداً عن موقعه الطبيعي كقضية سيادية مركزية. قبل العام 2011، ظل حضوره خاضعاً لاستدعاء انتقائي تُوظِّفه السلطة في سياقات دعائية، قبل أن يُعاد بعد ذلك إلى الجمود خارج أي مسار سيادي حقيقي.

        في معادلة المقايضة الإقليمية

        التحولات التي فرضتها الاتفاقات الإبراهيمية، وما رافقها من إعادة تعريف لمفهوم «السلام البارد»، أطلقت دينامية إقليمية تُعيد صياغة موازين القوى وترسم ترتيبات أمنية–اقتصادية جديدة. في هذه البيئة، يبدو الجولان مرشحاً ليكون جزءاً من صفقة استقرار أوسع: تجميد الملف السيادي نهائياً، مقابل قبول السلطة الانتقالية كفاعل محلي مضمون أمنياً.

        هدوء الجبهة الجنوبية يوفّر لإسرائيل ضمانة استراتيجية تتيح لها تركيز جهودها على ملفات أخرى، من الصراع الإيراني–الإسرائيلي إلى الترتيبات الأمنية في شرق المتوسط. وبالمقابل، يمنح القوى الدولية مبرراً لإدماج السلطة الانتقالية في المعادلة الإقليمية، لا بوصفها قوة ذات سيادة، بل شريكاً وظيفياً في منظومة الاستقرار.

        تقدّم أدبيات العلوم السياسية حول التحولات الديمقراطية والانتقالات السياسية، إطاراً تفسيرياً مهماً لفهم الكيفية التي يمكن بها لأنظمة انتقالية أن تُفرِّط ببعض الملفات السيادية أو تتنازل عنها عملياً في سبيل تثبيت شرعيتها أو ضمان بقائها. وفق هذه الأدبيات، كثيراً ما تجد السلطات الانتقالية نفسها في موقع هشّ، حيث تكون الشرعية الداخلية محل نزاع، بينما يتوقف استمرارها على اعتراف القوى الإقليمية والدولية بها. في مثل هذه السياقات، يمكن أن تتحول السيادة من كونها حقاً سياسياً غير قابل للمساومة إلى عُملة تفاوضية، يجري استخدامها لبناء شبكات دعم خارجي أو لتأمين مظلة حماية دولية.

        في الحالة السورية الراهنة، يمكن قراءة تجميد ملف الجولان ضمن هذا النمط من المقايضة، كقبول ضمني بأن السيادة على هذه الأرض يمكن التخلي عنها، مقابل الاعتراف بالسلطة الانتقالية ودمجها في منظومة الترتيبات الإقليمية التي ترعاها القوى الكبرى.

        في العلوم السياسية النقدية، موت المخيال الوطني تجاه أرض محتلة هو أخطر من الاحتلال نفسه، لأنه يُحوِّل الأرض من موضوع تَحرُّر إلى موضوع تفاوض خارجي. الجولان اليوم لا يثير سجالاً وطنياً، ولا يُشكّل مادة خلاف في السياسة السورية، ولا حتى محوراً في خطاب السلطة الانتقالية. غيابه لم يعد مجرد نقص في الحضور، وإنما بات انقطاعاً معرفياً. جيل كامل نشأ بعد 2011 يكاد لا يعرف عن الجولان سوى أنه «أرض تحت الاحتلال»، بلا سياق ولا سردية ولا مشروع.

        في مقاربة الجغرافيا السياسية النقدية، الأرض ليست فقط مساحة مادية، بل هي أيضاً نصّ سياسي يمكن إعادة كتابته وإعادة ترجمته وفق مصالح القوى المهيمنة. والجولان في السياق السوري هو أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول: من تضاريس صلبة تحت السيطرة السورية، إلى جغرافيا أعادت إسرائيل صياغتها عمرانياً وأمنياً وديموغرافياً، ومن ثم إلى ورقة تفاوضية تتحكم واشنطن في إيقاع فتحها أو تجميدها.

        اللافت أن هذا التحول لم يتم فقط بفعل القوة الإسرائيلية، وإنما نتيجة القبول السوري الضمني – عبر عقود – بأن الجولان يمكن أن ينتظر. الانتظار هنا هو زمن سياسي مبرمج؛ زمنٌ يحوّل الاحتلالَ إلى أمر واقع، ويجعل التفاوض عليه لاحقاً أكثر صعوبة، بل وربما أكثر خضوعاً لشروط المنتصر.

        المقايضة الكبرى.. بقاء السلطة أم بقاء الأرض

        تُجسد الاتفاقات الإبراهيمية منطقاً سياسياً–إقليمياً يقوم على إعادة تعريف الصراع العربي–الإسرائيلي، ليس عبر حلّه جذرياً، وإنما عبر إعادة ترتيب أولويات الدول العربية الموقعة بحيث يتم تحويل ملفات النزاع التاريخية إلى ملفات مُؤجَّلة أو مُجمَّدة، مقابل مكاسب اقتصادية وأمنية وسياسية فورية.

        في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الجولان بوصفه ملفاً مرشحاً لتطبيق المنطق ذاته؛ هدوء دائم مقابل شرعية دولية للسلطة الانتقالية القائمة. وكما أُعيدَ تعريف السلام في حالة الدول الموقعة على الاتفاقيات ليصبح «سلاماً وظيفياً» يخدم الاستقرار الإقليمي قبل أن يخدم تسوية القضايا السيادية، فإن تثبيت السلطة الانتقالية السورية يمكن أن يمر عبر قبول ضمني بنفس المنهج، تأجيل ملف الجولان وتركه خارج أجندة الصراع، مقابل دمج دمشق في الترتيبات الإقليمية الناشئة.

        تلعب الولايات المتحدة الدور المحوري في هندسة معادلة «تثبيت السلطة – تجميد الجولان». فمنذ اعتراف إدارة ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة، وضعت واشنطن سقفاً سياسياً لأي تسوية مستقبلية، بحيث يصبح أي تحرك سوري في الملف مرهوناً بتفاهم مباشر معها ومع تل أبيب. وباعتبارها الراعي الرئيسي لترتيبات الأمن الإقليمي، فإن واشنطن تملك أدوات الضغط والتحفيز التي تجعل الالتزام السوري بجمود الملف شرطاً غير مُعلَن للحصول على القبول الدولي بالسلطة الانتقالية.

        أما إسرائيل فهي المستفيد المباشر من هذه المعادلة، إذ يضمن لها تجميدُ الملف استمرارَ الهدوء على جبهة الجولان، ما يسمح بتحويل مواردها الأمنية إلى جبهات أكثر أولوية، من غزة إلى المواجهة مع إيران في سوريا ولبنان. وهي، من خلال قنوات التنسيق مع واشنطن وبعض العواصم العربية، تعمل على ترسيخ هذا الهدوء كجزء من «الوضع الطبيعي» الجديد في الإقليم. وبذلك، تصبح السلطة الانتقالية في دمشق شريكاً وظيفياً في معادلة أمنية إقليمية، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في اتفاق رسمي.

        لا يقتصر أثر هذه المقايضة على المعادلات السياسية والإقليمية، بل يمتد إلى البنية النفسية–الاجتماعية للوعي الوطني. فحين يتم ترسيخ فكرة أن بقاء السلطة واستقرارها يمكن أن يُبرِّرا التخلي عن قضية سيادية كبرى، يجري عملياً تطبيع فكرة التنازل عن السيادة في المخيال العام. ومع مرور الوقت، تتحول هذه القاعدة الاستثنائية إلى عرف سياسي واجتماعي غير مثير للجدل، ما يخلق أجيالاً ترى في هذه المقايضات أمراً عادياً أو حتى حلاً عقلانياً يُقدَّم على المواجهة.

        هذا التحول يحمل خطراً مضاعفاً؛ فهو لا يضعف فقط الالتزام بالقضايا السيادية الكبرى، بل يُعيد صياغة مفهوم المواطنة ذاته، بحيث يُصبح الولاء للنظام القائم – أيّاً كان – أهم من الولاء للأرض. وبهذا المعنى، فإن أخطر ما في هذه المقايضة ليس فقدان الجولان فحسب، بقدر ما يتمثل في إعادة برمجة المخيال السياسي للسوريين ليقبل بتقديم بقاء السلطة على بقاء السيادة.

        من وديعة رابين إلى هندسة الترتيبات الإقليمية

        كان خطاب «تحرير الجولان» في الحقبة البعثية أقرب إلى طقس لغوي مكرور منه إلى استراتيجية فعل. لقد تموضعَ الجولان في المخيال السياسي السوري كرمز مُؤجَّل للتحرير، أداة لتعزيز شرعية النظام أكثر من كونه مشروعاً للتحرير ذاته. ومع تحول السياسة السورية منذ الثمانينيات إلى إدارة بقاء لا إلى صناعة مستقبل، صار الجولان ورقة موضوعة في الأدراج، تُستحضَر ظرفياً لإسناد خطاب الممانعة أو لموازنة انفتاح تكتيكي على الغرب.

        لكن ما جرى بعد 2011، هو انتقال هذا الملف من حالة «التأجيل الثوري» إلى حالة «الإهمال البنيوي». لم يعد الجولان حتى موضوعاً للمتاجرة السياسية في الخطاب المحلي، بل جرى تحييده ضمنياً من معادلات الصراع الداخلي والخارجي. هذا الصمت الاستراتيجي كان إعادة صياغة لموقع الجولان في الحسابات الكبرى: من ملف سيادي إلى ورقة مساومة جيوسياسية.

        اليوم، تغيرت وظيفة هذا التغييب؛ لم يعد هدفه الاكتفاء بالتحكم في الخطاب حول الجولان، بل أصبح ضبط موقعه في معادلات النفوذ الإقليمي، حيث يُتعامل معه كـ«رصيد تفاوضي» مقيّد، يتحكم الخارج في توقيت وطرق تفعيله. بذلك، انتقل الجولان من ملف مغلق بالشعارات إلى ورقة مساومة مضبوطة الإيقاع ضمن ترتيبات تتجاوز القرار الوطني.

        في التسعينيات، شكّلت ما عُرفت بـ «وديعة رابين» ذروة التفاوض غير المباشر بين دمشق وتل أبيب، حيث أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحاق رابين، استعداداً للانسحاب من الجولان مقابل ترتيبات أمنية وسياسية مع سوريا. اليوم، تتكرّر هذه الصيغة وإن بصيغة أكثر إحكاماً؛ إذ أُخرِجَ الملف من الحيز السيادي السوري بالكامل، وأُدرِجَ في إطار ترتيبات أوسع تتعلق بموازين القوى الإقليمية، وضمانات أمن إسرائيل، ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة. وبذلك، صار الجولان حاضراً في المعادلة بقدر ما يخدم صياغة توازنات إقليمية جديدة، لا بقدر ما يعبّر عن أولوية وطنية سورية.

        من هيمنة الخطاب إلى هندسة الغياب السيادي

        لفهم غياب الجولان عن الوعي السياسي السوري، لا بد من إعادة تفكيك مفهوم السيادة ذاته في التجربة السورية. وفق النظرية التقليدية في العلاقات الدولية، السيادة هي الحق الحصري للدولة في التحكم بمصيرها وأرضها، دون تدخل خارجي. لكن في السياق السوري، وبخاصة منذ الثمانينيات، تحولت السيادة إلى «مورد خطابي» أكثر منها ممارسة فعلية. أي أنها استُخدمت كأداة لتعزيز شرعية النظام داخلياً، عبر رفع شعارات التحرير والممانعة، دون تحويلها إلى برنامج سياسي أو عسكري واقعي.

        كما يُشير إدوارد سعيد في قراءته النقدية لما بعد الاستعمار، فإن السيطرة على الأرض لا تُمارَس فقط عبر الاحتلال المادي، بل أيضاً عبر إعادة تمثيلها في الخطاب السياسي والثقافي. في حالة الجولان، لم يقتصر الأمر على الهيمنة الإسرائيلية المباشرة، بل جرى تثبيت صورة الهضبة في الوعي الدولي كحيز أمني–إسرائيلي، وهو ما يتقاطع مع ما تصفه غياتري سبيفاك بـ«إسكات الأرض» وإعادة تعريفها من خارج إرادة أهلها.

        في بنيته الراهنة، لم يعد خروج الجولان من القرار الوطني مجرد نتيجة للاحتلال الإسرائيلي، وإنما صار انعكاساً لعجز سياسي عن صياغة موقف مستقل في القضايا السيادية الكبرى. ومن هنا، تحوّلت القضية من نقطة إجماع وطني إلى اختبار مستمر لمدى قدرة الدولة السورية على استعادة دورها كفاعل سياسي مستقل، وليس كساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.

        لا يعكس استمرار تغييب الجولان فقط أزمة سيادة أو ضعف الإرادة الوطنية، بقدر ما يؤشر إلى معادلة سياسية أعمق؛ القبول الضمني بالمقايضة بين الأرض والشرعية السياسية. في هذه المعادلة، يُسلَّم ملف الجولان للأجندة الإقليمية مقابل ضمان بقاء السلطة الانتقالية وإدماجها في منظومة الاستقرار التي ترسمها القوى الكبرى.

        إذا ترسخت هذه الصيغة، فإنها لن تحدد فقط مصير الجولان، بل ستُعيد صياغة مفهوم الدولة السورية نفسها، بحيث يصبح البقاء السياسي مشروطاً بالتخلي المسبق عن ملفات السيادة الكبرى، ويتحول الجولان من جرح وطني مفتوح إلى صفحة مطوية في أرشيف الترتيبات الإقليمية.

موقع الجمهورية

———————————–

الاتفاقية الأمنية بين سوريا وإسرائيل… الامكانات والتحديات/ مايكل هراري

ستقتصر الاتفاقية، في حال توقيعها، على المسائل الأمنية فقط

آخر تحديث 09 سبتمبر 2025

أشارت التقارير في الأيام الماضية إلى وجود خطط لتوقيع اتفاقية بين إسرائيل وسوريا تركز على القضايا الأمنية، وذلك في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد أكد الرئيس السوري هذا الأمر علنا في دمشق الأسبوع الماضي خلال لقائه مع صحافيين عرب، مشيرا إلى وجود فرصة قوية لإبرام مثل هذه الاتفاقية. وفي الوقت ذاته، زار المبعوث الأميركي توم باراك إسرائيل والتقى بالقيادة الإسرائيلية، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة تشجع إسرائيل على المضي قدما، بما في ذلك باتجاه الساحة اللبنانية.

وتأتي تلك التقارير على الرغم من شن إسرائيل غارات متكررة خلال الأشهر الماضية، كان آخرها مساء الاثنين، استهدفت خلالها محيطي مدينتي حمص واللاذقية.

وستقتصر الاتفاقية، في حال توقيعها، على المسائل الأمنية فقط. فمن وجهة نظر دمشق، تهدف الاتفاقية إلى إعادة إسرائيل إلى خطوط فصل القوات لعام 1974. وقد أوضح الرئيس الشرع أن هذه الاتفاقية لا تعد معاهدة سلام، لأن مرتفعات الجولان لا تزال تحت الاحتلال، رغم تأكيده أنه لن يتردد في المستقبل في قبول أي اتفاق سلام يخدم مصلحة الشعب السوري والمنطقة. وهذا يشير ضمنا إلى أن الوقت لم يحن بعد، لا لسوريا ولا لإسرائيل.

وسيتناول الاتفاق المحتمل، إلى جانب قضايا أخرى، ملفين رئيسين يهيمنان حاليا على المسار السوري الإسرائيلي.

القضية الأولى تتعلق باتفاقية فصل القوات لعام 1974، حيث يسعى الشرع إلى إعادة التأكيد عليها وضمان انسحاب إسرائيل إلى الخطوط التي تم الاتفاق عليها. وسيشكل ذلك اعترافا عمليا ورسميا بالسيادة السورية، مما يعزز شرعية حكم الشرع. في المقابل، ستسعى إسرائيل إلى حماية مصالحها الأمنية عبر الإصرار على إجراءات نزع السلاح، وضمان قدرة النظام السوري على فرض سلطته بفعالية. ومن المرجح أن تطالب إسرائيل بتطبيق الاتفاق على مراحل قبل العودة الكاملة إلى خطوط عام 1974، للتحقق من التزام سوريا. وقد يقبل الشرع بهذا النهج. وربما تصر إسرائيل على الاحتفاظ بجزء من الأرض، مثل منطقة جبل الشيخ، لفترة زمنية محددة، لضمان حماية مصالحها، كجزء من تنفيذ تدريجي أو تعديل حدودي.

القضية الثانية تتعلق بالوضع في السويداء وحماية الأقلية الدرزية، وهو ملف أكثر تعقيدا. تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على علاقاتها المميزة مع الطائفة الدرزية، بالنظر إلى روابطها الخاصة بدروز إسرائيل. كما تسعى إلى تأمين نفوذها على دمشق، وكذلك على أنقرة، في إطار التنافس على النفوذ داخل سوريا. في هذا السياق، يواجه الشرع هامش مناورة ضيقا، إذ لا يمكنه أن يظهر بمظهر المفرط بالسيادة السورية، سواء من خلال السماح بممر إنساني كما طُرح، أو عبر قبول تدخل إسرائيلي علني في توازن القوى بين النظام والأقليات. لذا ستكون هناك حاجة إلى صيغ مبتكرة وترتيبات دقيقة تقوم على توازن مدروس في الأخذ والعطاء.

يعتمد كل من الطرفين على ما يملكه من أدوات ومكاسب في المفاوضات. فإسرائيل تستند إلى تفوقها العسكري على الأرض، الذي يتيح لها الاحتفاظ بأراض سورية ولبنانية بدعم أميركي، وتتصرف من منطلق أنها قادرة على فرض شروطها في الساحتين. كما تسعى إلى ضمان تمكين الشرع من تثبيت نظامه، وتبديد الشكوك حول توجهاته السياسية، والحد من النفوذ التركي.

في المقابل، يستفيد الشرع من الدعم الواضح الذي يبديه المجتمع الدولي لرؤيته. وقد عبر علنا عن استعداده للتوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، شرط أن يخدم مصالح الشعب السوري. كما يتبنى خطابا منفتحا وبناءً تجاه لبنان، ويصور العلاقات الثنائية على أنها علاقات بين دولتين تتمتعان بالسيادة، بما يوحي بأن نجاحه ستكون له انعكاسات إيجابية على الساحة اللبنانية أيضا، وهو ما يتعين على إسرائيل أخذه في الحسبان.

أما الولايات المتحدة فقد كثفت جهودها ورفعت مستوى التوقعات. وتشير رسائلها الأخيرة إلى إسرائيل إلى أنها تتوقع منها استجابة ملموسة للتطورات الإيجابية في سوريا ولبنان. ويتضح اهتمام واشنطن باستقرار حكم الشرع، كما أن لديها دافعا قويا لدفع توقيع اتفاقية أمنية إسرائيلية-سورية يمكن للرئيس ترمب تقديمها كإنجاز دبلوماسي. وينطبق المنطق ذاته على لبنان، إذ ترى واشنطن أن التوجه اللبناني المعلن نحو نزع سلاح “حزب الله”، وإن لم يبدأ تنفيذه بعد، يتطلب من إسرائيل خطوة مقابلة. قد تتمثل هذه الخطوة في انسحاب من بعض المواقع في جنوب لبنان أو في ضبط أكبر للعمليات العسكرية هناك. وتشير التصريحات الصادرة عن مكتب رئيس الوزراء في القدس إلى أن الرسالة الأميركية وصلت بوضوح.

من الحكمة أن تمضي إسرائيل قدما في المسار الدبلوماسي المتاح أمامها الآن. إذ يزداد الاعتقاد بأن سياستها تقوم على استراتيجية إضعاف سوريا، مقابل تشدد مفرط تجاه لبنان. ومن الواضح أن فك الارتباط بين الحرب المستمرة في غزة والجبهة الشمالية يشكل إنجازا للأطراف الثلاثة: إسرائيل وسوريا ولبنان. ومع ذلك، فإن الهجوم المحتمل على غزة قد يعقد المشهد الإقليمي. كما أن ترسخ صورة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة قد لا يخدم مصالح إسرائيل على المدى الطويل. لذا من الضروري أن تواصل إسرائيل تحركاتها الدبلوماسية باتجاه سوريا ولبنان.

المجلة

———————————

 لقاء الشيباني–ديرمر المحتمل.. ثقةٌ هشّة ومصالح متضاربة/ علي سفر

2025.09.09

تنشغل الدوائر الإخبارية الآن بالبحث عن إجابةٍ تفيد بحقيقة عقد لقاءٍ قريب بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر؛ فبعد إعلان هيئة البث الإسرائيلية عن احتمال حدوث الاجتماع، نفت أوساطٌ رسمية سورية وجودَ جدولةٍ لمِثل هذا الأمر.

اللقاء إن حدث سيكون الثالث بين دمشق وتل أبيب، بحضور الوسيط الأميركي توماس باراك، سفير الولايات المتحدة في أنقرة، الذي أصبح عرّابًا للمحادثات ولاعبًا محوريًا فيها، ويفرض على الطرفين عدم إغلاق الأبواب والنوافذ أمام احتمال تجاوز الوضع المعقّد الذي يمنعهما من التقدّم.

غير أنّ التركيز على ما سوف يجري لا ينفي أنّ ثمّة أسئلةً كبيرة طُرحت حول اللقاء السابق، الذي نشرت عنه وكالة سانا الرسمية للأنباء خبرًا—في سابقةٍ غير مألوفة—لم يشفِ غليل المتحمّسين؛ لكن مجرّد الإعلان الرسمي دون تحفّظ أوحى بأنّ ثمّة معطياتٍ شبه إيجابية، غير محدّدة، بدأت في الظهور. ومع ذلك، يكشف الواقع عن صعوباتٍ كبيرة تمنع الجهتين من الوصول سريعًا إلى حلولٍ للمشكلات القائمة بينهما.

تجري المحادثات في ظلّ واقعٍ جديد تغيّرت فيه قواعد اللعبة تغيّرًا جذريًا. فمن جهةٍ أولى، يُقلِّل غيابُ إيران وحزب الله العقباتِ التقليدية أمام تطبيق ترتيباتٍ ميدانية قابلةٍ للحياة؛ فدولةُ الاحتلال لم تعد مجبرةً على التعامل مع وكلاء غير متحكَّمٍ بهم، ما يُتيح مجالًا للاتفاق على آلياتٍ أمنيةٍ واضحة، كإنشاء نقاط مراقبة، وتنفيذ انسحاباتٍ محدّدة، ومدّ خطوط اتصال بين القوات السورية والإسرائيلية. في هذا السياق، يُوفّر الدور الأميركي والإماراتي قناةَ اتصال تسمح بنقل الرسائل وتقديم ضماناتٍ غير رسمية، ما يزيد فرصَ التقدّم في التفاهمات العملية على الأرض.

ورغم ذلك، لا تزال هناك قيودٌ حقيقية تحدّ من أيّ تقدّمٍ سريع. أوّلها رفضُ حكومة اليمين الإسرائيلية التعاملَ مع حكومة دمشق بسبب التركيز على ماضيها المحكوم بالخلفية الجهادية، ما يعني أنّ أيّ ترتيبات يجب أن تُقدَّم كحلولٍ أمنيةٍ أو إنسانية، لا كخطوةٍ سياسيةٍ أو تطبيعٍ رسمي. ثانيها استمرارُ شرخ الثقة، بناءً على ما حصل في السويداء؛ حيث لم تعد سلطةُ الأمر الواقع فيها تعترف بالحكومة السورية بعد وقوع مجازر بحقّ السكّان المدنيين. ومع إعلان إسرائيل المتجدّد عن رغبتها في حماية الدروز، يصبح أيّ تنفيذٍ لمشروعاتٍ أمنية أو إنسانية معقّدًا، لأنّه يجب أن يوازن بين حماية السكّان المحليين والحفاظ على سيادة دمشق الرمزية. ويمكن هنا ملاحظة تراجع الحديث عن الممرّ الإنساني بين قرية حضر والسويداء. هذا الواقع حاول الشيخ موفق طريف، زعيم الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلّة، الإشارةَ إلى إمكانية تجاوزه في لقاءٍ أجرته معه قناة «أورونيوز»، حين أكّد ضرورة مراعاة الوضع الخاص للطائفة في سوريا.

وفق هذه المعطيات، يسأل مراقبون: إلى أين يمكن أن تذهب المفاوضات، وإلى ما ستفضي؟ دراسةُ التفاصيل واحتمالات النقاش ترسم ثلاثة سيناريوهات:

أوّلها: إعلان هدنةٍ وظيفية قابلةٍ للتنفيذ، ترتكز على خطواتٍ تقنية قصيرة الأجل، تشمل بناء نقاط مراقبةٍ محايدة، وإنشاء آليات تحقّقٍ فورية، وتقديم تسهيلاتٍ إنسانية للسويداء والبدو على حدٍّ سواء، مع مشاركةٍ فعّالة للوجهاء المحليين لضمان الالتزام.

ويتوقّع هنا أن يحرص الإسرائيليون على أن تكون أيّ خطوةٍ يُعلن عنها مُصاغةً بلغةٍ إنسانية وأمنيةٍ بحتة لتفادي أيّ انتقادٍ سياسي أو شعورٍ بالتكافؤ مع النظام الجديد في دمشق. وفي هذا السيناريو سيُقدّم باراك ضماناتٍ أميركية بالشراكة مع الأوروبيين لتسريع التنفيذ، وحلّ الاختناقات الطارئة، وتأمين التغطية الدبلوماسية والتنسيق الدولي. ويبدو هذا الاحتمال واردًا بنسبةٍ كبيرة.

ثانيها: إبقاء قناة التواصل مفتوحة، والعمل على تنفيذٍ ميدانيٍّ محدود أو جزئي، بسبب ضغوطٍ سياسية داخل إسرائيل، وكذلك غياب التركيز على الملفّ السوري وسط الصراعات الحكومية الداخلية والاهتمام بقطاع غزة وقضية الرهائن لدى حركة حماس. أي إنّ الاتفاقات تصبح رمزيةً غير مفهومةٍ للجمهور السوري، بلا تطبيقٍ فعلي، مع استمرار التباين بين التفاهمات المكتوبة والواقع الميداني؛ ويُترجم ذلك على الأرض باستمرار الغارات الإسرائيلية على قواعد عسكرية سورية، واستهداف عناصر مسلّحة، واعتقال سكّانٍ مدنيين في المناطق التي تقدّمت فيها.

ثالثها: سيناريو التدهور الأمني؛ إذ يُحتمل وقوعُ حادثٍ أمنيٍّ كبير، كقصفٍ ينطلق من خارج المنطقة العازلة على يد فصائل محلية غير خاضعة للسلطة، كجبهة «أُولي البأس» التي أُعلن عن تشكيلها، ولا يُستبعد أن تقف أصابعُ إيرانية وراءها. حدثٌ كهذا يمكن أن يطيح بأيّ قناةِ تواصل ويعيدَ الوضع إلى مربّعات التصعيد السابقة.

باختصار، المفاوضات المحتملة—كسابقاتها—محكومةٌ بتوازنٍ دقيق بين مصالح دمشق في ضرورة أن تبسط سيطرتها على كامل الأرض السورية، وشروط إسرائيل الأمنية التي أعلنت عنها سابقًا، وفي مقدّمها أن يكون الجنوبُ السوري منزوعَ السلاح بالكامل.

ويبقى التقدّم في التفاهمات محدودًا ومرتبطًا بقدرة الأطراف على الالتزام بالتدابير الأمنية والإنسانية من دون تحويلها إلى مكاسب سياسية. ومع العلم أنّ هذه المفاوضات ليست نهايةَ الحوار بين الجهتين، إذ ثمة حديثٌ دائم عن ضرورة انضمام سوريا إلى «اتفاقات أبراهام»، يقابله حديثُ المسؤولين السوريين عن الجولان السوري المحتلّ وضرورة عودته للسيادة السورية. لكنها قد تُشكّل نافذةً لتخفيف التصعيد وتحسين حياة السكّان في الجنوب السوري بعيدًا عن الصراع المسلّح، ضمن إطارٍ هشّ، لكنّه قابلٌ للتطبيق.

تلفزيون سوريا

—————————

 هل يحتمل المشهد السوري المزيد من المراهنات؟/ حسن النيفي

2025.09.09

جسّد اتفاق العاشر من آذار في حينه بين الحكومة السورية ممثلة بالرئيس أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية ممثلة بمظلوم عبدي، إرهاصاتٍ لبوادر أمل في نفوس كثير من السوريين، ربما أوحى إليهم بأن مشكلةً من أشدّ المشكلات تعقيدًا يمكن أن تذلّلها تفاهمات سورية – سورية عبر مسار تفاوضي، بعيدًا عن الحرب والعنف.

وبموجب الاتفاق المشار إليه، فقد حدّد الطرفان المتعاقدان إطارًا زمنيًا لتطبيق ما اتفقا عليه يمتد إلى نهاية العام الجاري. إلا أنه وبعد مرور ستة أشهر لم يُترجم من الاتفاق أيّ جزء على أرض الواقع، بل يمكن القول إن ما نشهده من تصعيد إعلامي من الجانبين، وكذلك من رفعٍ لسقف مطالب “قسد”، يؤكّد أن اتفاق آذار ما عاد صالحًا لأن يكون نواةً يمكن البناء عليها في ظل المواقف الراهنة.

ازدواجية الخطاب والمواقف

لم يتردّد قادة “قسد” منذ آذار الماضي في إطلاق تصريحات متواترة تؤكّد استعدادهم للاندماج في الدولة السورية، ونفي أي رغبة بالانفصال خارج كيان الدولة. إلّا أن تلك المواقف لم تتجاوز حيّز الخطاب، من دون أن يكون لها ترجمة فعلية على أرض الواقع. بل يمكن التأكيد على أن السلوك الفعلي الموازي لتلك التصريحات كان يوحي بالمزيد من التلكؤ والتردّد، وخاصة فيما يتعلق بتعطيل وعَرْقلة عمل اللجان التخصصية المنبثقة عن تفاهمات العاشر من آذار.

الأمر بات واضحًا لكثيرين بأن هذا التردد أو الامتناع عن الشروع في تجسيد التوافقات الثنائية على الأرض ليس إلا تكريسًا لنهج المماطلة، بغية كسب المزيد من الوقت للالتفاف على الاتفاق، وذلك استنادًا إلى معطيات أو أحداث مستجدّة. فما هي هذه المستجدّات؟

لقد أظهر لقاء الحسكة الذي نظمته “قسد” تحت عنوان وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا في الأسبوع الأول من شهر آب الماضي، منعطفًا جديدًا في تعاطيها مع الحكومة السورية. إذ يؤكّد هذا التعاطي أن مواقف “قسد” من مسألة الاندماج في الدولة لا تنبثق عن قناعات ثابتة بقدر ما تخضع لموازين القوى والمواقف الإقليمية والدولية، وكذلك لمدى قوّة وتماسك الحكومة المركزية.

دعوة “قسد” لكل من حكمت الهجري، زعيم ديني ممثل للطائفة الدرزية، وغزال غزال ممثلًا عن الطائفة العلوية، جاءت على أعقاب الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء منذ الثالث عشر من تموز الماضي. وهذا يجسّد مسعى آخر نحو تأسيس جبهة قوامها “أقليات مناهضة للحكومة السورية ومناهضة أيضًا لمبدأ وحدة البلاد وسيادتها”.

إذ إن مطالبة تلك الجماعات الدينية بكيانات مستقلة ورفضها الانضواء تحت مظلة الدولة السورية لم يعد مجرّد استنتاج أو تأويل، بل مواقف معلنة عبّر عنها أصحابها بوضوح. فقد لم يخفِ غزال غزال تمسّكه باللامركزية السياسية أو الفدرالية، ما يعني المطالبة الصريحة بكيان علوي في الساحل السوري. ولم يكن حكمت الهجري أقل وضوحًا، إذ أكّد في بيانه الصادر في الرابع من أيلول الجاري تمسّكه بمطلب إنشاء كيان مستقل في الجنوب، تطبيقًا لمبدأ حق تقرير المصير الذي وصفه بـ “الحق المقدس الذي تكفله المواثيق الدولية، ولن نتراجع عنه مهما كانت التضحيات”.

ومن اللافت أن بيان الهجري تضمّن استخدامه لمصطلح “شعب” في وصف الطائفة الدرزية، وهي سابقة تحتاج إلى تفسير: هل الدروز طائفة دينية أم شعب؟ أليسوا جزءًا من الشعب السوري؟ يبدو أن قناعته هذه هي ما دفعته للمطالبة بحق تقرير المصير “للشعوب” باعتباره حقًا مقدسًا.

طموحات “قسد” وحدودها

إذا كانت الجماعات الدينية أو الطوائف تسعى للتحوّل إلى كيانات سياسية مستقلة، فما الذي يجعل “قسد” أقل طموحًا من تلك الجماعات؟ ولعل هذا ما يفسّر العديد من تصريحات قادتها في الآونة الأخيرة، التي تؤكّد جميعها على مطلب “اللامركزية السياسية”.

هذا المطلب يضمن لها من وجهة نظرها مسألتين أساسيتين:

    الحفاظ على هيكليتها العسكرية والإدارية، بما يجعل تبعيتها لوزارة الدفاع أمرًا شكليًا فقط.

    الحفاظ على تموضعها الجغرافي الذي يُبقي على مكاسبها وامتيازاتها.

وفقًا لذلك، يمكن التساؤل: ما قيمة اندماجها في الدولة السورية إن بقيت مستقلة عسكريًا وجغرافيًا واقتصاديًا؟ وما المسافة الفاصلة بين “اللامركزية السياسية” والانفصال التام؟

مزيد من المغامرة… قليل من الواقعية

إصرار قادة “قسد” على مطلب اللامركزية كشرط للتوافق مع الحكومة السورية لا يستند إلى مقوّمات ذاتية، بقدر ما يقوم على رهانات، أبرزها:

    المراهنة على استمرار الدعم الأميركي والفرنسي، وهو رهان غير مضمون في ظل الموقف التركي الرافض لوجود كيان كردي متاخم لحدوده، وفي ضوء تحوّل المصالح الأميركية نحو إستراتيجية جديدة بعد هزيمة إيران وأذرعها الطائفية، وانحسار النفوذ الروسي في سوريا.

    المراهنة على تحالف أقليات دينية من شأنه إعاقة تكوّن الدولة واستقرارها.

لكن ما لا تنتبه إليه “قسد” أن مطالب رجال الدين، سواء الفدرالية كما عند غزال غزال أو الاستقلال كما عند الهجري، ليست بالضرورة تعبيرًا عن تطلعات الطائفة بكاملها، بل هي مواقف شخصيات دينية. كما أن غياب أصوات مغايرة في الحالة الدرزية الحالية مرهون بظروف استثنائية من احتقان وتوتر، وهو غياب مؤقت.

في مقابل التفكير بمنطق المراهنات، ألا يمكن لـ “قسد” اتخاذ مواقف أكثر واقعية ومسؤولية؟

الرئيس السوري أحمد الشرع أكّد في لقائه وفدًا عربيًا ضم شخصيات إعلامية بارزة أن المفاوضات مع “قسد” أو مع السويداء لا تستثني أي موضوع سوى مسألة الانفصال. ووفقًا لذلك، يمكن لـ “قسد” أن تطرح على طاولة التفاوض ما تراه حقًا لها بلا تحفظ، بما في ذلك ملاحظاتها على الإعلان الدستوري، وموضوع اللغة الكردية، وحق مؤسساتها في الاحتفاظ بكوادرها، وغيرها.

يبقى الخوف حاضرًا لدى السوريين من أن تستمر “قسد” في المراهنات الواهمة، وهو ما قد يؤدي إلى انحسار فرص التفاوض والحل السياسي السلمي، ويفتح الباب مجددًا لفصل آخر من العنف، وهو ما لا يتمناه السوريون.

تلفزيون سوريا

——————————

 ماذا لو تجرأنا على المكاشفة؟/ جمال الشوفي

2025.09.09

هل كان من الممكن تجنب الكارثة الإنسانية والسياسية التي حدثت في السويداء في تموز الماضي والمستمرة لليوم؟ وهل كان بالإمكان حل أي خلاف سوري بالحوار والعقل بدلاً من لغة العنف وفرض الهيمنة بالقوة؟

سؤال يبدو أنه تجاوز مرحة الجدل وصولاً للإنكار وانفتاح خطاب الكراهية والتحريض الطائفي على مصراعيه ومن دون روادع والترويج المفتعل لتفتيت الهوية السورية بشكل استقطابي حاد. فهل يمكن أن نتكاشف بجرأة من دون إنكار الواقع؟

لقد تحول خلاف الرأي والتوجه حول قضايا الحكم وشؤونه وطريقة إدارة البلاد سياسياً، حول الإعلان الدستوري وتفاصيله، حول توجهات وسياقات البناء على أرضية موروث محطم ومدمر يقترض التعاون والتعاضد والتشارك، إلى خلاف حاد مرفوق بالعنف والتعنت وتضارب المشاريع السياسية قصيرة النظر والبعيدة كل البعد عن أسس بناء المؤسسات والدول، ما مهد الطريق لاستخدام القوة العسكرية في فرض شروط مشروع على آخر. والنتيجة أن سلطة الحكومة الانتقالية التي لجأت للحل العسكري الأمني في السويداء لم تتمكن من فرض وبسط سيطرة الدولة وشروطها على السويداء، وليس فقط، لم تتمكن من إنهاء من تسميهم بالفلول والخارجين عن القانون وأصلاً لم تحددهم بقوائم اسمية معلنة، وهنا نحتاج قليلاً من التدقيق. بالمقابل مشروع الانفصال وإقامة دويلة في السويداء أثبت أنه مجرد أحلام وأفكار ومشروع سياسي خارجي لا يرتقِ لمصاف الوقائع السياسية من حيث الإمكانات والقدرات المحلية أو من حيث الواقع الإقليمي والدولي.

فما هي النتيجة إذاً؟ وهل ستتوقف المسألة هنا؟ وهل سنشهد تبدلات ومفاجئات في المشهد السياسي السوري مرة أخرى؟ أم سنراجع الأخطاء وننتقدها بجرأة؟

بغض النظر عن الأسباب الفعلية التي أوصلت سوريا والسويداء لهذه المرحلة الكارثية، سواء المعلنة منها أو التي حيكت في كواليس ودهاليز الغرف الاستخباراتية المظلمة ولم تزل مخفية لليوم ولم تفصح الوقائع عن اكتمالها، لكن يستوجب التحذير من إمكانية حدوث كوارث أخرى يحتمل وقوعها بأية لحظة مادامت مبرراتها قائمة. في حين أن النتيجة الأوضح لليوم يمكن رصدها بمؤشرات عدة قادرة على صياغة تصور عمومي لتجنب تكرار ما جرى وفق عدة مستويات:

– استخدام الحل العسكري الأمني دلالة على إجهاض إمكانية الحوار الوطني، وليس فقط بل دلالة على ذهنية وعقلية فرض شروط القوة والهيمنة، وهذا ما يتخارج مع أسس بناء الدولة التي لم تزل قيد التأسيس.

– لم تعمل السلطة الانتقالية لليوم على تدريب عناصر وزارة الداخلية بشكل مهني وقانوني للتعامل مع إشكالات الواقع السوري وتركته الفصائلية، ولازالت القوة الضاربة للفصائل في وزارة الدفاع لا تمتلك عقيدة العمل على الدفاع عن حدود البلد الخارجية وعدم التدخل في الشؤون السياسية المحلية، وليس فقط، لم تزل العناصر والجماعات المتطرفة موجودة بين طياتها وهذا سؤال يجب أن تكون الإجابة واضحة عليه، وعلى وزارتي الدفاع والداخلية تحمل مسؤوليتها تجاهه.

– لم تزل الفئات الخارجة عن القانون وما يسمى بالفلول في عموم سوريا قادرون على إحداث خرق للمشهد السوري بكل لحظة، سواء هي من افتعلت أحداث الساحل مباشرة، أو من كانت أحد أسبابه غير المباشرة في السويداء. وفي جميع الحالات يجب إعلان أسماء هذه الفئات ومنع التعميم والتحريض على مكون كامل لكونه يغذي فكرة الانقسام والتشتت السوري عموماً.

– صدمة الوجدان السوري في السويداء وعموم سوريا بحجم وطريقة المجازر المرتكبة كبيرة ويصعب استيعابها بعد، وأشكال التعبير عنها لليوم شعورية ونفسية مرتفعة وغاضبة، فالوجدان النقي والعميق مصاب في صدمة ذهول واسعة أمام هول ما حدث. وهنا يجب التمييز بينها وبين أصحاب المشروع الانفصالي من الأساس سواء من حيث الأدوات والطريقة والتوجه، فرفض العنف ومجرياته حق انساني ووطني عام، وهذا مختلف عن مشروع شبهة الانفصال.

– ثمة تحول خطير في الخطاب السوري بات يحمل معايير الإنكار والتهكم الشديد من كل الأطراف، تصل لدرجة القطيعة النفسية بين مكونات الشعب السوري، وللأسف عاد التصنيف القبلي للظهور على ساحة المشهد السياسي والثقافي العام وهذا جرس إنذار خطر كبير.

– رغم أن مشروع الانفصال والإدارة الذاتية لم يكن له رصيد في السويداء سوى القليل والنادر، لكن فعل الهيمنة بالقوة للسلطة الانتقالية جعله أكثر بروزاً، فالوجدان المحلي المصاب بمقتل بات يفقد الثقة بإمكانية التفاعل المستقبلي سورياً وهذا خطر عام، حيث باتت الأصوات الرافضة للانفصال سابقاً تنادي بذات الشعارات السياسية للحالة الانفصالية، رغم الاختلاف الواسع والحاد بين حوامل هذه وتلك. فالأولى مشروع سياسي مصنوع استخباراتياً وهو قديم منذ انتفاضة ساحة الكرامة ولم يجد له موضع قدم في السويداء، والثاني تعبير نفسي وشعوري.

– الواقع التعليمي في السويداء يبرز بوضوح كخلاصة للتناقضات السابقة، فطلاب السويداء في الثانوية العامة لم يتمكنوا من تقديم امتحاناتهم، ومثلهم طلاب الجامعات سواء داخل السويداء بسبب انهدام البنية التحتية للكليات أو جامعات القطر بسبب خطورة الذهاب للجامعات أمام التحريض الإعلامي الكبير. كما أن مدارس وكليات الجامعة في السويداء من الصعوبة بمكان أن تباشر العام الدراسي الحالي لأسباب متعددة أهمها تحول عديد من المدراس لمراكز إيواء وتدمير ثلث مدارس المحافظة. ولا ننسى الوضع المادي المزري وانقطاع الرواتب، وبالنتيجة جميع هذه العوامل تهدد مستقبل عشرات الألاف من الطلاب. إضافة لاستمرار نزوح عائلات وسكان القرى الاثنان والثلاثون من بيوتهم ويقيمون في المدارس والمرافق العامة في السويداء، في حين ملف المختطفين والمختطفات يشكل عبئاً نفسياً ووجدانياً عاماً.

– المستفيد من المشهد الحالي في السويداء وسوريا هي إسرائيل، والتي تسعى بكل صلف للتلاعب بالداخل السوري بغرض فرض شروطها السياسية في اتفاقات أمنية وسياسية حسب رغبتها، وللأسف كل من الحل العسكري وجماعات الانفصال قدماها لها على طبق من ذهب!

الواقع بمجمله يبدو قاتماً وفوضوياً وتجتاحه التناقضات من كل جنباته، ولا يبدو أن هناك انفراجات قريبة، وأي ملف من الملفات السابقة يحتاج لدراسات وطرق حل تزيد من كاهل الكارثة السورية بالأعوام السابقة، وطرح الحلول يجب أن يراعي الشروخ النفسية والاجتماعية المستحدثة. والمعروف جيداً أنه أياً كانت الحلول السياسية المطروحة، ما لم تترافق بعلاج الأزمات الاجتماعية ومشكلاتها الحالية، فستبقى مبررات افتعالها قائمة، وهذه تتطلب طرقاً مبتكرة لا تكتفي بالجمل التنظيرية بقدر الاستفادة من تجاربنا السورية طوال الأعوام السابقة سواء من كوارث النزاع المسلح أو هيمنة لون واحد على البيئة السورية الغنية والمتنوعة ثقافياً والراغبة بالاستقرار والأمان، أو من تجارب الدول القريبة من المشهد السوري وآليات العمل على حلها.

في حديث مع العديد من السوريين الذين يشبهوننا، خاصة في توجههم العام لمنع مبررات العنف والتمزيق الطائفي، والاستقواء بالوجدان السوري المتعب والمنهك، كانت جملة “رفع منسوب الوطنية السورية” هاجساً عاماً يستند لنقاش جملة الأخطاء المتكررة لليوم في المرحلة الانتقالية. فإن كانت أي مرحلة انتقالية عرضة للاهتزاز كما في كل ثورات العالم والتاريخ، لكن يجب أن يبقى منسوب الوطنية حاجزاً أمام التدهور لما لا يحمد عقباه، وبالضرورة أهم روافعها هو الانفتاح والاستماع الجيد والمكاشفة النقدية بجرأة والعمل بأدوات سياسية لا تشبه المعمول به لليوم، والأهم الحفاظ على بوصلة الثورة السورية، سوريا دولة لكل السوريين، مهما بلغت الصعاب والتحديات..

تلفزيون سوريا

——————————–

 ملامحُ نظامٍ جديد: من إنزالِ الكسوة إلى إعادةِ توزيع النفوذ/ خلدون الشريف

الاثنين 2025/09/08

لم يكن إنزالُ الكسوة الإسرائيلي، يوم الأربعاء الثامن والعشرين من آب الماضي، مجرّدَ عمليَّةٍ ميدانيَّة. فالموقعُ الذي استُهدف، وفقَ معلوماتٍ موثوقة، كان مركزًا أمنيًّا تركيًّا مُستحدَثًا تحت حمايةِ الأمن السوريّ. الرِّسالةُ بدت واضحة: إسرائيل لا تريد لتركيا أن تُرسِّخ حضورَها العسكريَّ والأمنيَّ في قلبِ دمشق.

قبل ذلك بأشهرٍ قليلة، وتحديدًا في نيسان، جرى في باكو اتّفاقٌ لتنظيمِ استبعادِ الاشتباك بين تركيا وإسرائيل (deconfliction)، وتلاه أوّل تواصُلٍ أمنيٍّ سوريٍّ – إسرائيليٍّ برعايةٍ تركيَّةٍ أيضًا. وبعد عمليَّةِ الكسوة، التي دامت ساعتين وأدَّت إلى مقتلِ عددٍ من عناصرِ الأمن السوريّ، نشط تواصُلٌ ثلاثيٌّ أميركيٌّ – إسرائيليٌّ – تركيّ، قدَّمت خلاله تل أبيب تبريرًا أنَّ قوّاتَها نزلت لسحبِ أو تفجيرِ أجهزةِ تجسُّسٍ إلكترونيّة كانت قد وضعتْها في الموقع الذي كان الحرسُ الثوريُّ الإيرانيُّ يستخدمُه. عدمُ سقوطِ ضحايا أتراك سمح بتجديدِ تفاهمِ عدمِ الاشتباك بين تركيا وإسرائيل، ولو بصورةٍ موقتة.

إيران بين الانكفاء والاحتواء

في نظرِ محلّلين أتراك، لم تَعُد إسرائيل تخشى في المنطقة سوى تمدّدِ النُّفوذ التركيّ. أمّا إيران فلم تَعُد تُشكّل الخطرَ نفسَه كما في العقدين الماضيين. محورُ المقاومة تآكل من جذورِه: النِّظامُ السوريُّ تبدَّل، حزبُ الله فقد زعامتَه الكاريزميّة بعد غيابِ السيّد حسن نصرالله، وفقد قيادات كبرى وتعرض لضربات متلاحقة ومؤذية، الدِّفاعاتُ الإيرانيّة تعرَّضت لاختراقاتٍ متكرّرة، ورؤوسٌ مدبّرة كبيرة في الدّاخل الإيرانيّ كانت هدفًا لعمليّاتِ اغتيال.

الإسرائيليّون، بحسبِ رأي المحلّلين الأتراك دائمًا، يعتبرون أنَّ الهزيمة التي مُنيَ بها المحور، من غزّة إلى لبنان فسوريا وإيران، ليست مجرّدَ تراجعٍ ظرفيّ، بل ضربةٌ عميقة ستترك أثرًا طويلَ الأمد على موازينِ القوى. وإيران اليوم أمام خيارين: إمّا أن تقبلَ بالاحتواء وتلعبَ دورًا ثانويًّا ضمن نظامٍ إقليميٍّ جديدٍ تقوده تركيا والسعوديّة، مع تقديمِ تنازلاتٍ لإسرائيل التي تسعى إلى الهيمنة الكاملة؛ أو أن تواصلَ المواجهة عبر إعادة تشكيلِ أذرعها، وهو خيارٌ يُهدّدُها بعزلةٍ أوسع واستنزافٍ اقتصاديٍّ وبشريٍّ لا طاقةَ لها عليه.

لكن إسرائيل نفسها، رغم سعيها إلى محاصرةِ إيران، لا ترغب في شطبِها نهائيًّا. إبقاءُ طهران عاملَ تهديدٍ محسوب يخدم هدفًا آخر: منع تركيا من الانفرادِ بالملعبِ المشرقيّ. فأنقرة لا تتمدّد في سوريا فحسب، بل تبني شراكاتٍ تمتدّ من المشرق إلى الخليج والقوقاز وأفريقيا وروسيا، إلى وجودِها في صُلبِ الناتو وعلاقتِها المريحة مع الولايات المتّحدة، ما يجعلها المنافسَ الاستراتيجيَّ الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب.

السعوديّة واستعادةُ مركز الثِّقل العربيّ

تتحرّك السعوديّة اليوم بثقةٍ لإعادة تثبيت موقعها كركيزةٍ أساسيّة في المشرق. فبعدما رسَّخت حضورَها في اليمن والخليج والعالمين العربيّ والإسلاميّ، تتقدَّم المملكة إلى قلب المعادلة الإقليميّة من بوابتين أساسيتين: سوريا ولبنان.

في سوريا، تحسم الرياض خيارها بدعم النِّظام الجديد وتثبيت أركانه، متحرّكةً على خطَّيْن متوازيَيْن: تنسيقٌ محكم مع تركيا والولايات المتّحدة لتأمين الحماية، وإغلاق الباب أمام عودة إيران إلى الساحة التي هيمنت عليها منذ 2003. وترافق ذلك خطواتٌ اقتصاديّة ولو متواضعة، لكنّها محسوبة وواضحة في مسارها الاستراتيجيّ.

أمّا في لبنان، فتستعيد المملكة موقعَها كمرجعيّةٍ أولى للسنّة، وتتقدَّم لتكون شريكًا فاعلًا في تكوين السلطة من رئاسة الجمهوريّة إلى رئاسة الحكومة، مُمهِّدةً لدورٍ محوريّ في التوازنات المقبلة التي ستُفرزها انتخابات 2026. وبذلك، تعود السعوديّة إلى دورها التاريخيّ كضامنٍ عربيّ، ليس فقط في مواجهة النفوذ الإيرانيّ المتراجع، بل أيضًا في منافسةٍ مباشرة على رسم ملامح المشرق. اتفاق بكين عام 2023 نظّم العلاقة مع طهران، لكنّه لم يؤسِّس لشراكة. أمّا مع أنقرة، فالتكامل ممكن لكنّه يظلُّ مشوبًا بالحذر.

ملامحُ نظامٍ مشرقيٍّ جديد

تتشكل معادلةٌ إقليميّة جديدة ملامحُها واضحة:

        1.    إيران في موقعِ تراجعٍ وتقييدٍ مستمرّ.

        2.    تركيا في حالةِ صعودٍ، من دمشق إلى بغداد.

        3.    السعوديّة تعود بقوّة كطرفٍ عربيٍّ جامع.

        4.    إسرائيل، رغم مكاسبِها، لا تُخفي قلقَها من التمدّد التركيّ، ومن الحضور الإيرانيّ مهما خفَت، ومن أيّ تقدّمٍ عربيٍّ على أيّ محور.

وفي قلبِ هذه المعادلة يقف لبنان، ليس بوصفِه ساحةً جانبيّة، بل كمختبرٍ لأيّ تسويةٍ إقليميّة. فنتائجُ الهزيمة العسكريّة والمعنويّة التي لحقت بالمحور ستتحوّل إلى ورقةِ تفاوضٍ بين القوى الكبرى لرسمِ توازناتِ المشرق لعقدٍ مقبلٍ أو أكثر بالحدّ الأدنى.

لبنان: صياغةٌ تنفيذيّة لحصريّةِ السلاح

هنا تبرز التسويةُ الداخليّة التي حصلت حول تعاطي الحكومة مع خطة قائد الجيش لحصريّةِ السلاح بيد الدولة كمحطةً فارقة. فالخطة التي جرى التوافق عليها بين الرئاسات الثلاثة وقيادة الجيش، نقلت النقاش من ساحةِ السجال السياسيّ إلى مسارٍ تنفيذيٍّ واضح، يستند إلى اتّفاق الطائف والقرارات الدوليّة، ويضع المؤسّسة العسكريّة في موقع المرجع الشرعيّ الوحيد لقرارِ الحرب والسِّلم.

أهميّة هذه الخطوة أنّها نزعت فتيلَ انفجارٍ داخليٍّ محتمل كان يلوح في الأفق، وربطت التنفيذ بقدراتِ الجيش والدّعم الدوليّ، بحيث يُصبح حصرُ السلاح خيارًا لبنانيًّا نابعًا من الداخل، لا يُفرَض بالصدام ولا يُستخدَم كأداةِ ابتزازٍ خارجيّ. كما حمّلت المجتمع الدوليّ مسؤوليّة مباشرة: إذا أراد تطبيقَ القرارات الدوليّة، فعليه تمكينُ الجيش بالعتاد والتمويل.

للمرّة الأولى منذ إقرار حلِّ الميليشيات في عهد الرئيس إلياس الهراوي وحكومة الرئيس عمر كرامي، تحاول الدولة أن تستعيد زمامَ المبادرة في ملفّ السلاح عبر صياغةٍ تنفيذيّة واقعيّة، تُوازن بين مقتضيات السيادة وضمانات السِّلم الأهليّ. نجاحُ هذه الخطة سيعتمد على جدّية المجتمع الدوليّ في دعم الجيش، وعلى قدرة الداخل اللبنانيّ في تحييد الانقسامات الطائفية ويعتمد كذلك على قدرة الدولة على حماية حدوده ومواطنيه عمليًا مع التأكيد أن لإسرائيل أطماعاً مؤكدة بمياه لبنان وأرض لبنان وضرب دور لبنان. وهنا، يُصبح لبنان أمام معادلةٍ جديدة: دولةٌ تسعى لتكريس نفسها كمرجعٍ وحيد، وجيشٌ يُعاد تكليفه بدورٍ توحيديّ، وسلاحٌ يُعاد تعريفُه كمسؤوليّةٍ وطنيّة.

الخاتمة

بين إنزال الكسوة في دمشق وما حمله من رسائل، والمتغيرات الحاصلة كافة، تقف إسرائيل بقلق، ويمضي لبنان في قلب العاصفة. نحن أمام نظامٍ مشرقيٍّ جديد يتشكّل على أنقاض حربٍ قاسية، وصورته لم تكتمل بعد.

شتاء 2025 سيكون مفصليًّا: إمّا تسوية كبرى تُعيد رسم خرائط النفوذ وتمنح المنطقة استقرارًا نسبيًّا، وإمّا انزلاقٌ إلى فوضى أطول تُبقي المشرق في مهبِّ الاضطراب. لكنَّ المؤشِّرات تُرجِّح أن الحاجة الجماعيّة إلى التسوية باتت أقوى من شهية المغامرة اللهم إلا شهية نتنياهو وفريقه الممتد إلى شعبية يعتد بها في الكيان.

ولبنان، كما في كلِّ مرّة، ليس تفصيلًا. إنّه قلب المعادلة ومختبرُها، حيث تُقاس قدرة الدولة على احتكار السلاح، وتُختبر حدودُ السِّلم الأهليّ. في المشرق الجديد، إمّا أن ينجح لبنان في تثبيت نفسه كدولةٍ ذات سيادةٍ ومرجعيّةٍ واحدة، أو أن يبقى مرآةً هشّة لصراعات الآخرين، تمامًا كما بقيت غزّة مرآةً دامية لكلفة العجز المطلق للإقليم والعالمين العربي والاسلامي وعجز الدول الغربية التي ادعت تصدير الأخلاق والإنسانية والمبادئ عن ردع إسرائيل من التوحش والتغول.

المرحلة تطلب تسوية داخلية يستعيد فيها المواطن اللبناني انفاسه لإعادة بناء ما تهدم وإعادة بناء الاقتصاد وتحويل بلاده نموذجاً ناجحاً يناقض النموذج الاسرائيلي القائم على طائفية الدولة وإجرامها وتوغلها في محاولة لإحكام السيطرة على المنطقة برمتها. التقاط الأنفاس ضرورة والاستقرار في لبنان واجب.

المدن

——————————–

حرب إسرائيل من أجل السلام في سوريا تختبر قبضة الزعيم الجديد على السلطة .

* نيوزويك *

إن الدفع الإسرائيلي المتزامن من أجل السلام والهجمات المستمرة في سوريا يضع الزعيم الجديد للبلاد على المحك، ويهدد بتقويض حكمه الناشئ، حيث يخاطر المقاتلون الإسلاميون المتشددون الذين ساعدوه في الوصول إلى السلطة بالتحول ضده.

يواجه الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، زعيم المتمردين الإسلاميين السابق الذي يسعى الآن إلى توحيد أمة منقسمة بعد 14 عاما من الحرب الأهلية الدموية، صراعا خطيرا للحفاظ على التوازن بين تأمين الشرعية في الداخل واسترضاء عدو تاريخي يعمل عبر واحدة من أكثر نقاط الاشتعال تقلبا في الشرق الأوسط.

بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، ثمة أيضًا مهمةٌ مُوازِنة. تسعى إسرائيل إلى مُواجهة صعود الشرع المُحتمل ليصبح رجلًا قويًا جديدًا في سوريا، هذه المرة بدعمٍ دولي، وفي الوقت نفسه تجنُّب سيناريو تستولي فيه قوى أكثر تطرفًا على مقاليد الأمور في دولةٍ يُحذِّر المسؤولون من أنها قد تُصبح المركز الرئيسي التالي للجماعات المُتشددة العالمية ونقطة انطلاقٍ لهجماتٍ جديدة.

من جانب إسرائيل، فإن الحفاظ على هذا النظام غير قوي للغاية يعني القضاء على هذا التهديد، كما قال إران لاهف، وهو محلل استخباراتي سابق في قوات الدفاع الإسرائيلية ويعمل الآن باحثاً أول في منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، لمجلة نيوزويك .

تاريخ من العنف

كانت إسرائيل وسوريا في حالة حرب رسمية منذ عام ١٩٤٨، عندما خاضتا أول صراع بينهما كتحالف عربي يقاتل الدولة اليهودية المُعلنة حديثًا على أراضٍ يطالب بها الفلسطينيون أيضًا. وخاضتا حربين أخريين، الأولى عام ١٩٦٧، والتي أسفرت عن استيلاء إسرائيل على مرتفعات الجولان، والثانية عام ١٩٧٣، والتي أسفرت عن إنشاء منطقة عازلة تحرسها الأمم المتحدة بين المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل وتلك الخاضعة لسيطرة سوريا في جنوب غرب سوريا.

في حين تجنبت الدولتان منذ ذلك الحين الصراع الشامل، بدأت إسرائيل في تنفيذ ضربات منتظمة ضد سوريا بعد اندلاع الحرب الأهلية في البلاد في عام 2011. وضع الصراع الرئيس السوري بشار الأسد ، المدعوم من إيران وروسيا، ضد مجموعة من الجماعات المتمردة والجهادية، حيث سعت إسرائيل إلى التخفيف من النفوذ الإيراني في الدولة المجاورة.

ومن بين أقوى الجماعات الإسلامية التي ظهرت كانت جبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة في سوريا، التي أسسها الشرع في عام 2012. عاد الشرع، المعروف منذ فترة طويلة باسمه الحركي، محمد أبو الجولاني، إلى سوريا بعد أن سجنته القوات الأمريكية في العراق، حيث ارتبط بزعيم تنظيم الدولة الإسلامية المستقبلي أبو بكر البغدادي.

رفض الشرع دعوة البغدادي لدمج مجموعته في تنظيم داعش وأعاد تسمية جماعته عدة مرات، ثم قطع علاقاته مع تنظيم القاعدة في عام 2016 وأسس هيئة تحرير الشام في عام 2017. ومع انزلاق المنطقة مرة أخرى إلى الحرب مع حركة حماس الفلسطينية التي شنت هجومًا مميتًا ضد إسرائيل في أكتوبر 2023، تم دفع سوريا إلى الخطوط الأمامية كجزء من تحالف محور المقاومة المتحالف مع إيران.

شكّل سقوط الأسد المفاجئ على يد الهجوم السريع الذي شنته هيئة تحرير الشام التابعة للشرع وفصائل متمردة أخرى نقطة تحول جديدة. وبينما رحّب نتنياهو بإطاحة الأسد، سارع إلى إصدار أوامر بشن سلسلة ضربات تاريخية ضد مواقع عسكرية سورية سابقة، بالإضافة إلى توغل بري للسيطرة على أراضٍ إضافية خارج المنطقة العازلة في مرتفعات الجولان.

أدان الشرع الضربات، لكنه جادل بأن حكومته لا تُشكل أي تهديد لإسرائيل، إذ يسعى إلى الإشراف على مسار أكثر سلمية وشمولية في سوريا. إلا أن التقارير التي أفادت باستهداف قوات الأمن الموالية للدولة للأقليات، مثل العلويين والدروز والأكراد، دحضت هذه الادعاءات.

تدخلت إسرائيل، التي تضم عددًا كبيرًا من الدروز، في يوليو/تموز بضربات جديدة، حيث اشتبكت ميليشيات عربية سورية، بما فيها قوات موالية للحكومة، مع فصائل درزية في الجنوب. حتى أن بعض السياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، ألمحوا إلى اغتيال الشرع آنذاك، قبل التوصل إلى اتفاق برعاية أمريكية.

وقال لاهف، الذي شارك مؤخرا في تأليف ورقة بحثية تتناول التهديدات المتصورة التي تشكلها القيادة السورية الجديدة، إن الشرع “لا ينبغي أن يحكم سوريا لفترة طويلة”، مشيرا إلى التقارير التي تحدثت عن محاولات اغتيال الزعيم السوري والتي بدا أن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير الأميركي في تركيا أكدها في يوليو

في الوقت نفسه، أكد لاهف أن إسرائيل “لا يمكن أن تكون ساذجة للغاية” بشأن من قد يخلفه، لا سيما بعد هجوم حماس المفاجئ في 7 أكتوبر الأول. وقال إن على إسرائيل “موازنة ذلك بطريقة ما، ليس لإبقائه قويًا جدًا، ولكن ليس لطرده بسرعة كبيرة”.

مبادئ الجهاد

وفي حين يعترف لاهف بوجود المزيد من الشخصيات المتشددة في سوريا، فإنه من بين عدد من المحللين الإسرائيليين الذين يواصلون التعبير عن شكوكهم تجاه رفض الشرع العلني للدوافع المتطرفة.

واتهم الشرع بارتكاب “تنكر” يسعى من خلاله إلى تنفيذ “جهاد متطور” يهدف إلى ضرب ليس الأقليات في الداخل فحسب، بل أيضاً الدول المجاورة.

“أعتقد أنه يحاول أن يصور نفسه الآن كقومي سوري يركز فعليا على إعادة بناء سوريا”، قال لاهف، “ولكن بمجرد أن تتاح له الفرصة، وبمجرد حصوله على جميع التمويلات – فهو الآن يبرم صفقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكل يوم هناك صفقة جديدة واستثمار جديد في سوريا – بمجرد أن يصبح قويا بما فيه الكفاية، أعتقد أنه إما سيذهب مع مسلحيه وسيعمل ضد، دعنا نقول، لبنان، أو ضد إسرائيل”.

قال لاهف: “من المبادئ الأساسية للجهاد عمومًا عدم الهجوم حين لا تكون قويًا بما يكفي. بل تهاجم فقط حين تكون قويًا بما يكفي. وأعتقد، وفقًا لهذا المبدأ، أنه ينتظر هذه اللحظة، وهو ما يشبه، بالمناسبة، ما فعلته حماس”.

هناك دولة أخرى يذكرها لاهف باعتبارها محورية في هذه المعادلة، وهي تركيا، القوة الإقليمية المؤثرة، والدولة العضو في حلف شمال الأطلسي، وواحدة من أكثر المؤيدين المتحمسين لشرع.

ومع هزيمة محور المقاومة في سوريا وتراجعه في أماكن أخرى على جبهات الحرب العديدة في غزة، حذر لاهف من “صعود محور سني جديد، بسبب التهديد الكبير الذي يشكله الشرع مع تركيا”.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أشاد به ترامب للمساعدة في تنظيم الاجتماع التاريخي بين الزعيم الأميركي والشرعي في المملكة العربية السعودية في مايو/أيار، نتنياهو مرارا وتكرارا من المزيد من التدخل في سوريا، مما مهد الطريق لصدام محتمل بين حليفين للولايات المتحدة.

لكن المراقبين السوريين يزعمون أن هذا هو نوع القتال الذي يحاولون تجنبه، على الرغم من العمليات الإسرائيلية المستمرة التي قد تقوض قدرة الشرع على الحكم بفعالية في حين يواصل محادثاته مع إسرائيل.

وقال رضوان زيادة، الباحث البارز في المركز العربي في واشنطن العاصمة، إن الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي أفادت التقارير أنها قتلت ما لا يقل عن ستة جنود سوريين “يمكن اعتبارها مفاجأة إلى حد ما هنا في دمشق”.

 : “أعتقد أن الحكومة السورية ظنت أن التفاوض المباشر بحضور الولايات المتحدة سيمنع إسرائيل من شن هجمات متواصلة على الحكومة السورية. لكن يبدو أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لا تكترث بهذه المفاوضات، وربما تعتقد أنها تفعل ذلك من موقع قوة، كما كرر نتنياهو مرارًا”.

وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن الحكومة لم تصدر أي تهديدات مباشرة لإسرائيل باستثناء انتقاد مثل هذه الهجمات، وحذر من أن هذه العمليات “تعطي انطباعا بأن الحكومة السورية الحالية ضعيفة للغاية، وغير قادرة على السيطرة على سيادة الأراضي السورية أو سلامة الأراضي السورية، أو منع أي نوع من التصعيد من الجانب الإسرائيلي”.

ويزيد من الضغوط على الشرع المشاعر الشعبية المطالبة بعودة الأراضي السورية التي تحتلها إسرائيل.

قال زيادة: “لا أعتقد أن الشعب السوري سيقبل بأي اتفاق لا يشمل مرتفعات الجولان. ومع ذلك، فإن غالبية السوريين، بل الأغلبية الساحقة، يعتبرون الجولان جزءًا من الأراضي السورية، وأن سوريا احتلته احتلالًا غير شرعي بعد حرب عام ١٩٦٧، ولهذا أعتقد أنه جزء من التفاهم”.

وحتى الآن، سعى نتنياهو إلى رفض أي اقتراح بالتنازل عن الأراضي كجزء من اتفاق مع الشرع.

في ديسمبر/كانون الأول، تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن تحتفظ إسرائيل بالمنطقة، التي ضمتها دون اعتراف دولي عام ١٩٨١، “إلى الأبد”. ومؤخرًا، مع بروز محادثات جديدة بين الجانبين، نفى مكتبه التقارير التي تفيد بأن إسرائيل ستفكر حتى في التنازل عن مزارع شبعا المتنازع عليها، والمعروفة أيضًا باسم جبل دوف، ووصفها بأنها “أخبار كاذبة”.

بين الحرب والسلام

رسميا، يظل اتفاق السلام هدفا رئيسيا لإسرائيل، تماما كما حصلت البلاد على اعتراف من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب من خلال اتفاقيات أبراهام المدعومة من الولايات المتحدة والتي أطلقت في عهد الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب في عام 2020.

قال يوفال دونيو جدعون، القنصل للدبلوماسية العامة في القنصلية العامة الإسرائيلية في نيويورك مؤخرا إن بلاده “منفتحة على التوصل إلى ترتيبات ذات صلة، نأمل أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن، مع الحكومة في سوريا”، مشيرا إلى محاولات السلام السابقة في عهد الأسد ووالده حافظ الأسد، والتي انهارت في نهاية المطاف.

قال دونيو جدعون في الوقت نفسه: “لسنوات طويلة، كنا نطمح إلى تحقيق ذلك، وكان هناك رفض واضح من الجانب السوري. الآن، ستختلف الأمور، وسنرى كيف ستسير الأمور”.

وفي مواجهة وعود الشرع بسوريا جديدة لن تكون معادية لسوريا، قال دونيو جدعون إن المسؤولين الإسرائيليين “يستطلعون بعناية ليس فقط التصريح، بل أيضاً أفعال الحكومة الجديدة في سوريا، وفي سياق أمن إسرائيل وفي سياق المصالح الأخرى الواسعة النطاق التي لدينا في المنطقة المجاورة مباشرة لحدود إسرائيل”.

ولكن استراتيجية إسرائيل، سواء على طاولة المفاوضات أو في ساحة المعركة، أثارت الشكوك داخل سوريا حول رغبة نتنياهو في تحقيق سلام دائم.

وقال محمود تورون ، وهو سياسي سوري مقرب من الحكومة الانتقالية، “بالنظر إلى الوضع الحالي، لا أعتقد أن إسرائيل جادة بشأن التوصل إلى اتفاق سلام في حين أنها تمارس عدواناً عسكرياً متواصلاً، وسلوك مثل هذا لا يشير إلى نواياها الجادة في الدخول في معاهدة سلام جادة”.

وعلى غرار زيادة، فقد شعر بأن ما قد يكون في متناول اليد أكثر هو اتفاقية أمنية ثنائية من شأنها أن تشكل “الأساس لإدارة التحديات الأمنية اليومية التي تواجه البلدين في بيئة معقدة”.

وفي الوقت نفسه، زعم أن الإجراءات الإسرائيلية المستمرة أثبتت أنها تضر باستقرار سوريا، مع وجود خيارات محدودة أمام الحكومة للرد.

وقال تورون لنيوزويك “من الواضح أن أي عدوان عسكري من شأنه أن يقوض استقرار أي بلد، وسوريا في وضع تركت فيه بالفعل صراعا دام 14 عاما ترك بالفعل بعض العواقب الوخيمة للغاية على الحياة الاجتماعية، والحياة الاقتصادية، وعلى جميع جوانب الحياة المدنية في سوريا”، “لذا فإن إضافة العمل العسكري الآن، من وقت … لآخر لن يجعل الأمور أسهل، بل سيجعلها أصعب بكثير”.

وأضاف “فيما يتعلق برد الحكومة، ليس هناك الكثير من الخيارات أمام هذه الحكومة سوى السعي إلى الحوار والسعي إلى مساعدة الدول المؤثرة للضغط على إسرائيل، لأن الخيار الآخر، وهو الخيار العسكري بالطبع، مستبعد تماما لأسباب عديدة، والسبب الرئيسي هو عدم وجود قدرات عسكرية لمواجهة العدوان الإسرائيلي، سواء دفاعات جوية أو حتى إمكانية الرد”.

ومع ذلك، فقد زعم أن الدبلوماسية البراجماتية التي انتهجها الشرع نجحت في كسب تأييد الشعب السوري، بدلاً من تحريضه.

قال تورون: “أعتقد أن الرئيس يُدرك التحديات. إنه يُدرك عواقب الوقوع في فخ المواجهة المباشرة مع إسرائيل، لكن الرئيس ليس في وضع يسمح له بتقديم تنازلات جادة، لا سيما فيما يتعلق بالأراضي السورية التي ضمتها إسرائيل بشكل غير قانوني. إنها مسألة دبلوماسية دقيقة ومفاوضات مطولة، وعلينا الانتظار لنرى كيف ستتطور داخليًا”.

وأضاف “لا يوجد غضب الآن تجاه الرئيس، لأن الجميع يعلم إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الذهاب بعدوانها ونشاطها العسكري، ومن الواضح بالنظر إلى ما فعلته في غزة وما فعلته في لبنان أيضاً”.

جهود ترامب من أجل السلام

بعد أقل من تسعة أشهر من انتهاء نصف قرن من الحكم البعثي في سوريا بشكل مفاجئ، لا يزال دور الولايات المتحدة في البلاد موضع تساؤل.

في البداية، دعمت الولايات المتحدة عددًا من الجماعات المتمردة التي تقاتل الأسد، ثم غيّرت ولاءها عام ٢٠١٥ لدعم قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بقيادة الأكراد مع بدء داعش في تحقيق مكاسب على مستوى البلاد. بقي انتشار محدود للقوات الأمريكية في البلاد بعد إعلان هزيمة داعش، وكانت مهمتها الرسمية منع عودة ظهور التنظيم، إلى جانب هدف ثانوي يتمثل في منع انتشار الفصائل المدعومة من إيران التي ازداد نشاطها خلال الحرب في غزة.

أثار صعود الشرع إلى السلطة تحدياتٍ فورية، إذ كان هو وهيئة تحرير الشام مدرجين على قوائم الإرهاب الأمريكية. وبدا أن ترامب غيّر مساره في هذا الشأن باجتماعه مع الشرع وإعلانه رفع العقوبات عن سوريا.

وقال أندرو تابلر، الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمسؤول السابق في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي المختص بالشأن السوري، إن واشنطن من المرجح أن تسعى إلى تعزيز عملية انتقال مستقرة وشاملة بدعم من الشركاء الإقليميين.

قال تابلر لنيوزويك: “هناك فرصة، بالعمل مع حلفائنا، بمن فيهم السعودية وقطر، ثم الأتراك، لتحويل البلاد من دولة تهيمن عليها الأقلية الشيعية أو الأقليات الأخرى، إلى دولة تمثل الأغلبية في سوريا”. وأضاف : “لكن المشكلة تكمن في استقرار النظام؟ وأعتقد أن هذا هو منبع تلك المحادثات حول تشكيل الحكومة”.

عادةً ما تندرج هذه الأمور تحت بند بناء الأمة، ولكن هنا، أعتقد أن أهم ما تواجهه الحكومة هو تحقيق الاستقرار. الأمر يتعلق فقط بالقدرة على إدارة عمل الدروز والأكراد وغيرهم من الأقليات، الذين يشكلون 25% من السكان، مع الحكومة المؤقتة، بدلًا من مجرد التسبب لها بالمتاعب ودفعها للعب لعبة “اضرب الخلد” طوال الوقت.

ولكن حتى الآن، زعم أن العملية “مجزأة” بسبب حوادث العنف والمخاوف بشأن توجهات أعضاء هيئة تحرير الشام الأساسيين، الذين “من المرجح أن يكون لديهم آراء قوية للغاية بشأن إسرائيل بشكل عام، والصراع الفلسطيني، وخاصة احتفاظ إسرائيل بالأراضي السورية”.

وفيما يتعلق بالضربات الإسرائيلية، قال إن مثل هذه العمليات لها تاريخ من النجاح في مواقف معينة ولكنها تأتي أيضا مع مخاطر محتملة قد تأتي بنتائج عكسية.

قال تابلر: “إن أسرع طريقة لتغيير سلوك أي شخص هي الاستخدام الدقيق للقوة العسكرية في حالات الطوارئ. تقلب كل شيء رأسًا على عقب. أما التأثير على سلوكهم السياسي بمرور الوقت، فهو أصعب بكثير. لذا، قد تتخلل هذه العملية السياسية هذه التدخلات الإسرائيلية، لكن ذلك قد يجعله يبدو أضعف ويضعفه في مواجهة هذه العناصر الأكثر تطرفًا”.

كما أن المخاطر عالية بالنسبة لترامب، الذي سعى إلى الموازنة بين المصالح المتنافسة لنتنياهو وأردوغان والشرع نفسه وسط حملة من مبادرات حفظ السلام العالمية.

وتقول منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والمسؤولة السابقة في مكتب الشرق الأوسط بالوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إن “الولايات المتحدة والرئيس ترامب على وجه التحديد راهنوا كثيراً على نجاح عملية الانتقال في سوريا”. : “باجتماعه الشخصي مع الرئيس الانتقالي وإعلانه رفع العقوبات عن سوريا، فإن الرئيس ترامب لديه مصلحة شخصية في استقرار سوريا. ولذلك، ضغطت الإدارة على إسرائيل للتراجع عن بعض عملياتها العسكرية الأكثر جرأة”.

وأضافت: “نظرًا لموقع سوريا في قلب الشرق الأوسط، فإن تفككها سيشكل تهديدًا أوسع نطاقًا للاستقرار الإقليمي، وبالتالي لهدف الرئيس ترامب المعلن في أن يكون صانع سلام في المنطقة”. وتابعت: “لذلك، يُتوقع من الإدارة الأمريكية أن تضغط بقوة على الطرفين لتهدئة التوترات”.

——————————————

ماذا استهدفت غارات إسرائيل المتجددة في حمص؟ ولماذا؟/ غيث معاذ

غارات الإسرائيلية العنيفة على حمص

09 أيلول 2025

حمص- إلى الشرق من حمص، وبين 3 قرى (الأوراس ومسكنة وغزالة) توجد كتيبة الدفاع الجوي السوري التي طالتها غارات إسرائيلية متعددة، الليلة الماضية، خلّفت دمارا وأضرارا مادية، وأضيفت إلى سجل من الهجمات على الأراضي السورية.

وقوبل القصف الإسرائيلي بإدانة شديدة من وزارة الخارجية في الجمهورية العربية السورية، التي قالت إن الغارات الإسرائيلية تمثل خرقا صارخا لسيادة سوريا وتهدد أمنها واستقرارها الإقليمي، من خلال استمرار الانتهاكات الإسرائيلية منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.

قواعد فارغة

وفي هذا السياق، حصلت الجزيرة نت على معلومات حصرية تفيد بأن الغارات الإسرائيلية استهدفت مقر كتيبة الدفاع الجوي الفارغ أصلا من أية معدات عسكرية ثقيلة تستخدم في الدفاع الجوي بعد نقلها من قبل النظام السابق قُبيل سقوطه، عقب القصف الإسرائيلي الذي استهدف عدة مواقع عسكرية في محافظة حمص قبل سقوط النظام.

وقال مصدر مطّلع للجزيرة نت، إن القصف المباشر اليوم هو رسالة سياسية أكثر من كونه استهدافا لآليات ومعدات عسكرية في الدفاع الجوي.

وقال المصدر إن عناصر وإمكانيات الكتيبة غير موجودة “لأن النظام البائد نقل قسما كبيرا منها في سنوات الحرب وأكمل نقل المعدات الباقية عقب خروج حلب عن سيطرته وبدء تمدد قوات ردع العدوان باتجاه الجنوب”.

وأضاف أن القصف الإسرائيلي جاء بعد اجتماع قائد القوى الجوية السوري مع نضيره التركي في تركيا، ليكون رسالة واضحة بأن القصف هو عبارة عن “تهديد بحظر تشكيل أية قوة مستقبلية ممكن أن تهدد إسرائيل”.

وتزامن القصف مع لقاء رسمي بين قائد القوى الجوية في الجيش السوري العميد عاصم هواري برئيس الأركان التركي الفريق سلجوق بيرقدار أوغلو، وقائد القوات الجوية التركي الفريق ضياء جمال قاضي أوغلو في العاصمة أنقرة.

“تجمع عسكري”

من ناحية أخرى، قال مصدر قريب من الموقع المستهدف، إن القصف كان مركّزا على داخل الكتيبة بشكل مباشر وأدى لأضرار مادية بالبنية الأساسية داخل المبنى دون وقوع إصابات بشرية مدنية أو عسكرية في المكان “الذي يعد شبه فارغ”.

وأضاف المصدر أن الموقع لا يوجد فيه أية آليات عسكرية كبيرة كما كانت سابقا لأن النظام السابق نقل المعدات المخصصة لكتيبة الدفاع الجوي عبر سنوات الحرب.

وأشار إلى أن هذه الكتيبة حولها نظام الأسد إلى تجمع آليات عسكرية ومدافع لقصف أرياف وأحياء حمص خلال سنوات الثورة السورية، وأصبحت قطعة عسكرية أكثر من كونها كتيبة دفاع جوي.

عدة مواقع

وأدانت وزارة الخارجية السورية، في بيان رسمي، القصف الإسرائيلي، وقالت إن العدوان الجوي الذي نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي، استهدف عدة مواقع في محافظتي حمص واللاذقية، في انتهاك فاضح للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.

وأضافت أن هذه الانتهاكات تمثل أيضا خرقا صارخا لسيادة الجمهورية العربية السورية، وتهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها الإقليمي، وتندرج ضمن سلسلة التصعيد التي تنتهجها إسرائيل ضد الأراضي السورية. وعبّر البيان عن الرفض القاطع لأية محاولة للنيل من سيادة سوريا أو المساس بأمنها الوطني.

ودعت الخارجية السورية المجتمع الدولي ولا سيما مجلس الأمن، إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ موقف واضح وحازم يضع حدا للاعتداءات المتكررة، ويضمن احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها.

وكانت إسرائيل قد شنت في أبريل/نيسان عام 2023، 3 غارات جوية على عدة مواقع في محافظة حمص، وكذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حيث قصفت قاعدة “شعيرات” الجوية جنوبي حمص، وفي يونيو/حزيران عام 2019 قصف الاحتلال الإسرائيلي قاعدة “تي فور” (T4) شرقي حمص أيضا.

المصدر: الجزيرة

—————————-

 غالبية شيوخ السويداء يرفضون دعوات “الهجري” للانفصال ويتمسكون بوحدة سوريا

2025.09.09

أفادت تقارير صحفية بأن مصادر سياسية في إسرائيل كشفت عن اعتراض غالبية شيوخ منطقة السويداء على الدعوة الجديدة التي قدّمها حكمت الهجري، أحد مشايخ طائفة الموحدين الدروز، بشأن تأييده الانفصال عن سوريا.

وقالت صحيفة الشرق الأوسط اليوم الثلاثاء، إن المصادر السياسية طلبت من القيادات الروحية والعلمانية في إسرائيل أن تمتنع عن تشجيع القوى الانفصالية، وأن تتفهم موقفهم وتساعد في التوصل إلى تفاهمات مع الحكومة السورية لتصحيح مسارها مع الدروز في السويداء وغيرها.

ووفقاً للمصادر، فإن غالبية شيوخ الدروز في السويداء يتمسكون بالنسيج الاجتماعي في سوريا، وقد طلبوا من الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، العمل على التوصل إلى اتفاق سياسي يضمن حماية الدروز في سوريا.

وتابعت المصادر أن موضوع الأقليات في سوريا سيُطرح في اللقاء المرتقب بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر خلال الأيام القريبة المقبلة.

وأمس، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن من المقرر أن يلتقي وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي بوزير الخارجية السوري هذا الأسبوع، تمهيداً لاتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا، بينما يدفع المبعوث الأميركي توم باراك باتجاه هذا اللقاء.

الهجري يجدد المطالبة بكيان مستقل

وقبل أيام، جدد حكمت الهجري، أحد مشايخ طائفة الموحدين الدروز في السويداء، المطالبة بإقامة كيان مستقل يضمن حق تقرير المصير لأبناء المنطقة، كما وجّه شكره إلى إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على ما وصفه بمواقف داعمة لقضية أبناء السويداء.

وقال الهجري في مقطع مصوَّر: “نحن نبحث عمّا يناسبنا كمجتمع لنقول إن هذا هو ما يلائمنا (…) واليوم، ومع ما تشهده الساحات من تجمعات شبابية وحراك واسع، ومع حجم التضحيات التي قدّمها أبناؤنا، لم يعد لدينا مجال للتفاوض على أي شيء سوى الاستقلالية (…) فالاستقلال لم يعد خياراً مطروحاً للنقاش، بل أصبح ضرورة حتمية”، على حدّ قوله.

وبحسب قوله، فإن “الطائفة الدرزية في سوريا تطلب استقلال المنطقة الجنوبية”، معتبراً أن الهدف من ذلك هو “الحفاظ على السلامة والكرامة”، مشدداً على أن الكيان المستقبلي – وفق تعبيره – يجب أن يتناغم مع الدول الكبرى والمجتمعات المنفتحة والحضارية.

———————————-

شيخ الدروز في إسرائيل يتفهم رغبة الأكثرية في السويداء عدم الانفصال عن سوريا

طالبته بالمساعدة في تفاهمات مع الحكومة السورية لتصحيح مسارها في السويداء

تل ابيب: نظير مجلي

8 سبتمبر 2025 م

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الموقف الذي أظهره الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل الشيخ موفق طريف بضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي يضمن حماية الدروز في سوريا، بعد الاشتباكات المسلحة بين مجموعات من أبناء الطائفة وقوى أخرى، جاء بطلب من غالبية مشايخ الدروز في السويداء الذين يتمسكون بالنسيج الاجتماعي في سوريا.

وقالت هذه المصادر إن مشايخ السويداء يقفون بأكثريتهم الساحقة مع الدولة السورية، ولا يوافقون على ما طرحه الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا الشيخ حكمت الهجري من مبادرات انفصالية. وقد طلبوا من القيادات الروحية والعلمانية في إسرائيل، أن تتفهم وتحترم هذا الموقف، وتساعد على التوصل إلى تفاهمات مع الحكومة السورية لتصحيح مسارها مع الدروز في السويداء وغيرها، والامتناع عن تشجيع القوى الانفصالية.

وكان الشيخ طريف قد أكد، خلال مقابلة مع قناة «يورو نيوز»، أن الدروز في إسرائيل هم دعاة سلام ومحبة، لكنهم غضبوا بشدة مما تعرض له أهلهم في السويداء وغيرها من البلدات في الجنوب السوري من مذابح. ورفض أن يتهم حكومة أحمد الشرع بها، على عكس تصريحات سابقة له، كما رفض اتهام البدو. وقال إن الدروز في سوريا عانوا من عسف النظام في أيام بشار الأسد وتوخوا خيراً من إسقاطه. ولكنهم يعتبون على هذا النظام أنه لم يحل المشكلة حتى الآن.

واعتبر أن «من قام بهذه الاعتداءات الرهيبة هم أقلية من العصابات الإجرامية، التي لا تمثل النظام (الحالي) ولا البدو»، مع أنها نفذت جرائمها باستخدام الدبابات والمجنزرات والطائرات المسيرة التي يفترض أنها تابعة للحكومة.

وانتقد طريف الحكومة لأنها لم تنجح بعد في إعادة نحو 700 مخطوف درزي بينهم 100 امرأة ونحو 200 طفل، ولم تتح بعد عودة المهجرين عن 40 قرية، ولم تتح حتى الآن دفن القتلى في تلك القرى ولم تقم بفك الحصار وضمان دخول المواد الغذائية والوقود والماء والكهرباء. ولم تحاسب المجرمين، على حد تعبيره.

وأشاد الشيخ طريف بالتدخل الإسرائيلي في وقف المذبحة، وقال: «لولا التدخل الإسرائيلي لكانت الطائفة الدرزية في سوريا قد أُبيدت». لكنه أضاف أنه وصل إلى بلجيكا وقابل قادة الاتحاد الأوروبي والتقى مسؤولين أميركيين كباراً، لأنه لا يكتفي باللجوء إلى إسرائيل بل ويطلب تدخل العالم كله. وتابع: «نحن نطالب بممر آمن من إسرائيل إلى السويداء حتى نستطيع إدخال المساعدات الإغاثية لأهلنا في السويداء. ولكننا كنا قد طالبنا بممر آمن أولاً من الأردن، لكن إخوتنا في عمان لم يستجيبوا لنا فتوجهنا إلى إسرائيل».

وكان الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري قد جدد التأكيد، الخميس الماضي، على أن حق تقرير المصير في السويداء هو «حق مقدس» تكفله جميع المواثيق الدولية «وأنهم لن يتراجعوا عنه».

واعتبرت مصادر إعلامية مطالبة الشيخ موفق طريف الحكومة السورية بإظهار نيات حسنة تجاه الدروز، سعياً لاستعادة الثقة، وأن يتم إعطاء الدروز حقهم ضمن إطار الدولة السورية، شرخاً بينه وبين الشيخ الهجري الذي يطالب بتدخل إسرائيل لصالح دروز سوريا وحق تقرير المصير والانفصال ضمن محافظة السويداء جنوب سوريا.

المصادر السياسية أكدت أن موضوع الدروز وغيرها من الأقليات في سوريا، سيطرح مرة أخرى في اللقاء المقبل الذي سيجري بعد أيام بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، في الأيام القريبة المقبلة.

وقال الشيخ طريف، في هذا السياق، إنه تلقى اتصالات مباشرة من رؤساء روحيين مسيحيين وعلويين في سوريا، يناشدونه الاهتمام بأوضاعهم وإغاثتهم كما يفعل مع الدروز، لأن الأوضاع التي يعيشونها سيئة للغاية ومحفوفة بأخطار كبيرة، بحسب تصريح رجل الدين الدرزي الإسرائيلي.

وفي رد على سؤال بشأن أبعاد التضامن مع دروز سوريا، حاول الشيخ طريف أن يشرح جانباً من العقيدة الدرزية يسمى «حفظ الإخوان»، الذي بموجبه يقيم الدروز نشاطات تعاضد مع الدروز المحتاجين. وقال إن «هذه العقيدة سائدة مع نشوء الدرزية الحديثة قبل ألف سنة وأكثر».

وكان طريف قد ذكر أن بحثاً معمقاً في هذا الموضوع أُجري في جامعة تل أبيب سنة 2022، أي قبل مشاكل السويداء، أظهر أن 82 في المائة من الدروز في إسرائيل مستعدون للتضحية بحياتهم في سبيل مناصرة أشقائهم الدروز في البلاد أو في بلاد أخرى، وأن 77 في المائة منهم مستعدون لحمل السلاح والقتال إلى جانب أشقائهم حتى لو كانوا في دولة أخرى. وأكد أن الكثير من الدروز في إسرائيل تربطهم وشائج قربى من الدرجة الأولى، مع الدروز في سوريا، قرابة أشقاء وأبناء عائلة أو حمولة واحدة.

————————————

 عشائر السويداء تطالب بالعودة الآمنة وتؤكد رفضها للتقسيم

2025.09.09

طالب الناطق باسم أبناء عشائر السويداء، مصطفى العميري، الحكومة السورية بالتحرك العاجل لضمان عودة العشائر “المهجّرة” إلى منازلها، مؤكداً أن العشائر ترفض أي محاولات للتقسيم، ومتمسكة بالوحدة الوطنية.

وقال العميري في حديث لتلفزيون سوريا إن أبناء المحافظة يطالبون باستعادة أحيائهم وقراهم ومنازلهم، مؤكداً أنهم أصحاب أملاك وعقارات وجزء أصيل من السويداء، وليسوا دخيلين عليها.

وأوضح العميري أن المهجرين من أبناء العشائر توجهوا إلى مراكز إيواء في محافظة درعا وقرى حوران، تشمل المدارس والمخيمات والكنائس والجوامع، إضافة إلى الإقامة عند الأقارب أو في منازل مهجورة.

وأضاف أن آخرين وصلوا إلى محافظة دمشق، حيث يقيمون في أكثر من 23 فندقاً، فيما توزعت مجموعات أخرى في ريف دمشق والضمير وحمص.

التفاوض مع الأطراف داخل السويداء

كشف المتحدث أن لا توجد أي خطوط تواصل بينهم وبين أبناء المحافظة في السويداء، لأن الفصائل التابعة للشيخ حكمت الهجري تحتجز نحو 1500 شخص من أبناء العشائر وعناصر وزارة الدفاع والأمن الداخلي. مشيراً إلى أن هؤلاء الأسرى من أبناء العشائر أُخذوا من منازلهم، وشمل ذلك نساءً وأطفالاً ورجالاً وشيوخاً وكباراً.

كما أشار العميري إلى حادثة اختطاف حمزة العمارين، أحد أفراد الدفاع المدني السوري، الذي دخل السويداء لضمان خروج هيئة أممية، وفُقد داخل المحافظة نتيجة انعدام الأمن، في ظل ما وصفه تشويه الهجري ومجموعاته للمحافظة بأكملها.

أعداد المهجرين من السويداء

وبخصوص أعداد المهجرين من أبناء العشائر، أشار محدثنا إلى أن 14 حياً في السويداء، منها حي اللوزة وحي رجم الزيتون وحي المشورب وحي الحروبي وحي المقوس وحي المنصورة وحي الشقراوية، قد هُجر سكانها بالكامل، إضافة إلى عشرات القرى في الريف الشمالي والشرقي هجرت كذلك بالكامل.

وأوضح العميري أن العدد الإجمالي للمهجرين يقدر بين 120 و150 ألف شخص، أي نحو ثلث سكان المحافظة، مؤكداً أن الأراضي التي يملكها أبناء العشائر تمثل حوالي 60% من مساحة السويداء.

وشهدت بلدة الدارة صباح الاثنين وقفة احتجاجية لعشائر البدو التي خرجت مجبرة من السويداء، حيث شدّد المشاركون خلالها على حقهم في العودة إلى قراهم وبلداتهم، وأعلنوا رفضهم الصريح لمحاولات التقسيم التي تطرحها مجموعات مسلّحة داخل المحافظة.

——————————-

 فُقدان 5 دروز قرب دمشق: فجوة بتأمين طريق السويداء؟

الثلاثاء 2025/09/09

فُقد 5 أشخاص دروز من مدينة السويداء، على طريق دمشق- السويداء الرئيسي، وذلك في وقت تؤكد فيه السلطات السورية العودة التدريجية للحركة على هذا الطريق الواصل بين المحافظتين، وذلك بعد نحو أسبوع على إعادة تشغيله.

فقدان متزامن

وقالت شبكات إخبارية محلية في السويداء، إن الأشخاص الخمسة فقدوا بالقرب من قصر المؤتمرات في دمشق، حيث اختفت السيارة التي كانوا يستقلونها عن الأنظار، مشيرةً إلى أن هناك مخاوف من أن يكونوا قد تعرضوا للخطف أو الاحتجاز على خلفية التوتر المستمر في أعقاب ما شهدته السويداء من أحداث دامية في تموز/يوليو الماضي.

وأوضحت أن المفقودين انقطع الاتصال بهم جميعاً بشكل متزامن، ولم ترد أي معلومات عن مصيرهم، مشيرةً إلى أن جميع المفقودين من المدنيين العاملين في لبنان.

وفي 27 أب/أغسطس، أعلنت وزارة الداخلية السورية استكمال الخطوات الأخيرة لتأمين طريق دمشق السويداء، تمهيداً لفتحه أمام حركة النقل والتجارة.

عودة السيارات المدنية

والأحد، أعلنت محافظة السويداء عن عودة تدريجية لحركة مرور السيارات المدنية على طريق دمشق- السويداء، مشيرةً إلى استمرار دخول الشاحنات التجارية وصهاريج المحروقات إلى المحافظة عبر هذا الطريق.

كما أبدت استعدادها الكامل لتوفير المساعدة للطلاب كي لا تنقطع مسيرتهم التعليمية، وكذلك تعهدت بتأمين “بيئة آمنة ومهيأة تتيح للطلاب أداء امتحاناتهم بكل راحة وطمأنينة، مع مراعاة أعلى معايير الجودة والعدالة التربوية”.

وفي بيان آخر للمكتب الصحافي للمحافظة، حمّل “جهات” تفاقم أزمة المحروقات في السويداء وارتفاع أسعارها، نتيجة تحكمها بالكميات الواردة واستغلال نفوذها في عمليات التوزيع.

وقال البيان إنه “من خلال المتابعة الدقيقة والمستمرة لواقع توزيع المحروقات في السويداء، تبيّن وجود خلل واضح في آلية التوزيع، ناجم عن ضعف التنظيم ووجود تجاوزات من بعض الجهات التي باتت تتحكم بالكميات المخصصة، ما أدى إلى استغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية على حساب المواطنين”.

دلالات الحادثة

وتعكس حادثة اختفاء الأشخاص الخمسة، فجوة أمنية واضحة في خطوات تأمين الطريق، على الرغم من اتخاد الأمن السوري خطوات عدة في هذا الصدد، مثل إقامة عدد من الحواجز في مناطق عشائر البدو مثل خربة الورد وخربة الشياب ونقاط أخرى.

وقال مصدر من السويداء لـ”المدن”، إنه بالرغم من إعلان فتح الطريق وكذلك إعلان “سلطات دمشق” العودة التدريجية للحركة، إلا أن الحركة لاتزال في حدودها الدنيا، بسبب الخوف من الخطف أو الاعتقال على الطريق من قبل أبناء السويداء.

وأضاف أن الطريق لم يسلكه منذ افتتاحه إلا أشخاص معدودون، لأسباب قاهرة، مثل الحالات المرضية والتوجه للعمل في لبنان، مؤكدةً أن هناك عزوف واضح عن استخدامه في الوقت الحالي، بسبب “الضبابية” في الإجراءات الأمنية.

كما أكد أن الحركة التجارية في حدودها الدنيا بما يشمل حركة شاحنات نقل المحروقات التابعة للحكومة السورية، ما تسبب بارتفاع أسعار المحروقات بشكل جنوني، موضحاً أن سعر ليتر البنزين وصلت لـ80 ألف ليرة سورية (نحو 8 دولارات)، في حين سعره خارج المحافظة نحو دولار وربع. وأشار إلى أن ذلك هو السبب الرئيس بالارتفاع، وليس كما روجت المحافظة.

وشهدت السويداء جنوب سوريا، أحداثاً دامية في 13 تموز/ يوليو، بين الدروز وعشائر البدو مدعومين من بعض الفصائل الموالية للحكومة، تدخلت على إثرها القوات السورية بصفتها قوات فض اشتباكات، قبل أن تدخل إسرائيل على خط المواجهات، وتقصف القوات السورية ومحيط القصر الرئاسي السوري ومبنى قيادة هيئة الأركان في دمشق. وأدى ذلك إلى سقوط أكثر من ألف و500 قتيل، من جميع الأطراف، معظمهم مدنيون.

—————————–

قائد أحرار جبل العرب سليمان عبد الباقي: بيانات الهجري عمّقت الشرخ وأحدثت عداء بينه وبين السوريين

أيلول 9, 2025  

كشف قائد أحرار جبل العرب سليمان عبد الباقي أن حكمت الهجري تلقى سلاحاً ومساعدات من الخارج قبل أن يغدر بأبناء السويداء، معتبراً أن خطابات الهجري التحريضية “أفقدته الاعتبارية الدينية”، بعدما تحوّل من رجل دين إلى صاحب خطابات تثير الفتنة.

وأضاف عبد الباقي خلال لقاء في برنامج “على الطاولة” الذي يقدمه الزميل معاذ محارب على شاشة الإخبارية، أمس 8 أيلول، أن “أهل السويداء لم يكونوا دعاة دم أو فتنة”، لكن بيانات الهجري عمّقت الشرخ وأحدثت عداء بينه وبين السوريين.

وأكد القيادي أن “الفراغ الأمني” في محافظة السويداء نتج عن منع التعامل مع مؤسسات الدولة، وهو ما استغلته مجموعات مرتبطة بمشاريع خارجية، بينها قوى انفصالية سعت إلى نشر الفوضى.

واعتبر عبد الباقي أن “من يطالب بدولة عدل وقانون لا يمكن أن يحيط نفسه بأشخاص متورطين بالخطف والمخدرات والقتل”، لافتاً إلى أن تناقض خطاب الهجري كشف حقيقة مشروعه غير الوطني، وشدد على أن أبناء السويداء جزء من الدولة السورية، ولن يقبلوا بجرّهم إلى مخططات تخدم أجندات إسرائيل.

وأضاف سليمان عبد الباقي أن “إسرائيل تواصلت مبكراً مع حكمت الهجري” وستستمر بمساعيها لزعزعة استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن الهجري “استغل ولاء بعض الناس ليدعوهم إلى تسليم السلاح ثم أخلف بوعوده، ما تسبب في فوضى وجرائم أضرت بالمدنيين”.

وأكد أن القلم التحريضي كان أشد خطراً من السلاح، معتبراً أن الهجري “يتاجر بدماء أبناء الجبل ولم يقدّم لهم أي خدمة أو إنجاز”، وكشف أن الهجري “لم يطلق سراح معتقل واحد ولم يقدم أي مبادرة جيدة، بل اكتفى بخطابات تزيد الانقسام وتفتح الباب أمام الخارج للتلاعب بدمائنا ووجودنا”.

وختم عبد الباقي بالتأكيد أن “أبناء السويداء سيبقون أبناء سوريا، وأن الطريق إلى دمشق هو طريق الدولة لا طريق الفتنة والانفصال”، مشدداً على أن ما يجري اليوم يتطلّب التكاتف الوطني ودعم جهود الحكومة بقيادة السيد الرئيس أحمد الشرع لبسط الأمن والعمل على تأمين العيش الكريم لجميع السوريين.

وفي منشور له، الخميس 21 آب عبر فيسبوك، نوّه عبد الباقي بأن الدولة قدّمت امتيازات غير مسبوقة للسويداء من اختيار القيادات الأمنية من أبناء المحافظة إلى دعم الجيش المحلي وتجهيزه وتمويله، مشيراً إلى أن كل ذلك قوبل بالرفض والتصعيد، مما عمّق الشرخ الطائفي وزرع الكراهية بين المكونات.

وشدد حينها على حقيقة أن الغالبية الساحقة من أبناء السويداء وطنيون يرفضون مشاريع التقسيم والانفصال، في حين أن من يسعى وراء أجندات الخارج وإشعال الفتنة لا يتجاوزون نسبة ضئيلة تم تضخيمها لخدمة مصالح شخصية.

وفي أيار الفائت، انتقد عبد الباقي محاولة البعض تأجيج الصراع لجهات تحاول تضليل الرأي العام تحت شعارات مثل الكرامة والحماية، مشيراً إلى أنها شعارات مفرغة من مضمونها يقودها من أسماهم بـ”تجار الدم والفتنة”.

———————————-

طلاب السويداء يحتجون للمطالبة بإجراء امتحانات الثانوية العامة/ نور ملحم

07 سبتمبر 2025

نظم العشرات من طلاب الشهادة الثانوية في محافظة السويداء، صباح اليوم الأحد، وقفة احتجاجية أمام مبنى مديرية التربية في المدينة، مطالبين وزارة التربية بـ”حل عاجل” يتيح لهم تقديم امتحاناتهم المؤجلة، بعد أن حُرموا من التقدم لها خلال الدورة الماضية بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة التي شهدتها المحافظة.

ورفع الطلاب المنتمون إلى الفرعين العلمي والأدبي لافتات كتب عليها “امتحاناتنا حقنا” و”لا لضياع مستقبلنا”، معبرين عن غضبهم وقلقهم من ضياع عام دراسي كامل في حال لم يُتخذ قرار سريع بإجراء امتحانات استثنائية.

تقول الطالبة رنا مراد لـ”العربي الجديد”: “كنا نعيش أوقاتاً صعبة، أصوات القصف والمعارك لم تكن تتوقف، ومع ذلك، كنا نأمل أن تؤجّل الامتحانات إلى حين استقرار الوضع، لكن الوزارة امتنعت عن إرسال الأسئلة، واليوم نطالب بحقنا فقط في إجراء الامتحانات، لا أكثر”.

أما زميلتها هلا العرب فأوضحت: “أحلامنا معلّقة منذ أشهر. كنا نستعد لدخول الجامعة، لكن الوضع الأمني حرمنا من التقدم للامتحانات، والآن نخشى أن يضيع العام الدراسي بالكامل من دون أي حل”، داعيةً وزارة التربية إلى “إصدار قرار سريع ينقذ مستقبل الآلاف من الطلاب”.

من جانبه، أكد محافظ السويداء مصطفى البكور أن المحافظة جاهزة بالكامل لتوفير فرصة مناسبة لعقد الامتحانات في جميع مدارس المحافظة، بما يضمن استمرار العملية التعليمية دون أي انقطاع. وقال البكور إن المحافظة “تسعى لتأمين بيئة آمنة ومهيأة تتيح للطلاب أداء امتحاناتهم بكل راحة وطمأنينة، مع مراعاة أعلى معايير الجودة والعدالة التربوية”، مشيراً إلى أن “حق الطالب في التعليم حق مقدّس”.

وشدد على أن “المحافظة ستعمل بكل إمكاناتها للحفاظ على حق التعليم، وتقديم الدعم اللازم لضمان تحقيق طموحات الطلاب العلمية، في ظل الظروف المستقرة أو المحفّزة”، وأضاف أن الإجراءات المتخذة تشمل تجهيز القاعات المدرسية، وتوفير الموارد اللازمة، والتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سير الامتحانات بسلاسة وأمان.

من جهته، أوضح ملهم علم الدين، المسؤول الإعلامي في مديرية التربية بمحافظة السويداء، لـ”العربي الجديد”، أن المديرية رفعت عدة مقترحات للوزارة، بينها تحديد موعد لإجراء امتحانات خاصة بالطلاب المتضررين، مؤكداً أن “القرار النهائي بيد الوزارة في دمشق”. وأضاف: “عدم الاستجابة لمطالب الطلاب سيؤدي إلى تضاعف أعداد المتضررين في العام القادم، إذ لم يتمكن نحو 7 آلاف طالب في السويداء من تقديم امتحاناتهم في الدورة الماضية، في وقت تحولت فيه عشرات المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين من جراء النزاع المسلح الذي اجتاح بعض مناطق المحافظة”.

وقال مدرس اللغة العربية في إحدى ثانويات السويداء نبيل رضوان لـ”العربي الجديد”: “ما يعيشه طلابنا اليوم غير مسبوق. الامتحان ليس مجرد ورقة أسئلة، بل هو ثمرة عام كامل من التعب والدراسة. عندما يُحرم الطالب من تقديم الامتحان لأسباب خارجة عن إرادته، يتعرض لضغط نفسي كبير يفقده الحافز والثقة بالمستقبل. بعض الطلاب الذين قابلتهم مؤخراً يشعرون أن تعبهم ضاع سدى، وهذا يترك أثراً سلبياً عميقاً قد يستمر معهم سنوات. نحن بصفتنا معلمين نحاول دعمهم وتشجيعهم، لكن الأمر يحتاج إلى قرار رسمي واضح يُعيد لهم الأمل ويثبت لهم أن مستقبلهم لا يزال ممكناً”.

وكانت وزارة التربية قد أصدرت في وقت سابق تعميماً ينص على أنه “في ما يخص أبناء محافظة السويداء، سيتم استكمال أعمال التصحيح وإصدار النتائج الخاصة بهم في أقرب وقت، عندما تسمح الظروف بذلك”، لكن الطلاب يرون أن هذا التعهد بقي حبراً على ورق، إذ لم يُحدَّد أي موعد رسمي حتى الآن، فيما يزداد القلق مع اقتراب العام الدراسي الجديد. الأهالي الذين رافقوا أبناءهم في الوقفة أكدوا لـ”العربي الجديد” أن “التأخير المستمر في اتخاذ القرار يضع مستقبل جيل كامل على المحك”، وسط مخاوف من “فقدان الحافز الدراسي وهجرة العقول الشابة من المحافظة إذا استمر الوضع على حاله

—————————–

السويداء: عودة تدريجية لحركة السيارات على طريق دمشق/ عدنان علي

08 سبتمبر 2025

أعلنت محافظة السويداء، أمس الأحد، عن عودة تدريجية لحركة مرور السيارات المدنية على طريق دمشق – السويداء، وأبدت استعدادها لتوفير المساعدة لطلاب المحافظة على إجراء امتحاناتهم وعدم الانقطاع عن مسيرتهم التعليمية. وقال المكتب الصحافي في محافظة السويداء على حسابه في فيسبوك إن هناك “عودة تدريجية لحركة السيارات المدنية على طريق دمشق – السويداء بالتزامن مع استمرار دخول الشاحنات التجارية وصهاريج المحروقات إلى المحافظة”.

وقال المكتب الصحافي، في منشور آخر، إنه “حرصاً على مستقبل أبنائنا الطلاب، واستجابةً لرغباتهم ورغبات أولياء الأمور في محافظة السويداء، نعلن استعدادنا الكامل لتوفير فرصة مناسبة لعقد الامتحانات، بما يضمن استمرار المسيرة التعليمية دون انقطاع”، وأكدت المحافظة التزامها بتأمين “بيئة آمنة ومهيأة تتيح للطلاب أداء امتحاناتهم بكل راحة وطمأنينة، مع مراعاة أعلى معايير الجودة والعدالة التربوية”.

وكانت المحافظة قد حمّلت أمس “جهات” لم تسمها مسؤولية تفاقم أزمة المحروقات في السويداء وارتفاع أسعارها، نتيجة تحكمها بالكميات الواردة واستغلال نفوذها في عمليات التوزيع. وجاء في بيان للمحافظة أنه “من خلال المتابعة الدقيقة والمستمرة لواقع توزيع المحروقات في السويداء، تبيّن وجود خلل واضح في آلية التوزيع، ناجم عن ضعف التنظيم ووجود تجاوزات من بعض الجهات التي باتت تتحكم بالكميات المخصصة، ما أدى إلى استغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية على حساب المواطنين”.

وأشار البيان إلى “وجود ارتفاع غير مبرر في الأسعار، واستغلال حاجة الأهالي للوقود في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”، مؤكداً أن هذا الأمر “يبعث على القلق ويستدعي تحركاً عاجلاً”. وأضاف: “انطلاقاً من المسؤولية الأخلاقية والواجب الوطني، تم اتخاذ إجراءات فورية بالتنسيق مع وزارة الطاقة لمتابعة عمليات التوزيع، وضبط التجاوزات، وتفعيل الرقابة لضمان وصول المحروقات إلى مستحقيها بعدالة وشفافية، بعيداً عن أي شكل من أشكال الاستغلال أو التمييز”.

وفي السياق، أعلن مجلس مدينة شهبا، ضمن محافظة السويداء، أمس الأحد، إطلاق بطاقات خاصة بالمركبات النظامية والوارد والدراجات النارية في محاولة لتنظيم عملية توزيع المحروقات. وتهدف هذه الخطوة، وفق بيان المجلس، إلى “تنظيم دور تعبئة البنزين والمازوت، وضمان توزيع أكثر عدالة، في ظل أزمة محروقات تعصف بالسويداء نتيجة الحصار الذي تفرضه الحكومة الانتقالية في دمشق”، وفق تعبيره.

وقال رئيس مجلس مدينة شهبا سامر صيموعة في تصريح لشبكات محلية إن عدد السيارات المسجّلة للحصول على بطاقة البنزين بلغ حتى الآن نحو 4000 سيارة، لافتاً إلى تخصيص روابط إلكترونية “لسكان المدينة والإخوة الضيوف”، بينما تم إطلاق رابط منفصل لتسجيل الدراجات النارية، مع التحضير لإطلاق رابط خاص بمركبات المازوت.

وقال صيموعة إن الهدف من هذه الخطوة هو “تنظيم الدور وتفادي حالات الفوضى والازدحام على محطات الوقود”، مشيراً إلى أن آلية العمل ستعتمد على تقسيم البطاقات إلى مجموعات، بحيث يكون لكل 100 بطاقة يوم وساعات محددة للتعبئة، يتم الإعلان عنها عبر مجموعات “الواتساب”، بما يضمن استفادة الجميع وفق الكميات المخصصة، وفق تعبيره. وتشهد السويداء نقصاً حاداً في الوقود، مع فوضى في التوزيع، ما رفع سعر لتر البنزين في السوق الموازية إلى ما بين 60–100 ألف ليرة (6-10 دولارات).

عبد الباقي: أزمة السويداء إلى الحل قريباً

من جهته، توقع سليمان عبد الباقي، قائد “تجمع أحرار جبل العرب” في السويداء، أن تُحل قريباً أزمة السويداء. وقال عبد الباقي، المقرب من الحكومة السورية، في منشور على فيسبوك، مخاطباً أهل السويداء: “سوف تُحل كل الأمور والقضايا ويعود كل المخطوفين والمختطفات والمعتقلين”، مضيفاً أن طريق دمشق السويداء سوف يتم تأمينه تحت إشراف قوات من أبناء المحافظة وجهاز الأمن العام، مؤكداً أنه ستتم محاسبة كل من ارتكب انتهاكات بحق المدنيين.

وهاجم عبد الباقي مجدداً الزعيم الديني في المحافظة حكمت الهجري، الذي يقود المعارضة ضد الحكومة في دمشق، وقال ملمحاً إليه: “لن نسمح لأي شخصية عميلة وخائنة” أن تتحدث باسم السويداء، وأشار إلى جهود تبذل لعقد صلح عشائري مع البدو.

——————————–

====================

تحديث 07 أيلول 2025

—————————

ماذا يجري على الطاولة بين سوريا وإسرائيل؟/ محمد العودات

07 أيلول 2025

منذ سقوط نظام الأسد وقدوم النظام الثوري الجديد، والحديث يدور عن مفاوضات بين إسرائيل وسوريا، والتلميح بإمكانية انضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام التي انطلقت في عهد ترامب في ولايته الأولى والتحقت بها مجموعة من الدول العربية.

أَأصبحت سوريا فعليا ضمن خريطة الخطة الأميركية المستهدفة لانضمام دول عربية جديدة إلى اتفاقيات أبراهام والتي عنوانها: (السلام مقابل السلام)، أم إن الأمر لا يتعدى مفاوضات أمنية، ومجرد تبريد لملفات شائكة وحساسة؟

احتلال أراضٍ وأهداف إسرائيلية إستراتيجية

لا يبدو أن الأمر بتلك البساطة في الحديث عن قيام سلام بين إسرائيل وسوريا، فالمسائل العالقة بين البلدين تختلف عن كل البلاد العربية التي ركبت قطار التطبيع والتحقت باتفاقيات أبراهام، فسوريا من بلاد الطوق وبلد يتمتع بجغرافيا وديمغرافيا كبيرة ومؤثرة، وثروات وموارد طبيعية تؤهلها لتكون مشروعا مهما ورائدا في المنطقة، والأهم من كل ذلك وجود المناطق السورية المحتلة من قبل إسرائيل.

قضية الجولان تعد من أهم المسائل الشائكة والعالقة ما بين سوريا وإسرائيل، إذ تشكل هضبة الجولان 1% من مساحة سوريا الكلية، وتبلغ مساحتها 1800 كيلومتر مربع، احتلت إسرائيل في عام 1967 أكثر من ثلثي الهضبة، واستطاعت سوريا في حرب 1973 أن تستعيد جزءا بسيطا منها، لتبقى إسرائيل تسيطر على 1150 كيلومترا من مساحة الجولان.

وتم تهجير معظم سكانها ونزوحهم داخل المناطق السورية، ولم يتبقَ فيها إلا عدد محدود لا يزيد على 40 ألف سوري، معظمهم من الدروز الذين يرفض أكثر من 80% منهم الحصول على الجنسية الإسرائيلية حتى الآن، رغم مرور ما يقارب 60 عاما على احتلالها.

في عام 1981 أصدرت دولة الاحتلال الإسرائيلي (قانون الجولان)، وبموجبه فرض تطبيق القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان وضمها لدولة إسرائيل وإقامة المستوطنات عليها، إلا أن مجلس الأمن اتخذ قرارا بعد 3 أيام من صدور القانون باعتبار قرار إسرائيل بضم الجولان ملغى وباطلا، وليس له أثر قانوني، مطالبا تل أبيب بإلغائه، وفي 2019، وقع الرئيس الأميركي ترامب مرسوما رئاسيا اعترف بموجبه بالجولان كجزء من دولة إسرائيل.

تشكل مرتفعات الجولان قيمة إستراتيجية كبيرة، إذ تطل على دمشق ومناطق الجليل في الداخل المحتل، كما تتمتع بمخزون مائي كبير، وتشكل هضبة الجولان رافدا مهما من روافد بحيرة طبريا التي تعتمد عليها إسرائيل في أمنها المائي.

ما إن سقط نظام الأسد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 حتى استغلت إسرائيل الفرصة وسيطرت على المناطق العازلة بين إسرائيل وسوريا التي تم الاتفاق عليها في اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، والتي تبلغ مساحتها 235 كيلومترا مربعا، واحتلت مناطق أخرى من ريف القنيطرة وجبل الشيخ، وبعض المناطق والقرى في ريف درعا جنوب سوريا، وأقامت 9 قواعد عسكرية فيها؛ لفرض واقع عسكري جديد على الأرض.

القيادة الأمنية الإسرائيلية تفرق ما بين القدرة والرغبة السورية على محاربة إسرائيل، فهي تعلم أن الأسد لم يكن يملك القدرة ولا الرغبة في مهاجمة إسرائيل، لذلك لم تقم بأي عمل عسكري ضد النظام السوري، وفي أثناء الثورة كانت أعمالها العسكرية تقتصر على استهداف السلاح الذاهب إلى حزب الله عبر سوريا والتواجد الإيراني فقط.

بيد أنه بعد وصول النظام السوري الجديد ذي الخلفية الإسلامية، تعلم إسرائيل أن الرغبة قائمة للقيام بأعمال ضد إسرائيل، لذلك عمدت إلى شل كل القدرات التي يمكن أن تمنح النظام الجديد القدرة على الاشتباك مع إسرائيل أو تشكيل قلق أمني لها في المستقبل، فقامت بمهاجمة السلاح السوري وألحقت به أضرارا طالت أكثر من 70% من قوات الجيش السوري البرية والبحرية والجوية.

إسرائيل في هذه المرحلة التاريخية من عمرها، المتمثلة بصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف وصعود اليمين الأميركي الذي يعطي اليمين الإسرائيلي أكثر مما يطلب، والشعور بفائض القوة بعد الانتصارات التكتيكية الكبيرة التي حققتها في لبنان، واليمن، وإيران والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة، فإن خطتها الإستراتيجية في سوريا تقوم على تقسيمها إلى أربعة أقاليم على أسس عرقية وطائفية.

فهي تسعى إلى ضم الجولان لها أولا، وإقامة دويلة درزية في السويداء أو جبل العرب ترتبط مع إسرائيل بعلاقات وطيدة؛ لتكون خنجرا في الخاصرة الجنوبية السورية، كما تسعى إلى إقامة دويلة كردية في الشمال الشرقي السوري ترتبط بإسرائيل بعلاقات سياسية وعسكرية قوية، وتشجع على انفصال الساحل السوري عن الدولة السورية وإقامة دولة علوية.

وهي في ذلك تتفق أهدافها مع الدولة الإيرانية، فكلتاهما راغبة في إبقاء سوريا الجديدة دولة محاصرة بدويلات عرقية وطائفية يسهل ابتزازها وإخضاعها في المستقبل.

تعلم إسرائيل أن حالة الضعف السورية والتفوق الإسرائيلي حالة مؤقتة يجب استغلالها إلى أكبر درجة ممكنة، وأن منح سوريا الفرصة لإقامة دولة موحدة يعني خطرا إستراتيجيا على إسرائيل وأمنها الوجودي، لذلك تسعى لفرض واقع جغرافي وعسكري جديد.

جولات من المفاوضات وطبيعتها

جاء أول إعلان عن جولات مباحثات بين سوريا وإسرائيل على لسان الرئيس السوري أحمد الشرع في مايو/أيار لهذا العام، إذ أعلن من باريس عن مفاوضات غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب من أجل تهدئة الأوضاع، وعدم فقدان السيطرة في الجنوب السوري.

أعقب ذلك التصريح لقاءات مباشرة بين الجانب السوري والجانب الإسرائيلي في أذربيجان بوساطة تركية- قطرية- إماراتية، هدفت إلى إمكانية إقامة مناطق منزوعة السلاح جنوب دمشق مع ضمانات تركية بمحاربة المليشيات المدعومة من إيران، مقابل انسحاب إسرائيل من بعض المناطق الحدودية وتسليمها لدمشق.

لتتوالى بعد ذلك الاجتماعات المباشرة بين دمشق وتل أبيب في باريس برعاية واشنطن، وكانت المباحثات تدور حول التصعيد الأمني الإسرائيلي في جنوب سوريا والأوضاع الأمنية في السويداء والتدخل الإسرائيلي فيها، واستعداد سوريا للعودة إلى اتفاقية حدود فض الاشتباك لعام 1974، كما طالب الوفد السوري بضرورة احترام وحدة الأراضي السورية، وانسحاب إسرائيل من مواقع متقدمة في الأراضي السورية.

وكان آخر تلك اللقاءات في باريس ما أعلنته الوكالة السورية بأن المفاوضات الأمنية تتضمن وقف التدخل في الشأن السوري، ويقصد به ملف السويداء والأكراد، وتعزيز الاستقرار في جنوب سوريا وإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي كان مضمونها وقف القتال بين سوريا وإسرائيل وتواجد قوات أممية في المناطق منزوعة السلاح، فيما يجري الحديث عن إمكانية توقيع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل في سبتمبر/أيلول مترافقا مع إلقاء الرئيس السوري كلمة في الأمم المتحدة لأول مرة منذ 60 عاما، وهو ما لم يتم تأكيده حتى الآن.

مقدمات تطبيع دائم أم تبريد لملفات حساسة؟

الجدل السياسي لا ينتهي حول تفسير تلك العلاقة الملتبسة بين سوريا وإسرائيل، رغم شفافية التصريحات السورية في هذا الخصوص. بيد أن البعض يراها مقدمة لتطبيع قادم بلا شك والتحاق سوريا بقطار اتفاقيات أبراهام القائمة على مبدأ السلام مقابل السلام، فيما يراها آخرون مجرد اتفاقيات أمنية لتبريد الجبهات والمحافظة على استقرار البلاد لإفساح المجال لاستكمال قيام سوريا الموحدة.

من يرى أن العلاقات السورية الإسرائيلية مقدمة لعلاقات التطبيع يسوق مجموعة من الحجج والدلائل التي تؤيد تلك الفرضية، إذ يرى هذا الفريق في رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، والذي جاء بوساطة سعودية- تركية، أنه جاء مشروطا بحماية الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، وإخراج كل المسلحين الأجانب منها، وضمان عدم توافر ملاذات آمنة للمنظمات الإرهابية، وعدم السماح بعودة تنظيم الدولة الإسلامية.

غير أن الأهم من بين كل ذلك هو طلب الرئيس الأميركي من الرئيس السوري الالتحاق باتفاقيات أبراهام متى ما كانت ظروفه الداخلية تسمح بذلك، وقد قال الرئيس الأميركي إن الشرع رد عليه بالإيجاب.

كما يرى هذا الفريق في حالة احتضان الدول الغربية ودول الاعتدال العربي والدول المطبعة مع إسرائيل للنظام السوري الجديد مؤشرا على التحاق سوريا بذات الركب، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، إذ يرون في سقوط نظام الأسد السريع نتيجة مؤامرة محكمة، جاءت بتوافق الثورة مع إسرائيل دون أي أدلة تدعم هذا الزعم حتى الآن.

لكن الفريق الذي يرى أن العلاقات السورية الإسرائيلية لن تتعدى التوافقات الأمنية ولن تصل إلى السلام الدائم مع إسرائيل في المرحلة القريبة أو المتوسطة، يؤكد على عدة نواحٍ من هذه المفاوضات.

فالمفاوضات جاءت تحت حالة الضرورة في ظل الواقع الجديد على الأرض الذي فرضته إسرائيل بعد سقوط النظام السوري واحتلال مساحات كبيرة من الأراضي السورية.

كما أن الوضع العسكري الحالي الهش للدولة السورية والفارق الكبير ما بين سوريا وإسرائيل في الجانب العسكري والاستخباراتي، يجعلان الخسائر السورية كبيرة في حال نشوب نزاع عسكري بينهما.

كما أن هذه المفاوضات تعني قطع الطريق على المحاولات الإسرائيلية في تغذية تقسيم سوريا من أجل إضعافها، وتحويل سكان بعض المناطق السورية إلى حرس حدود لإسرائيل وحديقة خلفية لأمنها الإستراتيجي.

بالإضافة إلى أن هذه المفاوضات الأمنية تعني تثبيت الشرعية الدولية للنظام السياسي الجديد، وعدم الانزلاق لأي صراع مسلح مع إسرائيل يمكن أن يؤخر مرحلة التعافي في بناء سوريا جديدة موحدة.

لا شك أن الوضع السوري الحالي لا يسمح بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل، وأن سوريا الآن والنظام الجديد فيها يمران بأضعف حالاتهما العسكرية مقابل تفوق نوعي واستخباراتي إسرائيلي.

فيما يبدو أن كل ما تريده سوريا أن تمر مرحلة توحيد الأراضي السورية ومرحلة التعافي الأولى بأقل قدر ممكن من الإشكاليات، وأن يتم ترتيب أوراقها الداخلية وبناء مؤسساتها الديمقراطية لتختار الطريق الأسلم والأكثر تحقيقا للمصالح السورية في صراعها مع إسرائيل مصحوبا بتفويض والتفاف شعبي يضمن تحقيق المصالح السورية واستعادة أراضيها المحتلة منذ 1967.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

محامٍ وكاتب أردني

الجزيرة

——————————–

 الفيدرالية في سوريا.. بين المشروع الوطني وخطر التفكك/ سدرة الحريري

07 أيلول 2025

يحتدم الجدل في الأوساط السورية حول مستقبل شكل الدولة بين من يرى في الفيدرالية أو الحكم الذاتي مدخلًا للتفكك والانقسام، وبين من يعتقد أنها قد تشكّل إطارًا عمليًا لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة.

خلال الأشهر الثمانية التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق، في 8 من كانون الأول 2024، تكررت المطالب بشأن الفيدرالية، أحدثها في 27 من آب الماضي، حيث أعلن عن تأسيس المجلس السياسي لوسط وغربي سوريا، الذي يهدف إلى تحقيق الفيدرالية كصيغة بديلة عن المركزية، وتعزيز سيادة القانون.

وفي السويداء، تستمر التحركات الشعبية التي كانت في البداية تطالب بالحكم الذاتي للمحافظة، لتتحول مؤخرًا إلى دعوات للاستقلال الكامل عن الحكومة المركزية.

من جهة أخرى، ذهبت “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا إلى خطوات متقدمة، إذ أعلنت في 2014 عن “دستور مؤقت” يضمن حقوق الأقليات والفيدرالية ضمن إطار وحدة سوريا.

مطالب “الفدرلة” أو الحكم الذاتي واللامركزية الإدارية، تحكمها صراعات إقليمية، وضرورات محلية، وهو ملف معقد يتداخل فيه ما هو سياسي وأيديولوجي بما هو أمني واقتصادي، وهو ما تسأل عنه عنب بلدي عددًا من الخبراء في هذا التقرير.

دمشق تتشدد وتلمح للامركزية

شدّد الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة على رفض الانفصال بشكل قاطع.

وفي لقاء مع وجهاء من إدلب بعد أحداث السويداء، في 14 من آب الماضي، أكد أن المرحلة الحالية تستهدف عودة النازحين ومحاسبة المتجاوزين ومنع محاولات التقسيم أو إنشاء “كانتونات”.

ووصف المطالبين بالتقسيم بأنهم “حالمون وجهلة سياسيًا”، مضيفًا أن هذه الطروحات لا تحظى بدعم دولي، لأنها ستفتح الباب أمام مكونات أخرى في دول مختلفة للمطالبة بخطوات مشابهة.

كما اعتبر الشرع أن مشاريع التقسيم أو التدخلات الإقليمية غير قابلة للتطبيق، بسبب طبيعة المجتمع السوري وكثافة السكان في الجنوب.

وفي 26 من آب، عاد الشرع ليؤكد أن الحلول الممكنة في سوريا تشمل جميع الخيارات المطروحة باستثناء الانفصال، موضحًا أن اللامركزية المنصوص عليها في الدستور تمثل بديلًا عمليًا يحفظ خصوصية المكوّنات ويصون وحدة البلاد، على عكس الفيدرالية التي يُنظر إليها في الوعي السوري كخطوة على طريق التقسيم.

وذكر أن أي محاولات لتقسيم سوريا “لن تجد قبولًا شعبيًا”، داعيًا إلى تسوية وطنية وشراكة سياسية بعيدة عن المحاصصة والانقسامات.

تهديد أم مشروع وطني جامع

الاختلاف حول الفيدرالية لكونها تهديدًا للهوية الوطنية أو مشروعًا جامعًا يعزز المواطنة والانتماء، امتد إلى نقاش سياسي، مع اختلاف في التقدير والأهداف ووجهات النظر.

أكد الباحث السياسي نادر الخليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن النقاش حول “الحكم الذاتي” في الحالة السورية لا يُختزل في ثنائية “حل أو تهديد”، بل في كيفية تصميمه وضبط حدوده وربطه بمشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة واحدة متعددة المستويات.

ويتفق معه الباحث والخبير في الحوكمة زيدون الزعبي، الذي أشار إلى أن مصطلح “الحكم الذاتي” يختلف في دلالاته من بلد إلى آخر.

وأوضح الزعبي، في حديث إلى عنب بلدي، أن التجارب الدولية أظهرت أن الإدارة المحلية الموسعة ضمن سيادة الدولة قد تعزز الهوية الوطنية، كما حدث في ألمانيا وإسبانيا والسويد والدنمارك وفنلندا، حيث ساعدت اللامركزية على تقوية الانتماء المحلي دون أن تضعف الوحدة الوطنية الجامعة.

في المقابل، قال الزعبي، إن ربط الحكم الذاتي بمنطق إثني أو طائفي صارم قد يقود إلى نتائج معاكسة، مثلما حصل في بلجيكا، حيث غذّى التنافس الإثني الانقسام، أو في إثيوبيا حيث أسهم النظام الفيدرالي الإثني في إشعال حرب مدمّرة.

أما في العراق، فإن تصميم الفيدرالية أضعف الانتماء العراقي الجامع، حتى كاد أن يلغي الهوية الوطنية في بعض الأقاليم، بحسب الزعبي.

وعليه، فإن الحكم الذاتي ليس وصفة جاهزة بحد ذاته، بل أداة تعتمد نتائجها على جودة التصميم وآليات التنفيذ، فإما أن تتحول إلى رافعة تعزز المواطنة والانتماء الوطني، أو أن تصبح منصة لإضعاف الهوية الوطنية ودفعها نحو التفتت.

المخاوف من التقسيم

المخاوف من التقسيم مشروعة لكنها ليست قدرًا محتومًا، فهي مرتبطة بإرث التجزئة وخطوط التماس الطويلة واقتصاد الحرب، بحسب ما يرى الباحث نادر خليل.

وقال الخليل، إن الفرصة قائمة إذا تحقق إطار دستوري مرن، ودمج أمني تدريجي، وتوزيع عادل للموارد، ووحدة سوق وطنية، وسردية سياسية تتجاوز ثنائية الأغلبية والأقليات.

لذا فإن الخطر الحقيقي ليس في اللامركزية بحد ذاتها، بل في ترك الفراغات التنظيمية لتتكلس وتتحول إلى حدود دائمة.

الاختبار الجوهري هو جودة التصميم، فإذا أفرز مواطنة متكافئة تربط المحلي بالوطني عبر قنوات شفافة للمساءلة والموارد فهو حل وطني، أما إذا فشل في ذلك فسيغدو منصة لانفصال زاحف مقنّع، بحسب الخليل.

والنافذة ما زالت مفتوحة، لكن تضييقها مع الزمن يجعل القرار أكثر إلحاحًا، بحسب الباحث نادر خليل، مشيرًا إلى أنه وبالرغم من أن المطالب الراهنة محمولة جزئيًا على ترتيبات مصالح خارجية كالدعم الأمريكي في شمال شرقي سوريا بحجة مواجهة تنظيم “الدولة”، والمظلة التركية في شمال غربي سوريا كترتيبات أمنية، ونوع من لامركزية أمر واقع عبر شبكات اقتصادية- أمنية، في ما يشبه مناطق نفوذ محلي، فإنه لا يوجد تصميم نهائي، وما يجري هو إدارة تجزئة مؤقتة قابلة لإعادة التأطير إذا توفرت إرادة وطنية.

خطر البعد الطائفي الإثني

التحدي المشترك بين دعوات اللامركزية أو الفيدرالية أو حتى الانفصال في شمال شرقي سوريا والسويداء ووسط وغربي سوريا، هو مدى منطقيتها من جهة، والظروف الأمنية والمواقف الإقليمية والدولية غير المشجعة، إضافة إلى موقف دمشق الصريح برفض كل ما يشير إلى طابع فيدرالي أو انفصالي.

ويبرز خطر آخر لهذه الطروحات يتعلق بارتباطها بمكونات قومية أو مذهبية، فالمجلس السياسي لوسط وغربي سوريا يتشكل أساسًا من المكون العلوي، بحسب ما أوضحه المتحدث الرسمي للمجلس، كنان وقاف، بينما يرتبط الطرح في السويداء بمستقبل الدروز كمجموعة عرقية أو مذهبية حصرًا، وهو ما يتكرر على لسان شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، حكمت الهجري.

أما في شمال شرقي سوريا، فالمطالبة بحكم ذاتي أو فيدرالية، يتعلق بالدرجة الأساسية بطموحات ثقافية قومية للأكراد.

بناء على ما سبق، يمكن تفسير مخاطر الدعوة للفيدرالية أو الانفصال، وهو ما نبه إليه الباحث زيدون الزعبي، معتبرًا أن المنطق الإثني أو الطائفي قد يقود إلى نتائج معاكسة وحروب.

———————————-

بسبب أحداث السويداء.. عائلات بدوية نازحة تعيش في حالة من عدم الاستقرار

7 September 2025

سلطت وكالة “أسوشييتد برس” في تقرير لها الضوء على موجة النزوح الواسعة التي اجتاحت جنوب سوريا عقب أحداث العنف الدامية التي شهدتها في السويداء منتصف تموز/يوليو الماضي، حيث اضطر عشرات الآلاف من البدو والدروز إلى ترك منازلهم واللجوء إلى مدارس ومبانٍ عامة أو فنادق مؤقتة.

تشير الوكالة في افتتاحية التقرير إلى أن الصفوف الدراسية في مدرسة بلدة أبطع، بمحافظة درعا جنوب سوريا، تحولت إلى مساكن مؤقتة تؤوي ثلاث أو أربع عائلات في كل غرفة، مضيفة أنه نظرًا لانعدام الخصوصية والاكتظاظ، تنام النساء والأطفال داخل الصفوف، فيما يضطر الرجال إلى المبيت في ساحة المدرسة.

وكانت العائلات البدوية قد أُجلِيَت من قراها قبل أكثر من شهر خلال القتال الطائفي في محافظة السويداء المجاورة. ومنذ ذلك الحين، دخلت الحكومة المركزية في دمشق في حالة مواجهة مع السلطات الدرزية المحلية في السويداء، بينما تُرك النازحون عالقين في وضع ضبابي، بحسب الوكالة ذاتها.

منيرة الحمد (56 عامًا)، وهي من قرية الكفر بريف السويداء تقيم مع عائلتها في المدرسة التي يُفترض أن تُفتح أبوابها مجددًا هذا الشهر. تقول إنها لا تعرف أين ستذهب أسرتها إذا ما استؤنفت الدراسة: “لا نريد أن نعيش في خيام. نريد من الحكومة أن تجد لنا بيوتًا أو مكانًا لائقًا للعيش”، مضيفة “من المستحيل العودة إلى ديارنا. مجرد كونك مسلمًا يجعلك عدوًا في السويداء”.

نزاع يشرّد عشرات الآلاف

ما بدأ الشهر الماضي باشتباكات محدودة بين عشائر بدوية سنية محلية وأبناء الطائفة الدرزية في السويداء، سرعان ما تطور إلى قتال عنيف بين البدو والقوات الحكومية من جهة، والفصائل الدرزية من جهة أخرى. وقد تدخلت إسرائيل إلى جانب الدروز عبر شن غارات جوية.

وأشارت الوكالة إلى أن الاشتباكات أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، معظمهم من الدروز، فيما بقيت السويداء منذ ذلك الحين تحت ما يصفه السكان بـ”الحصار”، مع دخول محدود للمساعدات والمواد الأساسية. وذكرت منظمة العفو الدولية هذا الأسبوع أنها وثّقت 46 حالة “قتل متعمّد وغير مشروع لرجال ونساء دروز”، بعضها على يد “قوات حكومية أو موالية للحكومة بزي عسكري وأمني.”

وأضافت “أسوشيتد برس” أنه رغم تراجع حدة القتال، ما يزال أكثر من 164 ألف شخص نازحين وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينهم دروز نزحوا داخل المحافظة، وبدو فرّوا أو أُجلوا منها دون أفق للعودة، ما يثير مخاوف من تغييرات ديموغرافية دائمة.

وقالت الحمد إن أسرتها “بقيت تحت الحصار 15 يومًا بلا خبز ولا مؤن”، قبل أن يتمكن الهلال الأحمر العربي السوري من إجلائهم، مشيرة إلى أن ابن عمها وجارها تعرضا لهجوم أثناء الفرار، إذ سُرقت سياراتهم وكل ما كانوا ينقلونه من متاع.

أما جراح المحمد (24 عامًا) فأوضح أن عشرات السكان اضطروا للسير ليلًا على الأقدام للهرب عندما وصل القتال إلى قريتهم سهوة البلاطة، مؤكّدًا أن تسعة من أهالي المنطقة قُتلوا برصاص مسلحين دروز، بينهم ثلاثة أطفال دون الخامسة عشرة، وجميعهم كانوا عُزّل. وقالت الوكالة إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هذه الرواية.

وأضاف المحمد لـ”أسوشيتد برس”: “لم يعد أحد. هناك بيوت أُحرقت ودُمّرت وسُرقت أثاثها. لا يمكننا العودة إلى السويداء، لم يعد هناك أمن بيننا وبين الدروز”، واصفًا البدو في السويداء بأنهم “أقلية”.

وفي فندق بمنطقة السيدة زينب بريف دمشق حُوّل إلى مأوى للنازحين، يعيش حمود المخمس وزوجته منيرة الصياد مأساة فقدان ولديهما البالغين 21 و23 عامًا، بعدما قُتلا برصاص مسلحين أثناء محاولتهما الفرار من منزلهما في مدينة شهبا. تقول الأم إنها غير قادرة على الاعتناء بباقي أطفالها في غرفة فندقية بلا مطبخ، بينما المساعدات الغذائية شحيحة. ويضيف الأب: “نحتاج للمساعدة والمال ـ ليس لدينا بيت. لا أظن أننا سنعود، سنرجع لنجد الدروز يسكنون في منازلنا.”

غياب حلول حكومية واضحة

تعيد الوكالة التذكير في تقريرها بتأكيد المسؤولين الحكوميين على أن النزوح مؤقت، لكنهم لم يقدّموا، وفق الباحث في “المبادرة العربية للإصلاح” و”تشاتام هاوس”، حايد حايد ، أي وضوح حول المدة أو الخطط لإعادة الناس إلى بيوتهم. وأضاف موضحًا أن عودة النازحين ستتطلب حلًا سياسيًا يبدو بعيد المنال في ظل غياب أي حوار مباشر بين دمشق والسلطات الفعلية في السويداء.

كما لفتت الوكالة إلى الدعوات التي وجهها الشيخ حكمت الهجري، وهو أحد أبرز الزعماء الدروز، إلى استقلال جنوب سوريا، وهو مطلب ترفضه الحكومة السورية ـ وقد أعلن الشيخ الهجري مؤخرًا تشكيل ما سمّاه “الحرس الوطني” من عدة فصائل درزية، فيما امتنعت الجهات الحكومية عن التعليق على خططها لمعالجة قضية النزوح.

تبيّن “أسوشيتد برس” أن بالنسبة لكثيرين، تستحضر هذه الأزمة ذكريات مؤلمة من الحرب المستمرة منذ نحو 14 عامًا، عندما تم إجلاء مقاتلين ومدنيين معارضين للرئيس المخلوع بشار الأسد من مناطق استعادتها القوات الحكومية، حيثُ أصبحت “الحافلات الخضراء” التي أقلّتهم رمزًا للتهجير والمنفى.

جذور توترات يصعب حلها

بحسب “أسوشيتد برس”، يرى البدو في السويداء، الذين يعملون تاريخيًا في تربية المواشي، أنهم السكان الأصليون للمنطقة قبل قدوم الدروز في القرن الـ18 هربًا من الاضطهاد في لبنان. وعلى الرغم من فترات طويلة من التعايش، شهدت العلاقة بين الطرفين توترات متقطعة.

ففي عام 2000 قتل بدوي رجلًا درزيًا إثر نزاع على الأرض، وتدخلت قوات حكومية بإطلاق النار على متظاهرين دروز. وبعد هجوم تنظيم “داعش” على السويداء عام 2018 الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، اتهم الدروز البدو بمساعدة المسلحين، وفقًا للتقرير ذاته.

وقد بدأ التصعيد الأخير عندما أقامت إحدى القبائل البدوية حاجزًا في السويداء واعتدت على رجل درزي وسرقته، ما فجّر سلسلة هجمات وخطف متبادل. لكن التوترات كانت تتصاعد قبل ذلك.

أحد البدو النازحين من الكفر، والذي فضّل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية ـ قال إن شقيقه اختُطف عام 2018 على يد مجموعة مسلحة مرتبطة بالشيخ الهجري، وإن والده أُجبر يوم 12 تموز/يوليو الماضي، أي قبل يوم واحد من اندلاع المواجهات، على توقيع وثيقة يتنازل فيها عن ملكية البيت تحت تهديد السلاح.

وأضاف: “الدروز ليسوا جميعًا سيئين. بعضهم وقف معنا بإنصاف، لكن هناك مسلحين سيئين أيضًا”، محذرًا من أنه: “إذا لم تجد الدولة حلًا بعدما استُولي على منازلنا، سنأخذ حقنا بأيدينا”. أما منيرة الصياد، والدة الشابين القتيلين، فعبّرت بنبرة انتقامية: “أريد من الحكومة أن تفعل بهؤلاء ما فعلوه بأبنائي”.

وتختم الوكالة تقريرها بالإشارة إلى تأكيد حايد أن التوترات الطائفية يمكن أن تُعالج مع مرور الوقت، لكنها أصبحت ثانوية مقارنة بالخلافات السياسية الأوسع بين دمشق والدروز في السويداء، مضيفًا أنه “من دون حوار لتجاوز هذه الخلافات، من الصعب تصور كيف ستحل النزاعات المحلية”.

الترا سوريا

——————————-

«الاشتراكي»: خيارات طريف تعرّض الدروز لمخاطر وجودية

السبت 6 أيلول 2025

حذّر الحزب التقدمي الاشتراكي، اليوم، من دعوة شيخ عقل الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، موفق طريف، إلى الركون للحماية الإسرائيلية.

حذّر الحزب التقدمي الاشتراكي، اليوم، من دعوة شيخ عقل الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، موفق طريف، إلى «الركون للحماية الإسرائيلية»، مجدداً دعوته إلى المصالحة بين أبناء الطائفة والعشائر العربية في سوريا.

وقال الحزب، في بيان: «كنا قد اتخذنا قراراً بعدم الدخول في محاججات أو ردود وردود مضادة مع سماحة الشيخ موفق طريف، إلا أن كلامه في مقابلته الأخيرة، والذي اتهم فيه بالصوت والصورة وليد جنبلاط بأنه أخطأ بحق أبناء الطائفة الدرزية… ووقف مكتوف اليدين… وأدان أبناء الطائفة، يقتضي منّا إيضاح».

وذكّر البيان بأن «جنبلاط عمل في الكثير من المواقف والمحطات التي يعرفها القاصي والداني من أجل حماية الدروز وتثبيتهم في أرضهم، وأن يكونوا في الجانب الصحيح من التاريخ، وكان ولا يزال حريصاً على عدم رمي الدروز في أحضان الموت والقتل وتجنيبهم الويلات».

وإذ أعرب عن تقديره لظروف طريف «وأوضاع الدروز في فلسطين المحتلة»، تساءل الحزب: «ألا تعرّض خياراتكم التي تدعون دروز سوريا ولبنان وكل المنطقة إليها، ألا تعرضهم لمخاطر وجودية وإحراجات في علاقتهم مع محيطهم العربي والإسلامي الذي هو حقيقة انتمائهم التاريخي؟».

ولفت إلى أن «قانون القومية الذي أُقرّ في العام 2018 خير شاهد على سقوط وهم المواطنة في دولة الاحتلال الإسرائيلي لمصلحة الدولة القومية اليهودية»، متسائلاً: «ألم تساهم الزيارات الدينية التي نظمتموها لبعض مشايخ الدروز السوريين إلى دولة إسرائيل في تسميم علاقة دروز سوريا بأبناء وطنهم؟».

كما تطرّق البيان إلى مستقبل الخيارات التي يطرحها طريف اليوم على دروز سوريا «بالركون إلى الحماية الإسرائيلية»، متسائلاً: «هل يستطيع جبل العرب أن يعيش على المساعدات مستقبلاً؟ (…) وفي قطيعة دائمة مع دمشق ومع درعا ومع الأردن ومع كل محيطهم العربي والإسلامي؟».

وتابع: «هل يمتلك جبل العرب موارد كافية لكيان منفصل ومستقل؟ وأين سيتعلم 12 ألف طالب جامعي درزي في العام الدراسي القادم؟».

ودعا البيان إلى المصالحة بين الدروز والعشائر في سوريا، قائلاً: «ألم يتصالح دروز فلسطين مع البدو من أبناء بلدهم بعد خلافات كبيرة وتاريخية؟ فلماذا لا يتصالحون مع محيطهم وأبناء وطنهم في سوريا؟».

في الختام، تساءل الحزب: «أيحق لطريف استقبال موفدين من العشائر، وإجراء الاتصالات مع الحكومة السورية وحتى إرسال الوفود من لبنان بترتيب منه للقاء مسؤولين في الحكومة السورية، ويُمنع ذلك على دروز جبل العرب، ويدان وليد جنبلاط إن قام هو بذلك حقناً للدماء؟»، مؤكداً أن جنبلاط «يعمل بصمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وسوف يواصل ذلك مهما اشتدت التحديات وفق خريطة الطريق التي سبق واقترحها والتي يُجري اتصالاته لأجلها مع كل الأطراف المعنية».

—————————

====================

تحديث 06 أيلول 2025

———————————–

 حقاً مَن وعد الهجَري بدولة للدروز؟/ عمر قدور

السبت 2025/09/06

مساء الخميس الفائت، أصدر الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحِّدين الدروز، بياناً جديداً لا يحمل في طيّاته جديداً على مواقفه الأخيرة المعلَنة. البيان ينتهي بتأكيد “أنَّ حق تقرير المصير هو حق مقدَّس، تكفله جميع المواثيق الدولية، ولن نتراجع عنه مهما كانت التضحيات. سنواصل النضال حتى يتحقق لشعبنا مستقبل آمن، كريم، وعادل”.

في البيان نفسه استخدم الهجري كلمة “شعب” مرات عديدة، يوضّح فحواها قولُه: “ورغم الجراح، أثبت أبناء الطائفة الدرزية في أنحاء العالم أنهم جسد واحد، يعملون بتنظيم وتكاتف، ويلملمون جراحهم، ويستعدون لمواجهة التحديات بروح لا تنكسر. لقد أثبتوا قدرتهم على العمل والإنتاج برغم كافة الصعوبات والمعوقات وشحّ الموارد، تأكيداً أنهم شعب لا يساوم على قضيته وكرامته، وحقه في تقرير مصيره، مهما اشتدت الظروف”.

إذن، ما يتحدث عنه الهجري هو “الشعب الدرزي”؛ “الشعب الدرزي” في السويداء حصراً، لأنه لا يمثّل الدروز في لبنان أو فلسطين. وكما هو معلوم، يقود الشيخ موفق طريف مساعي لدى الحكومة الإسرائيلية لدعم الدروز في سوريا، لا تصل إلى حد المطالبة بتغيير الخرائط وإقامة كيان درزي في المنطقة، في حين هناك افتراق علني بين زعامة آل جنبلاط في لبنان والشيخ الهجري، مع التنويه بتمرُّس الزعامة الجنبلاطية على صعيد السياسة الداخلية في لبنان والعلاقات الدولية والإقليمية، بما يتجاوز الأفق الضيق الذي يحكم زعامة الهجري.

النبرة التي يكررها الهجري في بياناته مؤخراً، وكذلك حديث النسبة الغالبة من نشطاء السويداء عن الاستقلال وعن طلاق درزي (لا رجعة عنه) مع دمشق، تدفع إلى السؤال حقاً: مَن وعد الهجري بدولة للدروز في السويداء؟ التساؤل ليس على سبيل الاستنكار أو العكس؛ بل غايته أولاً التعرف على الوقائع قبل اتخاذ ما يلائمها من مواقف. فوجود وعود دولية، حتى إذا كانت مضلِّلة وكاذبة، يأخذ النقاش إلى مكان آخر تماماً.

لا جديد في القول إن وجود رغبة دولية في التقسيم لن تجد مقاومة متناسبة معها ممن يريدون العكس، فسوريا الحالية تأسست على تفاهمات دولية من قبل، ولم يتغير شيء خلال قرن مضى سوى ازدياد ضعفها بضعف أهلها. وحتى التصدي للرغبات الدولية يلزمه وضوح في الرؤيا من الذين يريدون ذلك، بحيث تُعرف الجهات الدولية التي تريد التقسيم، ثم يكون التصدي لمقاصدها وفق الإمكانات المتاحة.

في الأصل، ليست فكرة وجود مخططات حاسمة لمستقبل سوريا في أدراج مراكز صنع القرار واقعيةً، وحتى إذا كانت هناك سيناريوهات للتعاطي مع الوضع السوري، فمن المعتاد ألا تؤدي جميعها إلى نهاية وحيدة. وقد اختبر السوريون جيداً كيف تعامل العالم مع سلطة بشار التي كانت ساقطة عملياً في أكثر من مرة، وعُوّمت بخلاف الواقع، وبخلاف رغبات نسبة كبرى من السوريين. ولا يُستبعد في الإطار نفسه العمل بسيناريو التسويف؛ أي الإبقاء على الوضع السوري في إطار اللا يقين، على جبهة السويداء وعلى جبهة مناطق سيطرة قسد.

جدير بالذكر أنه لم تكن هناك منذ الاستقلال قضية درزية، بخلاف القضية الكردية التي بدأت بذورها باكراً، وتأسس أول حزب كردي منذ قرابة سبعين عاماً. ومع هذا الإرث المديد، ونشاط الحركة السياسية والثقافية الكردية الدؤوب برغم منعها رسمياً، فإنَّ ما يطرحه معظم الأكراد هو حكم فيدرالي، لا الاستقلال حتى إن كان هناك من يحلم به. بهذا المعنى ليس هناك تراكم وأدبيات أسست لمشروع درزي في سوريا، والوضعية الطائفية مهما كانت صلبة ومتماسكة لا تؤسس تلقائياً المشروع الكافي لقضية مثل الانفصال، فضلاً عن ضيق الجغرافية والموارد اللذين يعيقان الكثير من الأحلام. والاستقلال الذي يطرحه الهجري وسواه يضيق حتى على دروز سوريا؛ إذ يقتصر على السويداء، فيستثني دروز جرمانا وصحنايا وأشرفيتها وجديدة عرطوز وأماكن أخرى من ريف دمشق، إلا إذا كان المطلوب تهجيرهم إلى السويداء!

الخطاب الذي يقدّمه الهجري فيه الكثير من التردي النظري الذي لا يقتصر على ما يطرحه، فهو يتشارك مع الكثير من الأفكار المطروحة في كونه يعتمد أساساً على تعذّر الاجتماع السياسي السوري على نحوٍ مُرْضٍ للجميع. الحل البسيط نظرياً هو في هروب كل جماعة من حكم السلطة الحالية وسيطرتها باعتبارها ممثِّلة للأكثرية العربية السنّية. والفصل الذي يقدّمه بيان الهجري الأخير حاسمٌ لا يحتمل الاستثناء، فهو قدّم الشكر والامتنان إلى “الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، وإلى إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وإلى أخوتنا الأكراد، وإلى أخوتنا العلويين في الساحل السوري الذين عانوا من بطش هذه الحومة الإرهابية”. إنه (بوضوح) غير مستعد لإضافة شكر، لا على التعيين، لمتضامنين مع الضحايا خشيةَ أن يشمل التعبير أحداً من المتحدرين من المذهب السنّي.

ليست المسألة في أنه يعيد إنتاج ما تُتهم به السلطة على الصعيد الطائفي فحسب؛ بل هي أيضاً في تولية القيادة لمرجعية دينية غير مؤهّلة لأبعد من هذا. وإذا كان الهجري نفسه نال ترحيباً على نطاق أوسع من الطائفة وقتَ اصطف إلى جانب انتفاضة السويداء ضد بشار، فقد ناله بفضل الخطاب الوطني الذي قدّمه آنذاك، وضمن ظرف استثنائي يُفترض ألا يصبح هو القاعدة؛ فالمرجعية الدينية لا تلبّي أصلاً تطلعات شرائح واسعة من منبت درزي تريد الخلاص من تحكم الطبقة الدينية، وجزء منها كان فاعلاً في الثورة ضد الأسد منذ اندلاعها، وعلى قاعدة الطموح إلى سقف عالٍ من الحريات السياسية والشخصية.

في ما دون الدولة الدرزية المأمولة، بقاء حالة السويداء كما هي لن يجعل منها فاعلاً ضمن مشروع سوري أوسع، وتحطيمها سيحطم إلى أمد طويل أيّ مشروع فيها، وحتى عودتها تحت مظلة السلطة المركزية بموجب ترتيبات خاصة سيبقيها خارج الفضاء السوري الأوسع. الاحتجاج الدرزي واسع النطاق على الأكثرية السنيّة، وإذا كان مفهوماً في جانب منه، سيبقى في إطار الحَرَد ما لم يتخذ طابعاً إيجابياً بطرح مشروع، أو على الأقل تصورات واقعية للمستقبل.

ما لا يُنتبه إليه في هذه الحالة المعممة، أو الاستعصاء المعمم، هو كلفته لجهة غياب مشروع سوري واقعي. اليوم لا مشروع جامعاً يليق ببلد خارج من ثورة وصراع داخلي وخارجي أودى بعدد هائل من الضحايا، ولن يكون ثمة مشروع ببقاء سوريا منقسمة على هذا النحو. المطروح للتداول أفكارٌ هي ابنة الانقسام؛ الانقسام الذي يولِّد المزيد من هذه الأفكار ضمن دوّامة لا يبدو الخروج منها ممكناً.

اليوم، وهذا يستحق وقفةً أطول، سوريا في حالة اضطراب، أكثر مما هي في زمن تأسيسي. تعزيز الاصطفاف الطائفي، من أية جهةٍ أتى، يقدّم خدمة للذين يطمحون إلى عدم توحيد سوريا، وإلى الإبقاء على السوريين منقسمين. مواجهة هؤلاء لا تكون بأدواتهم، ولا يقودها مشايخ وطائفيون من كافة المشارب؛ بل تبدأ بالسعي إلى حيث لا يشتهون.

المدن

——————————

من المنطقة العازلة إلى ريف دمشق.. إسرائيل ترسم قواعد اشتباك جديدة في الجنوب السوري/ مالك الحافظ

6 September 2025

يظهر من المشهد الراهن في الجنوب السوري أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالتوغلات المحدودة أو الإنزالات الموضعية، وإنما باتت تتحرك في الجنوب السوري وكأنها في طور تحويله إلى منطقة عازلة تُدار وفق معاييرها الأمنية.

التوغلات في أرياف القنيطرة ودرعا، والإنزال الواسع في محيط الكسوة، هي خطوات متراكمة تشير إلى توجه استراتيجي يقوم على تثبيت وجود ميداني مباشر يُقنن لاحقًا في إطار تفاهم أمني. الجنوب السوري، يُعاد تشكيله عمليًا ليكون فضاءً منزوع السيادة السورية، يخدم احتياجات إسرائيل الأمنية أولًا، ويُدار تحت عين الوساطة الأميركية كقوة ضابطة.

من الردع إلى إعادة رسم الحدود

تتضح من هذا الواقع ملامح قواعد اشتباك جديدة، حيث لم يعد الهدف الإسرائيلي ردع خطر قائم أو منع تموضع قوة خارجية، وإنما إعادة هندسة الجغرافيا الحدودية نفسها. إسرائيل تُدخل وحداتها إلى العمق، تُقيم نقاط مراقبة مؤقتة، وتتحكم بخطوط الحركة في القرى الجنوبية، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب “المناطق العازلة” التي فرضتها قوة الاحتلال في أماكن أخرى من المنطقة.

ما يميز اللحظة الحالية أن هذا الفضاء العازل يُبنى في ظل سلطة انتقالية لا تمتلك أوراق مفاوضات بقدر ما تسعى لتثبيت الوضع القائم من حيث لا تدري من خلال اتفاقية أمنية مزعومة يتم الحديث عن قرب توقيعها مع الاحتلال الإسرائيلي. كل ذلك يجعل الجنوب السوري مسرحًا لإرادة أحادية الطرف تُفرض بالقوة وتُمنح غطاءً تفاوضيًا.

وبينما تُعرض فكرة اتفاق أمني جديد مع دمشق، تتحرك إسرائيل على الأرض لترسم مسبقًا شكل هذا الاتفاق، من حيث منطقة منزوعة السلاح جنوب العاصمة حتى القنيطرة ودرعا، تُعطى فيها اليد العليا للأمن الإسرائيلي، ويُختزل فيها الدور السوري إلى حد رمزي. هنا يتبدى بوضوح أن المفاوضات سواء في باكو أو باريس لا تنطلق من بحث متكافئ حول مستقبل الحدود، بقدر ما تنطلق من تكريس وقائع عسكرية يراد تحويلها إلى صيغة سياسية. الوساطة الأميركية، من جهتها، تعمل على تثبيت هذه المعادلة عبر منحها شرعية دولية، بحيث تتحول السيطرة المفروضة بالقوة إلى تفاهم معترف به.

يكشف هذا التوجه عن انتقال نوعي في طبيعة الصراع؛ من معادلة توازن هشة إلى معادلة هيمنة مكتملة. إسرائيل لم تعد تكتفي بإرسال رسائل عسكرية عابرة، وإنما تمضي في تحقيق مشروع طويل المدى يقوم على تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة شبيهة بالحزام الأمني، تكون خالية من التهديدات المحتملة ومفتوحة أمام تدخلها الدائم. السلطة الانتقالية في المقابل تبدو بلا أي قدرة على تعطيل هذا المسار، فهي ليست دولة فاعلة وإنما سلطة عاجزة عن فرض سيادة أو صياغة معادلات ردع، ما يجعلها شريكًا سلبيًا في عملية تفكيك حدودها.

الجنوب السوري بين حزام لبنان وسيناء

منذ آب/أغسطس الفائت، بات الجنوب السوري يتشكل على صورة مختلفة تمامًا عمّا عرفه خلال العقود الماضية. لم تعد الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي تُقرأ كخط تماس تقليدي أو كمنطقة متوترة يُضبط إيقاعها وفق اتفاقات قديمة، وإنما تحولت إلى فضاء تُعاد هندسته بالقوة ضمن مشروع متكامل يرسم ملامح “منطقة عازلة” تُبنى تدريجيًا على الأرض.

لا يمكن عزل هذا التحول عن ذاكرة المنطقة وتجاربها السابقة، إذ يذكّر بمشاريع إسرائيلية مشابهة قامت على فكرة تحييد الحدود عبر فرض مناطق منزوعة السلاح أو حزام أمني يحقق الأمن لطرف واحد ويقيد سيادة الطرف الآخر. وعليه، تبدو المقارنة مع جنوب لبنان في الثمانينيات ومع سيناء بعد كامب ديفيد ضرورية لفهم خطورة ما يجري اليوم في الجنوب السوري.

في السيناريو الأول، تبدو ملامح “حزام أمني لبناني جديد” ماثلة، حيث يتحول الجنوب السوري إلى نسخة محدثة من الحزام الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. المؤشرات المبكرة على هذا المسار يمكن ملاحظتها من خلال توسع إسرائيل في بناء نقاط مراقبة أو قواعد ميدانية شبه دائمة داخل القنيطرة وفي محيط درعا، مع تكرار عمليات الإنزال في العمق السوري.

أما السيناريو الثاني فيحاكي تجربة سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد، حيث يجري تثبيت “سيناء ثانية” في سوريا عبر فرض منطقة منزوعة السلاح رسميًا بغطاء تفاوضي.

المؤشرات المبكرة لهذا الاتجاه يمكن أن تظهر في الإعلان عن تفاهمات سياسية علنية برعاية أميركية تستخدم لغة من قبيل ضمان أمن الحدود أو خفض التوتر أو إقامة مناطق منزوعة السلاح، وفي احتمالية دخول مراقبين دوليين مثل الاندوف أو فرق أمنية مشتركة مثل طرح دخول قوات روسية إلى الجنوب السوري، وفي التزام إعلامي وسياسي من السلطة الانتقالية بالحديث عن توازن المصالح والتطبيع التدريجي للحدود، بما يعكس قبولًا سياسيًا بقيود تمس جوهر السيادة.

أما السيناريو الثالث فيتجاوز التجارب السابقة ليشكّل “النموذج السوري الخاص”، وهو السيناريو الأكثر خطورة والمبني على فكرة اللااستقرار المنظم. في هذا المسار لا تسعى إسرائيل إلى صياغة اتفاق مستقر أو إلى انسحاب مشروط، بل إلى إدارة الجنوب عبر عمليات متقطعة وتوغلات متكررة تعيد في كل مرة إنتاج معادلات ميدانية جديدة، من دون حسم باتجاه منطقة عازلة واضحة المعالم أو اتفاق رسمي مكتوب.

المؤشرات المبكرة على هذا السيناريو تظهر في استمرار التوغلات والإنزالات الإسرائيلية بشكل متواتر من دون أي محاولة جادة لتحويلها إلى اتفاق، وفي بقاء المفاوضات في حالة مراوحة مفتوحة مع تسريبات متكررة عن تقدم محدود من دون نتائج حاسمة.

إنّ خطورة ما يُبنى اليوم في الجنوب السوري يكمن في تكريس منطق يشرعن تفكيك السيادة وإعادة تعريف الحدود وفق ميزان القوة. “المنطقة العازلة” ليست مفهومًا حياديًا ولا صيغة لحماية المدنيين وإنما ستكون في الحالة السورية أداة استعمارية حديثة بلبوس أمني، تسمح للطرف الأقوى بمدّ حدوده داخل أراضي الآخرين تحت غطاء الشرعية الدولية أو الوساطة الدبلوماسية.

بهذا المعنى، فإن ما يجري في القنيطرة ودرعا وريف دمشق ليس مجرد تعديل في قواعد الاشتباك، وإنما إعادة إنتاج لنموذج قديم من السيطرة، يَسهل تسويقه كلما وُجدت سلطة ضعيفة عاجزة عن الدفاع عن أرضها. الجنوب السوري سابقة جديدة تُهدد بإعادة هندسة المشرق كله وفق منطق “الحدود المرنة” التي تصنعها القوة وتُكرِّسها الاتفاقات.

الترا سوريا

———————————–

جنوب سورية و”باشان” التوراتية/ توفيق شومان

06 سبتمبر 2025

غالباً ما تستحضر الحكومات الإسرائيلية في حروبها مصطلحاتٍ ومفاهيم توراتية تغذّي الذاكرة الجمعية، وتلهبها بمزيد من عناصر الاشتعال والتحريض “المقدّس” التي تحاكي وقائع الحال القتالية. … في حرب حزيران (1967) استوحى القادة الإسرائيليون، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة في وقتها ليفي أشكول، قصة الخلق التوراتية فسمّوها “حرب الأيام الستة”، مُحاكين بذلك ما ورد في سفر التكوين “ونظر الله إلى كل ما صنعه فرأى أنه حسن جدا، وكان مساء وكان صباح يوم سادس، فتم خلق السماوات والأرض وجميع ما فيها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله واستراح في اليوم السابع”. وعلى السبيل نفسه، سارت غولدا مائير وأصحابها فأطلقوا على حرب 1973 “يوم الغفران”، وهو أعظم الأعياد اليهودية، وفيه نزلت “الوصايا التي أمر الربُ بها موسى لبني إسرائيل في جبل سيناء”، كما جاء في سفر اللاويين.

وفي حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزّة، استدعى بنيامين نتنياهو، قبل حين، النصوص الأسطورية، فأطلق على فصول الحرب مرّة “عربات جدعون” ومرّة “عربات جدعون 2”. وتظهر سيرة جدعون التوراتية، كما يرويها سفر القضاة، بعدما “عمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، فسلّمهم إلى قبيلة مديان سبع سنوات، فلجأوا إلى المغاور في الجبال والكهوف والحصون هرباً منهم، وكانوا إذا زرعوا يصعد إليهم المديانيون والعماليق وأهل الصحراء، ويهاجمونهم ويتلفون غلة الأرض إلى مدخل غزّة. وجاء ملاك الرب وكان جدعون يدوس سنابل الحنطة خوفاً من المديانيين، وقال له: الرب معك، أيها الجبار، اذهب بقوتك وخلّص بني إسرائيل من قبضة مديان”. وتنتهي الرواية بتقديم صورة انتصارية بطلها جدعون، فقد “خضع المديانيون لبني إسرائيل، ولم تقم لهم قائمة من بعد، واستراحت الأرض أربعين سنة من الحروب في أيام جدعون”. وينتسب المديانيون الذي يأتي على ذكرهم سفر القضاة إلى مديان، ابن النبي إبراهيم من زوجته قطورة، وفق النص الروائي التوراتي في سفر التكوين، وأرض المديانيين كانت تمتد من خليج العقبة إلى موآب (القسم الشرقي من البحر الميت) وطور سيناء، وفقا لـ”قاموس الكتاب المقدس” الذي أشرفت على إعداده نخبة من اللاهوتيين وذوي الاختصاص اللغوي والقساوسة والمطارنة، مثل جورج خضر وبطرس عبد الملك ومراد كامل وغيرهم.

أما العماليق فقد استحضرهم نتنياهو غير مرة في خطابات الكراهية، منادياً على جنده وعسكره “تذكّروا ما فعله العماليق بكم … لا ننسى”. وهؤلاء كما في شروحات القاموس المذكور آنفا “كانوا يقيمون في جنوبي فلسطين عند مجيء العبرانيين من مصر، وكانوا مصدر إزعاج لبني إسرائيل، لأن العبرانيين اعتدوا على ممتلكاتهم، وكانت المعركة الأولى بين الطرفين في غرب سيناء وغلبهم العبرانيون وتشتتوا، وضايقهم شاوول وذبح ملكهم، وطاردهم داود”.

وبحسب وصايا موسى في الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التثنية “اذكروا ما فعل بكم بنو عماليق في الطريق عند خروجكم من مصر، فإذا أراحكم الربّ من جميع أعدائكم لا تنسوا أن تمحوا ذكر بني عماليق من تحت السماء”. وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول “قال صموئيل لشاوول أنا الذي أرسلني الربّ لأمسحك ملكاً على شعبه بني إسرائيل، هذا ما يقوله الرب: اذهب واضرب بني عماليق، أهلك جميع ما لهم، لا تعفُ عنهم، بل اقتل الرجال والنساء والأطفال والرضًع والبقر والغنم والجمال والحمير”.

لا تحتاج مشاهد قطاع غزّة لشرح وتفصيل إذا ما جرى إسقاط النصوص التوراتية على يومياتها، فقادة الاحتلال لا ينفكّون عن القول إن صراطهم ما ورد في تلك النصوص، ومنها كمثال آخر ما أوردته وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ومنها “العربي الجديد” (11/12/2024)، حيث “أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي اسم سهم باشان المستوحى من التوراة على العملية العسكرية التي يشنّها في سورية”. وقاد هذا الاستحضار التوراتي حيال سورية ويقود إلى تحليل ما يجري في الجنوب السوري من توغل اسرائيلي قائم على استراتيجية القضم، انطلاقاً من سياقين: يدرج الأول جنوب سورية في لُجّة “الحق” التاريخي والديني المستقاة من النص التوراتي، والثاني ينبئ عن مصير احتلالي تعمد إليه إسرائيل في هذه المنطقة، وتعبٍر عنه تارّة بتوسيع المنطقة العازلة المتفق عليها عام 1974، وتارّة أخرى بتحويل الجنوب السوري كله إلى منطقة عازلة، وطورا ثالثاً بخروج آراء وتحليلات إسرائيلية تفيد بأن سورية المفيدة هي سورية المفكّكة والمفتّتة، وبحيث تكون المحافظات السورية الثلاث في الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، أو عن طريق الهيمنة والنفوذ، اعتمادا على مفهوم الأذرع المتقدّمة.

وباشان التي تعني الأرض السهلة والمستوية في غالبية اللغات السامية، تربتها خصبة للغاية، وماؤها غزير، “وتشمل حوران والجولان واللجاة، وتحدّها شمالاً أراضي دمشق وشرقا بادية سورية، وغرباً غور الأردن، ويخترق جانبها الشرقي جبل الدروز، وهو جبل باشان القديم “مثلما يشرح “قاموس الكتاب المقدّس”. وقد تسيّد على هذه المنطقة الرفائيون (قبائل كنعانية أو أمورية)، ومن ملوكهم عُوج الذي كان فارع القامة وشديد البأس، ودخل عليه بنو إسرائيل وذبحوه واحتلوا مملكته، وقصة عُوج في سفر التثنية جديرة أن تُروى “فسلًم الرب إلى أيدينا عوج ملك باشان وجميع قومه، فضربناه حتى لم يبق له باق، وفتحنا جميع مدنه وعددها ستون مدينة، فحلًلنا في كل مدينة قتل جميع الرجال والنساء والأطفال”.

وبالانتقال من نصوص الماضي الأسطوري إلى أفعال الراهن، من المناسب الاستعانة بتصريح نتنياهو في اليوم الذي سقط فيه النظام السوري السابق (8/12/2024)، إذ أعلن أن اتفاقية فصل القوات المبرمة بين دمشق وتل أبيب في 1974 انهارت وسقطت، ثم سيطر جيش الاحتلال على جبل الشيخ كله، وراح يوسّع المنطقة العازلة ويقضم ما بعدها. وفي 24 فبراير/ شباط الماضي، قال نتنياهو إنه لن يسمح للقوات السورية بالدخول إلى جنوب سورية، والمطلوب إخراجها من المنطقة كلها، وسيبقى الجيش الإسرائيلي في سورية وجبل الشيخ والمنطقة العازلة. وما بين 28 يناير/ كانون الثاني و26 أغسطس/ آب يمكن تتبع أربعة تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صبّت في الاتجاه نفسه، وأكدت رفض حكومة الاحتلال الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة قديماً وحديثاً.

ومن جديد الآراء والتحليلات الإسرائيلية المرتبطة بمصير الجنوب السوري مقالة ليوني بن مناحيم في معهد القدس، في 25 من الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، وفيها تحذّر مصادر أمنية من العودة إلى اتفاقية فصل القوات عام 1974، فتلك تقيد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولا توفر الحماية لمستوطنات الجولان ولمحافظة السويداء، في 26 من الشهر نفسه، كتبت صحيفة هآرتس أن إسرائيل تعمل في سورية وفق مجموعة مبادئ، منها نزع السلاح من جنوب دمشق، وسيطرة إسرائيلية على ما وراء الحدود، وإشراف إسرائيلي على ممر آمن إلى السويداء. وفي 28 أغسطس، كتب عميد يغور في “معاريف” أن اتفاقية 1974 لم تعد تشكل مرجعا لأي اتفاق مستقبلي، ما يعني إغلاق الأبواب على عودة الأراضي السورية المحتلة إلى سيادة دمشق.

وفي كل الأحوال، يبدو التصور الإسرائيلي لمصير الجنوب السوري أنه موزّع على أربعة احتمالات: مزيد من التوسّع والقضم، منطقة عازلة تحت الهيمنة الأمنية الإسرائيلية، انفصال الجنوب أو بعض منه عن الدولة المركزية، أو خليط بين الاحتلال والعازل الأمني والانفصال… والله المستعان على سهم باشان.

العربي الجديد

—————————-

كيف يهدّد التنافس التركي الإسرائيلي وحدة سوريا واستقرارها؟/ عبد الغني دياب

السبت 6 سبتمبر 2025

بين مساعٍ تركية حثيثة لتمديد النفوذ، واندفاع إسرائيلي للسيطرة على المناطق الجنوبية، تواجه دمشق تحدّيات متصاعدةً، تصاحبها تغيّرات متسارعة في مواقف القوى الإقليمية الفاعلة على الساحة السورية، إذ فتح القرار التركي ببناء ملاجئ في 81 مدينةً في سياق تعزيز البنية التحتية الدفاعية وسبل حماية المواطنين في أوقات الأزمات، وقطع العلاقات التجارية مع تل أبيب، تساؤلات حول الآثار التي قد تعود على دمشق من وراء هذا التصعيد، ولا سيّما أنه تزامن مع هجوم للقوات الإسرائيلية على موقع قرب دمشق، زعم مصدر إسرائيلي أنه كان يحتوي على “أجهزة تركية وُضعت للتجسّس على إسرائيل”.

التنافس التركي الإسرائيلي على سوريا يأتي في ظل تنامي التعقيدات الداخلية في البلاد، إذ تلاحق السلطة الانتقالية في دمشق اتهامات بالتمييز ضد بعض المكونات الاجتماعية وتهميش أخرى، فيما لم يتحدّد موقف الكرد والدروز، وتنشد بعض الجماعات مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، اللامركزية في وقت لا تثق فيه المجتمعات الدرزية والعلوية بالسلطة الجديدة، ما يضاعف التعقيدات السياسية ويضيف إليها أخرى أمنية واقتصادية تضع المستقبل السوري على حافة المجهول.

في هذا التقرير، يسعى رصيف22 لتحليل إلى أي مدى قد تستحيل سوريا ساحةً لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين إسرائيل وتركيا؟ وما هي التأثيرات المحتملة لهذه المواجهة -إن حدثت- على مستقبل البلاد واستقرارها؟ وما هي الخيارات التي قد تمتلكها السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، لمنع تورّط البلاد في هكذا معركة؟

هل أنقرة بديلة إيران في سوريا الجديدة؟

في خضم المواجهات الإسرائيلية التركية في سوريا، يفرض السؤال عما إذا كانت دمشق تعتزم استبدال الإيرانيين -حلفاء النظام الساقط الأبرز- بالأتراك في مواجهة تل أبيب، نفسه. وعنه، يجيب المحلل السياسي السوري أحمد شيخو، معبّراً عن اعتقاده أنّ “السوريين يشعرون وكأنّ قدرهم أن يكونوا تابعين لقوة إقليمية”.

ويضيف، في تصريحات لرصيف22، أنّ الحضور التركي في سوريا “غير مبرَّر”، وأنّ تدخّلات أنقرة في الشأن السوري باتت “مزعجةً”، منبّهاً إلى أنّ استبدال إيران بتركيا هو استمرار لهيمنة القوى الإقليمية على القرار الوطني السوري، وهو ما لن يكون في صالح الدولة والشعب.

ويشير شيخو، المتخصص في الشأن الكردي والتركي، إلى أنّ الوجود التركي في سوريا ربما يكون أخطر مما كان عليه الوجود الإيراني، عازياً ذلك إلى “التلاصق والعقلية العثمانية لسلطات أنقرة الإسلاموية”، لافتاً في الوقت عينه إلى أنّ الاستقرار السوري لن يكون إلا من خلال عودة دمشق إلى محيطها العربي وتحقيق الأولويات السورية بعيداً عن استعمال البلاد كساحة لتصفية الحسابات.

ويتابع شيخو، بأنّ تركيا ترى أنّ التغيّرات الحاصلة في الأبعاد الإستراتيجية ستحجّم دورها أمام صعود الدور العربي الإسرائيلي في سوريا، وهي غير مرتاحة لأي دور كردي أو تسوية تضمن حقوق الكرد، لذا فهي لا ترغب في أن تخدم التغيّرات الجديدة مطالب الكرد، لأن ذلك قد يؤثر على مستقبل القضية الكردية التي لم تحسمها تركيا بعد.

كما يشير شيخو، إلى علاقات ومصالح تركيا وإسرائيل المشتركة ضمن منظومة حلف الناتو، وغيرها من اتفاقات عسكرية وأمنية ثنائية، مستدركاً: “صحيح أن علاقة الطرفين حالياً يشوبها غضب وانزعاج، لكن ذلك لن يؤثّر على علاقاتهما كون أنقرة وتل أبيب تدوران في حلقة أمريكية واحدة، إلا إذا أراد النظام الدولي خلق مشكلات كبيرة لتركيا”.

هل تتحوّل سوريا إلى ساحة مواجهة تركية إسرائيلية؟

من جهته، يرى الباحث العراقي الخبير في الشؤون الإستراتيجية، حسام بوتاني، أنّ الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها تركيا عقب حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل وتصاعد النشاط الإسرائيلي في الداخل السوري، تعكس ذهنيةً إستراتيجيةً جديدةً لأنقرة تقوم على تعزيز منظومتها الدفاعية إذ تسعى إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية في شرق أوسط يشهد تحوّلات دراماتيكيةً لا تتوقّف منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

ويضيف بوتاني، لرصيف22، أنّ هذه التحرّكات تأتي بالتزامن مع إعادة توزيع أدوار القوّة وتراجع النظام الإقليمي العربي إلى مستويات غير مسبوقة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وغياب التأثير العربي في المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية، لافتاً إلى أنّ أنقرة موّلت برنامجاً للصواريخ الباليستية لتغطية مدى وصولها إلى إسرائيل، وشرعت في تطوير ملاجئ ومنظومات حماية جديدة. برغم ذلك، يشير إلى أن “هذه الخطوات لا تعني أنّ تركيا في طريقها إلى خوض حرب مباشرة مع إسرائيل، كونها عضواً في حلف الناتو مع ما يترتّب على ذلك من التزامات قد تجرّ الغرب إلى مواجهة مدمّرة”.

لكنه يعتقد أنّ ما تقوم به أنقرة يهدف بالأساس إلى تعزيز حضورها الإقليمي وسدّ الفراغ الذي تركه تراجع الدورين السوري والإيراني في المنطقة، مشيراً إلى أنّ قرار تركيا الأخير قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل لم يكن مرتبطاً فقط بالحرب على غزة، بل جاء كردّ مباشر على عملية عسكرية نفّذتها وحدات كوماندوز إسرائيلية جنوبي دمشق، استهدفت نشاطاً استخباراتياً تركياً.

هيّا نخلق واقعاً مغايراً!

كما يُذكّر بوتاني، بأنّ علاقات تركيا بإسرائيل كثيراً ما شهدت فترات انقطاع، لكن من دون ترجمة حقيقية على الأرض، مبرزاً أنّ “أنقرة تواجه الآن تحدّياً أعقد في الساحة السورية، حيث تحاول ملء الفراغ الإستراتيجي الناجم عن إسقاط نظام الأسد، بالتوازي مع توسيع نفوذها عبر تحالفات مع أطراف محلية، غير أنّ ذلك يصطدم بالتدخّل الإسرائيلي المتزايد في سوريا، والذي يهدف في جزء منه إلى إفشال الدور التركي، وهو ما يضع أنقرة أمام تحدّيات إقليمية بالغة الصعوبة”.

المايسترو التركي يهندس علاقات دمشق؟

 فضلاً عمّا سبق، يقول الباحث العراقي إنّ تركيا تحاول لعب دور “المايسترو” في هندسة العلاقات السورية مع بعض الأطراف الخارجية وعلى رأسها روسيا، لكن الاندفاع الإسرائيلي العدواني الذي يسعى إلى ضرب التجربة الجديدة وخلق حالة من الفشل لدى الإدارة السورية الوليدة عبر تقويض هيبتها وافتعال تحدّيات داخلية، يمثّل أكبر التحدّيات.

ويرى بوتاني، أنّ طبيعة النظام الجديد في دمشق، ذي الخلفية الجهادية والمعتمد على عناصر لديها مواقف صدامية مع إسرائيل، تجعل من أي استفزاز عسكري عاملاً ضاغطاً يفرض تحدّيات داخليةً وخارجيةً معاً، مشيراً إلى أنّ ملف “قسد” يمثّل لغماً إستراتيجياً قد ينفجر إذا لم يُحلّ بطرق سلمية واحتوائية.

ويشدّد أيضاً على أنّ هذا الواقع خلق تحدّيات إستراتيجيةً كبرى أمام النفوذ التركي الجديد في سوريا، لافتاً إلى أنّ الاعتداءات الإسرائيلية باتت إحدى أبرز العقبات أمام حضور أنقرة. لكنه ينبّه في المقابل إلى محدودية البدائل التركية وتردّد تركيا في مواجهة التهوّر الإسرائيلي بخطوات جريئة، مثل نشر بطاريات دفاع جوي أو إنشاء قواعد عسكرية مباشرة في سوريا، خشية الانجرار إلى حرب شاملة، وهو ما قد يؤّدي إلى تراجع استثمار تركيا في اللحظة التاريخية الراهنة وإضعاف قدرتها على ترسيخ نفوذها في سوريا.

تركيا كـ”حليف أكبر” لسوريا

من جهته، يستبعد الصحافي السوري فراس علاوي أنّ تكون أنقرة راغبةً في لعب الدور ذاته الذي لعبته إيران حتى نهاية العام الماضي في سوريا، موضحاً أنّ تركيا ترى نفسها حليفاً إقليمياً لبلاده، بينما كانت طهران تسعى إلى السيطرة المباشرة عليها عبر أدوات مختلفة.

ويضيف علاوي، في حديثه إلى رصيف22، أنّ ثمّة خلافات وإن غير عميقةـ بين الحكومة السورية الحالية وأنقرة في ما يخصّ بعض السياسات الخارجية، وهو ما قد يثير إزعاج الأتراك أحياناً، خاصةً في ما يتعلّق بعلاقة دمشق بالولايات المتحدة الأمريكية، موضحاً أنّ المشهد الإقليمي الحالي يعكس تبادلاً في مراكز القوى. فبينما كانت طهران قوةً مهيمنةً على الوضع السوري، باتت أنقرة اليوم أقرب إلى موقع “الحليف الأكبر” لا المتدخّل بشكل كامل، ولا سيّما في ظلّ وجود حلفاء آخرين كالسعودية.

ويشير إلى أنه برغم وجود هجوم إعلامي متبادل بين إسرائيل وتركيا، إلا أنّ الأمور لم تصل إلى مستوى الصدام المباشر على الأرض السورية، كما أنّ الحكومة السورية لا تبدي رغبةً في تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة بين الطرفين، متوقعاً أنّ تستمر سياسة “ضبط النفس” التي تنتهجها دمشق لفترة إضافية، وهو ما قد ينعكس سلباً على علاقاتها مع أنقرة، على حد قوله.

ورقة الأقليات والنموذج اللبناني

فضلاً عمّا سبق، يعبّر علاوي عن اعتقاده أنّ بعض الأطراف الإقليمية لا تزال تلعب دوراً سلبياً في سوريا حتى اللحظة، من خلال دعم بعض المكونات الداخلية، شارحاً أنّ بعض الدول تسعى إلى تطبيق نموذج شبيه بالحالة اللبنانية في سوريا، وعلى رأسها إيران التي تحاول دعم العلويين أو قوات “قسد”، إلا أن المزاج الدولي قد يرفض ذلك كونه لا يميل إلى تقسيم سوريا.

“تآكل حلم الدولة السورية الموحدة”

لكن هذا يتناقض مع ما ذكره رئيس معهد أبحاث مركز التراث الدرزي في إسرائيل، يسري خيزران، الذي رألأى في مقال له، أنّ سبب ميل بعض الدروز إلى الجانب الإسرائيلي يتمثّل في الزيادة الكبيرة في “أسلمة المعارضة السورية” خلال السنوات الأخيرة، واستهداف بعض المنظمات الجهادية للطائفة الدرزية كما حدث في حزيران/ يونيو 2015، حين ذُبح 20 درزياً في قرية صغيرة في إدلب على أيدي عناصر جبهة النصرة، وكذلك الهجوم على القرى الدرزية من قبل داعش في أيلول/ يوليو 2018 في ما عُرف إعلامياً بـ”هجمات السويداء”.

أشار خيزران أيضاً، إلى أنه برغم ترحيب الدروز بانهيار النظام، إلا أنهم لم يبدوا أي حماسة لوصول أحمد الشرع إلى سدّة الحكم، كما أنهم لا يسمحون لقوات الحكومة الجديدة بالتجمّع في مناطقهم، وغير مستعدّين لتسليم أسلحتهم، ولا سيّما بعد أحداث الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، وهو ما يجعل الكثير من المحللين يشكّون في أنه لم يعد من الممكن الإبقاء على سوريا كدولة موحدة مرةً أخرى، لافتاً إلى أنّ السيناريو الأكثر تفاؤلاً بشأن مستقبل البلاد هو أن تتكون دولة فيدرالية مع حكم ذاتي للأقليات المركزية الثلاث (العلويين والدروز والكرد)، مع بقاء دولة مركزية تحت رعاية تركيا.

ويوافق الباحث اليوناني، أستاذ العلوم السياسية، سبيروس سوفوس، على أنّ سوريا تحوّلت إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية، مشيراً إلى أنّ سياسات إسرائيل وتركيا تشير إلى بنية متعمّدة من التشرذم، وإلى أنه كلما طال أمد مناطق النفوذ الإقليمية تحت ستار الحماية أو الاستقرار أو مكافحة الإرهاب، كان من الصعب الحفاظ على وحدة الأراضي السورية أو التماسك السياسي الوطني.

ويضيف سوفوس، في مقال له، أنه “ربما لن تكون هناك دولة سورية موحدة قوية بما يكفي لمواجهة التحدّيات الإقليمية في المستقبل القريب”، مبرزاً أنه برغم تباين أهداف تركيا وإسرائيل في سوريا إلا أن تدخّلاتهما، المتوازية والمدعومة بالقوة العسكرية والتحالفات بالوكالة والمناورات الدبلوماسية، تؤدّي إلى تجزئة النسيج السوري، وهو ما يعكس تحوّلاً أوسع نحو السيادة الاسمية في منطقة مجزّأة بشكل متزايد، لافتاً إلى أنّ هذا الواقع الناشئ لا يوفر أملاً يُذكر في الاستقرار أو المصالحة أو إعادة الإعمار.

رصيف 22

————————————-

هل تنجح الإجراءات الجديدة للحكومة السورية في حل أزمة السويداء؟/ عمار دروبي

06 أيلول 2025

دمشق- تُظهر مؤشرات عدة أن الحكومة السورية تتجه لاتخاذ خطوات عملية لحلحلة أزمة محافظة السويداء التي شهدت أحداثاً دامية في يوليو/تموز الماضي، وذلك من خلال سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة التي تقطنها غالبية درزية.

وبرز إعادة فتح طريق دمشق-السويداء الدولي قبل نحو أسبوع أمام حركة المسافرين والقوافل التجارية كإجراء هام يهدف إلى تلبية احتياجات الأهالي الأساسية بالمحافظة الجنوبية دون انقطاع، وعودة خروج ودخول السكان نحو المحافظات السورية.

كما حمل قرار تعيين وزارة الداخلية العميد حسام الطحان قائداً لقوى الأمن الداخلي في السويداء، بدلاً من العميد أحمد الدالاتي -الذي تم تعيينه قائداً للأمن الداخلي في ريف دمشق– دلالات ورسائل على رغبة الحكومة باحتواء الأزمة.

ويأتي ذلك بعد أن اتهمت شبكات حقوقية محلية ودولية رجال الأمن بارتكاب انتهاكات إبان دخول القوات الحكومية إلى السويداء، واتهام الأمن بمقتل العشرات من الأهالي.

وأخيرا بدأت لجنة تحقيق حكومية عملها في الأحداث التي شهدتها السويداء، من خلال مقابلة الشهود وتسجيل روايات مختلف الأطراف، بهدف الوصول إلى الضالعين في ارتكاب الانتهاكات وأعمال العنف، في أعقاب الصراع المسلح بين فصائل محلية مسلحة ومقاتلي العشائر.

ووفق المتحدث باسم اللجنة المحامي عمار عز الدين، فإن وزارتي الداخلية والدفاع ألقتا القبض على المشتبه بهم وتحفظت عليهم تمهيداً للتحقيق معهم، حيث تولت مسؤولية التحقيق في الواقعة للوصول إلى ملابساتها والتفاصيل المتعلقة بها.

تغليب المصلحة الوطنية

يعتقد مراقبون للشأن المحلي -وتحديداً الجنوب السوري- أن الحكومة تسعى بكل طاقتها لتقديم حلول ناجعة لأزمة السويداء التي استدعت تدخل أطراف إقليمية، من بينها الاحتلال الإسرائيلي الذي قصف العاصمة دمشق، في خطوة غير مسبوقة.

وأكد الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن الحكومة قدمت مبادرات عديدة لمعالجة أزمة السويداء، بدءاً بالاعتراف بالأخطاء التي وقعت أثناء التدخل العسكري، وفتح باب تقصي الحقائق والتحقيق في الانتهاكات، وسحب القوات العسكرية والأمنية، وإدخال المساعدات بالتعاون مع وزراء الحكومة، وصولاً إلى السعي للحل السياسي والتفاوض.

وأوضح علوان -في حديث للجزيرة نت- أن معظم الجهات الفاعلة في السويداء رفضت الحلول التفاوضية، مستغلة التدخل العسكري الإسرائيلي، والدعم الإقليمي والدولي للحكومة، مما أدى إلى تصعيد الموقف.

وأشار علوان إلى أن الحكومة مستمرة في تقديم المبادرات، بغية تغليب المصلحة الوطنية، من خلال تشكيل لجنة حيادية للتحقيق في الانتهاكات، تعتمد على أعضاء مستقلين من المجتمع المدني لهم تواصل مع السكان المحليين في السويداء، بهدف كشف مرتكبي الانتهاكات بشفافية.

ورأى أن مطالب الانفصال في السويداء محدودة وتعتمد على التدخل الخارجي، وأن النجاح في مبادرات الوساطة بين دمشق وإسرائيل ودعم العودة إلى الهدنة سيسهم في حل أزمة السويداء.

وبحسب الباحث علوان، فإن الجهات المطالبة بالانفصال في السويداء قد تستجيب للضغوط عند فقدان الدعم الخارجي المحرض على الانفصال.

فقدان الثقة

يقول الكاتب والباحث السوري جمال الشوفي، المنحدر من السويداء، إن فتح طريق دمشق-السويداء ضمن خطة إعادة الإصلاح، التي طرحتها الحكومة تحت ضغط دولي، يهدف إلى دمج السويداء تدريجياً مع الدولة، وتقديم المساعدات والخدمات للأهالي، وتشكيل لجنة تحقيق، كما جرى خلال اللقاءات الدولية برعاية أميركية في عمان وفرنسا، بغض النظر عن رأي السكان المحليين.

وأضاف الشوفي -في حديث للجزيرة نت- أن استبدال قائد الأمن الداخلي إجراء شكلي غير كافٍ قبل انتهاء لجان التحقيق، مع ضرورة وجود آليات تعامل فعّالة، مشيراً إلى أن الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء تجعل المسؤولية على السلطات السورية كبيرة، وفق تقرير منظمة العفو الدولية.

وأشار إلى أن اللجنة الحكومية للتحقيق أعلنت القبض على من ظهرت صورهم في ارتكاب أعمال خارجة عن القانون، بينما لا يزال أهالي السويداء يطالبون بلجنة تحقيق دولية، مما يعكس عدم الثقة باللجنة الحكومية.

ورأى الشوفي أن مسار الحل يجب أن يبدأ باعتراف مباشر من قبل السلطة في دمشق بالخطأ في اللجوء إلى الحل الأمني والعسكري في معالجة قضايا كان يمكن التعامل معها سياسياً، حتى لو استغرق ذلك وقتاً أطول، خصوصاً في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.

وأكد أن الانتهاكات واقتحام القرى شكلا صدمة نفسية كبيرة لأهالي السويداء، مما ساهم في شعورهم بعدم إمكانية التعامل مع السلطة في دمشق، لافتاً إلى أن طروحات الانفصال وتقرير المصير تعكس الواقع الألم والصدمة التي أصابت السكان، ولا ترتقي إلى مستوى الإمكانيات السياسية محلياً أو دولياً.

وبدوره، أشار مدير شبكة “السويداء 24” المحلية الصحفي ريان معروف إلى أن الأوضاع المعيشية والأمنية والسياسية لم تتغير في المحافظة، منذ دخول وقف إطلاق نار حيز التنفيذ في يوليو/تموز الماضي.

وقال معروف -في حديث للجزيرة نت- إن الحكومة كانت طرفاً رئيسيا في الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء “وبالتالي فإن الثقة معدومة لدى المجتمع المحلي من الدروز بعمل لجنة شكلتها الحكومة”.

ويصف توجه الدروز نحو المطالبة بحق تقرير المصير بأنه “خيار وجداني” ناجم عن شعورهم بالخطر الوجودي قبل أن يكون سياسياً أو اقتصادياً، معتبراً أن هذا الخيار نتيجة شعور تراكمي منذ سقوط نظام الأسد بالظلم والتهميش.

المصدر: الجزيرة

——————————–

أيها السوريون أوقفوا هذه اللعبة الخطرة جداً!/ د. فيصل القاسم

06 أيلول 2025

من أكثر ما يفتك بالسوريين اليوم هو وباء التعميم القاتل. أن تسمع أحدهم يقول بكل بساطة: «كل أهل هذه المنطقة السورية خونة»، أو «كل الدروز طائفيون»، أو «العلويون أسديون»، أو «كل السنة دواعش». هذه ليست مجرد كلمات عابرة، بل سُمّ يتغلغل في النفوس ويحوّل الشعب الواحد إلى معسكرات متناحرة تمزق ما تبقى من نسيج اجتماعي هشّ. هذه اللغة ليست سوى أداة للتفرقة والتحريض والكراهية، ولا تنم إلا عن جهل وضيق أفق. التعميم يلغي الفرد ويمسخه في قالب جماعي مصطنع لا يعكس حقيقته، وكأن ملايين البشر يمكن حشرهم في خانة واحدة. متى نتعلم أن كل فرد يجب أن يُحاسب على أفعاله لا على انتمائه.

التعميم ليس بريئاً؛ إنه أداة سياسية واجتماعية تُستعمل لتأليب الناس على بعضهم البعض، ولإيجاد مبررات للقتل والإقصاء والإلغاء. فعندما يُشيطن مجتمعٌ كامل تحت شعار «كلهم متشابهون»، يصبح من السهل استباحة دمه وحقوقه وممتلكاته. خلط الجميع في سلة واحدة لا يظلم الأفراد فقط، بل يزرع بذور العداء بين أبناء الوطن الواحد، هكذا تبدأ الحروب الأهلية، وهكذا تتحول الشعوب إلى قطيع متناحر يسهل التحكم به من الخارج والداخل على حد سواء.

في كل طائفة، مدينة، أو جماعة، هناك الصالح والطالح، المثقف والجاهل، المتعصب والمتسامح، الوطني والخائن. أي منطق هذا الذي يساوي بين المجرم والبريء، بين المثقف والجاهل، بين من قدّم روحه للوطن ومن باع ضميره بثمن بخس؟ لماذا لم يتعلم الإنسان السوري الذي عانى من الاستبداد لعقود أن الظلم الأكبر هو أن تُحاسَب على ما لم تفعل، أو تُدان بجريمة لم ترتكبها.

التاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن الشعوب التي انساقت وراء التعميم سقطت في حروب أهلية مدمرة، لأن التعميم يفتح الباب أمام شيطنة الآخر، ثم تبرير قتاله أو إقصائه. وما يعيشه السوريون اليوم يكفي درساً بليغاً، والتاريخ شاهد على هذه الكارثة: فكل حرب أهلية سبقتها موجة من التعميمات والكليشيهات التي صنعت صورة «العدو الجماعي». من رواندا إلى البلقان وصولاً إلى منطقتنا، لم يكن الرصاص هو الشرارة الأولى، بل الكلمة المسمومة التي تحوّل جار الأمس إلى عدو اليوم.

وسوريا اليوم تدفع الثمن ذاته، حيث أُحرقت مدن وهُجّر ملايين بناءً على صور نمطية قاتلة لا تمت للواقع بصلة. حين قيل إن «كل السنة دواعش»، قُتل عشرات الآلاف من الأبرياء لمجرد انتمائهم الديني. أليس من الغباء المطلق وضع أكثر من عشرين مليون سوري سني في خانة واحدة؟ وهل كان نزار قباني ابن دمشق الياسمين مثلاً من أتباع ابن تيمية وفتاويه؟ هل جحافل القتلة والمجرمين المتطرفين الذين اجتاحوا السويداء حتى لو كانوا بعشرات الألوف، هل يمثلون كل المسلمين السنة في سوريا، أم إن غالبية السنة بريئون من هذه الحثالات الداعشية ولا يشرفها أن تنتمي إليها؟

وهل كل أهالي السويداء كتلة واحدة أم إن المجتمع الدرزي متنوع ومختلف كبقية المكونات السورية ولا يمكن حصره مطلقاً في خانة هذا الشيخ أو ذاك؟ أليس داخل السويداء ذاتها ثلاثة شيوخ عقل مختلفين؟ أليس هناك اليوم في السويداء خلاف كبير حتى مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في لبنان؟ فلماذا انتقم شذاذ الآفاق من الدروز واعتبروهم كلهم كتلة واحدة كـ»كفرة وانفصاليين»، فحرقوا ونهبوا قراهم وهجروا سكانها، واغتصبوا نساءهم، وخطفوا أطفالهم، وذبحوا شبابهم، وصار كل فرد منهم محاصراً بالشك، وكأن انتماءه وولاءه يجب أن يُختبرا يومياً. هل فيصل القاسم الدرزي طائفي وانفصالي…؟ فلماذا أحرقتم قريته وقتلتم أهله وأقاربه بناء على تعميمات قاتلة وجاهلة؟

هل كان «كل العلويين مع النظام»، إم إن معظمهم كان وقوداً لمشاريع آل الأسد؟ فلماذا إذاً تضعونهم جميعاً في سلة واحدة؟ لماذا صار أي شاب علوي هدفاً مشروعاً للانتقام، حتى لو لم يحمل سلاحاً بحياته؟ ألم تكن بعض العشائر العلوية ضحية التمييز والتفرقة التي مارسها آل الأسد؟ هل كان ابن الساحل الأديب ممدوح عدوان أسدياً، أم ألد أعداء النظام هو ومناضلون علويون كثيرون؟ الأكراد، وُصفوا جميعاً بأنهم «انفصاليون»، مع أنهم يتعرضون للظلم والتمييز منذ عقود وعقود، وبينهم من دافع عن وحدة سوريا بروحه ودمه.

كل هذه التعميمات لم تجلب سوى الدم والخراب، ولم تُبقِ حجراً على حجر. سوريا لم تُدمَّر فقط بالبراميل والصواريخ، بل أيضاً بهذه العقلية التي تُجرّم جماعات بأكملها وتلغي الفرد.

لا تنسوا أن التعميم لن يخرب سوريا فقط، بل كان وما زال وباءً عالمياً: في رواندا، وصْفُ التوتسي جميعاً بـ«الصراصير» مهّد لإبادة أكثر من 800 ألف إنسان خلال 100 يوم. في ألمانيا النازية، تعميم اليهود بأنهم «طفيليون وخونة» فتح الباب أمام المحرقة. في البلقان، عبارة «كل المسلمين إرهابيون» أشعلت حرباً أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف. حتى في أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر، تعميم العرب والمسلمين بأنهم «إرهابيون» جعل ملايين الأبرياء عرضة للعنصرية والتمييز. إذن، التعميم ليس مجرد غلطة لغوية، بل أداة حرب وإبادة وتبرير للظلم.

لا نجاة لسوريا إلا بقتل التعميم. إن أردنا لسوريا أن تنهض من تحت الركام، فعلينا أن ندفن هذه اللغة المقيتة. يجب أن نقولها بصراحة: كل من يستخدم التعميم شريك في الخراب، وجاهل مهما حمل من شهادات أو ادّعى من ثقافة، فالعاقل يميّز بين المذنب والبريء، بين القاتل والضحية، بين الخائن والوفي، لذلك، فإن مواجهة التعميم ليست ترفاً فكرياً، بل معركة مصيرية. على السوريين أن يختاروا: إما الاستمرار في هذه اللعبة الجهنمية التي تقودهم إلى مزيد من الانقسام والدمار، وإما كسر هذه الحلقة الملعونة عبر الاعتراف بالتنوع، والتعامل مع الأفراد على أساس أفعالهم لا هوياتهم. فلنقلها بوضوح: التعميم لغة الجهلاء، وسوريا لن تخرج من جحيمها إلا إذا حطمت هذه اللغة إلى الأبد.

كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

—————————–

ما خيارات دمشق للتعامل مع دعوة الهجري لتأسيس كيان مستقل للدروز؟

ناقشت حلقة (2025/9/5) من برنامج “ما وراء الخبر” الحيثيات التي استند إليها حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في سوريا في دعوته لتأسيس “كيان مستقل” لطائفة الدروز في سوريا.

كما تناولت خطورة إطلاق مثل هذه الدعوة على وحدة واستقرار سوريا في هذه المرحلة، وخيارات الحكومة السورية للتعامل مع دعوة الهجري.

تقديم: خديجة بن قنة

حكمت الهجري يطالب بكيان مستقل وحق تقرير للمصير.. أبعاد التصريحات في ما وراء الخبر

—————————————

 أهالي السويداء يخشون أن تتحول محافظتهم إلى سجن كبير

الجمعة, 5 سبتمبر 2025

رغم إعلان وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية بدمشق إعادة فتح طريق دمشق – السويداء وتأمينه أواخر شهر آب/أغسطس الفائت، إلا أن واقع المحافظة لم يشهد تغيراً ملموساً.

فالحركة التجارية وحركة النقل ما زالت شبه متوقفة، فيما يعيش الأهالي حالة من الترقب والقلق، حيث يُنظر إلى الطريق على أنه شريان حيوي يربط السويداء بالعاصمة، حيث يعتمد عشرات آلاف السكان على هذا الخط لشراء المواد الأساسية أو السفر نحو جرمانا ودمشق. لكن ما حدث بعد إعادة الافتتاح يعكس فجوة بين الإعلان الرسمي والواقع الميداني؛ وحاول “الحل نت” تقصي التفاصيل.

إغلاق المعبر الغربي

بقي معبر بصرى الشام، ثم بصر الحرير شرقي درعا، هو النقطة الوحيدة لدخول الإمدادات الإغاثية إلى السويداء لأكثر من خمسة أسابيع. لكن هذا المعبر تعرض مراراً لحوادث خطف وإطلاق نار استهدفت المركبات، خصوصاً قرب منطقة كحيل في درعا.

وكانت وزارة الداخلية قد أصدرت في 27 آب/أغسطس بياناً رسمياً قالت فيه إنها استكملت الخطوات الأمنية لإعادة تفعيل الطريق، ودخلت عبره عدة قوافل إغاثية وتجارية. 

كما شهد الطريق حركة محدودة لنقل الركاب بين السويداء وجرمانا عبر حافلات خاصة مؤمنة من الدفاع المدني. وتحدثت تقارير إعلامية عن مرور نحو 20 شاحنة محملة بالمساعدات وصهاريج وقود في الأيام الأولى لإعادة الافتتاح. لكن سرعان ما خلت الطريق من المسافرين، وسط استمرار القلق الأمني وهيمنة الفصائل المحلية.

إغلاق طريق دمشق عند شهبا

مصادر خاصة أفادت لـ “الحل نت” أن آخر الحافلات التي دخلت من جرمانا إلى السويداء صباح الخميس 4 أيلول/سبتمبر، لم يسمح لها بنقل ركاب في رحلة العودة. فقد أوقف حاجز يتبع للفصائل الدرزية المحلية عند تل شيحان قرب مدينة شهبا الحافلات وأجبرها على العودة فارغة.

وفي واقعة أخرى بحسب مصادر محلية، تمكنت سيارة تقل مسافرين عائدين من مطار بيروت من اجتياز طريق دمشق مروراً بعدة حواجز للأمن العام دون مضايقات. لكن عند دخولها السويداء، أبلغها عناصر محليون أنه ممنوع أن تقل ركاباً إلى خارج المحافظة.

يتناقل الأهالي في السويداء أخباراً عن تعليمات صارمة تمنع مغادرة أحد عبر الطريق إلا من يحمل جواز سفر وتذكرة طائرة، مرفقة بموافقة من مكتب الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري. 

كما انتشر اليوم الجمعة 5 أيلول/سبتمبر على صفحات على “فيسبوك” تعميم صادر عن غرفة العمليات التابعة للفصائل الدرزية المحلية جاء فيه أن طريق دمشق–السويداء مخصص “للحالات الإنسانية فقط” مثل المرضى أو المسافرين عبر الطيران، بعد موافقة اللجنة القانونية العليا.

مرضى السرطان في السويداء.. بين ألم الحياة وبوابة الموت

هذا المشهد زاد المخاوف من أن تتحول السويداء إلى ما يشبه سجناً كبيراً، حيث لا يمكن مغادرتها إلا بإجراءات معقدة وقيود صارمة، فيما ترى الفصائل الدرزية أنها تسعى إلى “حماية المجتمع المحلي” من التوترات المتصاعدة.

اليوم يعيش أهالي السويداء حالة من الترقب والانتظار، وسط تساؤلات عن جدوى فتح الطريق إذا كان استخدامه مقيداً بهذه الصورة. هل الهدف إعادة ربط المحافظة بالعاصمة وتخفيف أزمتها المعيشية، أم تحويله إلى ورقة ضغط بيد أطراف متعددة؟

الواقع على الأرض يشير إلى أن الطريق، رغم الإعلان عن فتحه وتأمينه، لا يزال بعيداً عن أداء دوره كشريان حياة. ومع استمرار القيود على حركة الأفراد والبضائع، يخشى الأهالي أن يتحول فتح الطريق إلى مجرد إجراء شكلي لا يغير من معاناتهم اليومية.

———————————-

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى