بين التاجر والسياسي في حالة توم برّاك/ عبد القدوس الهاشمي

09 أيلول 2025
الرئيس الأميركي في ورطة. لقد اعتقلت وحدة الجرائم الخاصة في شرطة واشنطن مجموعة من الجواسيس الذين يعملون لصالحه متلبسين بجرم التنصّت على منافسيه. استغل الرئيس أجهزة الدولة “أف بي آي”، و “السي آي إيه” في انتهاك صارخ للدستور الذي أقسم على صيانته.
صار الجواسيس في قبضة الشرطة، وأصبح مستقبل الرجل الأقوى في العالم مهددًا بأكبر فضيحة في تاريخ البيت الأبيض. وكما يفعلُ كل مذنب، عوّل الرئيس على مهارات محاميه الشخصي الذي عرف منه إتقانه للعبة المال السياسي، فهو الذي نجح في تمويل حملته الانتخابية بـ18 مليون دولار، وتاجر بوظائف حكومية، حيث عرض منصب سفير مقابل 100 ألف دولار، وقايض شركات محلية على تلقي تمويلها مقابل امتيازات يضمنها الرئيس. كان محاميه قد عقدَ قلبه على أن كل مشكلة لديها سعرها الخاص، ثم تنجلي.
بادر المحامي بجمع 200 ألف دولار، وتمريرها إلى الجواسيس المحتجزين، لشراء صمتهم، حتى لا يمتد خيط الفضيحة إلى البيت الأبيض. في مكتب المحاماة الذي بدأ يكبر بعد أن احترف صاحبه اللعبة السياسية، يقف متدرِّبٌ جديد، يراقبُ بعينيه العربيّتين اللتين تشعّان حماسةً ورغبة في الثراء، مهاراتِ مديره في تحريك المال لأغراض سياسية، والتأثير في السياسيين لتحصيل مزيدٍ من المال.
حدث ذلك كله في 1972، كان الرئيس ريتشارد نيكسون، والمحامي هيربرت كالمباخ، وذلك الشاب توم برّاك، المندوب الأميركي لسوريا الذي غادر والده عبد الله برّاك لبنان إلى العالم الجديد في بطن حاوية بضائع ليعود الابن إلى لبنان بعد عقود على متن طائرته الخاصة.
جاء براك كمبعوث خاص لإدارة ترمب بحقيبة محشوة بالحلول السياسيّة والوعود الاستثمارية، لكنه بعد أشهر قليلة من جولته الترويجيّة للاستقرار في سوريا ولبنان، نسي الرجل -تحت ضغط العمل- القاعدة الأولى في الدبلوماسية: “إياك أن تدعو مستضيفيك بالحيوانات. وأن مشكلتهم أنهم ليسوا متحضرين بالشكل الكافي”، في خطابه للصحفيين في القصر الرئاسي ببيروت.
ثارت الصحافة، واعتبرت نقابة الصحفيين اللبنانية أن تصريحات برّاك “إهانة غير لائقة، ومتجاوزة للعرف الدبلوماسي” وطالبت السفير الأميركي بتقديم اعتذار واضح. لم يتعامل اللبنانيون مع برّاك كابن زحلة، ويأخذون تصريحاته بحلم أبناء البلد الواحد فالشتائم من القريب لا تؤذي.
ثم لنكن صريحين، متى سلم الصحفيون اللبنانيون من هراوات الشرطة، وشتائم السياسيين، والضرب المبرح على أيدي السلطات؟ فلماذا لا تتسع صدورهم “لفشّة خلق” من لبنانيّ مغترب. هذا يرجع غالبًا لسوء تفاهم على الصفة الحقيقيّة التي يتحرك بها برّاك. هل هو مبعوث دبلوماسي تقليديّ، أم بائع “لحلول تجارية”، استهلكه اللبنانيون بإنزالهم كل بضاعته من الرف ثم لم يشتروا شيئًا!
هذه سيرة غير تقليديّة لفض الاشتباه بين وصفيّ التاجر والسياسي في حالة السيد برّاك
كالمباخ المعلِّم الأول
لم يدلف توم بارّاك إلى السياسة من البوابة الرئيسية، بل من مدخل خلفيّ مخصص للموظفين، بعمله في مكتب محاماة صغير يقدّم خدماته لمن يبحث عن رقم التحويلة المباشر إلى المكتب البيضاوي.
لم يكن برّاك بحاجة إلى دروس نظرية في العلاقة بين المال والسياسة، فأمامه كان يرى الدروس العملية على مدار الساعة: صفقات وتبرعات تُصاغ بعناية في مقابل قرار سياسي، ومكالمات تُدار بذكاء لتجنب التنصت، وقراراتٌ تهم الشعب الأميركي وربما شعوب العالم لكنها تُسعّر بالدولار الأميركي وتعطى لمن يدفع أكثر.
بدأت قصة كالمباخ بداية رزينة. كان طيارا في الحرب العالمية الثانية خاطر بحياته من أجل بلاده قبل أن يقرر لاحقًا بيعها بالتجزئة. بعد إنهائه للخدمة العسكرية درس القانون في جامعة جنوب كاليفورنيا، حيث التقى روبرت فينش النجم الصاعد في سماء الحزب الجمهوري، الذي سيقدمه لنيكسون.
دخل كالمباخ إلى عالم السياسة بعقلية مراهن عنيد، حيث راهن على الحصان الخاسر وفاز. خسر نيكسون أمام كينيدي الوسيم في 1960 (علمتنا تلك الانتخابات أن الناخب الأميركي له مزاج في تقييم الرؤساء بناء على الظهور التلفزيوني)، وبعد سنتين حاول الترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا، وخسر أيضا. وقتها قال نيكسون للأميركان وهو في حالة يأس “لن يكون لكم نيكسون لتهاجموه بعد الآن”. لكن ظل كالمباخ وفيًّا.
هل كان وفاءً أم استثمارًا طويل الأجل. على كل حال كان نيكسون مقتنعًا بوفائه، ووصفه بـ”الولاء المطلق”، واتخذه محاميًا شخصيًّا. في الولايات المتحدة اختيارك لمحاميك لا يقل جديّة عن اختيارك لشريكة حياتك، كلاهما سيرى منك ما لا يراه الناس.
عندما عاد “ديك” إلى البيت الأبيض في 1968، بفضل الملايين التي جمعها كالمباخ لحملته الانتخابية، رفض صديقنا هربرت أي منصب رسمي. ما لا يعرفه المستجدون في السياسة لطلب الرزق، أن الجلوس في ظل المكتب أجدى من الجلوس عليه، لأنه يقدم لك منافع بأخطار أقل.
بعصاميّة رماديّة، اختار كالمباخ التركيز على تنمية شركته القانونية الصغيرة، التي بدأت بمحاميين اثنين فقط وأخذت تنتفخ في فترة نيكسون الرئاسية لتصل إلى 24 محاميًا. وصارت قائمة وكلائه تُقرأ كدليل لأغنى الشركات الأميركية: شركة يونايتد للطيران، وفنادق ماريوت، وعملاق الترفيه إم سي إيه (نتفلكس السبعينيات). هل كان السر في جودة الفريق أم في نوعية الخدمات التي يقدمها مكتب محاماة يملك تحويلة المكتب البيضاوي؟ لا أحد يدري.
ما نعرفه أن كالمباخ فتح باب البيت الأبيض، لبائعي الحليب، لا أقصد أولئك الذين يركبون الدراجة ويحملون ست زجاجات في سلتها الأمامية، ويطوفون بها في الأحياء كما تظهرهم أفلام هوليوود، وإنما أعني أصحاب الياقات البيضاء، الذين يزدادون غنى مع كل وجبة إفطار.
في أغسطس/آب 1970، رتّب السيد كالمباخ اجتماعًا بين ممثلي صناعة الألبان ومسؤولي البيت الأبيض، هناك، قُطعت الوعود بتقديم تبرعاتٍ مالية ضخمة لحملة إعادة انتخاب الرئيس نيكسون. لم يكن الأمر تبرعًا بالمعنى التقليدي، بل استثمارًا سياسيًّا بأرباح مضمونة.
خلال عام 1971، حقنت شركات الألبان وريد الحملات الخاصة بنيكسون بمليوني دولار تحت لافتة “تبرعات سياسية”. لم تمر هذه الأموال عبر الصناديق الرسمية بل سلكت طرقًا ملتوية رسمها رجلٌ خبير بالقانون. كان العنوان المُعلن لهذه العملية “دعم الرئيس”.
ولم يطل الانتظار كثيرًا. ففي مارس/آذار 1971، أعلنت وزارة الزراعة الأميركية قرارًا برفع سعر الدعم الفيدرالي للحليب بمقدار 6 سنتات للغالون الواحد، مانحة بذلك صناعة الألبان أرباحًا إضافية تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات.
بعد فضيحة ووتر غيت أحضر كالمباخ ليدلي بشهادته في القضية، وأصر وقتها على أن توزيعه للمال على المتهمين كان “التزامًا أخلاقيًّا”!
كانت مهمة كالمباخ توزيع نحو 220 ألف دولار على المتهمين. لم يحوّل المبلغ عبر البنك كما يفعل الناس، بل قرر أن أفضل طريقة للقيام بذلك “الالتزام الأخلاقي” هو نقل النقود في الأكياس التي تقدمها الفنادق للملابس المتسخة. والتجول بها في شوارع واشنطن.
ولأن هذه العملية النبيلة تحتاج لرجل أمين، استأجر كالمباخ محقق شرطة كان يعمل في نيويورك اسمه توني أولاسيويتش. في اعترافاته أمام المحكمة قال توني إنه كان يجري المكالمات مع كالمباخ وفريق نيكسون عبر الهواتف العمومية حسب اشتراطهم، وإنه اضطر لاتخاذ حزام مخصص لحمل “الفكّة” التي يستخدمها لإجراء المكالمات من الهواتف العمومية، ليقوم بالمهمة “الأخلاقية” كما ينبغي.
في المحاكمة اتهم كالمباخ بأنه باع منصب سفير مقابل مئة ألف دولار، في إحدى أكثر حلقات الفساد السياسي فجاجة ووضوحًا. لم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة التي يُدار فيها “بازار المناصب” داخل السياسة الأميركية، فقد عرف الحزبان الجمهوري والديمقراطي صفقات مشابهة، حيث تتحول الكراسي الدبلوماسية إلى سلعة تباع لمن يدفع أكثر.
لكن القضية حملت جانبًا ساخرًا، لفرط ابتذالها، حيث قالت الدبلوماسية وأستاذة علم الاجتماع روث ل. فاركاس، التي كانت تبحث عن منصب دبلوماسي في حكومة نيكسون، لكالمباخ: “أليست 250 ألف دولار مبلغًا كبيرًا جدًّا مقابل كوستاريكا؟”.
كانت السيدة التي ولدت لأسرة يهودية ثرية في نيويورك، قد تبرّعت مع زوجها بـ300 ألف دولار لحملة نيكسون، وبالتالي فقد كان انزعاجها مبررًا إذا أردنا الإنصاف. في 1973، عُيّنت فاراكاس سفيرة للولايات المتحدة في لوكسمبرغ.
توفي المعلم كالمباخ في 2017 عن عمر 95 عامًا، ولم تتكشف جميع تفاصيل نفوذه في إدارة نيكسون، والثروة التي جمعها من مكتبه القانوني. بقي وصف نيويورك تايمز في نعيه بأنه “الشخصية الأكثر غموضًا في قضية ووترغيت” دليلًا على أنه لم تصل إلينا سوى القضايا التي لم يحسن المحامي الحاذق أن يكنسها تحت بساط القانون السميك.
في تلك البيئة ومن ذلك المكتب بدأ توم برّاك مسيرته مقتفيا خطى أول “معلم” له؛ سيلتصق برئيس جديد، ويجمع له التبرعات، ويدير صفقات تجارية باسم الإدارة الأميركية، وسيدخل إلى المحاكمة بتهم بيع قرارات حكومية لدول أجنبية ولكنه على خلاف كالمباخ، لن يدان.
الجزيرة



