الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

التعليم السوري من رماد الحرب إلى جسور الأمل/ عبد الناصر الجاسم

 

2025.09.10

في قلب سوريا النابض بالحياة بعد مخاض عسير، حيث تتعالى أصوات الأمل وسط أنقاض الحرب، يظل التعليم هو النور الذي يمكن أن يضيء دروب الأجيال القادمة. إن ما شهدته البلاد من دمار للحجر وفقدان للبشر لا يمكن أن تمحى آثاره بسهولة أو بوقت قصير، لكن في خضم هذه المعاناة المستمرة، يبقى التعليم هو المفتاح الأساس الذي يمكن أن يفتح أبواب المستقبل لبناء الإنسان السوري المتوازن والمنتمي والذي بدوره يقوم ببناء البلاد.

تحديات وفرص

تتجلى مأساة التعليم في سوريا في عدم تحييد التعليم عن دوائر الصراع والسياسة والإيديولوجيا طوال سنوات النزاع، بالرغم من أن سلطات الأمر الواقع حينذاك جميعها ترفع شعارات براقة وعناوين خادعة في مناطق نفوذها الأربعة المتمثلة بمناطق الشمال السوري وإدلب والداخل السوري ومناطق سيطرة قسد، وتفتت النظام التعليمي بين أربع مناطق نفوذ، نتج عن هذا التفتت الأرقام المروعة الآتية: أكثر من 7900 مدرسة دُمرت، والغالبية العظمى من المعلمين والمدرسين المؤهلين باتوا بين مهجر ولاجئ ومعتقل ومفقود، و2,4 مليون طفل فقدوا حقهم في التعليم، هؤلاء الأطفال الذين يحملون في قلوبهم أحلامًا كبيرة، يجدون أنفسهم اليوم محاصرين في دوامة من الفقر والجهل. إنهم أحلام مكسورة، تحتاج إلى من يجمع شتاتها ويعيد بناءها ويجبر كسرها.

ولكن بجانب كل تحدٍ تكمن فرصة، وموضوع إعادة بناء النظام التعليمي في سوريا ليس مجرد واجب يتم التذكير به عبر وسائل الإعلام، بل هو ضرورة ملحة، ويجب البدء به بشكل فوري، وذلك بالعمل على إعادة تأهيل المدارس وترميمها لتصبح مراكز آمنة، حيث يمكن للأطفال أن يشعروا بالراحة والأمان، كما يجب تطوير مناهج تعليمية موحدة، تعكس تنوع ثقافاتنا وتاريخنا، وابتكار برامج تعليمية مرنة تساعد الأطفال على الانتقال بسلاسة بين المناطق التعليمية المختلفة.

إن إدخال التكنولوجيا الرقمية ووسائل التعليم عن بعد يمكن أن يشكل رافعة قوية لردم الفجوة التعليمية، ويتيح للطلاب مواصلة تعليمهم حتى في أصعب الظروف، ولا سيما في ظل محدودية الموارد وتشتت المدارس. كما أن التعاون مع المنظمات الدولية والجهات المانحة قد يسهم في إعادة بناء البنية التحتية التعليمية وتوفير الدعم اللوجستي والمالي للمدارس، وكذلك التركيز على تمكين الفتيات من العودة إلى مقاعد الدراسة يشكل خطوة جوهرية نحو تحقيق العدالة التعليمية، فالتعليم ليس حقاً أساسياً، بل هو وسيلة لتعزيز دور المرأة في المجتمع والمشاركة في إعادة الإعمار. لذلك فإن رؤية التعليم في سوريا يجب أن تكون رؤية شاملة تنظر إلى الإنسان باعتباره الركيزة الأولى لكل عملية بناء.

التعافي من الصدمات

بعد سنوات من النزاع، يحتاج التعليم إلى أن يكون أكثر من مجرد دروس وكتب، بل يجب أن يصبح وسيلة للتعافي من الصدمات النفسية التي تعرض لها الأطفال، وعلينا أن نؤمن بأن برامج الدعم النفسي والاجتماعي في المدارس ليست مجرد رفاهية، بل هي ضرورة حيوية، حيث يجب أن نعلم الأطفال كيفية التعرف إلى مشاعرهم وإدارتها، لنساعدهم على

التخطي والتغلب على الألم الذي عاشوه لسنوات طويلة سواء كانوا في مخيمات النزوح أو في بلدان اللجوء أو في مناطق نفوذ فصائل وميليشيات مختلفة. كما يجب تدريب المعلمين وإكسابهم المهارات اللازمة لتبني استراتيجية التعليم الاجتماعي والعاطفي مما يساعد في تسريع عمليات التعافي والصمود.

إزالة الحواجز الاقتصادية

الطريق إلى التعليم ليس سهلاً في هذا السياق السوري المعقد، حيث تواجه الأسر النازحة والعائدة إلى سوريا العديد من الحواجز الاقتصادية التي تعيق وصول أطفالها إلى المدارس، ومن الواجب العمل على تقديم الدعم المالي المباشر، وتحسين الوصول إلى المدارس، وتوفير برامج التغذية التي تساعد الأسر على تقليل نفقاتها، وتوفير فرص العمل، وعلينا إدراك أن كل خطوة نحو إزالة هذه الحواجز هي خطوة نحو بناء مستقبل أفضل.

تطوير منهج يعكس التنوع

إن تطوير منهج وطني يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي في سوريا أصبح أمراً بالغ الأهمية حيث يجب أن تعكس المناهج احتياجات وتطلعات جميع الفئات الاجتماعية والثقافية، مثل عملية إدراج لغات محلية وتاريخ مشترك في المناهج ستسهم في تعزيز الهوية الوطنية والوحدة بين جميع مكونات المجتمع وتدعم عمليات التواصل والتعايش.

الجامعات كمنارة للأمل

تلعب الجامعات دورًا محوريًا في إعادة بناء رأس المال الاجتماعي، ويجب أن تكون هذه المؤسسات منارة للأمل، حيث يتم من خلالها تعزيز التعليم والتدريب، وتطوير برامج تعليمية شاملة، وتوفير مساحات للحوار والمشاركة الفعالة في المجتمع، وترفد المجتمع بالقدرات والكفاءات التي تسهم في عملية إعادة الإعمار ولا سيما من خلال التركيز على التعليم التقني والمهني.

إن التعليم هو حجر الزاوية لإعادة بناء سوريا، وهو الطريق نحو التعافي والازدهار، يجب أن نعمل جميعًا، كأفراد ومؤسسات، على مواجهة تحديات الواقع التعليمي الراهن، والسعي نحو تحقيق نظام تعليمي متكامل يسهم في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

إن الاستثمار في التعليم هو استثمار في أحلام الأطفال والشباب، وهو الجسر الذي يمكن أن يقودنا نحو مستقبل مشرق، حيث يمكن لكل طفل أن يحلم ويحقق أحلامه، فلنجعل من التعليم أملًا يتجدد، ونورًا يضيء دروبنا نحو الغد.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى