العدالة الانتقاليةتحقيقاتتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الميتم الذي أخفانا: أطفال في قبضة المخابرات السورية كيف استخدم النظام السوري السابق أطفالاً للضغط على معارضيه؟ ميس قات، بشار ديب، شارلوت ألفريد، مونيكا كاماتشو، هيا البدارنة

11-09-2025


    • في غرفة في دار الرحمة للأيتام، كان الطفل فواز (11 عاماً) يجلس بصمت يراقب رجلاً دخلَ ليُصلحَ الباب الخشبي. انشغلَ الرجل بالمفك والمسامير. رأى فواز في وجوده فرصةً لا تعوض.اقترب منه وقال بصوت خافت: «مشان الله يا عمو، ببوس إيدك… ببوس أجرك… بدك تخدمني خدمة»توقف الرجل عن عمله ونظر إلى الصغير بدهشة: «شو بدك يا إبني؟»أجاب فواز بصوت مرتجف: «بدي تدقّلي هالرقم… بدي أحكي مع جدي، ضروري… ضروري كتير»ارتبك الرجل: «بس يا إبني، هيك بتخربلي بيتي…»لم ينطق فواز بكلمة، لكنه حدّقَ في عيون الرجل منتظراً ردَّ فعله، التفت الرجل وراء الباب ليتأكد أن أحداً لا يراقبه، ثم أخرج هاتفه واتصل بالرقم، قبل أن يناوله للطفل.أمسك فواز الهاتف بكلتي يديه، وكأن حياته كلها معلقة بتلك اللحظة، وقال بصوت مخنوق:«يا جدي… أنا وإخواتي بدار الأيتام.  بدار الرحمة… وأمي وستّي بالجوية… ستّي دبّحوها من القتل… اعملوا واسطات وطلّعونا… يا جدي، الله يخليك».انتهت المكالمة.* * * * *في الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام، انقسم المشهد السوري. كان هناك معتقلون يخرجون كالأشباح من السجون السورية، أمهاتٌ معتقلاتٌ يحملنَ أطفالاً قضوا طفولتهم وراء القضبان، مشاهد لآلاف من السوريين يهرعون إلى السجون، يبحثون بين الغرف عن أحبائهم، يكسرون الأبواب، يحفرون تحت الأرض، وينبشون بين الوثائق المبعثرة على الأرض، لكن الصدمة كانت موجعة، فمعظم المعتقلين لم يكونوا هناك.خلال سنوات الحرب الطويلة في سوريا، قُتل أكثر من 600 ألف شخص، تم اعتقال 157 ألف شخص، بينهم خمسة آلاف طفل. وثّقت منظمات سورية ودولية في تقاريرها ما بين 3000 و4000 طفل سوري لا يزالون في عداد المفقودين.ولا يُعرَف حتى اليوم عدد من قضوا نحبهم، أو من جرى فصلهم عن ذويهم قسراً، أو احتجازهم في سجون النظام أو إيداعهم في دور أيتام. يكشفُ هذا التحقيق كيف احتجز النظام السوري السابق وأخفى المئات منهم في دور أيتام ممولة حكومياً ومدعومة بتبرعات عالمية.* * * * *لأول مرة منذ سنوات، وجدنا أنفسنا في دمشق. ركبنا السيارة متجهين نحو بلدة في ريف دمشق. كانت وجهتنا لقاء إحدى الأمهات المعتقلات السابقات. على جانبي الطريق، بدت صور الأسد الممزقة معلّقة كأطلال زمن مضى، جدران كُتبت عليها شتائم لا تنتهي، مشهد سوريالي لم نتخيل يوماً أن نراه.خلال الأيام التالية، التقينا عائلات أخرى، زُرنا سجوناً وأفرعاً أمنية، ودخلنا دور أيتام في العاصمة. شيئاً فشيئاً، ومع الوقت، كبر الفريق. انضم صحفيون ومحققون رقميون من سوريا وأوروبا والمنطقة العربية. وما بدأ كقصة محلية، تحوّلَ إلى كشف شبكة أعقد بكثير: أطفال سوريا المسروقون.أجرينا أكثر من مئة مقابلة معمقة مع أهالي وأطفال فُصلوا قسراً، ومع موظفين في دور الأيتام ومؤسسات الرعاية داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى مبلِّغين وشهود ومحققين دوليين ومحليين.
      جمعنا مئات من جداول البيانات التابعة للمخابرات الجوية وعشرات الوثائق السرية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، صورناها ونسخناها لأغراض التحقيق فقط.ما كشفناه أظهر تورط أجهزة أمنية ومؤسسات حكومية، وحتى منظمات دولية يُفترَض أن تحمي هؤلاء الأطفال.كل خيط قاد إلى آخر، وكل سر فتح باباً لسر جديد.صورة من مدخل مدينة مضايا تظهر صرحاً للرئيس الفار بشار الأسد وعليه عبارة مسيئة له – تصوير حنين السيد* * * * *زنزانة عائليةربيع العام 2024، ريف دمشق: سمع الطفل فواز طرقاً شديداً على باب المنزل، نظر تجاه والدته  صباح وانقبض قلبه.وقف عنصر المخابرات أمام صباح على الباب، قال لها: «عاوزينك عشر دقائق بالفرع، ومنرجّعك، جيبي الأولاد معك لأنه العميد بده يشوفهم». جميع من في المنزل ركبوا سيارة المخابرات، صباح الهرموش وأولادها: فواز 11 عاماً، عمر 5 أعوام، وعنود 3 أعوام، بالإضافة إلى جدة الأطفال والدة زوج صباح، هدى العجمي.بقي الأطفال الثلاثة مع والدتهم في الزنزانة نفسها بسجن المزة التابع للمخابرات الجوية، فيما زُجت الجدة هدى في منفردة منفصلة. شهدَ الأطفال التحقيق مع والدتهم وجدتهم، وتعرضهنّ للضرب والتعذيب، تم التحقيق مع الأطفال أيضاً وتعرض فواز، الأخ الأكبر بين الأخوة الثلاثة للضرب.تقول صباح في حديثها معنا: «في ضرب كتير، كان يهددني بالأولاد، كانوا يطالعونا على التحقيق الساعة تنتين وجه الصبح، والمحقق يقلي: إذا ما بدك تحكي أنا رح جيب ابنك فواز أقتله قدامك». أراد المحققون معرفة معلومات عن زوج صباح الهرموش، نعيم رحمة، الذي كان مقاتلاً في صفوف المعارضة السورية. أراد المحققون أيضاً معرفة أماكن تواجد أقارب صباح المقاتلين ضد النظام السوري. تقول صباح إن المحقق ضربها بشدة عندما عرف أن خالها هو حسين الهرموش، أول ضابط منشق عن جيش النظام السوري. مؤسس «لواء الضباط الأحرار» الذي يمكن اعتباره النواة الأولى للجيش السوري الحر.* * * * *أطفال على مكاتب المخابراتمنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم يقتصر الاعتقال في سوريا على المعارضين والمعارضات وحدهم، بل شمل أطفالاً زُجّوا في السجون إلى جانب أمهاتهم. بعض هؤلاء وُلدوا خلف القضبان وعاشوا سنوات طفولتهم في المعتقلات، ليصبح السجن مكان ميلادهم ونشأتهم الأولى. ومع اندلاع الحرب، أصبح الملف أكثر تعقيداً وخطورة.خلال رحلة تحقيقنا، اعتمدنا على وثائق رسمية جمعناها خلال عدة رحلات: من وزارة الشؤون الاجتماعية، ومكاتب دور الأيتام، وتسريبات المخابرات الجوية؛ تكشف منهجية واضحة: المعتقلون وأطفالهم كانوا يُحتجَزون كورقة مساومة، (للاستفادة منهم في مفاوضات) و(عمليات تبادل الأسرى).أخبرنا محققون من المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية (IIMP)، التابعة للأمم المتحدة، أنهم عثروا على حوالي 400 اسم طفل وطفلة ممن حولتهم أجهزة النظام الأمنية إلى المياتم.فيما قمنا وبشكل مستقل بتوثيق أسماء 323 طفلاً منهم عبر الحصول على أوراق تحويلهم، أو إيجاد أسمائهم في قواعد بيانات المخابرات الجوية، من بينهم 14 طفلاً من حديثي الولادة أعمارهم تقل عن سنة، وأكثر من 72 طفلاً تحت سن الثلاث سنوات. ومع وجود الكثير من السجلات المشوشة وغير المكتملة، فإن الرقم الحقيقي يمكن أن  يكون أعلى بكثير.تُظهر شهادات العائلات التي تواصلنا معها والوثائق المسرّبة أن الاعتقالات استهدفت مواطنين سوريين من عائلات معارضة بارزة أو أقارب مقاتلين في صفوف الفصائل المعارضة. ورصدنا عشرات حالات الاعتقال عند الحواجز، حيث وقع أشخاص في قبضة القوات الأمنية أثناء محاولتهم الفرار من أحياء محاصرة بحثاً عن الطعام أو مأوى آمن. واعتُقلت بعض العائلات بعد انشقاق الأب أو الزوج عن جيش النظام، في محاولة للضغط على المنشقين لإجبارهم على تسليم أنفسهم.عند اعتقال شخص مع عائلته، يبدأ الاستجواب من قبل الضباط في فرع المخابرات الجوية، ثم تُرفَع نتائج التحقيق إلى الرؤساء مرفقة بتوصيات قد تتضمن بشكل مباشر «التحفّظ على الأطفال» لاستخدامهم في عمليات تبادل أسرى، أو لأهداف أخرى تخدم مصالح النظام الحاكم.بعد موافقة اللواء رئيس الفرع على هذه التوصيات، تنطلق آلية بيروقراطية معقدة تنقل وثائق الأطفال من المخابرات الجوية إلى محافظ دمشق أو ريف دمشق، الذي يستلم الوثيقة ويكتب عليها بخط يده توجيهاً بتحويلها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي تقوم بدورها بتوزيعهم على مديرياتها المختصة ومن بينها: مديرية السياسات الاجتماعية، مديرية الخدمات الاجتماعية، ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق.في المرحلة الأخيرة، تتولى مديريات الوزارة مهمة البحث عن مكان للاحتفاظ بهؤلاء الأطفال، من خلال التواصل مع الجمعيات والمنظمات ودور الأيتام ومن بينها دار الرحمة، دار لحن الحياة، دار المبرة النسائية، ومنظمة قرى الأطفال SOS.تظهر الوثائق التي حصلنا عليها أن أغلبية الإحالات الأمنية للأطفال كانت تأتي من إدارة المخابرات الجوية، ولكننا وجدنا أيضاً بعض الإحالات المعدودة التي تم تحويلها من أفرع المخابرات العسكرية 227 و 235 ومديرية المخابرات العامة/الفرع 251.المراسلات الرسمية بين المخابرات الجوية، وزارة الشؤون الاجتماعية ومديري دور الأيتام  تحمل جملاً مثل: «التحفظ على أسماء الأطفال وعدم تسريبها وعدم اتخاذ أي إجراء بحقهم إلا بالتنسيق مع إدارتنا»، «يرجى قبول هذا الطفل… لا تكشفوا هويته»، «عدم تسليم أي معلومات عنهم»، «سري للغاية».الأوامر كانت صريحة: الحفاظ على سرية أسماء الأطفال، منع تسريب أي معلومات، وعدم اتخاذ أي قرار من دون موافقة المخابرات.وثيقة تُبيّنُ إحالة أطفال عائلة رحمة الثلاثة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى دور الرعاية بناءً على كتاب المخابرات الجويةوثيقة مرسلة من المخابرات الجوية إلى محافظ دمشق تطلب منه إيجاد مأوى لأحد الأطفال* * * * *احفظ الرقمنحن في غرفة الجلوس بمنزل عائلة رحمة في بلدة رنكوس، تنظر صباح والدة فواز إلى النافذة برهة، ثم تقول: «النساء اللّي كانوا معي بالسجن، معهن ولادهم كمان، كانوا يضلوا بالسجن شي 15 يوم، 20 يوم، المخابرات بياخدوا الولاد عَ الميتم والنسوان بخلوهن بالسجن مشان الرجال تسلم حالها». بقي فواز وإخوته عشرين يوماً مع والدتهم في الزنزانة قبل أن يتم فصلهم عنها، ونقلهم إلى إحدى دور الأيتام في دمشق.خرج فواز من زنزانته برفقة والدته صباح وإخوته الصغار، اصطفوا جميعاً أمام السجّان. ومن الجهة الأخرى خرجت هدى، جدة فواز، من زنزانتها في اللحظة نفسها. أبلغهم المحقق أن الأطفال سيُنقلون من فرع المخابرات الجوية إلى مكان آخر، ومَنَحُهم نصف ساعة للوداع قبل وصول السيارة.لم تكن صباح ولا هدى تعرفان الوجهة التي سيُقتاد إليها الأطفال. تقول الجدة هدى: «علّمتُ فواز رقم هاتف جده. قلت له: دير بالك على إخواتك واحفظ الرقم 23523، أوعك تنسى، واتصل بجدك بأول فرصة».خرجت هدى جدة فواز من السجن بعد خمسة أشهر، وبقيت صباح رهن الاعتقال.بدأت الجدة رحلة بحثها الطويلة عن أحفادها بين مراكز الشرطة والمعتقلات ودور رعاية الأيتام.اتصل الطفل فواز بجده هاتفياً، وبشكل سري، عندما استخدم موبايل النجار الذي جاء لإصلاح الأبواب في دار الرحمة.قال فواز: «يا جدي… أنا وإخواتي بدار الأيتام. بدار الرحمة… وأمي وستّي بالجوية… ستّي دبّحوها من القتل… اعملوا واسطات وطلّعونا… يا جدي، الله يخليك».وعند سؤال الأقارب عن فواز وإخوته، أنكرت موظفات دار الرحمة وجود الأطفال لديهن.بحثت الجدة هدى عن الوساطات، ودفعت أموالاً لسماسرة ووسطاء  للحصول على أي خبر عن أحفادها وابنتها: «طلبوا مني خمس ليرات ذهبية لأعرف أي معلومة عن أحفادي، أنا ما معي المبلغ أصلاً».تمكنت هدى من الحصول على حق زيارة الأطفال مرة كل أسبوعين في دار الرحمة. حصلنا على وثيقة رسمية صادرة عن شعبة المخابرات الجوية وموجهة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، ترفض بشكل واضح تسليم الأطفال الثلاثة (فواز، عمر، عنود رحمة) للجدة هدى عجمي، وتمنع بذلك لم شملهم مع جدهم وجدتهم.وثيقة مرسلة من إدارة المخابرات الجوية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ترفض فيها طلب جدة فواز بالحصول على أحفادها الثلاثقضية صباح وهدى لم تكن معزولة. في معظم الحالات، تُرك الأهالي مغيبين تماماً عن مصير أطفالهم. لم يعرف الأجداد أو الأعمام أو الخالات إلى أي مكان اقتيد الصغار، وظلت الزيارات مستحيلة إلا عبر صدفة، أو رشوة باهظة، أو تدخُّل نافذ.بعض العائلات أبلغتنا أنها دفعت آلاف الدولارات فقط لمعرفة أين يوجد أطفالها، غالباً بلا أي نتيجة.في حالات أخرى، جاء الأمل عبر موظفين متعاطفين سرّبوا سراً مواقع احتجاز الأطفال، في تحدٍّ مباشر لتعليمات المخابرات.أبلغتنا عائلة أن موظفاً كبيراً في منظمة قرى الأطفال رفض مساعدتهم، لكن موظفاً متعاطفاً ألقى رقم هاتفه في سيارتهم سراً عام 2016 ليُساعدهم في العثور على طفلهم. وتكشف وثائق المخابرات الجوية أن موظفاً في قرى الأطفال اعتُقل لاحقاً لمجرد محاولته معرفة مصير الأطفال المحتجزين، في إشارة إلى المخاطر التي تهدد أي موظف يجرؤ على مساعدة العائلات.هدى العجمي، جدة فواز رحمه في رنكوس – القلمون – سوريا – تصوير أسامة الخلف* * * * *دار الرحمةدار الرحمة التي تم نقل أطفال صباح الثلاثة إليها، هي دار لرعاية الأطفال الأيتام تقع في منطقة ركن الدين، وتتبع إلى جامع أبو النور وجمعية الأنصار الخيرية التي أسسها الشيخ المقرب من النظام أحمد كفتارو، مفتي سوريا بين عامي (1964-2004)، وهي جزء من منظومة دينية دعوية. ولكن، رغم الصورة الرسمية لدار الرحمة كملجأ خيري للأطفال الأيتام، إلا أن تجربة فواز رحمة والعديد من أطفال المعتقلين الآخرين أظهرت أن الدار ليس لها من اسمها نصيب.كان خروج فواز وإخوته من السجن نهاية فترة تعيسة وبداية لفترة لا تقل عنها تعاسة، فبعد تفريقه وإخوته عن والدتهم قسرياً، تم تفريقهم عن بعضهم البعض داخل دار الرحمة، حيث وُضع فواز في الطابق الأرضي وتم وضع أخته عنود في الطابق الثاني وأخيه عمر في الطابق الثالث. يقول فواز إن ذكرياته الجميلة الوحيدة في فترة بقائه في دار الرحمة كانت خلال الوقت الذي كان يقضيه في المدرسة مع زملائه الطلاب بعيداً عن الدار.ورغم أن دار الرحمة هي دار لرعاية الأطفال إلا أن التحقيق مع فواز استمر خلال فترة إقامته في الدار، يقول فواز: «في وحدة اسمها سناء، كانت تشتغل مع الشرطة، كانت تحقق معي، دايماً تسألني عن بابا، وأنا ما كنت جاوبها، كنت لفّ ودور بالكلام. مرّة قلتلها إنه بلبنان، ومرّة قلتلها بألمانيا. وبسبب إني كذبت، ضربتني على ضهري».وعن الظروف داخل الدار يخبرنا فواز: «كنت لازم أشتغل عندن لجيب أكل إلي ولأخواتي. أشتغل بالمطبخ، أغسل الجليات، أنضّف الأرض، أرتّب، أنضّف الخزانات، وأحياناً أنضّف الصالون، وقت نتعاقب كانوا يحرمونا من الأكل، كانت في وحدة بتشتغل بالدار أحياناً تجيبلي أكل بالسر».في دار الرحمة عاش فواز عزلة كبيرة عن أهله وعن إخوته الذين لم يكن مسموحاً له رؤيتهم إلا مرة واحدة في الأسبوع، كان فواز يفكر كثيراً بالهروب من الدار كلما توجه  إلى المدرسة ولكنه صبر على المصاعب لأنه لم يُرد ترك أخوته بمفردهم تحت رحمة مسؤولات الدار.
      بالإضافة إلى العزلة كان فواز يعيش في رعب من العقوبات التي تُنزل بحقه وحق الأطفال الآخرين،  لكن مكالمته مع جده جعلته يشعر أنه سيخرج من دار الرحمة قريباً. كان فواز سعيداً بسماع صوت جده، لكن أحد الأطفال وشى به، يقول فواز: «وقتها تعاقبت، حطوني بزاوية منفردة، بدون أكل أو شرب لتاني يوم، كنا ننام بنفس الزاوية حتى نبوس إيديهم ونعتذر تاني يوم».تقول هدى جدة فواز: «في تنتين بدار الرحمة رافعة عليهم دعوى، كنت روح على الميتم لاقي كدمات على وجه فواز.. والله العظيم..». تضيف هدى: «وقت شفت الولاد ضليت ساعات إبكي. والله وقت اللّي حاكي الولد ضحك مالو نفس يضحك، متل المساطيل، فواز يضل عطول يقلي في شغلات خايف إحكيلك إياها».أكدت لنا إحدى المعتقلات أن أطفالها عانوا من الإساءة والعنف في دار الرحمة، لقد رأت علامات على أجساد أطفالها عندما زاروها في السجن: «ولادي كانوا كذا مرة يجوا محروقين، عندي ابني الصغير محروق بالمعلقة، المعلقة كانت مسخّنة ومحطوطة على رقبته».في خريف 2019، دوّت فضيحة كبيرة أشعلتها سيدة تسكن بالقرب من دار الرحمة. قالت السيدة إنها رأت طفلة صغيرة تتعرض للضرب «بحذاء نسائي» على وجهها، وبأنها كانت تسمع صراخ الأطفال بشكل متكرر ليلاً، وقالت إنها تلقت تهديدات من دار الرحمة لسحب شهادتها. فجّرت الشهادة حملة تضامن واسعة على السوشيال ميديا، وفتحت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحقيقاً حينها، ثم نفت كل ادعاءات السيدة وتم التعتيم على القضية.حاولنا التواصل مع إدارة دار الرحمة للرد على ما ورد في التحقيق، لكننا لم نتمكن من ذلك، وكانت براءة الأيوبي مديرة الدار قد صرّحت سابقاً لوسائل إعلامية بأنها لم تتعاون طواعية من النظام، وبأن الدار قدمت رعاية جيدة لكل الأطفال فيها.* * * * *اعتقالات عابرة للأجيال!«مبروك.. إجاك محمد»؛ هذا كان آخر اتصال تلقاه عبد الرحمن من والدته قبل أن يُحرَم سماع صوتها لثلاث سنوات تلت.لم يرَ عبد الرحمن ابنه، ولم يحضنه، أو يُمسك أصابعه الصغيرة، فقد كان يعيش في مناطق سيطرة فصائل المعارضة بحرستا، فيما زوجته في بلدة التل ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام السابق. نشر عبد الرحمن صوره طفله الوليد على الإنترنت مع تعليق: «إن شاء الله يكبر ليحمي سوريا ويعيش حر».صورة الطفل محمد عبد الرحمن غبيس التي نشرها عبد الرحمنفي مطلع آب (أغسطس) 2015، وبعد أيام قليلة من ولادة محمد، زارت أمامة، شقيقة عبد الرحمن، برفقة زوجها مصعب وابنتيهما ليلى (8 سنوات) وليان (4 سنوات)، زوجة عبد الرحمن ورضيعها في مشفى العباسيين بدمشق.لكن رحلة العودة إلى مدينة التل تحولت إلى كمين. عند أحد الحواجز الأمنية المؤقتة، ما يُعرَف محلياً بـ«الحاجز الطيّار»، أُوقِفَت السيارة فجأة.تروي أمامة: «أول ما صفّينا على جنب، فتحوا الطريق وصارت السيارات كلها تمشي بسرعة، وقتها فهمنا أن الحاجز نُصب خصيصاً ألنا، كانوا بانتظارنا».أوقف عناصر المخابرات العائلة بأكملها واقتادوهم إلى سجن المخابرات الجوية. وُضعت أمامة وابنتاها في زنزانة انفرادية ضيقة، فيما تقول ليلى: «شفت أبي مكبّل، رفعوا سترته على وجهه حتى ما يشوف». نُقل مصعب إلى مكان آخر، وانقطع أثره منذ تلك اللحظة.في الزنزانة المنفردة، عرفت أمامة لاحقاً عن خبر اعتقال والدتها أمينة، ثم زوجة شقيقها إيمان ووالدتها غادة. كانت حملة اعتقالات شملت العائلة كلها تقريباً: ثلاثة أطفال، والدتان، أب وجدتان. حملة عابرة للأجيال حوّلت عائلة كاملة إلى سجناء دفعة واحدة.تركّزَ التحقيق على عبد الرحمن، شقيق أمامة، الذي كان يعيش في الغوطة ويعمل في الإغاثة. لم يكن لديها ما تقدمه، فقد أبقى نشاطه سريّاً حتى عن عائلته.كانت ليلى وليان تريان أمهما تعود كل يوم من غرفة التحقيق وعليها آثار الضرب. لم تُجب على أسئلتهما. بعد أيام، هددها المحققون صراحة: ابنتاها ستُنقلان إلى ميتم ولن تراهما مجدداً. في تلك الليلة، عادت أمامة إلى الزنزانة واتخذت قراراً صعباً. جلست مع ليلى، ابنتها الكبرى ذات الثمانية أعوام، وقالت لها: «رح أحكيلك كلام كتير صعب يا ماما. لازم تحفظي اسمك وكنيتك وأسماء أهلك، لأنهم رح ياخدوكي لمكان بعيد عني. لازم تكبري وتعرفي كيف ترجعي إلنا… وإنتي لازم تصيري الأم لأختك ليان».تجمدت ليلى للحظة، ثم استلقت بجانب شقيقتها النائمة واحتضنتها قبل أن تعود إلى أمها وتقول: «يا أمي هذا الكلام كبير وتقيل عليّ… أنا بنت صغيرة على هيك حكي».تقول أمامة: «حضنتها وبكيت. قلت لها بعرف إنه الكلام تقيل عليكي، بس لازم تعرفي وتديري بالك».قبل مغادرتهما الزنزانة، وجدت ليلى قلماً شمعياً أصفر ورسمت على الحائط شمساً وبنتاً صغيرة بفستان. قالت لوالدتها: «هالرسمة إلك، الشمس رح تضل معك، والبنت رح تسليكي بغيابنا». في اليوم التالي، عانقت أمامة طفلتيها للمرة الأخيرة.وصارت ليلى وليان في مكان مجهول!أُمامة وليلى غبيس – بوسطن – الولايات المتحدة الأميركية  BBC EYE\ Jess Kelly* * * * *SOS؛ منزل دافئ لكل طفلتُظهر سجلات المخابرات الجوية التي حصلنا عليها أنه تم تحويل الطفلتين ليان وليلى خلال فترة أسبوع من اعتقالهن إلى قرى SOS للأطفال.بينما كان محمد لا يزال في أيامه الأولى حين تحوّلَ عملياً إلى معتقل صغير. كان مريضاً ويعاني نقصاً حاداً في السكر داخل الحاضنة عندما اعتُقلت والدته وجَدته، فوُضِعَ تحت حراسة أمنية مشددة في مستشفى العباسيين.صورة شاشة من قائمة «الإحالات» الموجودة في قواعد بيانات المخابرات الجويةتكشف مراسلات رسمية، من بينها رسائل موجهة إلى اللواء جميل حسن، ارتباك المخابرات الجوية بشأن مصيره. رفض المستشفى بقاءه لأنه: «لم يعد مريضاً»، فجرى نقله إلى «مستشفى آمن» تحت إشراف الأمن، ثم إلى جمعية المبرّة في تشرين الثاني 2015، قبل أن يُرسَل لاحقاً إلى قرى الأطفال SOS ليلتحق بابنتي عمته ليلى وليان.صورة شاشة من قائمة متفرقات 2012-2013-2014-2015-2016، وهي تُظهر ملاحظات حول رسائل البريد التي كان يتلقاها اللواء مدير فرع المخابرات* * * * *تابع السوريون شائعات عن تورط منظمة قرى الأطفال SOS في ملف أطفال المعتقلين. كان من المتوقع أن تلتزم منظمة بهذا الحجم بمبادئ حقوق الإنسان، لا أن تنفذ أوامر المخابرات وتتورط في تحويل قُراها إلى مراكز أمنية لإيداع الأطفال فيما عُرف بـ«الإيداعات الأمنية».تُقدّم منظمة قرى الأطفال SOS نفسها كجمعية دولية غير ربحية تأسست عام 1949، وتقول إنها تُوفر «منزلاً دافئاً لكل طفل» في سوريا. منذ عام 1981 أدارت المنظمة عدة مراكز رعاية أبرزها قريتا قدسيا والصبورة، حيث تعيش «أم بديلة» مع مجموعة من الأطفال في منزل، تساعدها «خالة بديلة»، في محاولة لمحاكاة بيئة أسرية للأطفال الأيتام أو غير المصحوبين.تعود أقدم الحالات التي وثقناها عن تحويل أطفال معتقلين إلى منظمة قرى الأطفال SOS إلى عام 2013، وهو ما تؤكده المنظمة نفسها من خلال بياناتها، فقد اعترفت SOS بأنها استقبلت 139 طفلاً «دون توثيق مناسب»، وأن السلطات السورية فرضت عليها «الإيداعات الأمنية» بين عامي 2013 و2018.بالنسبة لموظفي قرى الأطفال في سوريا، كانت الإيداعات الأمنية «سراً مكشوفاً».  تقول فاطمة، موظفة سابقة استخدمت اسماً مستعاراً: «قبل 2019، كنّا نعرف جميعاً وقتَ تصل إحالات من المخابرات. كانوا يطلبوا من الأمهات البديلات والمشرفات تعليمات محددة، بعض الأطفال ممنوع يختلطوا بغيرهم، أو ممنوع يروحوا المدرسة، أحياناً بيكون بعض الأولاد ممنوع يظهروا على حسابات القرية على انستغرام».لافتة قرى الأطفال سورية BBC EYE / Jess Kellyمصطفى، موظف سابق آخر، يقول: «المكتب الرئيسي لقرى الأطفال في النمسا كان على اتصال دائم بمكتب سوريا، وكان يعرف تماماً من هم هؤلاء الأطفال وما هي خلفياتهم».في 2023، نشرت لجنة التحقيق المستقلة (ISC) المكلفة من منظمة SOS العالمية تقريرها عن فروع المنظمة حول العالم، وكُشِفَ للمرة الأولى تورط الفرع السوري في إيداع أطفال المعتقلين، ما جعل القضية علنية أمام المانحين وأعضاء المنظمة.في صيف 2024، وبعد الاطلاع على التقرير، أطلق فرع المنظمة في ألمانيا، وهو أحد أكبر ممولي الفرع السوري، تحقيقاً مستقلاً لجمع مزيد من المعلومات حول هذه الإيداعات الأمنية.يقول بينوا بيوت، المدير التنفيذي المؤقت لمنظمة قرى الأطفال في مقابلة حصرية مع فريقنا: «لقد علمنا بذلك (الإيداعات الأمنية) لأول مرة عام 2016، وتأكدنا منه في العام 2017. ولهذا السبب قررنا في عام 2018 الطلب من قرية الأطفال SOS سوريا التوقف عن استقبال هذا النوع من الإحالات».التقرير، الذي نُشر علناً في آب تضمَّنَ إحصاءً للأطفال الذين أُحيلوا من المخابرات، والذين أُعيدوا إلى عائلاتهم أو إلى الأجهزة الأمنية، إضافة إلى تحليل للظروف التي أحاطت ببعض الإحالات، كما تضمن تحليلات المحققين واستنتاجاتهم من الوثائق التي اطلعوا عليها، وأحاديثهم مع موظفين سابقين وحاليين.وتطرَّقَ التقرير إلى تحليل مواضيع متعلقة بقضية الإيداعات الأمنية، مما تم تداوله في فضاءات الرأي العام السوري مثل موضوع تغيير أسماء الأطفال. فقد أدلت بعض الأمهات البديلات اللواتي عملن في المنظمة لفريقِ تحقيقِ الفرع الألماني لقرى الأطفال بشهاداتهن حول أن بعض الأطفال لم يستجيبوا للأسماء التي أُودِعوا بها داخل الدار، أو أنّ عودة بعضهم لاحقاً إلى عائلاتهم كشفت عن اختلاف جذري بين الاسم المسجَّل رسمياً والاسم الحقيقي. تضمَّنَ التقرير أيضاً ذكراً لأم بديلة قالت بأنها اعتنت بطفل لعامين كاملين تحت اسم وكنية محدّدين، لتكتشف عند لم شمله بوالدته البيولوجية بأن له عائلة واسماً آخر مغايراً تماماً.تقول ديما التي عملت في قسم سلامة الأطفال في قرى الأطفال SOS لأعوام عديدة، والتي تحدثت إلينا باسم مستعار: «في فترة 2017-2018، خلال المفاوضات مع النظام، طلب الثوار تسليم بعض الأطفال لمبادلتهم بأحد ضباط الجيش السوري الأسرى عندهم. وعندما طُلب منا تسليم هؤلاء الأطفال إلى النظام عرفنا أنهم كانوا يحملون أسماء مختلفة».كما تضمن التقرير إحصاءات سنوية عن عدد الأطفال الذين أَودعهم الأمن خلال كل عام، وبمقارنة الأرقام الواردة في التقرير مع تصريحات المدير التنفيذي يتضح أن 94 من هؤلاء الأطفال استُقبلوا بين العام 2016 (العام الذي قال بينوا إن المنظمة الأم علمت بموضوع الإحالات الأمنية) والعام 2018 (العام الذي توقفت فيه رسمياً عن استلام الأطفال). هذا يكشف الكلفة الباهظة التي دفعها السوريون نتيجة بطء استجابة المنظمة لهيمنة النظام على فرعها السوري.تقول منظمة SOS الدولية في تقرير أصدرته نهاية العام الفائت، أنها بعد التحقيقات طالبت النظام السابق في العام 2018 بالتوقف عن إرسال الإحالات الأمنية إلى مراكز المنظمة في سوريا، لكن إحدى الوثائق التي حصلنا عليها تُظهر بأنه تم تحويل 4 أطفال عراقيين إلى منظمة قرى الأطفال SOS في عام 2022 من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية مع التأكيد على الحفاظ على سرية الإيداع، وقد خصصت فقرة داخل التقرير الصادر عن الفرع الألماني لمناقشة هذا الإيداع يُذكر فيها بأن الفرع السوري لمنظمة قرى الأطفال SOS نفى استلام الأطفال أو حتى استلام ورقة التحويل من قبل الوزارة.وثيقة تُظهر تحويل أربعة أطفال عراقيين كانوا سابقاً في دار الرحمة إلى منظمة قرى الأطفال سوريا في عام 2022تكشف وثيقة مالية داخلية من الأمانة السورية للتنمية من عام 2018، حصل عليها باحثون سوريون، أن منظمة SOS موّلت نحو 7 بالمئة من ميزانية الأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء الأسد بين كانون الثاني (يناير) وأيار (مايو) من ذلك العام. يُشير هذا التعاون إلى تورط المنظمة في تمويل مؤسسات مرتبطة مباشرة بالنظام، ويتضح هذا القرب أيضاً في تعيين سمر دعبول (ابنة أبو سليم محمد ديب دعبول، مدير مكتب حافظ وبشار الأسد لعقود) رئيسة لمجلس إدارة جمعية قرى الأطفال في سوريا. تقول سمر دعبول الرئيسة السابقة لمجلس إدارة SOS في سوريا: «كان الدعم في إطار برنامج الطوارئ لمساعدة الأشخاص المستضعفين في تأمين حياتهم».سمر دعبول نأت بنفسها عن أسماء الأسد في حديثها معنا، وقالت إن أسماء زارت القرية مرة واحدة لتناول الإفطار مع الأطفال والأمهات، كما نفت أي تأثير لمنصب والدها على عمل المنظمة وأنه لم يتدخل في شؤون المنظمة رغم كونه مدير مكتب بشار وحافظ الأسد لسنوات طويلة.في إجاباتها عن أسئلتنا قالت منظمة SOS الدولية إنه من بين 139 طفلاً استقبلتهم المنظمة كإحالات أمنية، أُعيد 34 طفلاً فقط إلى عائلاتهم بشكل مباشر، بينما قامت المخابرات باستلام 104 أطفال بعد انتهاء فترة إيداعهم داخل المنظمة، وحتى اليوم لا تملك قرى الأطفال أي معلومات عن مصيرهم. كما قالت لنا بأن عائلة متضررة واحدة فقط تلقت دعماً من المنظمة قبل سقوط النظام، بينما أخبرتنا عدة عائلات أخرى حاولت الاستفسار عن وجود أطفالها لدى قرى الأطفال بأنها لم تتلقَ أي إجابات من المنظمة حتى الآن.* * * * *في السنوات الأولى للثورة السورية، عمل عبد الرحمن غبيس مع نقطة تابعة للهلال الأحمر في حرستا، فضّلَ البقاء في الغوطة الشرقية للمساهمة من خلال العمل الإسعافي. اعتقد عبد الرحمن أن عمله مع الهلال الأحمر يمنحه غطاءً يحميه من النظام. إلا أن عدداً من زملائه اعتقل وضرب على أحد حواجز النظام، وبحلول أواخر 2012 بات عبد الرحمن مطلوباً لأربعة فروع مخابرات، يقول عبد الرحمن: «النظام اعتبر إنو الناس اللي متلي، يلي بقيوا ليساعدوا، خطر حقيقي»،  عندها قرر إرسال زوجته إيمان إلى مدينة التل، حيث تعيش العائلة الممتدة. في يوم الاعتقال، حاول عبد الرحمن الاتصال بأخته أمامة، فلم يتلقَ إجابة. اتصل بزوجته، وبأمه: «اتصلت بكل حدا بعرفه بلكي يساعدني، كنت رح جن، وبدي أركض ع البيت بالتل».اعتقلت المخابرات ثمانية أشخاص من عائلة عبد الرحمن، لأنه اختار أن يساند الناس، فصُنِّف كإرهابي!يقول عبد الرحمن:«كل شي تحت المراقبة، الفيسبوك، المخبرين، العملاء المزدوجين، التنصت على المكالمات، أي مكالمة لأسأل عن عائلتي كان ممكن تتسبب باعتقال شخص جديد». بعد أسبوعين من اعتقال عائلته، فعّلَ عبد الرحمن شبكة معارفه داخل الهلال الأحمر بحثاً عن ابنه محمد، ليكتشف أنه نُقل إلى مستشفى آخر في دمشق، ووُضِعَ تحت حراسة أمنية مشددة. حاول أحد أقاربه التواصل مع الضابط المسؤول وعرض المال مقابل تسليم الطفل أو الحصول على أي خبر عنه، لكن الضابط لم يرد مباشرة. بعد أيام، حدّثَ الضابط حالته على واتساب بصورة يحمل فيها الرضيع محمد وكتب أنه أطلق عليه اسم (علي).يتذكر عبد الرحمن مشاعره المختلطة في ذلك اليوم «أنا اسم علي بحبه، بس هو كان حاطط الاسم منشان يغيظني على أساس، بس أنا ما كان عندي مشكلة، الشي يلي ريحني إنه شفت وجهه منور، يبدو عم ياكل ويتغذى، ومن تاني ناحية خفت عليه لأنو كان بأيدي خبيثة، بس الطفل كان مرتاح بحضنه استودعته عند الله رب العالمين وقلت انشالله شي يوم بجيبه».تكشف وثائق مسرّبة من مخابرات القوى الجوية ورسائل متبادلة مع عبد الرحمن ما حدث لاحقاً: في 15 آب (أغسطس) 2015، أرسل ضابط مخابرات رسالة له على فيسبوك، صورة لمحمد، وطلباً: «إذا كنت تريد عائلتك، عطينا 15- 20 أسير من عند زهران علوش، جبلنا ياهم وبتاخد أهلك مقابلن». يقول عبد الرحمن: «كنت أسأل حالي، هل ضربوهن؟ هل محمد هلق مع أمه؟ سمحولها تحمله؟ ترضعه؟، تخيلت زوجتي عم تموت بعد العملية القيصرية ومحمد عم يبكي».توضح ملفات المخابرات الجوية التي حصلنا عليها وجود تعليمات بالتحفّظ على نساء العائلة لاستخدامهن في صفقة تبادل أسرى.صورة شاشة من قواعد بيانات المخابرات الجوية تُظهِرُ أن إدارة المخابرات كانت تحتفظ بنساء عائلة غبيس من أجل استخدامهم في عملية تبادل أسرىحاول عبد الرحمن بكل ما يستطيع التوسط لدى قادة الفصائل في الغوطة لتأمين أسرى من جنود النظام واستخدامهم في صفقة تبادل تخرج عائلته من السجن، لكن معظم محاولاته باءت بالفشل. يقول: «زرت كل الفصائل في الغوطة، الجميع كان يعدني بأسرى لكن لم يسلموني أحد. حتى إني رحت لعند زهران علوش وقلت له: عندك أسرى؟ أهلي عند النظام ونحن ولاد الغوطة. كان يرد: تكرم عينك، وكل مرة يأجلني».في إحدى المرات وصلت صفقة التبادل إلى مراحلها الأخيرة لكنها انهارت في اللحظات الحاسمة، تاركة البالغين من العائلة في السجون، فيما أُودع الأطفال الثلاثة في منظمة قرى الأطفال SOS. يُضيف عبد الرحمن: «وعدني أحد قادة الفصائل بتأمين الأسرى وجهزنا كل شي، وبيوم المبادلة رجال زهران  علوش منعوا تنفيذ المبادلة».«ليان قضت ثلاثة شهور ما بتحكي، كانت تبكي طوال الليل»، يقول أحد العاملين في الصحة النفسية بقرى الأطفال، واصفاً بدايات إقامتها في المنظمة.ليلى، التي كانت في الثامنة آنذاك، تتذكر كيف حاولت تنفيذ وصية والدتها برعاية شقيقتها: «كانت ليان تفيق بالليل، تبكي وتصرخ وتخبط، تشوف كوابيس، وكنت أنيمها جنبي». ثم تضيف عن نفسها: «أحياناً كنت أبكي أنا كمان. تقريباً طوال الشهر الأول ما حكيت مع حدا من الصدمة».بعد نحو عام على الاعتقال، سُمح لليلى وليان بزيارة أمهما في الزنزانة. تقول ليلى: «أنا قعدت بحضن ماما، بس ليان ما كانت حابة تشوفها لماما».رغم صغر سنها، لاحظت ليلى التغييرات على والدتها: «كانت كتير كتير نحفانة وباين على وجها التعب». لم تستمر الزيارة سوى دقائق معدودة قبل أن تُعاد الشقيقتان إلى قرى الأطفال SOS.مرَّ العام التالي ثقيلاً.. أخبرَت إحدى المسؤولات في قرى الأطفال ليلى أن فترة إقامتهن انتهت، وأنه سيتم إعادتهن إلى عائلتهنّ. تقول ليلى: «وثقت فيها، لأن أول مرة قالت لنا إنها زيارة، بس هالمرة قالتلي رح ترجعوا لأهلكم. كتير تأملت فيها». عند وصول الشقيقتين إلى السجن، التقتا للمرة الأولى منذ الاعتقال جدتهما، وزوجة خالهما ووالدتها، كما اجتمعتا لأول مرة بابن خالهما محمد الذي كان قد بلغ عامه الثاني.خلال الزيارة الثانية، كانت نساء عائلة غبيس قد نُقلنَ من المخابرات الجوية إلى سجن الأمن العسكري. تتذكر أُمامة أنهنَّ أُبلغنَ بأن خروجهن بات وشيكاً: «نحن هون فكرنا إنو كنّا طالعين، وكانوا الولاد صرلن 3 أيام عنا بالزنزانة. بعدها أجا السجان وقال لي هاتيلي هالولاد وجهزيلي ياهن».أُخرجت العائلة إلى الممر وأُمرت النساء بالتوجه إلى زنزانة جماعية. تقول أمامة: «هون بلشت ليلى تبكي وتدبك عَ الأرض بأجريها وتصييح يا الله يا الله! ليان صارت تبكي ومحمد صار يبكي».بعد فشل صفقة التبادل وانتهاء فرصة الإفراج، أُعيد الأطفال إلى قرى الأطفال SOS وبقيت النساء في المعتقل.تروي أمامة لحظة الوداع: «انتوا بتتخيلوا شو شعور الأم تكون عاجزة قدام ولادها بهيك موقف؟ بناتي عم بياخدوهم من قدامي وبنتي منهارة وأنا مو قدرانة أعمل شي؟».ليان وأمامة وليلى – بوسطن – الولايات المتحدة الأميركية BBC EYE/ Jess Kelly* * * * *لحن الحياةعُرفت بيوت لحن الحياة سابقاً باسم دار زيد بن حارثة وكانت دار الأيتام الحكومية الوحيدة، تأسست في دمشق خلال سبعينيات القرن الماضي. وعام 2013، تغير اسمها إلى «لحن الحياة»، وتولت جمعية صندوق الرجاء التنموية مسؤولية إدارة الدار بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.عام 2023، وبموجب مرسوم رئاسي، أصبحت لحن الحياة «هيئة عامة» مسؤولة عن رعاية الأطفال مجهولي النسب (مستقلة مالياً ومرتبطة بالوزارة).يتألف «مجمع لحن الحياة» من مبنيين، أحدهما للفتيات والآخر للفتيان، وقسم للأطفال الرضّع. وعلى غرار نظام عمل قرى الـ SOS يتوزع الأطفال فيه على شقق داخل المجمع، تدير كل شقة موظفة مسؤولة عن عدد من الأطفال يقارب السبعة، وتُنادى بالأم، وتساعدها موظفة ثانية تُنادى بالخالة.كانت لحن الحياة مؤسسة رعاية الأطفال الوحيدة المخوّلة قانونياً رسمياً بتغيير أسماء الأطفال مجهولي النسب وإصدار وثائق هوية جديدة لهم، وهو ما لم يكن مسموحاً لأي دار رعاية أطفال أخرى في سوريا.  بالمقابل، لم يكن لمؤسسات مثل دار الرحمة، وجمعية المُبرّة، أو قرى الأطفال SOS، أي صلاحية قانونية لتغيير الأسماء.خلال بحثنا وجدنا وثيقة تُظهِرُ إيداع المخابرات لأطفال بدون أسماء في لحن الحياة، مع التشديد على عدم تسليمهم بدون موافقة مسبقة منهم، بالإضافة إلى قوائم أخرى تُظهر إيداع العديد من الأطفال من قبل المخابرات بأسمائهم الحقيقية.تواجه اليوم هنادي الخيمي مديرة الدار السابقة والمعيّنة من قبل وزارة الشئون الاجتماعية تهماً تتعلق بتغيير نسب الأطفال، وهي معتقلة منذ أوائل شهر تموز (يوليو) من هذا العام. حاولنا الوصول إلى هنادي الخيمي وإعطائها حق الرد عن طريق محاميها بدون نتيجة.وكانت السلطات السورية قد اعتقلت في وقت سابق، المسؤولتين السابقتين في لحن الحياة، ندى الغبرة ولما الصواف، عضوتا مجلس جمعية صندوق الرجاء التنموية.وفي تواصلنا مع محاميهما السيد مجد رجب، نفى أن تكون للسيدتان أي علاقة أو علم بموضوع إيداع أطفال معتقلين في الدار، مشدداً على أن دورهما كان متعلقاً بشقَّي الرعاية وإدارة الموارد فقط.* * * * *آفاق العدالةفي مطلع كانون الثاني (يناير) 2025، وبعد سقوط النظام السوري، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن فتح تحقيق في ملف الإيداعات الأمنية لأطفال أبناء معارضين ومعتقلين سوريين في دُور الرعاية، ودُعيَت العائلات المعنية آنذاك إلى التواصل مع الوزارة لتقديم أي معلومات أو شكاوى عبر خط اتصال ساخن. لكن هذا المسار لم يدم طويلاً؛ إذ شهد شهر آذار (مارس) تشكيل حكومة جديدة، تولّت بموجبها السيدة هند قبوات حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وتقرر في أيار (مايو) استبدال لجنة التحقيق الأولى بأخرى جديدة.هدف اللجنة هو «البحث وإحصاء وكشف مصير الأطفال الذين تم تغييبهم في سجون النظام السوري». وترأسّت اللجنة مستشارة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل رغداء زيدان، وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارات الداخلية والأوقاف والعدل وعن منظمات المجتمع المدني وذوي المفقودين، وعدد من المختصين بحقوق الإنسان وقضايا المختفين قسراً. اللجنة لم تصدر أي نتائج حتى الآن. في مقابلة أجريناها مع الناطق الرسمي باسم اللجنة، سامر قربي، ممثل وزارة الداخلية قال: «هذه جريمة، لأن العاملين في دور الأيتام ملزمون بإبلاغ العائلات عن أماكن أطفالهم»، و«بناءً على ذلك، أُلقي القبض على المشتبه بهم، حيث عُثر على وثائق تحمل توقيعاتهم، تُشير إلى تورطهم بالتواطؤ مع الأجهزة الأمنية بهذا العار» بحسب وصفه.أخبرنا قربي بأن الاعتقالات شملت الوزيرتين السابقتين ريما القادري وكندة الشماط. كما تم اعتقال عدد من مديري دور الأيتام، وهم: فداء الدقوري، وهنادي خيمي، وسامر خدام. ويواجهون مع الوزيرتين السابقتين تهماً بتغيير سجلات نَسَب الأطفال وإخفاء نَسَبهم الحقيقي.ووفقاً للمتحدث، فقد أصدرت الوزيرتان السابقتان كتباً رسمية إلى دور الأيتام تأمران فيها بقبول الأطفال مع حجب معلوماتهم الحقيقية ومنع أي إفصاح تحت طائلة المساءلة. ونتيجة لذلك، أصبحت دور الأيتام بمثابة مراكز احتجاز: إذا جاء جد الطفل أو عمه للاستفسار عنه، يُقال له إن الطفل «غير موجود».
      ووفقاً للمتحدث، فقد تلقى الخط الساخن حوالي مئة مكالمة، وخمسين بلاغاً عن أطفال مفقودين لم تظهر أسماؤهم في القوائم الحالية التي تحتفظ بها اللجنة.يقول قربي: «نظراً لكثرة الوثائق التي تتطلب جهداً كبيراً بحسب قربي. ليس جميع أعضاء اللجنة مُكرسين تماماً لهذه القضية – فلديهم مهام أخرى أيضاً. في اجتماعاتنا الأخيرة، ناقشنا التعاقد مع فريق لتنظيم الوثائق وأرشفتها وفرزها لتسهيل الوصول إلى المعلومات».على المستوى الدولي، تم تأسيس المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا منذ عامين بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، للبحث عن الأشخاص المفقودين ودعم عائلاتهم. وتمكنت من دخول سوريا في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وتعمل المؤسسة على نطاق واسع يشمل جميع المفقودين بغض النظر عن سبب فقدانهم أو جنسيتهم.تحدثنا مع كارلا كينتانا التي تقود المؤسسة، وتعمل مع الفريق على جمع المعلومات والوثائق المتعلقة بالمفقودين بالتعاون مع المجتمع المدني والسلطات السورية. أفادت  كينتانا بأن الفريق يعمل على إقامة اجتماعات دورية مع اللجنة الوطنية للمفقودين ووزارة الشؤون الاجتماعية في سوريا. إلى جانب بناء حضور على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الأخرى لتسهيل التواصل مع العائلات والمجتمع. من أكبر التحديات التي تواجه التحقيقات المختلفة هي التوقعات المرتفعة للعائلات، الذين يأملون في العثور على أحبائهم، لكن الجهات المختلفة المهتمة بالأمر تُجمِعُ على أن عملية البحث تستغرق وقتاً طويلاً. تعتمد المؤسسة على منهجيات بحث واسعة النطاق، خاصة في سياق الأعداد الهائلة للمفقودين، وتؤكد على أن الحمض النووي (DNA) ليس الإجابة الوحيدة، بل يجب مقارنة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المفقودين. * * * * *افتحوا الباب! ليلة سقوط النظام السوري، كان الطفل فواز مستلقياً على سريره يفكر بطريقة للهرب مع إخوته من دار الرحمة. غفا قليلاً، واستيقظ فجأة على أصوات طرق شديدة على باب الدار، يقول فواز: «سمعت صوت قواص، وبرا سمعت عم بقولوا افتحوا الباب! افتحوا الباب! قلت لحالي هاد أبي أجا ياخدني! طلعت، شفت عمي أبو رواد، عمي جهاد وأخواته وولاد خواله، ركَّبوني أنا وأخواتي بالسيارة وأخذونا معهم».في اليوم نفسه خرجت صباح والدة فواز من السجن، برفقة آلاف من المعتقلين والمعتقلات والتقت بأطفالها أخيراً، لكن فرحة فواز لم تكتمل: «قلتلها لستي رايح غير تيابي ورايح شوف أبي»، لم يكن بوسع جدته إلا أن تعلن له الخبر القاسي، أخبرته بأن أباه نعيم رحمة قد قُتل قبل أسبوع من وصول مقاتلي المعارضة إلى دمشق، حيث كان عناصر من جيش النظام السوري السابق قد أرسلوا له صندوقاً مفخخاً، انفجر عندما فتحه، وقتله على الفور مع بعض أقربائه.انخفض صوت فواز وهو يتذكر لحظة سماعه بخبر مقتل أبيه: «لما قالتلي إنه أبوي مات، إجيت قعدت حد جدي وطبيت راسي على إيدي».يعيش الطفل فواز مع عائلته في رنكوس، بمنطقة القلمون، يعمل في الزراعة. ورغم محاولات عائلته المستمرة لإقناعه بالعودة إلى المدرسة، إلا أنه توقف عن متابعة تعليمه واختار العمل مع أسرته في الحقل.فواز رحمه مع جدته هدى في رنكوس، القلمون، سوريا  – شتاء 2025 – تصوير أسامة الخلفأما عائلة غبيس فقد أُفرجَ عنها عام 2018 في صفقة تبادل أسرى، بعد قرابة ثلاث سنوات من الاعتقال. التقت أُمامة بابنتيها، وإيمان بابنها محمد في قرى الأطفال SOS، قبل أن يتوجهوا مع بقية أفراد العائلة المفرج عنهم إلى إدلب، حيث كان عبد الرحمن قد وصل مع المهجّرين من الغوطة على متن الباصات الخضراء.لكن لم الشمل لم يكن كما تخيلوه. الانفصال الطويل والتجارب القاسية تركت آثاراً عميقة على الأطفال. تقول أُمامة إن ابنتها ليان لم تتعرف عليها عند خروجها من قرية SOS: «كانت متمسكة بمربيتها، تبكي وتريدها، وترفض النظر إليّ أو الاقتراب مني».ليلى وليان ومحمد بعد لم شملهم بعائلتَيهم في عام 2018أَخرج عبد الرحمن غبيس أول صورة له مع ابنه عند لقائهم بعد سنوات من الفراق القسري: «لما شفت محمد أول مرة بإدلب، حملته، ما حسيت إني عم شم ريحة ابني، كنت قلقان.. وقلت مين هاد؟».كانت تلك أول مرة يلتقي بها عبد الرحمن مع ابنه الصغير: «حتى هو ما حس إنو حاضن أبوه، حاولت قربه لعندي بس هو ما حضني». يقول عبد الرحمن: «أنا وزوجتي اتفقنا ما عاد نتناقش بهالموضوع لأني عم يأثر على نفسيتنا ونفسية الولد، كل ما نتذكر هالقصة منضل مكتئبين ساعات، بس لما يكبر محمد رح خبره القصة بكل التفاصيل منشان ياخد نفس الطريق اللي أنا أخذتها ويمنع الظلم والاستبداد من العودة لسوريا».انتقل عبد الرحمن وعائلته إلى سوريا خلال ربيع العام الحالي، يتكلم ابنه محمد التركية بشكل جيد، وهو الآن يحاول التأقلم بعد عودته إلى بلده ويسعى لتكوين صداقات جديدة.عبد الرحمن وابنه محمد في الغوطة – BBC EYE\ Jess Kellyانتقلت عائلة أُمامة غبيس إلى تركيا، حيث أقامت هناك لمدة ست سنوات، قبل أن يتم قبولها في برنامج إعادة التوطين في الولايات المتحدة الأميركية، وما تزال تعيش هناك حتى هذا اليوم. ليلى على وشك التخرج من المدرسة الثانوية، وتطمح للحصول على منحة للتخصص في البرمجة، بينما ليان – التي أنجزت أغلب فترة تعليمها الابتدائي باللغة التركية – تبذل جهوداً مضاعفة لتعلم اللغة الإنكليزية، وتحرص والدتها أُمامة على تدريسها اللغة العربية في المنزل لتبقى قادرة على التواصل مع أهلها وأقاربها.أثناء لقاءاتنا مع العائلات، تكررت الإفادات حول عدم تعرُّف الأطفال على أهلهم، وصعوبة اندماجهم مع العائلة أو المدرسة، إضافة إلى معاناتهم من آثار نفسية وسلوكية كالانطوائية والخوف والتبول اللاإرادي. قال أحد الآباء إن ابنته الصغيرة لم تقترب منه لعدة أشهر بعد خروجه من السجن.أخبرتنا إحدى السيدات بأن ابنتها تعاني من الآثار النفسية لانفصالها عنها. تحصل الطفلة على علامات جيدة في المدرسة، لكنها انطوائية. تقول السيدة: «تخاف ابنتي من الرجال، وتبدأ بالبكاء عندما ترى أستاذ الرياضة في المدرسة».مؤسسات ومراكز ومنظمات، يحصل بعضها على تمويل دولي، كان من واجبها حماية الأطفال وتأمين حياة كريمة لهم، خضعت لسيطرة مجرمي حرب، تورطت وأغفلت القوانين المحلية والدولية ومبادئ حقوق الإنسان من أجل مصالحها.أطفال عائلتي رحمة وغبيس التمَّ شملهم بأهاليهم، لكن أكثر من 3700 طفل ما زالوا في عداد المفقودين حتى اليوم، يبحث أحباؤهم عن بارقة من الأمل والعدالة.* * * * *ساهم في التحقيق جوليا ستيرز، لينزي بيلينغ، مهند الخليل النجار، أسامة الخلف، حنين السيد، زين خزام، علاء الشيخ حسن.الشركاءيمثل هذا التحقيق النسخة العربية من تحقيق صحفي استقصائي مشترك بعنوان «أطفال سوريا المسروقون»، تعاونت على إنتاجه منظمة Lighthouse Reports مع عدد من المؤسسات الإعلامية العالمية والسورية: BBC Eye ،The Observer، نساء ربحن الحرب، مجلة Der Spiegel، سراج،  وجريدة Trouw.من خلال هذا التعاون، سيتم الإبلاغ عن نتائج التحقيق الاستقصائي عبر فيلم وثائقي، وتغطية إخبارية تلفزيونية، وتحقيقات مكتوبة، ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبودكاست ومقاطع إذاعية لجمهور عالمي بما يصل إلى 35 لغة، منها العربية والإنكليزية والألمانية والهولندية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى