القرار 2254.. بين مرجعية الشرعية الدولية وتحديات التطبيق في سوريا/ أغيد حجازي

9 سبتمبر 2025
منذ اعتماده في مجلس الأمن الدولي في 18 كانون الأول/ديسمبر 2015، ظل القرار الأممي 2254 حاضرًا في النقاشات المتعلقة بمستقبل سوريا، باعتباره الإطار المرجعي الذي يجمع حوله المجتمع الدولي فيما يخص مسار التسوية السياسية. ومع التحولات التي شهدتها البلاد مؤخرًا، عاد القرار إلى واجهة الاهتمام من جديد، وسط تباينات في تفسيره وأسئلة حول إمكانية تطبيقه في ظل الواقع الحالي.
وبحسب بيان مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة غير بيدرسون، عقب لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق، يوم السبت الماضي، أكد بيدرسون دعم الأمم المتحدة للحكومة والشعب السوري في سعيهما لتحقيق السلام والاستقرار الداخليين عبر انتقال سياسي شامل وشفاف وموثوق، وذلك بما يتماشى مع المبادئ الأساسية لقرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر عام 2015.
كما دعا مجلس الأمن، في بيان رئاسي صدر عقب أحداث السويداء، إلى تنفيذ عملية سياسية شاملة يقودها السوريون بأنفسهم، استنادًا إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار 2254، مشددًا على ضرورة حماية حقوق جميع السوريين بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية. وجدد المجلس التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عملية الانتقال السياسي في سوريا، وفقًا لما ينص عليه القرار.
وفي السياق نفسه، شدد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، في دورته العادية رقم 164، على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة السورية، داعيًا جميع الأطراف السورية إلى الانخراط الجاد في العملية السياسية، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومخرجات جنيف.
بين مرجعية القرار الأممي وتحولات الواقع السوري
الخبير في العلاقات الدولية، محمد الجابي، اعتبر في حديثه لـ”الترا سوريا” أن القرار الأممي 2254 ظل منذ سنوات طويلة بمثابة “النص المرجعي” لأي حديث عن مستقبل سوريا، موضحًا أن صدوره في كانون الأول/ديسمبر 2015 جاء في ذروة الحرب ليضع خريطة طريق تبدأ بوقف إطلاق النار وتؤسس لمرحلة انتقال سياسي عبر دستور جديد وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة. وأكد أن القرار، رغم أن الزمن تجاوزه في بعض تفاصيله، بقي الورقة الوحيدة التي يجتمع عليها المجتمع الدولي ولو شكليًا.
وأشار الجابي إلى أن التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد، من سقوط النظام السابق إلى صعود قيادة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، أعادت القرار إلى الواجهة، لافتًا إلى أن المبعوث الأممي غير بيدرسون يكرر ذكره في إحاطاته، وجامعة الدول العربية تضعه في بياناتها، ومجلس الأمن يعيد التأكيد عليه. واعتبر أن هذا التزامن في الخطاب ليس مصادفة، بل يعكس محاولة لتثبيت قواعد اللعبة السياسية في سوريا ومنع الانزلاق إلى حلول عشوائية أو تسويات إقليمية ضيقة.
المحامي والناشط الحقوقي، غزوان قرنفل، رأى أن تذكير المبعوث الأممي غير بيدرسون بالقرار 2254، إلى جانب إعادة طرحه من قبل وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير بالجامعة العربية، والتأكيد عليه في مجلس الأمن، يعكس إدراكًا من المنظومتين العربية والدولية بأن السلطة السورية الحالية وطريقة إدارتها للمرحلة الانتقالية وصلت إلى طريق مسدود.
وأكد قرنفل لـ”الترا سوريا” أن المقاربة الأفضل للحل في سوريا تكمن في تنفيذ مضامين القرار 2254، باعتباره يوفّر إطارًا تشاركيًا للسلطة دون تهميش أو إقصاء.
ويقول الحقوقي جعفر خضور إن إعادة التلويح بالقرار2254 والتركيز على الانتقال السياسي لم تعد مسار عمل تفصيلي، بل إطارًا مرجعيًا أو نظريًا لا يعني بالضرورة تطبيق كل بنوده. واستشهد على ذلك بتحديد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات تمهيدًا لانتخابات لاحقة، مع إمكانية إشراف الأمم المتحدة أو بعض المنظمات الدولية على انتخابات مجلس الشعب.
وأشار إلى أنّ القرار لم يعد اليوم قابلًا للتطبيق الكامل في المشهد السوري، لأنّه وُلد في لحظة ميدانية مختلفة حين بدأت المعارضة تسيطر على الأرض. أمّا الآن فالوضع متغيّر، والقوى التي سيطرت عسكريًا ليست بالضرورة قوى معارضة سياسية تدخل ضمن مسار القرار.
تفسير جديد للقرار 2254
وحول إمكانية تطبيق القرار في الوضع الحالي، أوضح الجابي أن القرار عند صدوره قام على فرضية وجود نظام ومعارضة. لكن المشهد السوري تغيّر بصورة دراماتيكية بعد انهيار النظام وصعود المعارضة إلى الحكم، ما جعل التطبيق الحرفي للقرار أمرًا غير واقعي.
وبيّن أن القرارات الدولية لا تفقد قيمتها بتغيّر الوقائع، بل تتحول من خرائط طريق تفصيلية إلى أطر مرجعية، وأكد أن السؤال لم يعد كيف نُطبق القرار كما هو، بل كيف يُعاد تفسيره بما ينسجم مع الواقع الجديد، بحيث يمكن للمعارضة الحاكمة توظيفه كغطاء شرعي لمشروعها السياسي عبر الالتزام بجوهره: صياغة دستور جديد، تنظيم انتخابات بإشراف أممي، وضمان شمولية العملية السياسية.
وأضاف أن القرار لم يعد خارطة طريق دقيقة بل صار إطارًا سياسيًا يُستخدم لتثبيت العملية الانتقالية في الشرعية الأممية، وفي الوقت نفسه يمنح الأطراف الدولية والإقليمية أداة ضغط لتنظيم المسار ومنع انزلاقه نحو حلول أحادية أو فوضوية. وأكد أن أفق تطبيق القرار ليس قصيرًا أو مباشرًا، بل قد يستغرق سنوات تبعًا للتوافق الدولي والإقليمي ومدى القدرة على ضبط الساحة السورية، ما يجعله أداة ضغط سياسي أكثر منه خطة عملية جاهزة.
واعتبر قرنفل أن تبنّي السلطة الحالية لمقاربة 2254، يعتبر الخيار الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا وتماسكها الوطني، ويضع على عاتقها مسؤولية إدارة مؤتمر حوار وطني شامل يفضي إلى توافقات حول شكل الدولة ونظام الحكم والمبادئ الدستورية الرئيسة أو ما يُعرف بالمبادئ فوق الدستورية.
وأوضح أن ذلك المسار يمكن أن يقود إلى صياغة دستور مؤقت تُدار بموجبه المرحلة الانتقالية، بحيث لا تكون السلطة طرفًا مشاركًا فحسب، بل أيضًا راعية للحل.
القرار بين الرمزية والتعطيل
ورأى خضور أنّ بعض القانونيين فسّروا طبيعة سقوط النظام بأنّه كان عسكريًا لا سياسيًا، ما يستوجب العودة إلى مسار سياسي بالأساس. وأكد أنّ المرحلة الانتقالية قدّمت بعض الإيجابيات لكنها لا تزال خاضعة لضغوط خارجية وسوء إدارة داخلية، رغم محاولات الإيحاء بإشراك كافة مكونات المجتمع.
وختم خضور بالقول لـ “الترا سوريا” إنّ القرار 2254 لا يمكن تطبيقه بتفصيلاته، بل يمكن أن يُترك أثره على طبيعة الحكم الإداري في المحافظات. لكنه استبعد إمكانية حدوث عملية انتقال سياسي كاملة بتسليم السلطة لشخص آخر في هذه المرحلة، معتبرًا أنّ أي تطبيق محتمل قد يكون مرتبطًا بشخص أحمد الشرع نفسه.
وأنهى الجابي حديثه بالقول إن القرار 2254 لم يعد مجرد نص أممي قديم، بل أصبح إطارًا سياسيًا حيويًا يحدد قواعد اللعبة في سوريا، معتبرًا أن قيمته تكمن في توفير الشرعية الدولية لأي خطوات انتقالية، وإتاحة أدوات للمجتمع الدولي لمراقبة المسار وضبط دينامياته، بما يحمي البلاد من الفوضى والتسويات الأحادية.
الترا سوريا



