تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 06-11 أيلول 2025

لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي

تطور الإقتصاد السوري

—————————-

+ الناس

 لوس أنجلوس تايمز: أزمة السيولة في سوريا طوابير لا تنتهي وصرافات عاجزة

ربى خدام الجامع

2025.09.10

في تقرير موسّع نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز، تكشف الصحيفة عن تفاصيل الأزمة النقدية الخانقة التي يعيشها السوريون بعد سقوط نظام الأسد، حيث تحولت عملية سحب بضع ليرات من المصارف إلى رحلة شاقة تمتد لساعات طويلة. وبينما يقف المواطنون في طوابير لا تنتهي تحت شمس دمشق الحارقة، يواجه ملايين السوريين واقعاً اقتصادياً يصفه خبراء بأنه “جحيم مصرفي”، في ظل نقص السيولة، وقيود السحب، وانهيار الثقة بالنظام المالي الذي لم تفلح إجراءات الحكومة الجديدة في إنقاذه.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الاقتصاد في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّمها كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

في أثناء وقوفه أمام كوة متهالكة للصراف الآلي الذي يتبع للمصرف الذي أودع فيه نقوده، تنهد ماهر إلياس، 59 عاماً، تنهيدة تنم عن سخط وتعب شديدين، فمن حوله أرتال تضم العشرات من الناس الذين ينتظرون دورهم ليسحبوا المال من الصراف الآلي في هذا الجو القائظ.

“كل هذا الانتظار من أجل ماذا؟”

كان أمام ماهر فترة انتظار لما لا يقل عن ثلاث ساعات، هذا إن لم ينقطع الصراف الآلي عن تقديم خدماته بسبب انقطاع الكهرباء أو عدم توفر النقد لديه، إذ في يوم من أشد الأيام حراً في صيف دمشق، انقطع حديثه عدة مرات بسبب تجادله مع عملاء آخرين ضايقهم هذا الوضع، في حين أبقى ماهر عينيه على مقدمة الرتل الذي كان يتحرك ببطء وهو يتحدث إلينا ويجادل من حوله، وأخيراً قال: “كل هذا الانتظار من أجل ماذا؟” وأخذ يمسح العرق من على جبينه، إذ ليس بوسعه أن يسحب أكثر من مئتي ألف ليرة سورية (أي ما يعادل عشرين دولاراً) في الأسبوع.

ويتابع بالقول: “أسرتي مكونة من خمسة أشخاص، فكم سيبقى من هذا المبلغ ما بين طعام وغاز وإيجار”.

يشارك ماهر والمئات غيره ممن يصطفون في طوابير وصلت إلى رصيف المصرف العقاري السوري في مهمة تتسم بأنها خيالية في معظم الأحيان، في وقت يتعرض ملايين من أبناء وبنات الشعب السوري لأزمة نقدية نجمت عن إسقاط الرئيس السابق بشار الأسد وتولي حكومة ذات قيادة ثورية للحكم من بعده.

منذ أشهر قليلة، تحولت عملية سحب الأموال إلى وظيفة أخرى بدوام كامل على الشعب مزاولتها، ولذلك يضطر الموظفون لأخذ إجازة من العمل من أجل أن يصطفوا في أرتال أمام المصارف، في وقت أضحت مشكلة نقص السيولة تخنق الاقتصاد المدمر بالأصل والذي يسعى للخروج من محنته بعد مرور ما يقرب من 14 عاماً من الحرب.

غير أن أسوأ ما في الأمر بالنسبة لماهر (ولكثيرين غيره) وجوب تكرار عملية الانتظار لسحب المال مرة أخرى في يوم آخر حتى يسحب كامل راتبه الشهري الذي يعادل خمسَمئةِ ألفٍ أي ما يقل عن خمسين دولاراً.

“أتسول في الشارع؟”

ولكن ماهر الذي ما يزال موظفاً لدى الدولة وعميلاً لأحد المصارف الستة التي تملكها يعتبر محظوظاً أكثر من كثيرين غيره، إذ في ذلك الشارع، أخذ محمد، 63 عاماً، يصرخ بأعلى صوته لا على أحد بعينه ولكن أمام أحد المصارف الخاصة التي فتح فيها حساباً، فقد أتى هذا الرجل برفقة حفيدته ماسة البالغة من العمر ست سنوات بعد أن قطع المسافة من بيته الكائن في إحدى ضواحي دمشق إلى المصرف بدمشق، على أمل أن يتوسل لمدير المصرف فيسمح له بسحب مبلغ أكبر.

غير أن المدير أخبره بأن النقد غير متوفر لديهم، كما أن أجهزة الصراف الآلي كانت معطلة، ولذلك لم يعد لدى محمد، الذي أفصح فقط عن اسمه الأول حفاظاً على الخصوصية، حتى أجرة الحافلة التي يمكن أن تقله إلى بيته.

يعلق محمد على ذلك بقوله: “ماذا علي أن أفعل؟ أتسول في الشارع؟ أمضيت أسابيع وأنا آتي إلى هنا، وأولاد الحرام هؤلاء يرفضون إعطائي نقودي” ثم يشير مغاضباً إلى مدخل المصرف، في حين نظرت ماسة إلى جدها من دون أن تنبس ببنت شفة.

أما مدير المصرف الذي جلس في مكتبه ورفض أن يدلي بمعلومات تكشف هويته بما أنه لا يحق له الحديث إلى الإعلام، فقد أكد على عدم وجود أي خيار لديه سوى صرف محمد وغيره من المراجعين، وقال بإنه يفترض بالمصارف الخاصة أن تستلم مبلغاً قدره عشرون ألف دولار نقداً من المصرف المركزي كل يوم، ولكن في أغلب الأحوال لا يصل إلى المصارف سوى مبالغ أقل من ذلك بكثير، بل لا يصلها شيء في كثير من الأحيان.

وأضاف مدير المصرف: “وحتى عند وصول النقد، بالكاد يكفي لتغطية عدد عمليات السحب”، وبعد هنيهة دخل محمد، وهو رجل أعمال، إلى مكتب المدير بهدف سحب مبلغ قدره خمسمئة دولار وذلك حتى يسدد الفواتير التي عليه، لكنه خرج من المكتب خالي الوفاض هو أيضاً.

فجوات كبيرة

عند وصول حكام سوريا الجدد إلى السلطة بعد هجوم سريع مباغت شنوه في كانون الأول الماضي، استولوا على المؤسسات المالية التابعة لحكومة الأسد ووضعوا يدهم على الاقتصاد الذي كانت الدولة تتحكم به والذي أضعفته الحرب والفساد والعقوبات. وقد كان سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار قد وصل إلى 18 ألفاً عند هروب الأسد، وهذا ما جعل معظم الصفقات تتحول إلى إجراءات مرهقة بسبب عملية عد أكياس كاملة من النقود التي صار الناس يجمعونها مسبقاً في أكداس يزن كل منها أكثر من 2.5 كيلوغراماً.

بيد أن سعر الصرف تحسن منذ ذلك الحين، هذا إن كان بوسعنا أن نصف ذلك بالتحسن، فقد وصل إلى 11 ألفاً مقابل الدولار الواحد.

غير أن مخرجات الاقتصاد بقيت أقل من نصف ما كانت عليه في عام 2010، قبل اندلاع الحرب السورية، كما أن ربع سكان سوريا البالغ عددهم 26 مليوناً يعيشون على مبلغ يقل عن دولارين وربع الدولار باليوم الواحد، وذلك بحسب تقييم للبنك الدولي أجري في حزيران الماضي، في حين يحصل ثلثا الشعب السوري مبلغاً يقل عن ثلاثة دولارات و65 سنتاً باليوم، فيما تشير التقديرات إلى أن عملية إعادة إعمار سوريا ستكلف ما بين 250-400 مليار دولار أميركي.

 طال الدمار القطاع المصرفي كغيره، فالعقوبات التي فرضت على البلد في زمن الحرب عزلت المصارف السورية عن النظام المالي العالمي، وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب أصدر منذ فترة قريبة أمراً يقضي برفع معظم تلك العقوبات، وحذت حكومات الدول الأوروبية حذوه، ما تزال المصارف الغربية ترفض تحريك مبالغ طائلة من الأموال اللازمة لإعادة إعمار سوريا.

سارعت السلطات الجديدة لتخفيف القيود التي فرضت أيام الأسد، فأغرقت السوق بواردات رخيصة ورفعت الحظر الذي كان يجرم التعامل بالدولار، كما فرضت قيوداً على عمليات السحب في محاولة منها لمنع نفاد النقد من المصارف ولحرمان مسؤولي النظام السابق من إفراغ حساباتهم المصرفية والهرب بما يملكون من أموال.

سحب الدولار من السوق

ولكن بعد مرور تسعة أشهر، ما تزال القيود مفروضة مع عدم وضوح السبب الكامن وراء ذلك، وذلك بحسب ما أورده موظفون في المصارف وخبراء اقتصاديون، فقد تحدث البنك الدولي عن نقص في الأوراق النقدية، على الرغم من زيادة بلغت 105 ضعفاً على مقادير العملات خلال الفترة ما بين 2011-2024، وأضاف البنك الدولي إلى أن الأوراق النقدية التي طبعت في روسيا ونقلت بالطائرات إلى سوريا، بما أن روسيا احتكرت طباعة العملة السورية أيام الأسد، كانت قليلة بحيث لم تتمكن من تخفيف أعباء أزمة السيولة في البلد.

في تلك الأثناء، أصبح السوريون والسوريات عاجزين عن الوصول إلى حساباتهم المصرفية ولذلك صاروا يعتمدون على عمليات تصريف الأموال بشكل غير رسمي، والتي كانت ممنوعة أيام الأسد، لكنها أصبحت تجارة مزدهرة اليوم، وذلك ليشتروا مبالغ بالليرة السورية عبر بيع قطع ذهبية أو مبالغ بالدولار جمعوها أيام حكم الأسد، على الرغم من القيود التي كانت مفروضة على ذلك آنذاك. ويرى الخبراء بأن تلك الصفقات أصبحت تتم اليوم بسعر صرف مخفض بشكل وهمي.

يعلق على ذلك سمير العيطة وهو خبير اقتصادي سوري يرأس دائرة الاقتصاديين العرب، فيقول: “يبدو ذلك كسياسة ممنهجة هدفها سحب الدولار من الناس في البلد بعد أن جرى تحريره، وأصبح المصدر الرئيسي للربح بفضل الحوالات. ولكن إلى أين تتوجه تلك الدولارات؟ إلى المصرف المركزي؟ لا يبدو الأمر كذلك، والحق أن هذا الموضوع بات يقض مضجعي”.

يتفق عمار يوسف وهو خبير اقتصادي يعيش في دمشق مع تقييم العيطة، ويضيف أنه سمع أن العملة الصعبة التي يجمعها صرافو الأموال ترسل إلى محافظة إدلب الواقعة في شمال غربي سوريا، والتي كانت على مدى سنين طويلة المقر الرئيسي لهيئة تحرير الشام التي أسقط مقاتلوها الأسد.

ماذا عن تطبيق (شام كاش)؟

من الحلول التي لجأت إليها السلطات مؤخراً بالنسبة لأزمة النقد عمليات الدفع الإلكترونية، إذ في مطلع هذا العام، أصدرت السلطات مرسوماً يقضي بدفع سائر رواتب موظفي القطاع العام من خلال تطبيق شام كاش الذي أطلقته هيئة تحرير الشام في إدلب إلا أن الخبراء في مجال التقانة يرون بأنه غير آمن ويتبع لمصرف موجود في إدلب لا يعترف به المصرف المركزي السوري.

ولم يتضح حتى الآن إن كان هذا التطبيق يتمتع بالقدرة على التعامل مع نحو مليون وخمسة وعشرين ألف موظف وموظفة يعملون لدى الحكومة، كما لم يتبين إن كان هذا التطبيق يحقق شروط الحكومات الغربية فيما يتصل بمكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما أن هذين الأمرين يعتبران من العناصر الأساسية لزيادة الثقة في النظام المالي السوري.

في حين يثير خبراء آخرون مخاوف خطيرة بالنسبة للرسوم التي تفرضها شركتان لتحويل الأموال منحتا من دون غيرهما رخصة لصرف الأموال من تطبيق شام كاش، بما أن كلتا الشركتين تعتبران مقربتين من الحكومة الجديدة، وكلاً منهما تجمع أكثر من ثلاثة ملايين دولار سنوياً من خلال العمولات.

يعلق العيطة على ذلك بقوله: “هنالك حرب مفتوحة اليوم مع مصارف البلد”.

فمنذ فترة قريبة، أعلنت الحكومة عن خططها الساعية لإعادة تعيين القيمة الإسمية للعملة السورية مع حذف صفرين من كل ورقة نقدية، بيد أن ذلك لن يغير من حقيقة الوضع برأي العيطة.

كما أن هذه الآليات لا تعني شيئاً مهماً بالنسبة لماهر إلياس، إذ بعد الانتظار لمدة أربع ساعات تقريباً، واضطراره لتبديل الرتل مرتين قبل أن يصل إلى جهاز الصراف الآلي، تمكن هذا الرجل من سحب ليراته المخصصة لذلك اليوم، والتي سوف يصرفها على شراء الخبز وغيره من المستلزمات الأساسية، ولن يتمكن من سحب أمواله مرة أخرى قبل مضي بضعة أيام، وهذا ما جعله يقول: “أحس بأني أمضي نصف الأسبوع وأنا أقف في الطابور من أجل أن أسحب المال”، ثم أخذ يتنهد من جديد فيما دفعته الجموع بعيداً عن أجهزة الصراف الآلي.

المصدر: The Los Angeles Times

تلفزيون سوريا

———————————-

معوقات عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا وحلول دمشق البديلة/ باسل المحمد

11 أيلول 2025

رغم الاستقرار النسبي الذي تعيشه سوريا منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد قبل نحو 10 أشهر، لا يزال ملف إعادة الإعمار متوقفا عند حدود النقاشات والوعود والاستثمارات المنفردة، دون أن يتوج بمؤتمر دولي لحشد التمويل على غرار تجارب بلدان أخرى خرجت من حروب ونزاعات.

ومع غياب إحصائيات دقيقة، تتراوح التقديرات بشأن كلفة إعادة الإعمار بين 300 و500 مليار دولار، وفقا لمصادر، منها تقارير الأمم المتحدة وتصريحات لمياء عاصي، وزيرة الاقتصاد السورية السابقة.

ويأتي غياب مؤتمر إعادة الإعمار رغم إعلان الولايات المتحدة رفع العقوبات المفروضة على سوريا، مما يطرح تساؤلات عن أسباب غياب المؤتمر، والرؤية الحكومية بشأنه، ونموذج إعادة الإعمار الذي ستنتهجه في المرحلة القادمة.

معوقات داخلية

رغم الحاجة الملحة لإطلاق مسار دولي لإعادة إعمار سوريا بحسب بعض الخبراء، فإن الواقع الداخلي للدولة لا يزال يشكّل عائقا أمام تحقيق ذلك. فالمشهد المؤسسي في سوريا يعاني من هشاشة نتيجة سنوات الحرب، وتفتقر الأجهزة الإدارية إلى الكفاءة والبنية التنظيمية اللازمة لإدارة مشاريع إستراتيجية على مستوى وطني.

وفي ظل غياب مجلس تشريعي قادر على المصادقة على خطط الإعمار، تبدو العملية برمّتها مفتقرة للأساس القانوني والمؤسساتي الذي يُعد شرطا ضروريا لأي التزام دولي حقيقي، بحسب الخبير الاقتصادي فراس شعبو.

ويضيف شعبو للجزيرة نت أن الحديث عن مؤتمر لإعادة الإعمار ما زال مبكرا، فالدول الداعمة ما زالت تنظر إلى الواقع السوري كمرحلة انتقالية، ولا تُبدي استعدادا لضخ أموال في بيئة تفتقد إلى الاستقرار والرؤية الواضحة.

ومن الناحية الميدانية، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تفرض سيطرتها على نحو 35% من البلاد، في حين تخرج محافظة السويداء جنوبا عن نطاق سيطرة حكومة دمشق.

هذا الواقع الميداني، بحسب رأي الباحث في مركز الحوار السوري أحمد قربي، يمثّل العائق الأبرز أمام انعقاد مؤتمر لإعادة الإعمار.

ويرى قربي -في حديثه للجزيرة نت- أن “غياب الاستقرار السياسي الفعلي هو التحدي الأكبر، وهو ما يجعل فكرة المؤتمر نظرية أكثر منها عملية”.

ويشار إلى أن البيان المشترك لمؤتمر بروكسل التاسع، الصادر في مارس/آذار الماضي، أكد أن أي دعم أوروبي لإعادة الإعمار يجب أن يُبنى على “حل سياسي شامل، يُراعي تطلعات جميع السوريين، ويحترم السيادة ووحدة الأراضي”.

ورغم التغيرات السياسية المتسارعة التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام، لا تزال الدول الغربية تُبقي موقفها من دعم المرحلة الانتقالية، بما في ذلك عملية إعادة الإعمار، مشروطا بتنفيذ سلسلة من المتطلبات السياسية.

من هذه المتطلبات الدعوة لمشاركة جميع الطوائف والأقليات في نظام الحكم، إلى جانب إجراءات أمنية تتعلق بملف مكافحة الإرهاب والمقاتلين الأجانب، وتهريب الكبتاغون.

وفي هذا السياق، يشير الباحث فراس شعبو إلى أن مسألة الإعمار لا تنفصل عن الحسابات السياسية الدقيقة، مشيرا إلى أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تمنح تفويضا مجانيا لأي نظام، بل تضع شروطا واضحة تراقب التزام الحكومة السورية بها، مثل الإصلاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، وتقليص النفوذ الإيراني.

ويرى شعبو أن إدارة الرئيس أحمد الشرع تدرك هذا الواقع جيدا، وتعلم أن الدخول في مرحلة إعادة الإعمار، التي تتطلب استثمارات هائلة، لن يكون ممكنا قبل عامين على الأقل، إلى حين توفر الحاضنة الإقليمية والدولية الكفيلة بتمويل هذا التحول.

وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح: أعبر عن صادق شكري وتقديري لسوريا بالنيابة عن الوفد السعودي الكبير الذي قدم إلى دمشق على ما أحاطته به من مشاعر الود والاحتفاء والكرم وكالة سانا

الاستثمار بدل الدين

في الوقت الذي تتباين فيه المواقف الإقليمية والدولية تجاه ملف إعادة الإعمار في سوريا، تبدو الحكومة السورية وقد بدأت ترسم معالم رؤيتها الخاصة لمسار الإعمار.

ويبدو أن دمشق تتجه نحو جذب الاستثمارات والاعتماد على الموارد الذاتية بدلا من المساعدات الدولية المشروطة والقروض التنموية.

وفي مقابلة مصورة مع مجلة “فوربس الشرق الأوسط”، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، أن سوريا في المرحلة الحالية لا تفيدها مشاريع مثل مشروع مارشال الذي خصص لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وأضاف أن هذا النموذج، أو ما يسمى بنموذج الدفعة الكبرى، لا يغطي كل المساحة المطلوب إعمارها في سوريا وهي تزيد على 60%.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المشاريع الكبرى مؤقتة، وسوريا تحتاج شيئا مستداما، وبحسب الوزير الشعار، فإن النظريات الاقتصادية التقليدية لن تنجح في سوريا إذا طبقت حرفيا.

وأكد أن “الحل هو العودة إلى الوراء والبدء بالخلية الاقتصادية الأولى في المجتمع السوري، وهي المواطن الفرد المنتج، من خلال تمكينه، سواء على مستوى ورشة عمل، أو عمل وظيفي، أو صناعي، أو تجاري، أو زراعي”.

وعندما تتم استعادة كافة الموارد الاقتصادية السورية، يقول الشعار “سنقوم بعملية التمكين هذه من خلال الفرد، مرورا بالمشاريع الصغيرة ثم المشاريع المتوسطة، وبالتوازي مع ذلك يتم العمل على المشاريع الكبيرة مثل الموانئ والنقل”.

وقال وزير الاقتصاد السوري إن “الفن هنا أن نربط كل هذه الخلايا الاقتصادية مع بعضها لتشكل قاعدة إنتاجية لتنهض بالبلد وترفعها إلى مرتبة أعلى، والأمر تراكمي، فكل مرتبة يتم البناء عليها إلى أن نصل إلى مستوى مستقل من التنمية والنهضة الاقتصادية”.

صندوق التنمية السوري

وتعليقا على هذه المقاربة، أشار الخبير في الحوكمة والتنمية، عزيز حلاج، إلى أن الحكومة السورية تتبنى موقفا معلنا برفض اللجوء إلى القروض الدولية، معتبرا أن هذا الموقف يجعل من أي مؤتمر مانحين يفضي إلى التزامات مالية خارجية أمرا غير وارد في الوقت الراهن بحسابات الحكومة السورية.

وبدلا من ذلك، يضيف حلاج للجزيرة نت “تركز الجهود الحكومية على استقطاب مشاريع استثمارية كمشاريع الاستثمار السعودية والقطرية، وعلى توجيه المنح، إن وُجدت، لدعم صندوق التنمية الوطني”.

ويضيف أن هذه الاستثمارات تحمل بعدا سياسيا يتمثل في بناء جسور تعاون مع المحيط العربي لسوريا، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية من بوابة الاقتصاد.

بيد أن هذه الصناديق لا تزال بحاجة إلى مستويات عالية من الشفافية وإدارة مؤسساتية واضحة، كي تحظى بثقة الدول المانحة والجهات الرقابية، كما يضيف حلاج.

وفي خطوة وُصفت بالتاريخية أعلنت الحكومة في الرابع من سبتمبر/أيلول عن تأسيس “صندوق التنمية السوري” بموجب مرسوم رئاسي، ليكون كيانا سياديا وطنيا يهدف إلى تعبئة الموارد وتوجيهها نحو مشاريع التنمية وإعادة البناء، وتجاوزت التبرعات الأولية 60 مليون دولار خلال ساعات من الإطلاق، مع توقعات باستمرار تدفق المساهمات خلال الفترة المقبلة.

صندوق التنمية هو البداية

وفي هذا السياق، يؤكد محمد صفوت رسلان، المدير العام لصندوق التنمية السوري، في تصريح للجزيرة نت، أن “هذا التمويل ليس سوى البداية، نحن نراهن على التمويل الوطني من الحكومة والأفراد والمؤسسات”.

ويضيف رسلان “الصندوق ليس مبادرة إسعافية، بل مشروع طويل الأمد يستهدف التنمية المستدامة، وربط السوريين في الخارج بمشاريع الإعمار في الداخل، فالنجاح مرهون بالشفافية والحوكمة الرشيدة”.

وعن أهمية صندوق التنمية، يقول الخبير فراس شعبو إنه يشكل خطوة داعمة وجاذبة لاستثمارات أخرى، لأنه يعمل على تهيئة المناطق المستهدفة ليكون فيها نواة لنشاط اقتصادي من خلال إصلاح الطرقات والصرف الصحي، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات، وغيرها من البنى التحتية.

في المقابل، يعتقد الباحث أحمد قربي أن الحلول التي تلجأ إليها الحكومة حاليا هي حلول منطقية، مثل الاعتماد على القوى الذاتية، لكن هذه وحدها غير كافية.

وينوه قربي إلى أن وجود مدى منظور لدعم دولي قادم هو أمر مهم جدا لإعادة الاستقرار والإعمار في سوريا، لأن الاعتماد فقط على التمويل الذاتي لن يحل المشكلة وإن كان أساسيا.

المصدر: الجزيرة

—————————

تعرف على معالم خطة زيادة الرواتب في سوريا/ أحمد العكلة

خطة زيادة الرواتب في سوريا على ثلاث مراحل: أهداف وآثار متوقعة

08 أيلول 2025

شهدت سوريا في السنوات الأخيرة ضغوطا اقتصادية غير مسبوقة نتيجة الحرب والعقوبات المستمرة، إضافة إلى التضخم المتواصل وانخفاض قيمة الليرة.

وانعكست هذه العوامل مباشرة على حياة المواطنين، خصوصا موظفي القطاع العام الذين يعتمدون على رواتب ثابتة لم تعد تتناسب مع تكاليف المعيشة المتصاعدة.

ولتجاوز هذا الوضع أعلنت الحكومة السورية خطة لزيادة الرواتب على 3 مراحل، ولا تقتصر هذه الخطة على رفع الأجور رقميا، بل تتضمن إصلاحات أوسع في قانون الخدمة المدنية، وسط جدل بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد الاعتماد على موارد ذاتية، والواقع المعيشي الذي يطرح أسئلة حول جدوى هذه الإجراءات.

زيادات شاملة وفائض مالي

وأوضح وزير المالية السوري الدكتور محمد يسر برنية في حديثه للجزيرة نت أن المرحلة الأولى تضمنت رفع الرواتب بنسبة 200%.

وهذه الخطوة -بحسب قوله- حسّنت القوة الشرائية لموظفي القطاع العام بمعدل يتراوح بين 3 و4 أضعاف، مستفيدة من تحسن سعر الصرف وإضافة التعويضات.

وأكد الوزير أن الأشهر الثمانية الأولى من العام حققت فائضا ماليا مكّن الحكومة من تغطية هذه الزيادات، رغم التوقعات بوجود عجز مالي “قابل للتمويل” مع نهاية العام، وأوضح أن هذه الزيادات تمت من موارد داخلية دون الحاجة إلى اقتراض أو مساعدات خارجية.

وفيما يخص الموازنة، أشار برنية إلى أن الإجراءات لم تؤد إلى اختلالات كبيرة بفضل تحسين الإيرادات الجمركية والضريبية، لافتا إلى أن حصيلة الرسوم الجمركية في شهر واحد باتت تعادل ما كان يُجبى خلال سنة ونصف في النظام السابق، وذلك نتيجة مكافحة الفساد وتعزيز الإدارة.

وأضاف أن الحكومة قلصت الإنفاق الاستثماري بشكل مؤقت لتجنب الاستدانة، لكنها استمرت في تخصيص مبالغ لدعم مشاريع خدمية في المحافظات مثل درعا ودير الزور.

المرحلة الثانية والثالثة من زيادة الأجور

وأشار الوزير إلى أن المرحلة الثانية من الخطة، المقررة للعام القادم، ستشمل زيادات نوعية تستهدف قطاعات محددة مثل القضاء والتعليم والصحة والرقابة والأمن والدفاع.

ويستند هذا الاستهداف إلى معايير تتعلق بالأولوية الإستراتيجية والحاجة إلى رفع الرواتب بما يتناسب مع القيمة السوقية وتحسين الكفاءة.

وبحسب الوزير، فقد ارتفعت رواتب القضاة بنسب كبيرة وصلت في بعض الوظائف إلى 10 أضعاف، في حين ستشهد رواتب المعلمين والأطباء زيادات إضافية خلال الفترة المقبلة.

أما المرحلة الثالثة فتتضمن إصلاحات جذرية في قانون الخدمة المدنية، تشمل إلغاء نظام العاملين الموحد ووضع هياكل رواتب مرنة تراعي خصوصية كل وزارة.

ووفق برنية، ستضع المؤسسات “سلال رواتب” تعكس القيمة السوقية للعمل وتسد الفجوات بين المناطق والقطاعات. كما ستتضمن الخطة تحسين رواتب المتقاعدين وتطوير نظام للتأمين الصحي خلال أسابيع، في محاولة لتعزيز رفاهية الموظفين والحد من الفساد عبر أجور عادلة.

التضخم وضغوط الموازنة

وشدد الوزير على أن استدامة هذه الزيادات ستعتمد على الموارد الذاتية عبر تحسين الإيرادات ومكافحة الفساد، إلى جانب مراقبة الأسعار لمنع التضخم.

وأكد أن زيادة الرواتب الأخيرة لم تؤد إلى ارتفاع كبير في الأسعار بفضل تحسن الإنتاجية وعودة بعض المصانع إلى العمل.

كما تحدث عن إصلاحات إضافية تتعلق بتبسيط النظام الضريبي وتطوير برامج مكافحة الفقر، من بينها إنشاء صندوق وطني للزكاة وإعادة توجيه الإيرادات الضريبية لدعم محدودي الدخل، في محاولة لتعزيز القوة الشرائية والتخفيف من الضغوط التضخمية.

لكن الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل رأى أن الزيادة في الأجور ظلت شكلية إلى حد كبير، وقال: صحيح أن الأجر الاسمي ارتفع، لكنه لم ينعكس بالكامل على الأجر الفعلي بسبب استمرار التضخم وتراجع قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية.

وأكد أن المرحلة الثانية من الخطة ستكون أكثر تعقيدا إذا لم ترافقها زيادة في الإنتاجية، محذرا من أن استهداف قطاعات محددة قد يثير مطالب مماثلة من قطاعات أخرى، ما يضغط أكثر على الموازنة العامة.

وشدد المغربل على أن إصلاح قانون الخدمة المدنية يمثل فرصة لإصلاح هيكلي حقيقي، لكنه يتطلب ربط الأجور بالأداء وتبسيط الأنظمة الوظيفية وتوحيدها لضمان العدالة والاستقرار.

وحذر من أن تمويل الزيادات عبر طباعة النقود قد يؤدي إلى عجز متزايد، مقترحا بدائل مثل تقديم دعم مباشر للفئات الأضعف، وتوسيع قاعدة الإيرادات الضريبية، وتقليص الهدر والفساد.

بين الزيادة والواقع المعيشي

إلى جانب الأرقام والتحليلات، يبقى الواقع اليومي للمواطنين هو الاختبار الأهم للخطة الحكومية. وتحدث باسم كامل، موظف حكومي يبلغ من العمر 45 عاما ويعمل في مديرية التربية، عن أثر الزيادة الأخيرة على حياته.

وأوضح في حديث للجزيرة نت أن راتبه الشهري بعد الزيادة بلغ نحو 900 ألف ليرة سورية (ما يعادل تقريبا 70 دولارا)، لكنه لا يكفي لتغطية كامل المصاريف الشهرية، التي تتجاوز 2.5 مليون ليرة (ما يقارب 193 دولارا)، بين إيجار وفواتير ومواد غذائية.

وأكد أن الزيادة ساعدت في تخفيف جزء من الأعباء، لكنها لم تحل المشكلة الأساسية المتمثلة في الغلاء المستمر.

وأشار كامل إلى أن الموظفين يعوّلون على المراحل المقبلة، خاصة ما يتعلق بالتأمين الصحي وزيادة مخصصات التعليم، لتحقيق فارق ملموس في حياتهم اليومية.

المصدر: الجزيرة

————————–

 قرار وزاري بتنظيم وكالات الشركات الأجنبية في سوريا.. هل يعزّز ثقة المستثمرين؟

2025.09.10

أصدر وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار قراراً يقضي بنقل دائرة فروع ووكالات الشركات الأجنبية من مديرية التجارة الخارجية إلى مديرية الشركات في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك.

وبموجب القرار أيضاً، يُنقل “كافة العاملين في دائرة (فروع ووكالات الشركات الأجنبية) بمسمياتهم الوظيفية إلى مديرية الشركات في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك”

وبحسب الباحث في الاقتصاد السوري، محمد سليمان، فإنّ هذه الخطوة تهدف إلى “توحيد المرجعية الإدارية وتسهيل الخدمات المقدمة للمستثمرين، إضافةً إلى تعزيز الرقابة على التزام الوكالات بحماية المستهلك”.

وقال الباحث “سليمان” لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّ “القرار الجديد يعكس توجهاً لتطوير بيئة الأعمال في سوريا عبر تقليص الازدواجية في الإجراءات وتوفير قناة أكثر وضوحاً للتعامل مع الشركات الأجنبية، ما يُسهم في زيادة الثقة بالقطاع الاقتصادي المحلي ويفتح المجال أمام تشجيع استثمارات جديدة”.

ويرى “سليمان” أنّ هذه الخطوة، إذا طُبّقت بكفاءة، ستعزّز من المنافسة العادلة وتحدّ من الثغرات التي كانت تسمح بضعف الرقابة على بعض الوكالات، بما ينعكس إيجاباً على المستهلك السوري وعلى صورة السوق السورية أمام المستثمرين الخارجيين.

عقليّة اقتصاديّة جديدة

وكان وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار قد أكّد، في وقتٍ سابق، على أنّ الحكومة السورية تشجع عودة جميع المستثمرين، على اختلاف أنواعهم، وتقدم لهم الدعم الكامل لضمان نجاح مشاريعهم واستقرارها، في إطار رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد السوري.

وشدّد على أهمية تبني عقلية اقتصادية جديدة لتطوير أدوات الإنتاج في سوريا. وشدد على حاجة البلاد الماسة لاستثمارات شاملة في مختلف القطاعات بهدف إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.

——————————-

 مصرف سوريا المركزي يسعى لتعزيز التعاون مع القطاع التجاري

إجراءات لدعم الاستثمار وتوفير التسهيلات للتجار والمصنعين

الرياض – العربية

11 سبتمبر ,2025

بحث حاكم مصرف سوريا المركزي، عبدالقادر الحصرية، مع رئيس وأعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، سبل تعزيز التعاون بين القطاع المصرفي والقطاع التجاري، بما يخدم عملية التعافي الاقتصادي للبلاد.

وأكد الحصرية، خلال اجتماع مع مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، أنّ القطاع الخاص عماد التعافي، والاقتصاد السوري سيواصل التحسن باستمرار، واصفاً غرفة تجارة دمشق بأنها ركن أساسي في عملية التعافي الاقتصادي لسوريا.

وأشار إلى أنّ المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تدوير عجلة الاقتصاد عبر تشجيع المبادرات الفردية والاستثمارية، قائلاً: “نحن نؤمن باقتصاد الوفرة، ونرحب بأن يصنع التجار ورجال الأعمال الثروات، لأن ذلك يصب في مصلحة الوطن بأسره”، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.

منحة سعودية بـ1.65 مليون برميل نفط لسوريا بتوجيه الملك سلمان وولي العهد

طاقة نفط منحة سعودية بـ1.65 مليون برميل نفط لسوريا بتوجيه الملك سلمان وولي العهد

وقال الحصرية إنّ مستقبل سوريا يرتبط بتعاون الجميع، وبأن يأخذ القطاع الخاص دوره الطبيعي باعتباره داعماً أساسياً للاقتصاد، مشدداً على أنّ عملية البناء تبدأ من كل فرد عبر مشروعه الخاص.

وتأتي هذه اللقاءات في ظل سعي الحكومة السورية إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، حيث شهدت الفترة الماضية مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى دعم الاستثمار وتوفير التسهيلات للتجار والمصنعين، في إطار خطة أوسع للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء البنية الإنتاجية والتجارية للبلاد.

—————————–

تحديث 10 أيلول 2025

——————————

من دمشق إلى العالم… الطيران السوري يستعد للإقلاعL اسماعيل درويش

عمر الحصري لـ”اندبندنت عربية: “لدى الهيئة رؤية واضحة حتى عام 2030 والسلامة الجوية تمثل الأولوية القصوى”

الأربعاء 10 سبتمبر 2025

كشفت الهيئة العامة للطيران المدني السوري عن خططها خلال الأعوام الخمسة المقبلة للنهوض بقطاع الطيران، مشيرة إلى “رؤية واضحة حتى عام 2023″، وكشفت عن قرب تشغيل مطار دير الزور أمام الطيران المدني، وفندت حقيقة تحويل مطار المزة العسكري في دمشق إلى مطار مدني خاص.

في لقاء خاص مع “اندبندنت عربية”، قال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري عمر الحصري “إن لدى الهيئة رؤية واضحة حتى عام 2030 تشمل إعادة تأهيل وتوسيع المطارات القائمة، وتحسين البنية التحتية لقطاع الشحن الجوي، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، والمشروع الأبرز حالياً هو تطوير مطار دمشق الدولي بموجب مذكرة تفاهم استراتيجية مع اتحاد شركات تقوده شركة UCC، بقيمة تفوق 4 مليارات دولار، بما يواكب أحدث المعايير العالمية ويعيد وضع سوريا على خريطة الطيران الإقليمي والدولي”، وأضاف الحصري “نلتقي بشكل دوري مع الشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال، وندرس عروضها بما يتماشى مع رؤيتنا لمستقبل الطيران في سوريا، الهدف هو اختيار الحلول التقنية الأكثر تطوراً مع التركيز على تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية، لضمان تحديث الأنظمة وفق أحدث المعايير الدولية واستدامتها على المدى الطويل”.

ورأى المسؤول السوري أن “السلامة الجوية تمثل الأولوية القصوى للهيئة، نحن ملتزمون القواعد والإجراءات الدولية، وننفذ عمليات تفتيش ومراجعة دورية، بما يضمن استمرار التشغيل الآمن في المطارات السورية على رغم التحديات الراهنة، وهناك خطة لتوسيع وتحديث أسطول الخطوط الجوية السورية عبر برنامج مرحلي متكامل، يشمل إدخال طائرات جديدة وإعادة تأهيل الطائرات العاملة، بما ينسجم مع مشاريع تطوير البنية التحتية والاستثمارات في قطاع الطيران”.

أثر رفع العقوبات على قطاع الطيران

وأكد الحصري أن رفع العقوبات على حركة الطيران المدني السوري، كان له “أثر إيجابي ملموس، لا سيما بعد قرار وزارة التجارة الأميركية الأخير الذي سمح بوصول التكنولوجيا والقطع المدنية إلى سوريا، هذا التطور يسهم في تحسين خدمات الصيانة ورفع كفاءة التشغيل، ويفتح الباب أمام شراكات استثمارية جديدة ضمن القوانين والالتزامات الدولية”، وتابع “هناك تواصل دائم مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الطيران المدني الدولي ICAO. تستقبل الهيئة، بصورة مستمرة، وفوداً فنية من منظمات الطيران لبحث الجوانب التقنية والتشغيلية، كذلك فإننا نستعد للمشاركة في الاجتماع المزمع عقده في مونتريال، وقد لمسنا دعماً وترحيباً من المجموعات العربية والدولية لعودة سوريا إلى المنظومة العالمية للطيران المدني، مما يعكس الثقة المتزايدة في مسار الإصلاح والتطوير الذي ننفذه”.

وأوضح رئيس هيئة الطيران أن “الهيئة تلتزم القانون الدولي للطيران المدني وتسعى باستمرار إلى فتح قنوات تشغيلية جديدة متى توفرت الظروف، ونعمل على تجاوز أي عقبات عبر الترتيبات التشغيلية المتاحة والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان استمرار الربط الجوي للمسافرين السوريين”.

من يعيد تأهيل مطار دمشق؟

ونفى الحصري منح شركة تركية مهمة تطوير مطار دمشق، قائلاً إن “هذه المعلومة غير دقيقة، تطوير مطار دمشق الدولي يتم بموجب مذكرة تفاهم مع اتحاد شركات تقوده UCC القطرية، ويضم الاتحاد شركات من دول عدة، من بينها شركات تركية، المعايير التي تحكم هذه المشاريع هي الكفاءة الفنية والقدرة التشغيلية والاستثمارية والجدوى الاقتصادية”، موضحاً أن “التوجه الحالي يقوم على الإدارة التجارية الحديثة، من خلال الاستثمار والشراكات وتطوير تجربة المسافر، ومع ذلك ندرك أن تعزيز الحوكمة والإصلاح الإداري يبقى مساراً مستمراً تعمل الهيئة على ترسيخه لضمان الشفافية والكفاءة”.

وضع مطاري القامشلي ودير الزور

بخصوص مطار القامشلي الذي يقع في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، قال رئيس هيئة الطيران المدني “مطار القامشلي الدولي مغلق حالياً بموجب إعلان NOTAM لأسباب تتعلق بسلامة الطيران، وهو إعلان ملزم لكل شركات الطيران، والهيئة العامة للطيران المدني السوري هي الجهة الوحيدة المخولة إدارة الأجواء السورية والإشراف على سلامة الطيران المدني”، وأكد الحصري، أيضاً، أن الهيئة “أنهت تجهيز الملفات التنفيذية الخاصة بإعادة تأهيل مطار دير الزور، وسيبدأ العمل قريباً على أرض الواقع، نهدف من خلال ذلك إلى إعادة تشغيل المطار وفق أعلى معايير السلامة الجوية، ليكون جاهزاً لخدمة حركة الطيران المدني فور استكمال الأعمال الفنية والإنشائية المطلوبة”.

وفي ما يتعلق بالتعيينات في المناصب داخل قطاع الطيران المدني، أوضح المسؤول السوري أنه يتم الاعتماد “على الكفاءة والخبرة الفنية، ويتم التعيين وفق القوانين النافذة وبرامج تدريب وتأهيل مستمرة للكوادر، أي ادعاءات مغايرة يتم التعامل معها عبر آليات رقابية ومؤسسية”.

الاندماج بالمنظومة الدولية

وتابع رئيس هيئة الطيران المدني السوري أن “التوجه المعلن للهيئة هو الاندماج الكامل في المنظومة الدولية، نحن نعمل على تحديث البنية التحتية، وتطوير الأسطول، والتزام الاتفاقات الدولية، وعلى رغم أن التحديات ما زالت قائمة، فإن المشاريع الاستثمارية والتقنية الجارية تهدف إلى ردم الفجوة وتعزيز الربط الجوي مع العالم والحركة الجوية العابرة فوق الأجواء السورية والقادمة إلى المطارات السورية، وهو مؤشر واضح للتعافي والتماشي مع المعايير الدولية”.

أما بخصوص الحديث عن تحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني دبلوماسي، فأوضح الحصري أن “هناك دراسات فنية واقتصادية شاملة تجرى حول تحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني مخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال، هذه الدراسات تأخذ بالاعتبار الأبعاد التخطيطية والبيئية والعمرانية لضمان الملاءمة، والقرار النهائي سيتخذ بما يخدم المصلحة الوطنية والتنظيم العمراني للعاصمة”.

من هو عمر الحصري؟

في الـ22 من يوليو (تموز) عام 2025، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 136 لعام 2025 القاضي بتعيين عمر هشام الحصري رئيساً للهيئة العامة للطيران المدني، والحصري من مواليد دمشق عام 1977، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء السورية “سانا”، مشيرة إلى أنه “رائد أعمال دولي بخبرة تزيد على 30 عاماً في قطاع الطيران، وشارك في تأسيس وقيادة شركة UAS International Trip Support لتصبح من أبرز مزودي خدمات الطيران عالمياً، وحائز على ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال عام 2015 من كلية هولت الدولية لإدارة الأعمال في المملكة المتحدة، وماجستير في علوم الطيران عام 2008 من جامعة ساكرامنتو في الولايات المتحدة الأميركية، وبكالوريوس في العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال”.

وبحسب “سانا” فإن الحصري كان “الرئيس التنفيذي لشركة UAS منذ عام 2000، ومستشاراً لهيئات ومنظمات دولية مثل ICAO وIBAC، وقاد مبادرات لربط قطاع الطيران بالنمو الاقتصادي في سوريا وتطوير البنية التحتية الجوية والسياسات التنظيمية، وهو ضمن قائمة أفضل 100 مدير تنفيذي عربي عام 2018، وعضو فخري في الجمعية الملكية البريطانية للطيران، ومتحدث رئيس في مؤتمرات عالمية حول مستقبل الطيران، ومسهم في حملات بيئية مثل تسلق كليمنجارو ومعسكر إيفرست دعماً لقضايا المناخ”.

“اندبندنت عربية”

——————————-

===================

تحديث 09 أيلول 2025

——————————

 بين الدعم والتحفظ.. آراء متباينة للسوريين حول إطلاق صندوق التنمية السوري/ حنين عمران

2025.09.08

​لاقت خطوة إطلاق تأسيس “صندوق التنمية السوري” في 4 من أيلول الجاري، صدى واسعاً في الشارع السوري، وعلى إثره استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء السوريين حول الحدث، لارتباطه الوثيق بواحدة من أهم القضايا التي شغلتهم على مدار 9 أشهر وهي “إعادة الإعمار”.

وتنوّعت آراء المشاركين بين من اعتبرها خطوة إيجابية تستند إلى أموال أبناء البلد وتستحق الدعم، وبين من أبدى تشككاً في جدواها أو في آليات تنفيذها، وسط تطلعات عريضة لأن تتحول الوعود إلى مشاريع ملموسة تخفّف من أعباء الحياة اليومية وتعيد الأمل للسوريين.

“نحن نعمرها ولا حاجة للغريب”

وفي وقتٍ انتقد سوريون فكرة إطلاق تبرعات لدعم مسارات خدمية في سوريا، وجد آخرون أنها فكرة تستحق المدح لكونها من أموال أبناء البلد وإليهم، من دون الحاجة إلى الاستدانة من الدول الأخرى وبالتالي إغراق البلد في الديون أو إملاء شروط عليها مقابل تمويل المشاريع ودفع تكاليف الإعمار.

يرى سمير الأشمر في حديث لموقع تلفزيون سوريا، وهو رجل أعمال عايش فترة حكم الأسد الأب والابن، أن الفكرة جيدة في حال نُفِّذت المشاريع الموعودة بهذه الأموال.

في حين يعتبر أمجد الجباوي أن هناك خطوات جدية وحقيقية لإعادة إعمار البلد، وبما أن هذه الفكرة ليست إلا تتويجاً لمبادرات أبناء البلد مثل “أبشري حوران” و”أربعاء حمص”، فإن الحكومة، بحسب رأيه، تبنّت فكرة أطلقها الشعب نفسه ودعمت جهودهم بتقديم الدعم والإدارة والتوزيع.

وتقول شكران راجح إن هذه الفكرة هي تذكير للمقتدرين من أبناء البلد بما غفلوا عنه، وتوضح في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن “الكثير من الناس لديهم المقدرة ولديهم الرغبة أيضاً بالمساهمة في إعمار البلد، ولا سيما بعد تجدد الأمل والشعور بالانتماء لديهم عقب سقوط النظام، لكنهم أرادوا جهة موثوقة يمنحونها من أموالهم دون أن يشعروا بأنها راحت سدى، والصندوق حقق لهم هذه الإرادة”.

تجارب عربية واعدة

ويرى الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “التبرعات التي تأتي من خارج الأطر الحكومية في الحالة السورية أمرٌ طبيعي وله مبرراته مثل ضعف الإمكانيات المادية للدولة والفراغ في خزينة الدولة – كما صرّحت الحكومة السورية في وقت سابق – ولا سيما أننا نمتلك وقتاً قبل إقرار الموازنة الجديدة مع بداية العام 2026، وإلى حين ذلك يجب إعادة ترتيب الدولة ومؤسساتها داخلياً وتغطية احتياجات السنة الحالية بالمشاريع الإسعافية”.

وأشار القضيماتي إلى تجربة مشابهة في دولة عربية مثل “صندوق التنمية الوطني السعودي” الذي تم إقراره في 2017 ويستهدف دعم القطاعات الصناعية والزراعية والعقارية، وأيضاً “صندوق الكويت للتنمية الاقتصادية العربية” الذي يمنح قروضاً للدول النامية.

ويضيف قضيماتي: “يجب أن يلتمس المواطن السوري نتائج قصيرة أو متوسطة المدى بحسب توقعاتي، وهو ما يستغرق 6 أشهر حتى سنتين، كما يمكن دعم الصندوق بشكل أكبر على المدى البعيد من خلال تمويله بالضرائب والرسوم وتنوع التبرعات الواردة إليه، مع إمكانية اقتطاع جزء من الموازنة العامة عند إقرارها في السنة المالية الجديدة”.

ثقة مشروطة بالنتائج

عاين أبناء دمشق خلال السنوات الماضية مسلسلاً مستمراً من أكاذيب النظام المخلوع، والتي غالباً ما حملت سمة إنسانية أو صيغةً تنموية أو شعاراً وطنياً، وهو ما أعطاهم انطباعاً مسبقاً حول هذا النوع من الأفكار القائم على جمع الأموال.

في حديثٍ لموقع تلفزيون سوريا، يؤكد نضال الحسين، العامل في محل عصير بمنطقة الجسر الأبيض، أن الشعب أصابه الملل من إطلاق المعارض والمؤتمرات و”المشاريع على الورق”، على حد تعبيره، ولا سيما أن الأحوال المعيشية صعبة بما فيه الكفاية.

ويعقد الحسين آماله برؤية مشاريع حقيقية تُنفَّذ بهذه التبرعات، ولا سيما في مجال الخدمات كالكهرباء والمياه والصرف الصحي في المناطق المدمرة لكونها أولوية في الوقت الحالي.

ويتابع: “يمكنني ترميم منزلي على حسابي الخاص، لكننا بحاجة إلى أن نجد شبكات صرف صحي وتمديدات مياه وكهرباء في مناطق عانت القصف ومليئة بالأنفاق مثل جوبر وزملكا وداريا وعربين وغيرها. يجب أن يُخصّص جزء كبير من هذه التبرعات لهذا الغرض”.

ويضيف: “لا حاجة لنا بالأبراج الشاهقة والمعارض الفخمة، فهذه لا ندخلها ولا دخل لنا بها. بل نحتاج فرص عمل للشباب وتأمين القوت اليومي للعائلات والتخلص من ظاهرة التسوّل وعمالة الأطفال”.

وتتفاوت تطلعات السوريين فيما يتعلق بالمشاريع المنتظرة والمدرجة في خطة صندوق التنمية السوري، إذ تم الإعلان بأنه سيُخصَّص جزء من التبرعات لإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية بهدف رفع ساعات التغذية الكهربائية إلى 12 ساعة يومياً بحلول عام 2026، من خلال بناء خمس محطات كبرى بقدرة 3000 ميغاواط، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى إصلاح 400 محطة مياه.

كما رُصدت مبالغ لإعادة تأهيل 3000 مدرسة، وبناء 500 مدرسة جديدة، وتوظيف 20 ألف معلم. ويشمل المشروع أيضاً بناء 20 مستشفى جديداً وترميم وتأهيل المرافق الصحية المتضررة.

وكان صفوت رسلان، مدير الصندوق، قد صرّح في مقابلة مع تلفزيون سوريا بأن الأولوية للمخيمات وتأهيل المناطق التي سيعود إليها النازحون من ناحية البنى التحتية وشبكات الصرف الصحي والمياه وتمديدات الكهرباء وأيضاً المراكز الصحية والمدارس.

وفي التعليق على ذلك، يذكر محسن علي لموقع تلفزيون سوريا أن كل ما تم الحديث عنه من مخططات الصندوق يجب أن ينعكس واقعاً على قطاع التعليم والصحة بشكل أساسي.

ويقول: “البدايات مبشّرة بالخير، لكن ننتظر أن ينعكس ذلك على الواقع المعيشي والخدمي حتى نتيقن من أنها استُثمرت في المكان الصحيح، فاحتياجات الناس ليست أبراجاً بل تحسين مقومات الحياة الأساسية كالرواتب الشهرية والقدرة على العلاج وتعليم أولادنا”.

ويتابع: “نحتاج إلى العمل الحقيقي على إعادة تأهيل الشوارع والأرصفة في دمشق وريفها، لا العمل على إصلاحها فقط، بل أيضاً مراعاة الهامش الجمالي والسياحي فيها. من هنا يكون التغيير الذي يلتمسه الشعب”.

تبرعات غير كافية وتجربة يجب أن تُعمم

تابع السوريون فعالية صندوق التنمية السوري بترقّب في انتظار الرقم النهائي للتبرعات، والذي تجاوز 64 مليون دولار بحسب تصريحات مدير الصندوق صفوت رسلان لتلفزيون سوريا، وهي تضم التبرعات الواصلة إلى الصندوق والتعهدات الخطية التي قدّمها المتبرعون في حفل الإطلاق.

إلا أن بعضهم وجد أن الرقم قليل على الرغم من أنه استهدف السوريين من جميع المحافظات والمغتربين أيضاً. وكان صفوت رسلان قد أجاب عن هذه النقطة في مقابلته مع تلفزيون سوريا بأن الفعالية في قلعة دمشق كانت للإشهار وليست لجمع التبرعات، كما أنهم لم ينسّقوا مسبقاً لجمع التبرعات، بحسب قوله.

وأكد رسلان أن جمع التبرعات يحتاج إلى عقد مؤتمرات تُعرَف بـ”مؤتمرات المانحين”، ويجب أن يكون هناك خطة وأهداف معلنة للمانحين، وهو ما لم يحصل بعد.

ضعف الترويج

عدد من الذين سألهم موقع تلفزيون سوريا أكدوا عدم معرفتهم بأن التبرع متاح للجميع. وفي هذا السياق، يقول التاجر محمد مولوي لموقع تلفزيون سوريا: “نأمل بأن يكون هذا الصندوق فاتحة خير لإعمار بلد، لكنني شعرت بأن الرقم قليل. ورغم ذلك، واجب على كل منّا التبرع ولو كان المبلغ ضئيلاً، لكننا لم نكن نعرف أن التبرع متاح لعدم توضيح الأمر قبل إطلاق الصندوق”.

وعن ضعف الترويج وسوء التنسيق الذي سبق الإطلاق، يعتقد أكرم صالح الحسين لموقع تلفزيون سوريا أن الترويج لافتتاح الصندوق كان ضعيفاً من ناحية الإعلان الذي سبقه، فبعض الناس ممّن لا يتابعون الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير لم يسمعوا به أصلاً”.

يقول أكرم: “لم يسمع بعض الناس بالصندوق، وبعضهم لم يعرفوا إن كانوا يستطيعون التبرع أم أنه موجه لرجال الأعمال والتجار فقط. كما كان يجب أن يتم إطلاقه بالتوقيت نفسه في جميع المحافظات السورية بدلاً من التركيز على العاصمة فقط”.

يُذكر أن حملة إعلامية تضمنت النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال الإعلانات الطرقية وأيضاً دعوة الجهات الإعلامية والصحفيين سبقت إشهار الصندوق بوصفه مؤسسة سيادية مستقلة تستقبل التبرعات لإعادة إعمار سوريا وإطلاق المشاريع الخدمية والتنموية.

ويعتبر الشيف محمود هلال، الذي يملك مطعماً متنقلاً في الشعلان وسط دمشق، أن كل هذه التبرعات غير كافية، إذ إن الدمار في سوريا، بحسب رأيه، يحتاج إلى مليارات الدولارات.

ويرى هلال في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أن التركيز الأكبر يجب أن يكون على بناء الإنسان والاستثمار في البشر قبل الحجر. ويقول: “يجب أن يتم تخصيص جزء من التبرعات لصالح تمويل المشاريع الصغيرة من أجل تشغيل عجلة الاقتصاد بشكل حقيقي ومنح قروض ومواقع للاستثمار والتوظيف”.

وكان الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي قد أشار في حديثه إلى أنه يمكن الاستفادة من الصندوق بتخصيص جزء منه مستقبلاً لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب “تخصيص مبلغ منه للدخول بشراكات استثمارية داخلية بحيث يشكل عائد الاستثمار وارداً للصندوق نفسه”.

هموم معيشية

وفي خضمّ الهموم المعيشية التي يعيشها السوريون اليوم، لا يطلبون أكثر من توفير شواغر العمل ورفع القدرة الشرائية بما يتيح للعامل إعالة أهله وكفايتهم. يقول عبد القادر شمدين لموقع تلفزيون سوريا: “نقول إن الأوضاع تحسنت فعلاً وأن هذه التبرعات حققت نتائجها عندما لا نرى بطالة بين الشباب، وعندما يستطيع العامل شراء فروج كل أسبوع لعائلته”.

في حين يتساءل آخرون عن مصير الأموال التي وصلت إلى سوريا عقب سقوط النظام من المنظمات والدول العربية والأجنبية، فضلاً عن جدية تنفيذ المشاريع وتحقيق الوعود، مثل تحسين عدد ساعات الوصل الكهربائي وتحسين أحوال المستشفيات الحكومية.

يقول رامز يوسف، العامل في مجال الحلويات، لموقع تلفزيون سوريا: “كثير من الوعود أُطلقت منذ بداية التحرير، لكننا لا نريد أن تتكرر تجارب النظام البائد في سوريا الجديدة، ونحن نعلم جيداً أن الأمر لا يتم بعصا سحرية، ولكننا ننتظر بصبر ومراقبة، ومن حقنا المساءلة عن مصير هذه الأموال”.

في حين أشار محدثنا الجباوي إلى أن ما فعلته الحكومة السورية الجديدة منذ تسلمها إدارة البلاد يعتبر “إنجازاً”، بحسب وصفه، ويضيف: “ما فعلوه من ضبط الأوضاع الأمنية وتحسين المرتبات الشهرية للموظفين وتحسين بعض الجوانب الخدمية، ولو كان بشكل طفيف، يعتبر إنجازاً في وقت قياسي وإن كان غير كافٍ”.

وكان كل من الرئيس الشرع ومدير الصندوق صفوت رسلان قد أكدا في كلمتهما عند إطلاق صندوق التنمية السوري أن “الشفافية” في الواردات والنفقات هي العنوان العريض لهذا الصندوق، وأن الشكاوى مرحّب بها من خلال تخصيص قناة آمنة للإبلاغ عن أية مشكلات أو أخطاء متعلقة بعمل الصندوق وتنفيذ المشاريع.

تلفزيون سوريا

———————————

هل تحتاج “سوريا الجديدة” إلى بورصة؟/ مناف زيتون

09.09.2025

ليست البورصة مجرّد مساحة لفئة ضيّقة من المستثمرين والمتداولين، بل يمكنها أن تتحول الى مرآة تعكس ثقة الاقتصاد بالأداء الحكومي.

يقف وزير المالية السوري محمد الحسين خلف ميكروفونات قنوات محلية وعربية، تتجاور ضمنها شعارات قنوات أورينت والمنار والدنيا والجزيرة، وخلفه في صدر قاعة التداول لوحة بيانات السوق الفقيرة التي تحتوي على بيانات ستة أسهم، وبجوارها صورة لبشار الأسد.

هذه العناصر الظاهرة في إحدى الصور التي تم تداولها عام 2009 مع خبر انطلاق البورصة الوليدة، والذي جاء خبراً عابراً لا يتذكره معظم السوريين باستثناء بعض المهتمين من المستثمرين والصحافيين، وبعد أكثر من 16 عاماً على انطلاقتها، جاء خبر عودتها إلى العمل للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، صرّح حينها  وزير الاقتصاد السوري محمّد نضال الشعار بأن أولوية الفترة المقبلة هي: “تغيير الذهنية التي ورثناها من النظام البائد”.

لكن في بلدٍ لا فائض دخل فيه لدى معظم سكانه ليستثمروه في الأسهم والسندات، هل تحتاج سوريا الجديدة الى بورصة؟ وهل استفادت منها سوريا القديمة أصلاً؟

ردّة متواضعة عن اقتصاد البعث

لم يبدأ تداول الأسهم في سوريا مع بورصة دمشق بصورتها الجديدة، إنما كان يمارس سابقاً في أحد تفرّعات سوق الحميدية في سوق البورصة ضمن سوق العصرونية، ولم تكن هذه السوق “بورصة” بمعناها المعاصر، إنما مجرّد بقعة جغرافية يجتمع فيها الوسطاء ومندوبو البنوك الخاصة والمتداولون لشراء وبيع أسهم بعض الشركات السورية، واستمرت حتى بداية الستينات لتضمحلّ بفعل تأميم معظم الشركات المتداولة فيها، ونهاية بحظر التداول فيها بقرار من الرئيس البعثي أمين الحافظ.

تأخرت سوريا عن الدول المجاورة في توفير خيارات تداول للمستثمرين المحليين، الذي كانوا كثيراً ما يلجأون إلى التداول عبر وسطاء غير قانونيين في دمشق وبيروت، إذ لم تفقد الدول الأخرى المجاورة بورصاتها المؤسسة في مراحل مبكرة كسوريا، مثل مصر التي بدأت البورصات فيها في الإسكندرية (1883) والقاهرة (1903) قبل توحيدهما عام 1997، وبورصة بيروت (1920)، كما تأخرت عن الدول العربية التي ركبت موجة الأسواق المالية متأخرةً، وآخرها الأردن الذي أطلق بورصة عمّان (1999).

كانت العودة لتوفير سوق لتداول الأسهم والسندات خطوة رمزية ضمن التحول الذي كان يشهده الاقتصاد السوري من النموذج الاشتراكي إلى النموذج الرأسمالي تحت مسمى “اقتصاد السوق الاجتماعي”، وعبّرت عن التراجع عن التغيرات الاقتصادية العميقة التي فرضها النظام البعثي، وإعادة البورصة التي تعد أكثر تمظهرات النظام الرأسمالي جلاءً.

صدر عام 2005 القانون رقم 22 القاضي بإنشاء هيئة الأوراق والأسواق المالية في سوريا، وتبعه بعد أشهر قليلة في عام 2006 المرسوم التشريعي رقم 55 القاضي بإحداث سوق لتداول الأوراق المالية باسم “سوق دمشق للأوراق المالية”، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. وكما هي حال البورصات المنشأة حكومياً، لا تخضع هذه السوق للقوانين والأنظمة الخاصة بالقطاع العام، ولا يخضع العاملون فيها للقانون الأساسي للعاملين في الدولة.

جاءت انطلاقة سوق دمشق للأوراق المالية في منطقة برزة مسبقة الصنع على أطراف دمشق، على مقربة من مركز البحوث العلمية سيئ السمعة المرتبط بالأسلحة الكيميائية، إذ بدأت في عام 2009 بثلاثة أسابيع من التداول التجريبي، أي بدون تغيير حقيقي في ملكية الأوراق المالية لاختبار جودة الأنظمة التي تعمل عليها، وتم الافتتاح الرسمي في 10 آذار/ مارس 2009.

بدأت سوق دمشق للأوراق المالية بإدراج ستة أسهم فقط، وهي أسهم أربعة بنوك (بيمو السعودي – الفرنسي، والعربي – سوريا، وسوريا والمهجر، وعودة- سوريا)، والشركة المتحدة للنشر والإعلان والتسويق (المعروفة باسم UG) والشركة الأهلية للنقل، ويتم تداولها عبر أربع شركات وساطة، تتبع إحداها لمجموعة بنك بيمو أيضاً.

كانت البدايات متواضعة، فجلسات التداول كانت محدودة بجلستين أسبوعياً زادت تدريجياً إلى أربع جلسات، وتم خفضها وزيادتها مرات عدة حتى وقتٍ قريب، إذ خُفض عدد الجلسات الأسبوعية إلى جلسة واحدة فقط في آذار 2020، ومن ثم زادت إلى خمس جلسات أسبوعية بعد أقل من شهرين، إضافة إلى أحجام تداول لا تتجاوز آلافاً عدة من الدولارات في بعض الجلسات.

كانت جلسة التداول الأخيرة في ظل النظام الأسدي يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وشهدت انخفاض مؤشر الأسهم القيادية (DLX) بنسبة كارثية بلغت 4.17 في المئة، على رغم انخفاص سعر صرف الليرة السورية التي تسعّر بها هذه الأسهم. وعادت سوق دمشق للأوراق المالية الى العمل بعد نحو سبعة أشهر من سقوط النظام، في 2 حزيران/ يونيو الماضي.

لا يمكن القول إن بورصة دمشق لعبت دوراً مهمّاً في الاقتصاد السوري سواء قبل الثورة أو بعدها، إذ كانت القيمة السوقية الإجمالية للشركات كافة المدرجة فيها بنهاية عام 2023، نحو 10 تريليونات ليرة سورية بحسب التقرير السنوي الأخير الصادر عن السوق، أي نحو 700 مليون دولار و3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العام ذاته، البالغ 19.9 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي.

لوضع هذا الرقم في سياقه، تبلغ القيمة السوقية الإجمالية للشركات المدرجة في بورصة لندن 3.4 تريليون دولار، مقارنة بناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 3.7 تريليون دولار.

يمر الاقتصاد السوري بمرحلة حساسة منذ مطلع القرن الحالي، إذ يغيب عنه – سواء في ظل النظام السابق أو الإدارة الحالية – تصور واضح لشكل الاقتصاد المرغوب.

هل سوريا بحاجة الى بورصة؟

تعد البورصات وأنشطة التداول بشكل عام حلقة أساسية في العلاقة بين طرفين أساسيين: المدّخرون والمقترضون، العلاقة التي يقوم عليها نظرياً كل القطاع المالي بمختلف أشكاله من بنوك وشركات تأمين وشركات وساطة وغيرها.

في حديث مع “درج”، قال محمد حبش، محرر مدوّنة ناسداك، إحدى أقدم المدوّنات الاقتصادية العربية، إن لوجود بورصة أو سوق أوراق مالية فوائد لمختلف الأطراف، “بالنسبة الى الشركات، الفائدة هي إمكانية الحصول على تمويل إضافي للتوسّع والنمو وتطوير الأعمال بدون أن يكون هناك قرض تجب إعادته”، في إشارة إلى عمليات التمويل القائمة على طرح أسهم الشركات أو توسعة رأس المال عبر طرح أسهم جديدة أو استبدال الأرباح الموزعة بزيادة حيازة مالكي الأسهم.

أما بالنسبة الى السوريين، فالبورصة تتيح لهم “توظيف أموالهم في قنوات استثمارية مربحة حقيقية، وليست مضاربة كما حصل مع العقارات سابقاً”، وفي ما يتعلق بالاقتصاد فإنه يستفيد من “توظيف مدخرات الناس في استثمارات بسيطة، بخاصة صغار المدخرين، وتدوير رأس المال”.

كما تلعب البورصات دوراً مهمّاً في مكافحة الفساد والسلوك غير النزيه في القطاع الخاص. بحسب حبش، فإن “الشركات العائلية لا تحتاج الى حوكمة ورقابة مثل الشركات المساهمة، التي تفرض طريقة المساءلة فيها حوكمة أعلى من خلال الجمعية العمومية (التي تضم عموم مالكي أسهم الشركة) ومجلس الإدارة وعلاقته مع المدير التنفيذي”.

وتظهر أهمية النقطة الأخيرة التي أشار إليها حبش، في معايير النزاهة المالية المطلوبة لأي شركة مساهمة كي تحافظ على قيمتها السوقية، والتي تضطر البورصات إلى فرضها كي تحتفظ بمصداقيتها، فمع عودة سوق دمشق للأوراق المالية الى العمل في حزيران الماضي، عادت أسهم 15 شركة فقط للتداول من أصل 27، ويعود غياب 12 شركة عن التداول إلى عدم إصدارها إفصاحاتها المالية لعام 2024، وفقاً لبيان صادر عن سوق دمشق للأوراق المالية قبيل عودة التداول.

وفي الحالة السورية، تظهر أهمية وجود البورصة جليّة عندما نرى أننا لا نعرف القيمة الحقيقية لمعظم الشركات الكبرى في سوريا، بسبب ملكيتها العائلية، وكل ما نعرفه عنها هو رأس مالها الذي يمكن وصفه بأنه “نظري” إلى حدٍّ ما، فرأس المال هذا غالباً لا يعدو كونه جزءاً من البيانات الثابتة في ترخيص هذه الشركات.

الاستثناءات القليلة لهذه القاعدة تشمل الشركات التي يتم تداولها في سوق دمشق للأوراق المالية، ومن بينها إم تي إن وسيريتل التي كانت لديها غرفة خاصة بها لتداول أسهمها قبل انطلاقة سوق دمشق للأوراق المالية، وبسبب تداول أسهم هذه الشركات، يمكننا أن نعرف قيمتها “الحقيقية” بشكل شبه يومي.

ورد في التقرير الذي نشرته رويترز في 25 تموز/ يوليو الماضي، أسماء خمس شركات استحوذت عليها اللجنة السرية التي يتناول التقرير عملها، وباستثناء سيريتل لا نعرف القيمة الحقيقية لأي من هذه الشركات، إضافة إلى “الغروب” المرتبط باسم يسار ابراهيم، كما لا يمكن الوثوق بأي من بياناتها المالية إن تم تقديمها للعموم أصلاً، بما فيها السورية للطيران.

بالتالي، فإننا لن نعرف القيمة الحقيقية للصندوق السيادي الذي أُسِّس في حزيران الماضي، وبعكس الصناديق السيادية الكبرى التي غالباً ما تحتوي سلتها الاستثمارية على شركات ذات أسهم مطروحة للتداول العام أو ذات تقييمات دورية لقيمتها، ستظل قيمة الصندوق السيادي السوري مجرّد تقديرات نظراً الى طبيعة الملكية العائلية أو الحكومية لمختلف الشركات التي يُرجح أن تضاف إليه.

يمر الاقتصاد السوري بمرحلة حساسة منذ مطلع القرن الحالي، إذ يغيب عنه – سواء في ظل النظام السابق أو الإدارة الحالية – تصور واضح لشكل الاقتصاد المرغوب. ويظهر التخبط جلياً في المراوحة بين آليات الاقتصاد الاشتراكي، المتمثلة في السيطرة الحكومية على سعر الصرف وبعض القطاعات الحيوية، وآليات الاقتصاد الرأسمالي التي تتجلى في ضعف النظام الضريبي ونظام التأمينات الاجتماعية والدعم وعدم تكييفها مع الأزمة الاقتصادية الخانقة الممتدة لأكثر من عقد من الزمن.

في هذا السياق، يمكن لبورصة نشطة تغطي نسبة واسعة من كبرى الشركات السورية وفروع الشركات الأجنبية في سوريا – كحال الكثير من البنوك حالياً – أن تعلب دوراً جوهرياً في التحول الاقتصادي الحاصل، إذ تضمن الشفافية وعدم التلاعب بالبيانات المالية، الأمر الذي يبدو أن السوريين بحاجة إليه في ظل الإعلانات المتتالية عن صفقات حكومية بمليارات الدولارات مع شركات لا تفصح بياناتها المالية سوى عن أرباح سنوية لا تتجاوز آلاف الدولارات.

وحتى على صعيد إيرادات الخزينة، فإن الشفافية المالية التي يعززها التداول العام لأسهم الشركات قادرة على الحد بشكل واسع من التهرب الضريبي لكبرى الشركات، خصوصاً تلك التي يبدو أنها حافظت على وضعية الطفل المدلل من العهد السابق، والتي تدور دائماً الشبهات حول التزامها الفعلي بتقديم تقارير دقيقة عن وضعيتها المالية ودفع الضرائب والرسوم على أساسها.

كما يمكن لطرح سندات الخزينة في بورصة دمشق أن يتيح للحكومة السورية الاقتراض من السوريين والأفراد والشركات المحلية عموماً، بدلاً من التوجه للقروض من الحكومات والبنوك العالمية وصندوق النقد الدولي، والتي ترافقها عادة شروط تلزم الاقتصاد بانفتاح وحدّ من الدور الحكومي بما لا يخدم عامة السكان غالباً.

البورصة كمجهر سياسي

بالنسبة الى أي متابع لقطاع السيارات الكهربائية والهجينة، تنحصر المنافسة الحقيقية بين شركتي تيسلا الأميركية و”بي واي دي” (BYD) الصينية. وإلى جانب التقارب المستمر في مبيعات الشركتين، فقد أثبتت الشركة الصينية سرعة أكبر في تطوير التقنيات المرتبطة بهذه الصناعة، والتي جعلت “بي واي دي”  تورّد بطاريتها “الشفرة” الشهيرة لشركة تيسلا، التي تستخدمها في سياراتها المنتجة في ألمانيا.

على الرغم من ذلك، فإن القيمة السوقية لشركة “بي واي دي” بالكاد تشكّل 15 في المئة من القيمة السوقية لشركة تيسلا، وذلك بناءً على أداء أسهم الشركتين في بورصات ناسداك وهونغ كونغ. يعود هذا الاختلاف إلى الدور الذي تلعبه الأسواق المالية، والذي يتجاوز مجرد تداول الأسهم والسندات، فهي تعبر أيضاً عن أداء الاقتصادات التي تعمل ضمنها والبيئات التنظيمية والسياسية المحيطة بها.

لهذا، لا يعكس الفرق الكبير في القيمة السوقية بين شركتي “تيسلا” الأميركية و”بي واي دي” الصينية أداء الشركتين فقط، بل أيضاً الفروقات بين الاقتصادين الأميركي والصيني من حيث البيئة الاستثمارية والتنظيمية، ما يمنحنا مؤشراً واضحاً إلى الفارق في ثقة المستثمرين في القرارات الحكومية والسياسات الاقتصادية والنقدية الأميركية مقابل نظيرتها الصينية.

وهنا يبرز الدور السياسي والأهم لبورصة نشطة مرتفعة القيمة السوقية، إذ تشكل البورصات الضخمة مجهراً يوضّح رد فعل الأسواق التفصيلي على السياسات والقرارات الحكومية بالأرقام وبشكل مستمر وفوري.

ظهر هذا الدور جلياً مثلاً عندما صوّت البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ هبط مؤشر “فاينانشال تايمز ستوك إكستشينج 100” (FTSE100) الذي يقيس أداء أكبر 100 شركة في بورصة لندن، بنحو 7 في المئة مع بداية التداول بعد انتهاء الاستفتاء.

وكذلك الأمر بالنسبة الى الرسوم الجمركية التي يحاول ترامب فرضها، فعلى رغم ادعاءات الإدارة الأميركية بأن هذه الرسوم من شأنها أن تدعم الصناعة الأميركية، إلا أن كل تطور يصب في احتمالية فرض هذه الرسوم كان يؤدي الى هبوط عام في أسواق الأسهم. كما ساهمت سوق السندات في التعبير عن اهتزاز الثقة عالمياً بالدولار الأميركي عبر موجة بيع واسعة اضطرت الرئيس الأميركي أخيراً لتجميد الرسوم في نيسان/ أبريل الماضي.

وحتى على مستوى بورصة دمشق المتواضع، فقد صعد مؤشر الأسهم القيادية (DLX) بأكثر من 140 في المئة منذ عودة التداول وحتى ذروته في 27 تموز/ يوليو الماضي، معبراً عن تفاؤل المستثمرين القلائل الذين يتداولون الأسهم القيادية السورية، ليعود إلى الهبوط بأكثر من 13 في المئة خلال أسبوعين بالتزامن مع إعلان الحكومة السورية عن المشاريع الكبرى بحضور المبعوث الأميركي توماس براك.

قال وزير المالية عند الاحتفال بعودة سوق دمشق للأوراق المالية للتداول، إن السوق تتجه نحو التحول إلى شركة خاصة، وهو تحوّل منطقي، إذ إن معظم البورصات الكبرى عملياً هي شركات خاصة. وبكل الأحوال، تعمل هذه السوق حالياً كشركة خاصة، فهي مسؤولة عن تأمين مواردها المالية، وتغطي النقص الذي قد يصيبها عبر الاقتراض من الحكومة السورية.

ولكن في سوريا، فإن خصخصة مؤسسة “بورصة دمشق” بالذات في هذا التوقيت مسألة حساسة لما فيها من تخلٍّ حكومي عن الدور الرقابي، على رغم إشراف هيئة الأسواق والأوراق المالية عليها.

أياً كان مصير ملكية بورصة دمشق ومستقبلها لناحية عدد الشركات المدرجة فيها وقيمتها، فإنها سيف ذو حدين لم يخرج من غمده بعد، فإما تتحول الى بوابة نحو اقتصاد أكثر تنظيماً وشفافية وعدالة، أو أداة فعالة في تبييض الفساد والتلاعب بمؤشر مهم إلى نجاعة الأداء الحكومي.

درج

———————————

 الوظيفة العامة في سوريا: التعيينات عشوائية والقانون مؤجل/ دمشق – رهام علي

الثلاثاء 2025/09/09

منذ عقود، ظلّ ملف التوظيف في القطاع العام في سوريا مرهوناً بقوانين متبدلة وتعليمات استثنائية، راوحت بين محاولات للضبط الصارم، وفترات من التسيّب والعشوائية. وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يوفّر قانون العاملين الأساسي الرقم 50 للعام 2004 إطاراً واضحاً لضمان العدالة وتكافؤ الفرص، غير أن التطبيق العملي أظهر ثغرات كبيرة سمحت بانتشار المحسوبيات وتضارب المعايير.

في موازاة ذلك، تعمل وزارة التنمية الإدارية حالياً على صياغة مشروع قانون “الخدمة المدنية” ليكون بديلاً عن قانون العاملين الأساسي الرقم 50 للعام 2004، بهدف إعادة هيكلة الوظيفة العامة على أسس جديدة من الكفاية والانضباط. وفي حين يغيب الموقف الرسمي عن المشهد، تتباين آراء الخبراء القانونيين والاقتصاديين حول سبل معالجة المرحلة الانتقالية، وضمان عدم ترسيخ التوظيف العشوائي.

إصلاح مؤجل.. ومسابقات معلّقة

في مطلع العام 2022، أعلنت وزارة التنمية الإدارية عن “المسابقة المركزية”، لتكون أكبر عملية توظيف في تاريخ القطاع العام، مع وعود بكسر حلقة الفساد والمحسوبيات. صدر الإعلان في 9 كانون الثاني، وحُدد آخر موعد للتقديم في 17 آذار، ليتدفّق أكثر من 209 آلاف طلب من مختلف المحافظات، وهذا ما عكس تعطشًا واسعًا لفرص العمل. لكنَّ ما بدا خطوة إصلاحية، سرعان ما تحول إلى أزمة جديدة؛ إذ تراكمت الشكاوى حول التدخلات والمحسوبيات في فرز النتائج، قبل أن تعلن الوزارة عن قبول حوالي 22 ألف ناجح فقط، ليبقى عشرات الآلاف في خانة المنتظرين.

اللافت أن القانون الأساسي للعاملين الرقم 50 لم يمنح غطاءً كافيًا لضمان نزاهة هذه العملية؛ إذ بقيت آليات المسابقة خاضعة لقرارات إدارية قابلة للتعليق أو التعديل، من دون رقابة مستقلة أو ضمان للطعون. ومع تصاعد الانتقادات وفضائح شبهات الفساد في عمليات التصحيح والتعيين، تحولت “المسابقة المركزية” من رهان على الإصلاح إلى شاهد إضافي على هشاشة النظام القانوني، وعجزه عن حماية مبدأ تكافؤ الفرص.

الخدمة المدنية بدلاً عن قانون العاملين

في 30 حزيران 2025، أُقر تشكيل اللجنة المكلفة بصياغة مشروع قانون “الخدمة المدنية” برئاسة وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف. اللجنة تضم ممثلين عن الوزارات المعنية وخبراء في الموارد البشرية والتشريعات الإدارية، وهدفها مراجعة قانون الخدمة المدنية وتعديله.

منذ تشكيلها، عقدت اللجنة اجتماعات عدة لمناقشة مسودة القانون وتفاصيله. وبين تموز وآب 2025، ركزت اجتماعاتها على إدارة الموارد البشرية في الدولة، آليات التوظيف، الترقية، والتدريب، إضافة إلى تعزيز الشفافية، تكافؤ الفرص في القطاع العام، تعزيز الانضباط المهني، وضمان بيئة عمل عادلة وآمنة لجميع الموظفين، مع تحديد قواعد السلوك الإداري والعقوبات التأديبية.

وعلى هذا النحو، تواصل اللجنة اجتماعاتها المكثفة لاستكمال صياغة المشروع قبل نهاية الشهر الجاري، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الإقرار الرسمي للمشروع.

التوظيف الداخلي: حل مرحلي أم التفاف على الأزمة؟

وفي الاتجاه نفسه، أطلقت وزارة التنمية الإدارية، أخيراً، نظام “التوظيف الداخلي”؛ كي يكون آليةً لإعادة توزيع الكوادر القائمة وتقليص الترهل، حيث يُسمح للعاملين الدائمين في الجهات العامة بالتقدم لشواغر جديدة بشرط إرفاق وثيقة “لا مانع” من جهاتهم. ويُفاضَل بينهم وفق معايير الكفاءة والتخصص والخبرة، وهذا ما يجعل هذه الآلية خطوة انتقالية لتنظيم الموارد البشرية، لكنها لا تُغني عن إصلاح شامل لقانون العاملين، أو عن نظام توظيف عادل وشفاف.

تعيينات بلا أثر إداري

مصدر إداري في إحدى الوزارات، معنيّ بملف العقود، يوضح لـ “المدن” أن الآلية الطبيعية للتوظيف كما كانت تجري سابقاً، تبدأ عادةً من قسم الشؤون الإدارية، ثم تُحال المعاملة إلى الجهاز المركزي للرقابة المالية لاعتماد الملاك والتثبيت، مشيراً إلى أن أي موظف جديد لا يُباشر عمله إلا بعد استكمال أوراق التعيين النظامية، بدءاً من مذكرة المباشرة وصولاً إلى الصكوك الرسمية.

لكن المصدر يؤكد أنّ الوضع مختلف تماماً اليوم: “لم نرَ أية أوراق تخص المدراء الجدد أو الموظفين الذين جرى تعيينهم أخيراً. لا توجد عقود، ولا مذكرات مباشرة، ولا حتى قرارات انفكاك أو تثبيت، كأن هذه التعيينات لم تمر بالقسم المتخصّص أساساً”.

موظفون عالقون بين القوانين

في المقابل، واصلت بعض الوزارات الإعلان عن مسابقات مركزية، كما فعلت وزارة التربية والتعليم أخيراً بطرح مسابقة لانتقاء مشرفين تربويين وإداريين من داخل الملاّك، وهو ما عكس تبايناً في سياسات التوظيف بين القطاعات المختلفة.

تروي ربا وهي معلمة صف متعاقدة منذ خمس سنوات، لـ “المدن” فتقول: “تقدّمت إلى مسابقة كتابية وشفهية في تموز 2020، وبعدها عُينّا وكلاءَ ثم مُتعاقدين. قيل لنا إن العقود ستُجدَّد تلقائياً إلى أن نكمل خمس سنوات، ثم يُصار إلى تثبيتنا. هذا العام بلغنا السنة الخامسة، ونترقب: هل سنُثبَّت بوصفنا موظفين دائمين أم نُفصل ونُترك لمصير مجهول؟”

وفي خطوة جديدة، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تعميماً إلى الجهات العامة تضمّن تشديداً على ضبط أوضاع العاملين، أبرز بنوده: إنهاء الإجازات المأجورة، وعودة الموظفين إلى العمل منذ بداية أيلول 2025، وإلزام كافة الأجهزة الحكومية بتطبيق نظام البصمة، وتدوير العاملين ضمن الجهة العامة أو بين الجهات في المحافظة، بالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية، إضافة إلى منع إصدار قرارات الندب والتكليف باستثناء المحافظات الشرقية، وعدم رفع طلبات تمديد الخدمة لمن بلغ سن التقاعد إلا في حالات الحاجة الماسة، وعدم تجديد العقود الموقتة عند انتهاء مدتها إلا بموافقة الأمانة العامة حصراً، إلى جانب وقف طلبات إعادة العاملين المصروفين من الخدمة، إلا إذا كان سبب الصرف مرتبطاً بدواعٍ أمنية.

ومع غياب الإجابات الرسمية، حاولت “المدن” الحصول على تعليق من وزارة التنمية الإدارية حول مصير العقود الموقتة وآلية التعامل معها في ظل مشروع القانون الجديد، إلا أن الوزارة اعتذرت عن التصريح في الوقت الراهن. كما أن المحاولات المتكررة للتواصل مع نقابة العمال للحصول على موقفها من واقع التعيينات لم تفضِ أيضاً إلى أيّ رد رسمي.

نسخة منقّحة أم قانون جديد؟

ويشير مصدر مطلع على ملف التنمية الإدارية لـ “المدن” إلى أنّ النقاش حول قانون الخدمة المدنية ليس جديداً؛ إذ كان مطروحاً قبل سقوط النظام السابق بديلاً عن قانون العاملين الأساسي الرقم 50، بعد أن جرت محاولات إقرار تشريعات عدة منفصلة مثل قانون الذمة المالية، قبل أن يُستقر الرأي على قانون واحد شامل. ووفق المصدر، فإن القانون كان شبه مكتمل بنسبة تقارب 95 في المئة من حيث الدراسات والمقترحات المقدمة من الجهات العامة، لكنه لم يصدر رسمياً آنذاك.

ويلفت المصدر إلى أنّ الاجتماعات الجارية اليوم تأتي في سياق مراجعة ما أُنجز سابقاً مع إدخال تعديلات جديدة، بما ينسف عملياً قانون العاملين الأساسي، ويقدّم إطاراً أكثر مرونة من التشريع القديم.

قانون العاملين.. بين الالتزام والتجاوز

من وجهة نظر المحامي عبد المهدي المحمد، فإن التعيين في مؤسسات الدولة حالياً يُفترض أنه يتم وفق القانون الأساسي للعاملين الرقم 50 للعام 2004، مع الإشارة إلى أن بعض القطاعات مثل القضاء ووزارة الدفاع تخضع لقوانين خاصة. ويوضح المحمد لـ”المدن” أن التوظيف قبل العام 2020 كان يتم عبر المسابقات المعلنة رسمياً، حيث يصدر للناجحين صك استخدام موقت يُجدد سنوياً، وقد يبقون على هذا الوضع لعشرات السنين برغم أن حقوقهم التأمينية والطبية والإجازات مساوية للموظف الدائم، باستثناء إمكان عدم تجديد العقد.

كذلك، يبيّن المحمد أن القانون يتضمن استثناءات محددة، مثل تعيين ذوي الإعاقة بنسبة 5 في المئة من الشواغر من دون مسابقة، أو الأبطال الرياضيين عند توافر الشاغر، إضافة إلى عقود استثنائية تخص المشاريع الاقتصادية الكبيرة كإنشاء محطات الكهرباء، حيث تقتضي سرعة الإنجاز تجاوز آلية المسابقات.

وهنا يشدد المحمد على أن التعيينات القانونية يجب أن تستند إلى صك استخدام رسمي، صادر عن رئاسة الوزراء، أو قرار تعيين مثبت، وأيّ توظيف خارج هذه الآلية يُعدّ “مخالفاً”.

مقترحات لإصلاح نظام التوظيف

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن إعادة بناء مؤسسات الدولة تتطلب إصلاحاً جذرياً في نظام التوظيف، يقطع مع العشوائية والمحسوبيات، ويؤسس لبيئة عمل قائمة على الكفاءة والشفافية والعدالة الاجتماعية. وفي تصريح لـ”المدن” يقترح قوشجي نموذجاً مزدوجاً يعتمد على العقود المرنة لتلبية الحاجات المتغيرة، إلى جانب تعديل قانون العاملين الأساسي بحيث يربط الترقية والتثبيت بالأداء، ويُدخل نظام تقييم دوري، ويمنح الإدارات صلاحيات أوسع في التوظيف والتدريب.

وفي ما يخص العاملين المتعاقدين حالياً، يدعو قوشجي إلى جرد شامل للعقود، ثم تصنيفها: تثبيت من يلبون حاجة دائمة وفق معايير واضحة، مقابل منح تعويضات أو فرص إعادة تأهيل للفئات غير الضرورية، مع إطلاق مسار تعاقدي جديد يمنع التوظيف عبر الولاءات السياسية.

ويحذّر من أن تثبيت جميع المتعاقدين دفعة واحدة من دون تقييم دقيق سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الإنفاق، ويرسّخ اختلالات يصعب تصحيحها، في حين يوفّر النهج الانتقائي استقراراً مالياً، ويُحسّن الأداء المؤسسي على المدى المتوسط. أما إلغاء التوظيف العشوائي، فيُساهم مباشرة في تخفيف الأعباء، ويمنح الدولة هامشاً مالياً للتنمية.

أما من الناحية القانونية، يقول الخبير الاقتصادي: “إن المرحلة المقبلة تتطلب إما تعديلاً جذرياً لقانون العاملين الأساسي يشمل إعادة تعريف الوظائف وربط الأجور بالإنتاجية، أو إصدار قانون جديد كلياً؛ إذا تبيّن أن البنية القانونية القديمة مشبعة بثقافة المركزية والولاء السياسي”. وفي كل الأحوال، يشدد قوشجي على أن أي إصلاح تشريعي يجب أن يُصاغ ضمن رؤية وطنية لإعادة بناء الدولة، لا بوصفه مجرد استجابة تقنية.

وبناء على ذلك، يبقى ملف التوظيف في مؤسسات الدولة أحد أكثر التحديات إلحاحاً في المرحلة الانتقالية. وفي حين ينقسم النقاش بين التمسك بالقانون الأساسي للعاملين الرقم 50، أو صياغة بديل جديد عبر قانون الخدمة المدنية، تظل المعضلة الأساسية في كيفية التعامل مع التعيينات التي جرت خلال الأشهر الماضية، وضمان ألا يتحول الإصلاح الإداري إلى مجرد إجراء شكلي. فالرهان اليوم ليس فقط على إنتاج نصوص قانونية جديدة؛ بل على بناء منظومة وظيفية عادلة وشفافة تعيد الثقة في المؤسسات، وتؤسس لإدارة عامة قادرة على مواكبة إعادة الإعمار وبناء الدولة.

المدن

—————————–

مبادرات محلية وصندوق تنموي جديد لدعم عملية إعادة الإعمار في سورية/ محمد أمين

08 سبتمبر 2025

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الخميس الفائت، “صندوق التنمية السوري” في خطوة أولى لإعادة إعمار البلاد، وإنعاش الاقتصاد المتهالك، عبر إدارة الموارد وخلق فرص عمل ملموسة، وتنفيذ مشاريع خدمية واقتصادية، وتحسين البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب المستمرة منذ نحو 14 عامًا.

وجرى الإعلان عن الصندوق خلال حفل جماهيري في قلعة دمشق التاريخية، حيث تمكن فور إطلاقه من جمع أكثر من 60 مليون دولار أميركي، في مؤشر واضح على إقبال السوريين على دعمه ليكون رافعة رئيسية للتعافي الاقتصادي. وأكد الشرع في كلمته أن الصندوق سيعمل بشفافية عالية مع الإفصاح الكامل عن أوجه الإنفاق في المشاريع الإستراتيجية.

من جانبه، أوضح المدير العام للصندوق محمد صفوت عبد الحميد رسلان، أن الصندوق يتبنى رؤية شاملة تهدف إلى توحيد جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص وأبناء سورية في الداخل والخارج، مع ضمان الشفافية في إدارة الموارد، وخلق فرص عمل ملموسة، وتنفيذ مشاريع خدمية واقتصادية لتحسين حياة المواطنين في كل محافظة ومدينة وقرية.

تكلفة إعادة الإعمار

تشير تقارير أممية ودراسات اقتصادية إلى أن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في سورية تصل إلى نحو 400 مليار دولار. ويعكس إطلاق الصندوق توجه الحكومة للاعتماد على موارد الدولة ومصادر دخل محلية في إعادة الإعمار، مثل النفط والفوسفاط وتجارة الترانزيت.

غير أن الاستفادة من هذه الموارد تواجه عوائق كبيرة، أهمها بقاء أبرز حقول النفط والغاز خارج سيطرة الدولة في شمال شرقي البلاد الخاضع لسيطرة “قسد”، إضافة إلى الهشاشة الأمنية التي تحول دون عودة الاستثمارات السورية من الخارج. ورغم هذه التحديات، من المتوقع أن تقدم دول عربية مثل السعودية وقطر والكويت منحًا مالية وقروضًا طويلة الأجل، إضافة إلى مشاريع استثمارية، ما سيسهم بشكل كبير في دعم جهود إعادة الإعمار.

ترحيب شعبي

حظي “صندوق التنمية السوري” بترحيب واسع من الشارع باعتباره خطوة طال انتظارها للانطلاق في عملية إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد. وقال المدرّس الدمشقي بسام الإمام لـ”العربي الجديد”: “نأمل أن تُوجَّه الأموال المجمعة إلى القطاعات الأكثر أهمية، مثل التعليم والصحة، نظرًا لتدمير عدد كبير من المدارس والمراكز الطبية بشكل كامل أو جزئي. فسورية بحاجة ليس فقط لإعادة بناء ما دُمر، بل لبناء مدارس وجامعات ومستشفيات جديدة تواكب الزيادة السكانية وتحسبًا لعودة اللاجئين من دول الجوار”.

رأي الخبراء

يرى الباحث الاقتصادي خالد تركاوي في حديث خاص مع “العربي الجديد”،  أن الصناديق التنموية تسهم بلا شك في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في الدول الخارجة من الحروب، لكنه يشير إلى أن “حجم الإسهام يعتمد على حجم الأموال المتوفرة”. وأضاف أن مبلغ 60 أو 70 مليون دولار يعد متواضعًا مقارنة بحجم الدمار، لكنه يمثل خطوة أولى مقبولة، مشددًا على أهمية وجود وعاء اقتصادي رسمي تُجمع فيه التبرعات حتى لو كانت محدودة، ليكون مرجعًا لأي منح مالية قد تقدمها الدول.

ويؤكد تركاوي أن القوانين السورية قادرة على تشجيع المواطنين على التبرع دون خشية من مصير الأموال، مشيرًا إلى أن وجود صندوق كهذا “بحد ذاته يكافح الفساد”. ويرى تركاوي أن من الأفضل أن تصب هذه التبرعات المحلية في الصندوق المركزي لضمان الشفافية، لكنه أشار إلى أن بعض المواطنين يفضلون تخصيص تبرعاتهم لمدنهم وبلداتهم لأسباب شخصية أو سياسية.

المبادرات المحلية

إلى جانب الصندوق، نشطت في الآونة الأخيرة مبادرات محلية جمعت ملايين الدولارات من تبرعات السوريين داخل البلاد وخارجها. ففي 30 أغسطس/ آب الماضي، أُطلقت مبادرة “أبشري حوران”  في مدينة بصرى الشام بمحافظة درعا، وجمعت 40 مليون دولار، منها 10 ملايين من وزارة المالية، ستُوجَّه لمشاريع خدمية في المحافظة. وفي منتصف أغسطس/آب، شهدت مدينة حمص مبادرة “أربعاء حمص”  التي جرت في قصر جوليا، وأسفرت عن جمع أكثر من 13 مليون دولار، خُصصت لدعم التعليم والصحة وإصلاح الآبار والمشافي والبنية التحتية.

وتستعد محافظة دير الزور لتنظيم حملة “دير العز” في 11 سبتمبر/ أيلول الجاري، بهدف جمع نحو 25 مليون دولار لاستثمارها في شراء آليات ثقيلة لعمل البلديات، وفتح الطرق، وإزالة الأنقاض. وبحسب مدير الحملة مصعب الحنت الذي صرح في حديث لوكالة “سانا”،  أن الأموال ستُصرف أيضًا على تعبيد الطرقات، وتركيب منظومة كاميرات للمراقبة، وترميم 100 منزل لعائلات الشهداء، وشراء جهاز رنين مغناطيسي للمشفى الوطني، وتأهيل 5 مدارس متضررة، إلى جانب دعم المخابز والمساجد.

العربي الجديد

—————————–

 الحصرية: حذف الأصفار يغيّر القيمة الاسمية فقط والهدف تبسيط النظام النقدي

2025.09.08

أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أن حذف الأصفار من العملة يغيّر القيمة الاسمية لها فقط لا الحقيقية، ولا يؤثر على قيمتها الشرائية، مؤكداً أن الهدف هو تبسيط النظام النقدي والمعاملات اليومية.

وفي لقاء على قناة “القاهرة الإخبارية”، قال الحصرية إنّ الأهم من حذف الصفرين هو طرح العملة السورية الجديدة، لأوّل مرة منذ أكثر من 70 عاماً، مشيراً إلى وجود 14 مليار قطعة نقدية قيد التداول حالياً.

وتابع: “هذا هو الوقت المناسب لتوديع المرحلة السابقة والانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر مواءمة للسياسة النقدية”، مؤكداً أن المصرف ا

————————————-

 آفاق مستقبلية للحملات الأهلية في سوريا.. من مبادرات مؤقتة إلى مشاريع مستدامة/ عبد العظيم المغربل

2025.09.09

بدأت في سوريا موجة من الحملات المجتمعية النموذجية التي حملت في طياتها روح التكافل والتضامن الأهلي في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وقد استُهلت بحملة في مدينة حمص حملت عنوان “أربعاء حمص”، التي أُطلقت منتصف آب 2025 من قصر جوليا، وتمكنت من جمع أكثر من 13 مليون دولار، وجاءت بالتعاون بين محافظة حمص ووزارة الثقافة وفريق “ملهم التطوعي”.

واستهدفت الحملة دعم التعليم والصحة وإعادة تأهيل المدارس والمشافي، إلى جانب إصلاح شبكات المياه والآبار وتجهيز معدات النظافة. وتميزت هذه المبادرة بآلية إشراف شفافة من خلال “مجلس أمناء” يضم وجهاء من حمص، وفريق ملهم، بهدف تعزيز ثقة المتبرعين وضمان توجيه الأموال نحو مشاريع ذات أثر ملموس.

تلتها حملة “أبشري حوران” التي انطلقت من مدرج بصرى الشام الأثري، واستهدفت جمع نحو 33 مليون دولار لدعم قطاعات التعليم والصحة والمياه وتأهيل البنى التحتية. لكن التبرعات سرعان ما تجاوزت هذا السقف لتصل في يومها الأول إلى أكثر من 36 مليون دولار، وتخطت 37 مليون دولار مع نهاية اليوم الثاني. وقد خُصصت هذه المبالغ لترميم مئات المدارس والمراكز الصحية ومحطات مياه الشرب، إضافة إلى تعبيد الطرق وإعادة تأهيل مرافق أساسية في الجنوب السوري.

أما في الشرق السوري، فتستعد محافظة دير الزور لإطلاق حملة “دير العز” في 11 أيلول 2025، بمستهدف يبلغ نحو 5 ملايين دولار. وتهدف الحملة إلى تمويل مشاريع حيوية تشمل شراء آليات لإزالة الأنقاض وفتح الطرق، تعبيد الشوارع الرئيسية، تركيب كاميرات مراقبة، تأهيل مئة منزل لأرامل الشهداء، تجهيز المشفى المركزي بجهاز رنين مغناطيسي حديث، إصلاح خمس مدارس، ترميم بعض المساجد، وإنشاء أفران حديثة لتأمين الخبز.

تشكل هذه الحملات الثلاث نموذجاً متقدماً من العمل الأهلي المنظم، إذ تحوّلت التبرعات الشعبية إلى قوة اقتصادية ومجتمعية قادرة على معالجة فجوات مزمنة في البنية التحتية والخدمات الأساسية. كما أنها تعبر عن إرادة جماعية متنامية لإعادة الإعمار من الداخل، بعيداً عن انتظار الحلول الخارجية أو المساعدات الرسمية المحدودة.

البعد الاجتماعي للحملات

لا يمكن النظر إلى هذه الحملات على أنها مجرد مبادرات مالية لجمع التبرعات، بل هي قبل كل شيء فعل اجتماعي أعاد صياغة العلاقة بين أفراد المجتمع السوري. فمثلاً، وحّدت حملة “أبشري حوران” سكان درعا والمغتربين منها مع مختلف الأطراف المشاركة، من منظمات خيرية إلى منصات شبابية، وهو ما منح الحملة طابعاً جماعياً يعكس قوة التلاحم الأهلي.

أما في حمص، فقد شكّلت حملة “أربعاء حمص” مساحة التقاء بين وجهاء المدينة وفعالياتها الرسمية والشعبية، بما عزز الثقة بين المجتمع المحلي والجهات المنظمة. ووجود “مجلس أمناء” للإشراف على التبرعات اعتُبر إجراءً إدارياً مهماً ورسالة واضحة إلى أبناء حمص في الداخل والخارج بأن صوتهم ومالهم لهما دور مباشر في إعادة بناء مدينتهم.

وفي دير الزور، يُتوقع أن تلعب حملة “دير العز” دوراً مهماً في استنهاض روح الانتماء، إذ أعلنت أهدافاً مرتبطة بحاجات ملموسة لأبناء المحافظة. هذه الرؤية ستجعل الأهالي والمغتربين يشعرون بأن مساهماتهم ستنعكس مباشرة على حياة ذويهم ومجتمعهم المحلي.

إلى جانب ذلك، أسهمت هذه الحملات في تعزيز روح العمل التطوعي بين الشباب، إذ شارك العشرات في التنظيم والإشراف وجمع التبرعات والترويج الإعلامي. ولم يقتصر دور الشباب على الجانب اللوجستي، بل كان عاملاً أساسياً في نشر الحماسة والإيجابية بين الناس، ما خلق حالة عامة من المشاركة والانتماء.

كما لعبت الروابط مع المغتربين السوريين دوراً محورياً، حيث شكّلت التبرعات القادمة من الخارج نسبة كبيرة من الدعم. وأسهم ذلك في إعادة ربط أبناء الشتات بمدنهم وقراهم، إذ رأى كثير من السوريين في المهجر أن هذه الحملات فرصة عملية لرد الجميل لمناطقهم وتعويض جزء مما فقدته خلال سنوات الحرب.

ومن زاوية أخرى، مثلت هذه المبادرات حالة من كسر الحواجز بين المجتمع والسلطات المحلية. فمشاركة مسؤولين رسميين ووجهاء وناشطين في منصة واحدة، كما حصل في بصرى الشام وحمص، ساعدت في تذويب بعض الفجوات وفتح المجال أمام تعاون مشترك بعيداً عن الخطاب السياسي التقليدي.

وبذلك يمكن القول إن الأثر الاجتماعي لهذه الحملات لا يتوقف عند حدود جمع المال، بل يمتد ليعيد تشكيل شبكة العلاقات الاجتماعية، ويُحيي مفهوم “العمل العام” الذي يقوم على الثقة والمشاركة والشعور بالمسؤولية الجماعية. وهكذا تساهم هذه الحملات في إعادة بناء الثقة بين الأفراد، وتوليد شعور جماعي بالمسؤولية، وكأنها تقول: “مصيرنا بأيدينا، وإن لم نبادر نحن، فلن يفعل أحد مكاننا”.

الانعكاس على الاقتصاد السوري

تشكل الحملات المجتمعية رافعة اقتصادية حقيقية، إذ لا تتوقف عند كونها مبادرات خيرية، بل تتحول إلى أدوات تنموية تعيد تشغيل عجلة الاقتصاد المحلي عبر أكثر من قطاع.

ففي قطاع التعليم، تسهم هذه الحملات في إعادة تأهيل المدارس وتجهيزها بمستلزمات حديثة، بالتالي إعادة آلاف الأطفال إلى مقاعد الدراسة، الأمر الذي يخفف الأعباء عن الأهالي ويعزز الاستثمار في رأس المال البشري على المدى الطويل. ولا يقتصر الأثر على الطلاب فقط، بل يفتح فرص عمل للمدرسين والكوادر الإدارية والفنيين المشاركين في صيانة المدارس وتجهيزها.

وفي القطاع الصحي، توجه التبرعات نحو المشافي والمراكز الصحية وتزويدها بمعدات حديثة مثل أجهزة الأشعة والرنين المغناطيسي. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك مباشرة على صحة المجتمع، كما أن تحسين مستوى الخدمات الطبية يقلل من التكاليف الباهظة للعلاج في الخارج أو في مدن بعيدة، ويمنح الأهالي شعوراً بالأمان الصحي، وهو ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

أما في قطاع البنية التحتية، فتسهم الحملات في إصلاح الطرق وتعبيد الشوارع وصيانة شبكات المياه والكهرباء. وهذه استثمارات طويلة الأمد ترفع من قيمة الأصول المحلية وتسهّل الحركة التجارية، فالطريق المعبد ليس مجرد خدمة، بل هو شريان اقتصادي يربط الأسواق ببعضها ويسمح بانتقال السلع بسرعة أكبر وكلفة أقل.

وفي القطاع المعيشي والخدمي، يساعد إنشاء الأفران وتأمين المواد الغذائية الأساسية على تقليل أعباء المعيشة وضمان استقرار الأسعار. كما تسهم الحملات في شراء معدات نظافة وآليات خدمية للبلديات، ما ينعكس على البيئة العامة والصحة العامة للسكان.

وفي قطاع سوق العمل، يُتوقع أن تضخ هذه المشاريع سيولة مالية في الأسواق المحلية، وتوفر فرص عمل لعشرات المقاولين والحرفيين والعمال، إضافة إلى تحريك الطلب على مواد البناء والخدمات اللوجستية. والنتيجة المتوقعة هي تشكيل دورة اقتصادية صغيرة لكنها فعالة، تبدأ برأس المال الاجتماعي وتنتهي بفوائد ملموسة على الأفراد والمجتمع.

في هذا الإطار، يقول الباحث أدهم قضيماتي: “لن يكون هناك انعكاس كبير على كامل الاقتصاد لأن هذا الدعم ليس مخصصاً للقطاعات الإنتاجية، فالبنية التحتية تحتاج إلى أضعاف هذه المبالغ، لكن تصب هذه المبادرات في خانة إعادة تأهيل أساسيات البنية التحتية، لكون خزانة الدولة ما تزال غير قادرة على إعادة تأهيلها، وبالتالي تمكّن هذه الحملات والمبادرات من تقديم الدعم للمشاريع العاجلة والاستثنائية”.

الأثر المعنوي والسياسي

من المتوقع أن تترك هذه الحملات المجتمعية أثراً معنوياً عميقاً في نفوس السوريين، إذ تعزز الأمل بقدرة المجتمع على صناعة التغيير من الداخل، بعيداً عن انتظار الحلول الخارجية أو الاستدانة من المؤسسات الدولية التي ترهق الدول ببرامج اقتصادية معقدة. كما أن رؤية أبناء المدن والقرى يتكاتفون لإعادة بناء مدارسهم ومستشفياتهم تمنح شعوراً متنامياً بالفخر والانتماء، وتعيد الثقة بالقدرة على تجاوز الأزمات عبر التضامن الشعبي.

وعلى الصعيد السياسي، يمكن أن تسهم هذه المبادرات في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال مشاركة وجهاء محليين ومنظمات أهلية ومغتربين جنباً إلى جنب مع السلطات الرسمية. وهذا من شأنه أن يخلق مساحات أوسع للتعاون، ويسهم في تقليص الفجوة القائمة بين الطرفين.

كذلك، إذا واصلت هذه الحملات جذب الاهتمام الإعلامي المحلي والدولي، فإنها ستقدّم صورة جديدة عن السوريين، باعتبارهم قادرين على تنظيم أنفسهم وإيجاد حلول عملية لمشكلاتهم. وهذا الأمر قد يعزز مكانة المجتمع المدني في المستقبل، ويؤهله ليكون شريكاً أساسياً في أي عملية إعادة إعمار شاملة أو حوار وطني حول مستقبل البلاد.

التحديات والآفاق المستقبلية للحملات المجتمعية

رغم ما تبشر به هذه الحملات من نتائج إيجابية، إلا أن استمرارها ونجاحها على المدى الطويل سيواجه عدة تحديات. أول هذه التحديات يتمثل في ضمان الشفافية والحوكمة الرشيدة، فكلما كبرت الحملات وارتفعت مبالغ التبرعات، زادت الحاجة إلى آليات رقابة واضحة تضمن وصول الأموال إلى المشاريع المعلنة وتحافظ على ثقة المتبرعين.

كما يبرز تحدي الاستمرارية، إذ قد تتراجع الحماسة الشعبية مع مرور الوقت ما لم تتحول هذه المبادرات إلى أطر مؤسسية أكثر ثباتاً، مثل صناديق دائمة أو جمعيات تنموية محلية تدير المشاريع بشكل مستمر. وإلى جانب ذلك، فإن الوضع الاقتصادي الصعب داخل سوريا قد يحد من قدرة السكان المحليين على المشاركة المالية، ما يجعل الاعتماد على المغتربين عاملاً مهماً في بقاء هذه الحملات فعالة.

ومن المتوقع أن تتسع آفاق هذه المبادرات إذا ما نجحت في بناء شبكات أوسع من الشراكات مع خبراء الاقتصاد والتنمية، ومع مؤسسات المجتمع المدني في الداخل والخارج. عندها يمكن أن تتحول من حملات إغاثية أو خدمية قصيرة المدى إلى مشاريع استثمارية صغيرة تخلق موارد مستدامة، مثل المشاريع الزراعية أو الصناعية أو الخدمية التي توفر فرص عمل وتدعم الاقتصاد المحلي. كما أن نجاح هذه الحملات قد يفتح الباب أمام انتشار النموذج إلى محافظات سورية أخرى، بحيث تتكرر التجربة في مدن وبلدات متعددة، بما يحولها إلى حركة وطنية شاملة لإعادة الإعمار الأهلي من الداخل.

في هذا الإطار، يضيف قضيماتي: “لن يكون هناك تحديات كبيرة في هذا الإطار، بل سيكون هناك حالة تكافل بين القائمين على الحملات وبين المؤسسات التي سيتم دعمها، خصوصاً أن المنظمين والراعين للحملات قسم منهم من هذه المؤسسات، ولا يتوقع وقوع حالات فساد في هذه الحالة”.

بشكل عام، تشكل الحملات المجتمعية اليوم واحدة من أبرز أشكال التعبير عن قدرة السوريين على تجاوز التحديات بأدواتهم الخاصة. فهي لا تقتصر على كونها مبادرات خيرية، بل تحمل مشروعاً لإعادة بناء الثقة والاقتصاد والمجتمع معاً. ومع التوقع باتساع نطاقها، يرجح أن تتحول هذه التجارب إلى حراك أهلي أوسع يفتح آفاقاً جديدة للتنمية من الداخل، لتبقى هذه المبادرات بمثابة نواة أمل لمستقبل أكثر تماسكاً لسوريا وأبنائها.

———————————–

المالية السورية تعلن مشروع قانون ضريبة «ثورياً» وتفتح الباب لمناقشته

جانبلات شكاي

09 أيلول 2025

أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن إنجاز مشروع قانون جديد للضريبة على الدخل يعكس جهود تحويل المالية من «وزارة جباية وقهر إلى وزارة تنمية وبناء وشراكة» ويقدم الكثير من الإعفاءات بهدف «تعزيز التنمية الاقتصادية وتيسير التجارة وازدهار المجتمع ويحفز الاستثمار ويدعم ريادة القطاع الخاص».

ومشروع القانون، الذي نشرته المالية وفتحت باب التشاور واستلام الملاحظات عليه لثلاثة أسابيع، قبل عرضه على مجلس الشعب بعد تشكيله، لإقراره كقانون، لاقى استحسانا من المختصين إن من حيث الشكل لفتح الباب أمام المختصين للإدلاء بملاحظاتهم أو لما جاء به من مواد يمكن وصفها بالثورية مقارنة بالقانون المعمول به حاليا، لكنه في الوقت ذاته تعرض لانتقادات على اعتبار أن «مبدأ العدالة الاجتماعية ما زال غائباً جزئياً «، وأن «الإعفاءات الضريبية في غياب بنية مؤسساتية مستقرة وحماية اجتماعية فاعلة، لن تجذب الاستثمار الجديد النظيف بقدر ما ستشكل هدية لرأس المال القائم ولمن يبحث عن ملاذ، وتحرم الخزينة من موارد هي أحوج ما تكون إليها».

نظام شفاف

وعبر حسابه على «لينكد إن» اعتبر برنية، أن مشروع قانون الضريبة على الدخل، هو «أهم مفاصل الإصلاح الضريبي في وزارة المالية» واصفا إياه بأنه «نظام ضريبي شفاف وعادل يخدم نمو قطاع الأعمال».

وبعد أن نشر نص مشروع القانون كاملا، قام بتحديد بريد إلكتروني خاص لتلقي الملاحظات والاقتراحات على مدار 21 يوما.

وقال إنه «يمتاز بأنه شفاف وعادل وتنافسي ومبسط، مبني على العدالة والانصاف والشراكة والثقة ضمن إطار من الإدارة الرشيدة والحوكمة الفعالة» موضحا أن المالية ستسعى «إلى أن يطبق باحترافية ومهنية موسوماً بالإتقان والابتكار مع تمكين التحول الرقمي».

ولخّص برنية أبرز صفات مشروع القانون الجديد بأنه يفرض «ضريبة منخفضة على الدخل المتأتي من الوظيفة» كما يفرض «ضريبة تنافسية على الدخل المتأتي من الأعمال» موضحا أن المطارح المعافاة من الضريبة هي التنازلات عن حصص الشركات، والفروقات الناجمة عن عملية إعادة تقييم الأصول الثابتة، وعوائد وفوائد إيداعات المصارف، والشركات الأجنبية غير العاملة، والصادرات المحلية من السلع والخدمات، والقطاع الزراعي وجمعياته، ودور الحضانة وأصحاب الهمم، وأرباح الحصص والأسهم، ومعاهد ودور مؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة.

وبين أن مشروع القانون يقوم على «تبسيط اجراءات تدقيق بيانات المكلفين مع الشفافية، ويكرس الفوترة الالكترونية، ويلغي الاستعلام الضريبي والتحول إلى مكافحة التهرب الضريبي المركز بشروط ومحددات».

وأكد وزير المالية السوري أن القانون المرتقب سيعمل على ترسيخ مبدأ «عبء الاثبات على الإدارة الضريبية وليس على المكلف، كما يقوم بإلغاء عقوبة السجن والاستبدال بالعقوبات المالية، ويفتح مجال المصالحة للمخالفات بشروط ومتطلبات محددة».

المحاكم العادية

ورحب القانوني والمحامي عارف الشعال بمشروع القانون الجديد، مشيراً إلى أنه بمثابة «خطوة تُحتسب للوزير برنية ولسياسة الإصلاح والشفافية التي يتّبعها في وزارته».

الشعال، وهو أحد الذين ساهموا في وضع وصياغة مشروع مسودة القانون، قال لـ«القدس العربي» إن إجراء فتح باب النقاش لأخذ الملاحظات عليه، مرحب به ونتمنى أن يحذو وزراء آخرون في الحكومة لطرح مشاريع القوانين التي يعدونها لعرضها على مجلس الشعب حين يتم تشكيله، وخصوصا فيما يتعلق ومشاريع قوانين مشابهة تهم كل مواطن سوري سواء كان مقيما ويعمل داخل البلاد أو ما زال يعيش خارجها، ومشروع قانون ضريبة الدخل هذا يمسُّ جيب كل سوري مباشرة».

وقال إن «مشروع القانون ثوري بامتياز لجهة مقدار الضريبة والمرونة في تحصيلها والثقة التي افترضها المشروع للمكلف، وأنا كرجل قانون سُعدت بإعادة مرجع الطعن وتوسيعه للقضاء العادي مثل محاكم البداية والاستئناف المدنية الخاصة بدلاً من مجلس الدولة، كما لفتتني الأحكام الممتازة وغير المسبوقة الواردة بالمشروع الخاصة بالشطب وقطع الخصومة لقطع دابر المماطلة والتسويف على المتقاضين» متمنياً أن «يستشرف قانون أصول المحاكمات المرتقب بدوره هذه الأفكار مستقبلاً» مطالبا الجميع بأن «لا يبخل على الوزارة بملاحظاته عنه».

وبين الشعال أن مشروع القانون الجديد «أعاد للقضاء مكانته على اعتبار أن قانون الضرائب المعمول به حالياً، كان يحد من صلاحيات القضاء عبر تشكيل لجان يتم اعتبار أحكامها مبرمة، وكانت سياسة مجلس الدولة سيئة جدا».

وأوضح أن مشروع القانون الجديد سيفرض ضرائب دخل هي الأقل على مستوى دول المنطقة كلها، وهو مبني على مبدأ الثقة بالمكلف، بحيث يتم اعتماد الضريبة بناء على ما يصرح به من أرباح، ولكن التهرب وعدم الإفصاح الحقيقي عن الأرباح سيترك تبعات سيئة للغاية على صاحبها وخصوصا أن الدولة تسير في اتجاه أتمتة كل شيء».

العدالة غائبة

الباحث الاقتصادي والعضو في «التحالف السوري الديمقراطي» محمد علبي، أكد أن مسودة قانون الضريبة على الدخل يظهر بوجود رغبة لتجاوز النصوص المبعثرة التي حكمت السياسة الضريبية لعقود طويلة، لكن عند مبدأ العدالة الاجتماعية، وهو جوهر أي قانون ضريبي، ما زال غائباً جزئياً باعتبار أن المسودة تبنّت تصاعدية طفيفة في ضريبة الرواتب من 6 إلى 8 في المئة، وأبقت على معدلات متفاوتة للأنشطة الاقتصادية عند 10 في المئة لقطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا، و15 في المئة لبقية القطاعات، غير أن هذه التصاعدية تبدو أقرب إلى الشكلية منها إلى الأداة الفعلية لإعادة توزيع الدخل، لأن الفارق بين من يكسب ملايين إضافية ومن يقف عند حدود الكفاف لا يترجم في الواقع إلى عبء ضريبي متمايز بوضوح».

وقال لـ«القدس العربي» إن «حد الإعفاء الشخصي، الذي حُدد بستين مليون ليرة سورية سنوياً، أي بما يعادل 500 دولار شهرياً، هو رقم مرتفع بالقياس إلى مستويات الأجور السائدة (أقل من 150 دولارا شهريا) وهذا الحد قد يبدو إنصافاً للفئات محدودة الدخل لكنه يخرج معظم العاملين من التكليف، ويحرم الخزينة من قاعدة ضريبية واسعة، في وقتٍ تحتاج فيه الدولة إلى كل مورد متاح لتمويل إعادة الإعمار وبناء شبكات الحماية الاجتماعية».

وعن الإعفاءات الضريبة التي جاءت في مسودة القانون وأثرها على العجلة الاقتصادية في سوريا قال علبي إن «المسودة ذهبت بعيداً في الاستثناءات، وقد تبدو الأحكام منسجمة مع منطق تشجيع الإنتاج أو دعم الفئات الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تفتح أبواباً واسعة للتهرب وإعادة توصيف النشاطات الاقتصادية، فمن السهل أن تتحول شركات تجارية إلى واجهات زراعية أو جمعيات شكلية بغرض تقليص الضريبة، بينما يستفيد كبار المساهمين من حصانة ضريبية كاملة على أرباحهم الرأسمالية، وهو ما يخل بمبدأ العدالة الأفقية بين العمل ورأس المال».

وبين أن «النقابات المهنية التي تمثل عشرات الآلاف من المكلفين من أصحاب المهن الحرة، لم يكن لها حضور في صياغة المسودة، واقتصر التشاور على غرف التجارة والصناعة، فكتب مشروع القانون على مقاس رأس المال المنظم، بينما بقيت الفئات المهنية والعمالية على الهامش» مشددا على أن «أخطر ما يواجه المسودة هو الفجوة بين الطموح المعلن والواقع العملي، فبينما تَعِد النصوص بإنشاء نظام ضريبي متوازن، تبقى نسب الضرائب منخفضة للغاية بالمعايير العالمية فلا تتجاوز 15 في المئة في معظم الحالات، والإعفاءات واسعة، والإدارة الضريبية مثقلة بالبيروقراطية وضعف الشفافية، وهكذا فإن الناتج المتوقع هو حصيلة مالية محدودة، مع انطباع شعبي بأن القانون لا يوزع الأعباء بعدالة، بل يحمي الرساميل الكبيرة أكثر مما يحمي الفئات الوسطى المهددة بالانقراض، ما يطرح إشكاليات اجتماعية على الطاولة فيما يتعلق بإعادة توزيع الثروة».

ورأى أن مسودة القانون تمثل خطوة أولى في تحديث التشريع الضريبي، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تكون جزءا هاماً من بناء عقد اجتماعي جديد.

واعتبر علبي أن «الإعفاءات الضريبية الواسعة، في غياب بنية مؤسساتية مستقرة وحماية اجتماعية فاعلة، لن تجذب الاستثمار الجديد النظيف بقدر ما ستشكل هدية لرأس المال القائم ولمن يبحث عن ملاذ، وتحرم الخزينة من موارد هي أحوج ما تكون إليها».

وقال إن «المستثمرين النظيفين لا يبحثون عن نسب ضريبة منخفضة فقط، بل عن بنية مؤسسية، وقضاء مستقل وإدارة شفافة وبنية تحتية بالحد الأدنى، ومن دون ذلك، تتحول السياسات الحالية إلى وصفة لإضعاف البعد الاجتماعي للدولة، وتعميق الفجوة بين فئات المجتمع، وإنتاج اقتصاد ريعي ـ احتكاري بدل اقتصاد تنافسي منتج» معتبراً أن «الإعفاءات ستكون مجرد هدية لرأس المال القائم، لا محفّزاً حقيقياً لإنتاج جديد».

وتابع: «نحن أمام خيارات سياسية واقتصادية كبرى أكثر منها مجرد «قانون ضريبة» والتوجه نحو إعفاءات واسعة وربطها بخطاب «السوق الحر التنافسي» يعكس رؤية ترى في تخفيف العبء عن رأس المال مفتاحاً لجذب الاستثمار، لكن المشكلة ليست في الفكرة في حد ذاتها، بل في غياب خطة انتقالية استراتيجية تجعل هذا المسار تدريجياً ومدروساً».

ورأى علبي أن «الإعفاءات الضريبية الواسعة ستصبح أداة مكمّلة لعملية الخصخصة، فهي تحرم الخزينة من موارد، وتحوّل العبء إلى المواطن عبر ضرائب غير مباشرة أو رسوم، بينما لا تعطي ضمانة فعلية بأن الاستثمار سيتدفق أو أن التنمية ستتحقق».

وأكد أنه «لا يكفي تعديل معدلات الضريبة أو توسيع أو تضييق الإعفاءات، بل يجب إعادة تأسيس فلسفة النظام الضريبي حول ثلاث ركائز هي العدالة الاجتماعية بأن يتحمل الأقدر النصيب الأكبر، والحماية الاجتماعية بأن تعود الإيرادات في صورة خدمات للفئات الضعيفة، والشرعية التمثيلية بأن يكون للبرلمان والنقابات صوت في الصياغة والرقابة، ومن دون ذلك، ستبقى الضريبة في نظر المواطنين أداة جباية لا عقداً اجتماعياً، وسيبقى الامتثال الضريبي ضعيفاً كما كان دائماً، مهما كانت النصوص متقنة والعقوبات مشددة.

القدس العربي

———————————————

====================

تحديث 07 أيلول 2025

—————————

3 سيناريوهات أمام الاقتصاد السوري… أسوأها “استمرار الصراع”/ هيام علي

محللون: غياب خريطة طريق موحدة للانتقال والتعافي وإعادة البناء والإعمار سيترك البلاد في حال ضياع

الأحد 7 سبتمبر 2025

منذ بدء عملية الانتقال السياسي، تواجه سوريا أزمة سيولة حادة بسبب نقص الأوراق النقدية المادية واضطرابات أوسع في تداول العملة المحلية.

تحتاج سوريا التي يهدد الجفاف أمنها المائي والغذائي ما بين 200 إلى 300 مليار دولار كحد أدنى لإعادة الإعمار بحسب متخصصين، بينما تقدر الأمم المتحدة أن سوريا في حاجة إلى 400 مليار دولار، وتتطلب هذه الكلف استقرار الأمن وعودة اللاجئين ورفع العقوبات.

أما وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار فيرى أن سوريا يمكن أن تستوعب تريليون دولار في مرحلة إعادة البناء، مركزاً على وفرة الفرص الاستثمارية التي يمكن أن توفرها سوريا في كل القطاعات.

ويرى باحثون سوريون أنه من الأفضل التوجه نحو التركيز على بناء الاقتصاد المدمر والاهتمام بتوفير البنى التحتية وانتشال القطاعات الإنتاجية من مشكلاتها والدفع بها إلى الواجهة، معتقدين أن تحريك العمل والإنتاج سيكون من نتائجهما الانتقال إلى بناء المدن والمناطق المدمرة بطريقة أكثر عائدية وفائدة، وتجنيب البلاد الوقوع في مشكلات اقتصادية لا رجعة عنها، فالصراع المستمر منذ 14 عاماً دمر الاقتصاد السوري، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي تراكمياً بأكثر من 50 في المئة منذ عام 2010، وانخفض نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى 830 دولاراً أميركياً فحسب بحلول عام 2024، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الدولي للدول منخفضة الدخل. ويعاني واحد من كل أربعة سوريين الفقر المدقع، بينما يعيش ثلثاهم تحت خط الفقر الأدنى للدخل المتوسط.

الناتج المحلي لن يتجاوز 19.5 مليار دولار هذا العام

من جانبه، يقول الباحث الاقتصادي السوري فادي عياش “منذ بدء عملية الانتقال السياسي، تواجه سوريا أزمة سيولة حادة بسبب نقص الأوراق النقدية المادية واضطرابات أوسع نطاقاً في تداول العملة المحلية”، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لعام 2011 بلغ 67.54 مليار دولار، لافتاً إلى أن حصة الفرد بلغت 2952 دولاراً بمعدل نمو 2.9 في المئة (مقبول لكنه غير كاف لتحقيق التنمية)، بينما تراجع خلال عام 2023 إلى 19.99 مليار، وحصة الفرد قرابة 847.37 دولار مع معدل نمو سالب (1.2) في المئة.

وأكد أنه يمكن تقدير قيمة الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024 بما لا يتجاوز 19 مليار دولار، مع انكماش بواقع 1.5 في المئة بحسب تقديرات البنك الدولي حول التقييم المالي الكلي لسوريا عام 2025.

وأضاف “بحسب البنك الدولي، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي هذا العام سيكون بنحو واحد في المئة، وبذلك لا يتوقع أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 19.5 مليار دولار، في ظل استمرار التحديات الأمنية ونقص السيولة وتعليق المساعدات الخارجية”، متوقعاً أن يوفر تخفيف العقوبات بعض الإمكانات الواعدة، إلا أن التقدم لا يزال محدوداً، إذ لا تزال الأصول المجمدة وتقييد الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية يعوقان إمدادات الطاقة والمساعدات الخارجية والدعم الإنساني والتجارة والاستثمار.

الاقتصاد السوري أمام ثلاثة سيناريوهات

ووضع عياش في حديثه إلى “اندبندنت عربية” ثلاثة سيناريوهات للتنبؤ بمتغيرات المرحلة المقبلة وتأثيرها في الاقتصاد السوري والناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن السيناريو الأول متفائل ومستقر، بينما يرى أن السيناريو الثاني في حال عدم استقرار طويل الأمد، أما الثالث وهو الأسوأ فهو سيناريو الحرب واستمرار الصراع.

وحول سيناريو المرحلة الانتقالية المستقرة المتفائل توقع عياش نمو الاقتصاد السوري بوتيرة سريعة، وتنفيذ إصلاحات مؤسساتية وتوفير المساعدات الدولية الكافية، ويتوقع أيضاً أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً سنوياً بنسبة تقارب 13 في المئة على مدى الأعوام الخمسة المقبلة (2025 – 2030)، ومع ذلك لن يصل الناتج خلال عام 2030 إلا إلى 80 في المئة من مستواه قبل الحرب، أي قرابة 55 مليار دولار، قائلاً “سيحتاج إلى نمو بنسبة خمسة في المئة سنوياً لستة أعوام إضافية (2031-2036) لبلوغ الهدف.

وتابع “لن تستعيد حصة الفرد من هذا الناتج إلا 50 في المئة من مستواها قبل الحرب، وستحتاج إلى 11 عاماً إضافية (2030 – 2041) بمعدل نمو سنوي يبلغ 7.5 في المئة، وهو المعدل المطلوب لتحقيق التنمية، أي ليظهر الأثر التنموي على مستوى الرفاه الاجتماعي”.

هذا المعدل بحسب وجهة نظر عياش يحقق شرط التنمية بأن يتجاوز ضعفي معدل النمو السكاني، وفي هذا السيناريو، سيبقى أكثر من ثلث السكان يعيشون على أقل من 2.15 دولار أميركي في اليوم.

أما في حال تحقق سيناريو عدم الاستقرار طويل الأمد، فيتوقع عياش أن غياب خريطة طريق موحدة للانتقال والتعافي وإعادة البناء والإعمار سيترك البلاد في حال ضياع، مما يزيد من معدلات البطالة وتزايد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وهذان تحديان كبيران، مما يؤدي إلى تعميق حال الركود الاقتصادي، بالتالي من المتوقع أن تظل معدلات النمو السنوية أقل من ثلاثة في المئة بين عامي 2025 و2030، وسيبقى الاستثمار في سوريا وفقاً لهذا السيناريو ضمن حدود ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل التقدم المحدود في معالجة الأسباب الجذرية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.

مشيراً إلى أنه في حال الافتقار إلى استراتيجية إعادة إعمار متماسكة، ستكون كثير من المناطق متخلفة ومهمشة، مما سيخلق عدم تساوٍ في جني ثمار النمو الاقتصادي الضئيل أصلاً، ويؤدي ذلك إلى خلل تنموي على المستوى الكلي، مما قد يسهم في نشوء صراعات جديدة.

السيناريو الأسوأ؟

الى ذلك، حذر الباحث عياش من السيناريو الأسوأ الذي وصفه بأنه سيناريو الحرب، إذ سيؤدي إلى تفاقم الصراع والتفكك ومزيد من الانكماش، وسيكون التعافي بعيد المنال مع توقع الدمار الواسع النطاق للبنية التحتية وتثبيط جهود إعادة الإعمار المنسقة، بالتالي من المتوقع في هذه الحال أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 19 في المئة خلال عام 2025 وسبعة في المئة عام 2026، وسيستمر في الانكماش عام 2030، مع العلم أنه قد تتوسع هذه الخسائر إذا اشتد العنف وتوقف النشاط الاقتصادي.

عياش أوضح في حديثه أن الحكومة الجديدة داخل دمشق أعلنت عن مجموعة من التدابير لتوحيد السياسات الاقتصادية الكلية والمالية والنقدية للبلاد، مع التركيز على الحوكمة الرشيدة للمال العام والإدارة المالية والنقدية السليمة، وبذل جهود لجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية والتزامات المساعدات لدعم الانتعاش الاقتصادي، إلا أن التوقعات المتعلقة بنمو الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي السوري تتعلق بمتغيرات عدة لا يمكن تحديدها بدقة.

وأكد ضرورة بناء السيناريوهات المتعددة القادرة على مواجهة المتغيرات والتحديات الكبيرة التي تتطلبها مرحلة التعافي وبعدها إعادة البناء والإعمار، مع ضرورة تحديد أولويات تنموية تتناسب مع كل مرحلة، فالأهم من التسميات هي الآليات والنتائج المتوقعة منها، فمهما كانت المنهجية الاقتصادية المعتمدة نحتاج أن تكون قادرة على تحقيق اقتصاد متنوع ومتكامل أساسه الإنتاج بمختلف صوره (المادي الزراعي والصناعي والتقني) والتصدير، لتحقيق التنمية الذكية التي تبدو البلاد بأمس الحاجة إليها.

ليبقى السؤال الأهم، هل سينجح الاقتصاد السوري من معاكسة الاتجاهات ودرء الضغوط التضخمية وتدهور الليرة إذا لم تأت المساعدات الموعودة بها سوريا؟

——————————

صندوق التنمية السوري: اختبار الذاكرة والثقة/ مصطفى الدباس

الأحد 2025/09/07

من قلعة دمشق، أعلن الخميس إطلاق “صندوق التنمية السوري”، كمؤسسة اقتصادية تهدف إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار، بعد إطاحة نظام الأسد. وبحسب الأرقام الرسمية، تجاوزت التبرعات في الساعة الأولى من إطلاقه، حاجز الستين مليون دولار، وسط حضور رسمي وشعبي واسع. لكن الحدث الذي بدأ بإعلان سياسي، سرعان ما تحول إلى لحظة جدل في مواقع التواصل.

عائلة حمشو في الواجهة..مجدداً

وتداول ناشطون ووسائل إعلام محلية وصفحات سورية، صوراً لأبناء رجل الأعمال محمد حمشو داخل القاعة، إلى جانب أنباء عن تبرعهم بمبلغ مليون دولار.

والظهور العلني لأبناء حمشو، المدرجين ضمن لائحة العقوبات الأميركية كشخصيات ارتبطت برئيس النظام المخلوع بشار الأسد، بموجب قانون قيصر، أثار تساؤلات من قبل صحافيين وناشطين حول الدور المستقبلي لرجال الأعمال الذين راكموا ثرواتهم في ظل النظام السابق.

ويرى محللون اقتصاديون أن هذا الظهور يعيد طرح النقاش حول كيفية التعامل مع رؤوس الأموال المرتبطة بمنظومات السلطة السابقة، ومدى خضوعها لآليات المساءلة أو التدقيق.

لقطات رمزية تستدعي الذاكرة

في المقابل، برزت مَشاهد وصفها متابعون بأنها تحمل طابعاً رمزياً تعكس البعد الإنساني للمبادرة، من بينها ظهور الطفل محمود، الذي نجا قبل أكثر من عقد من تحت أنقاض مبنى مدمر في محافظة حلب، وتحولت قصته آنذاك إلى إحدى صور المأساة السورية.

وصعد محمود، المقيم حالياً في تركيا بعد تهجيره مع والدته، إلى المنصة ليتبرع بدولار واحد من مصروفه اليومي، في لقطة تفاعلت معها وسائل الإعلام ومواقع التواصل، وظهر خلالها الرئيس أحمد الشرع وهو يصافحه. واعتبر معلقون أن هذه الصورة تختزل ما وصفوه بـ”جوهر المبادرة”، أي الحاجة إلى مساهمة جماعية، تبدأ من أبسط ما يملكه الأفراد، وتحمل في طياتها أملاً بعودة الأطفال المهجرين إلى بلدهم وإنهاء مسألة مخيمات اللجوء في الداخل السوري، كرمزية وطنية وكإرادة للبناء انطلاقاً من أبنائه.

كما برز مجدداً في الفعالية، اسم خالد حسن المر، أحد الوجوه المعروفة في المخيمات السورية، والذي اشتهر في تسجيل مصور خلال سنوات النزوح بعبارة “أخذنا الغالي علينا وتركنا له الغالي عليه”. المر، المقيم في أحد مخيمات الشمال السوري، تبرع خلال الحفلة بمبلغ 500 دولار، في خطوة حفّزت على إعادة تداول مقطع فيديو قديم له من مخيم اللجوء، قال فيه: “نستطيع أن نصبر 25 سنة هنا، لكن أن نعود لذلك المجرم  فهذا ما لا يمكن”، قاصداً الأسد المخلوع، وأضاف بعدما بدأ في البكاء في مشهد مؤثر: “أنا لا أبكي خوفاً، بل حزناً على الخذلان… الحرب لم تكن على القصور، بل على الكرامة والعرض والدين، وهذه أشياء لا مساومة فيها”.

واعتبر ناشطون أن مشاركة المر، رغم تواضع قيمتها المادية، تحمل دلالة أخلاقية، إذ تربط بين فعل التبرع واستعادة معاني الثورة، وتُعيد التأكيد على أن الحديث عن إعادة الإعمار لا يمكن فصله عن الذاكرة الجمعية والعدالة التي ما زالت مؤجلة.

لطيفة الدروبي

كما أعلن خلال الفعالية، تبرع السيدة لطيفة الدروبي، زوجة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بمبلغ خمسة آلاف دولار. ووفقاً لمراقبين، حمل هذا الرقم طابعاً رمزياً أكثر منه مالياً، في إشارة إلى طبيعة المشاركة التي ترغب السلطات في دمشق بتقديمها، بعيداً من الاستعراض أو التفاوت الطبقي في مشهد التبرعات.

واعتُبر هذا التبرع، وفق بعض التعليقات، تعبيراً عن أن الفاعلين في موقع القرار لا يتقدّمون بمساهماتهم من موقع الثراء، بل من موقع المسؤولية العامة، في لحظة يُراد لها أن تكون تأسيسية، لا استثنائية.

اختبار مزدوج

أنشئ صندوق التنمية السوري بمرسوم رئاسي صدر في 9 تموز/يوليو 2025، وفق القرار رقم 112، باعتباره هيئة اقتصادية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الدولة. ويهدف الصندوق إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار في مختلف القطاعات الخدمية، من البنية التحتية والإسكان والتعليم، إلى الصحة والطاقة وشبكات النقل والاتصالات.

وتقوم الرؤية المعلنة للصندوق، حسبما جاء في كلمة مديره العام محمد صفوت رسلان، على إشراك الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في رسم مسارات الإعمار، مع الالتزام بمبادئ الشفافية والمحاسبة، وبناء الثقة عبر ما وصفه بـ”برامج واضحة تستند إلى قواعد الحوكمة”. واعتُبر في التصريحات الرسمية أن الصندوق سيكون “رمزاً للاستقرار ومحركاً للنمو”، في مرحلة يُفترض أن تُعيد بناء الدولة على أسس مختلفة عمّا سبق.

بالنسبة إلى كثير من السوريين، يبقى صندوق التنمية اختباراً مزدوجاً: للذاكرة، وللثقة. وبين من يعتبره فرصة لتعويض ما دُمّر، ومن يراه بوابة لإعادة تدوير الوجوه، تتقاطع الأسئلة حول مَن يتبرع، ومَن يراقب، ومَن يضع الأولويات.

المدن

——————————–

حاجات السوريين… أزمة تتجاوز إمكانيات الدولة والمساعدات المحدودة/ نور ملحم

06 سبتمبر 2025

لم تعد المساعدات المحدودة مجرد مساندة مؤقتة بالنسبة لمئات آلاف العائلات السورية، بل وسيلة للبقاء، خاصة مع ارتفاع الأسعار والبطالة ونقص الموارد وتقلص الدعم الدولي وتراكم الأزمات.

تحت أشعة الشمس الحارقة تقف فاطمة العزيز (45 سنة) رفقة أطفالها الثلاثة، أمام مدخل جمعية خيرية في ريف دمشق، بانتظار دورها للحصول على سلّة غذائية. تمسح عرق جبينها بيدٍ، وتمسك طفلها بيدها الأخرى كي لا يضيع وسط الزحام.

وتقول فاطمة (أم محمد) لـ”العربي الجديد”: “المساعدات التي نتلقاها لا تكفي، لكنها تساعدنا على الصمود. زوجي مريض لا يعمل، وأنا أبحث عن أي فرصة، ولو حتى في تنظيف المنازل، لكن الفرص معدومة. حتى في الصيف لا نملك براداً لحفظ الطعام، وأحياناً يفسد الأكل قبل أن نطبخه، وحتى لو امتلكنا البراد تبقى المشكلة بانقطاع التيار الكهربائي. نعيش على القليل، ونحسب كل لقمة يأكلها أطفالنا”.

أما في حلب شمالي سورية، فيعيش بسام عبد المنعم (53 سنة) مع زوجته وأولاده في منزل نصفه مهدّم بلا سقف، يغطّونه بقطع من القماش والبلاستيك للاحتماء من الشمس. وعلى الرغم من حصوله على دعم نقدي بسيط من إحدى الجمعيات المحلية، لكنه بالكاد يغطي تكاليف الخبز والدواء. ويقول بسام (أبو أحمد) لـ”العربي الجديد”: “المساعدات تبقينا على قيد الحياة، لكنها لا تغيّر حياتنا. وكل يوم أحسب الأمور ويتكرّر في ذهني السؤال ذاته، هل أشتري الدواء لزوجتي المريضة أم الخبز لأولادنا الجائعين؟ وقد فاقم فصل الصيف من معاناتنا، إذ إنّ الحرّ شديد والمياه محدودة، وحتى شراء الثلج لحفظ الطعام أصبح رفاهية قياساً بقدراتنا المادية”.

في أحد المخيّمات قرب إدلب شمال غربي سورية، تجلس أم خالد (37 سنة) مع أطفالها الثلاثة في خيمة مهترئة تزداد حرارتها مع شروق الشمس، وتروي لـ”العربي الجديد” تفاصيل معاناتها، قائلةً: “نستيقظ فجراً قبل أن تشتدّ الحرارة، ننتظر صهريج المياه الذي قد يأتي مرة كل ثلاثة أيام. أطفالي يمرضون من قلة النظافة وشدّة الحرّ، بينما تبقى المساعدات ضئيلة. الصيف عندنا أصعب من الشتاء، لا ظلّ ولا مياه باردة ولا حتى مروحة كهربائية. حتى الاستحمام صار صعباً، كما أن الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي يعطّل إمكانية تشغيل أي جهاز تبريد”.

قصص المعاناة اليومية ليست استثناءً، إنما تعكس واقع مئات آلاف العائلات السورية التي لم تعد المساعدات مجرد مساندة مؤقتة بالنسبة لها، بل وسيلة أساسية للصمود والبقاء، خصوصاً مع الصيف الحار وارتفاع الأسعار ونقص الموارد الأساسية. وتواصل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية وضع خطط وبرامج تستهدف تحسين الوضع المعيشي للعائلات الأكثر هشاشة في المجتمع السوري، ولا سيّما الأيتام والمسنّين وذوي الاحتياجات الخاصة والأسر الفقيرة التي باتت تشكل الغالبية العظمى من السوريين.

يقول معاون وزير الشؤون الاجتماعية، بهجت حجار، لـ”العربي الجديد”: “أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش اليوم تحت خط الفقر، ولدينا أكثر من مليون ونصف مليون نازح داخلي لا زالوا يعيشون في المخيّمات، أغلبها في الشمال السوري، أضف إلى مناطق أخرى في البلاد، كما أن حجم الاحتياجات يتجاوز إمكانيات الدولة السورية التي تسخّر كل ما لديها من أجل تأمين المساعدات، لكنّ العبء كبير جداً، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤوليته بدعم السوريين”.

ويضيف حجار: “نحو 10 ملايين مواطن بحاجة ماسّة إلى المساعدات، ولقد كان ضرورياً الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة المشاريع التنموية التي تركز على تأمين فرص العمل ودعم الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والطاقة، إلى جانب برامج مرتبطة بإعادة الإعمار في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية”.

بالمقابل، يشير أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق الدكتور زياد عربش، إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن يعكس تراكم أزمات مستمرة منذ سنوات، بدءاً من تراجع الإنتاج المحلي في قطاعَي الزراعة والصناعة، إلى انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم على نحوٍ متسارع. كل ذلك أدّى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، وأصبح جزءٌ كبير من السكان غير قادر على تلبية أبسط احتياجاته اليومية من طعام ودواء وسكن.

ويرى عربش أن تفاقم الأزمات الاقتصادية أدّى إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب والنساء، مشيراً إلى أن نسبة البطالة تجاوزت 50% في بعض المناطق، بينما يعتمد جزء كبير من السكان على الاقتصاد غير الرسمي والمعاملات اليومية للبقاء على قيد الحياة. ويشير إلى أن غياب السياسات الاقتصادية الداعمة للأسر الفقيرة واستمرار ضعف البنية التحتية للخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والماء والنقل، زاد من هشاشة المجتمع، وجعل الملايين عرضة لمستويات أعلى من الفقر.

ويتابع  الخبير الاقتصادي: “المساعدات الغذائية والنقدية تحافظ على الحد الأدنى من الحياة اليومية للأسر، لكنّها لا تعيد إنتاج الدخل أو توفّر فرص عمل مستدامة، لذلك فإن أي خطة إنسانية يجب أن تترافق مع برامج تنموية تعيد للأسر قدرتها على الإنتاج والاكتفاء الذاتي. ومن دون معالجة الأبعاد الاقتصادية، ستظلّ الأزمة الإنسانية متكررة ومتفاقمة”.

وخلال السنوات الأربع الماضية، تراجع حجم المساعدات المقدّمة إلى سورية على نحوٍ ملحوظ، إذ انخفضت مساهمات المانحين تدريجياً، عاماً بعد عام، نتيجة تغيّر عقلية المانحين والرغبة في تقليص المساعدات التقليدية. ويرى حجار أن “الاعتماد المستمر على السلال الغذائية والدعم المباشر خلق نوعاً من الاتكالية لدى بعض الفئات، في حين أن الشعب السوري منتج، وما يحتاجه اليوم هو فرص عمل ومشاريع صغيرة ومتوسطة تساهم في إعادة تدوير عجلة الاقتصاد”.

ويزداد الملف الإنساني في سورية تعقيداً مع الأزمات المتلاحقة، من تراجع قطاعَي الزراعة والصناعة إلى تفاقم حدّة الحرائق التي ألحقت خسائر جسيمة، الأمر الذي ضاعف انعدام الأمن الغذائي. وبحسب تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2024، فإنّ 12.9 مليون سوري (نحو 13 مليوناً) يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان، بما في ذلك 3.1 ملايين شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الشديد، كما وصلت معدلات سوء التغذية لدى الأمهات وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات طوارئ عالمية.

وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أشارت في مارس/ آذار 2025 إلى وجود أكثر من 7.4 ملايين نازح سوري داخل البلاد، يعيش قسم كبير منهم في ظروف صعبة داخل المخيّمات أو المساكن المؤقتة، وإلى أن النازحين السوريين شمال غربي البلاد، وعددهم 3.4 ملايين شخص من أصل 7.4 ملايين نازح في شتى أنحاء سورية، قد تجددت آمالهم بالعودة إلى ديارهم بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بعد 14 عاماً من الصراع والأزمة. فيما يواجه اللاجئون السوريون خارج البلاد ضغوطاً اقتصادية ومعيشية مشابهة، مع تراجع حجم التمويل المخصّص لخطط الاستجابة الإقليمية.

ورغم الصعوبات السياسية والاقتصادية، تمكّنت وزارة الشؤون الاجتماعية، وفق معاون الوزير، من إيصال مساعدات محدودة، بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري وبعض المنظمات الدولية، إلى مناطق مثل السويداء التي تأثرت في الآونة الأخيرة بالأوضاع الأمنية والمعيشية، ويختم حجار بالقول: “المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة السورية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، حتى لا تبقى المساعدات مجرّد حلول مؤقتة، بل تتحول إلى أدوات للتنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الوطني”.

وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في حجم الدعم الدولي، لا زالت منظمات دولية إنسانية، مثل برنامج الأغذية العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب الهلال الأحمر العربي السوري وجمعيات محلية، تقدم مساعدات أساسية لملايين السوريين داخل البلاد وخارجها. غير أن هذه الجهود تبقى جزئية ومحدودة أمام الاحتياجات الهائلة، في وقت تزداد فيه ضغوط الحياة على السوريين، وسط تكرّر الأزمات والأحداث الأمنية، أضف إلى تبعات الحرب السورية.

العربي الجديد

——————————–

 استنزاف اقتصادي تحت ستار “الاستيراد”.. هل تدفن البضائع التركية قلاع الصناعة السورية؟/ هند خليفة

الأربعاء, 3 سبتمبر 2025

يواجه الاقتصاد السوري تحت إدارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مرحلة حرجة، حيث تكشف البيانات الأخيرة عن تدفق غير مسبوق للسلع التركية، ما يهدد بتآكل ما تبقى من القدرات الإنتاجية المحلية.

ففي الوقت الذي كان فيه التبادل التجاري مع تركيا يتم عبر قنوات غير رسمية، أدى الانفتاح الأخير إلى تحول اقتصادي عميق يستوجب تقييمًا جادًا.

التحول إلى الانفتاح الاقتصادي

مع تولي أحمد الشرع الإدارة السورية في كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعد الإطاحة بنظام الأسد البائد،  تعرضت سوريا إلى مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية والتجارية، عبر تخفيض القيود الجمركية وفتح قنوات التجارة التي ظلت مغلقة أو مقيدة لفترة طويلة خلال سنوات النزاع.

جاء هذا في محاولة لتعزيز النمو الاقتصادي ودعم تلبية الاحتياجات الأساسية للأسواق المحلية، بينما تستخدم تركيا هذه الفرصة لتوسيع نفوذ منتجاتها، مستفيدة من وفرة الإنتاج والتكنولوجيا المتقدمة، وتيسير الدخول من خلال السياسات التجارية المرنة.

تؤكد الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء التركي حقيقة هذا التحول، فخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 (من كانون الثاني/ يناير إلى تموز/ يوليو)، بلغت واردات سوريا من تركيا 1.8 مليار دولار أميركي، بزيادة قدرها 54 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

أرقام صارخة وميزان تجاري مختل

استنادًا إلى الزخم التجاري الحالي، تشير التقديرات إلى أن حجم الصادرات التركية إلى سوريا قد يتجاوز 2 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025.

كما أدى هذا الإغراق للبضائع التركية منخفضة التكلفة وعالية الجودة إلى تآكل القدرة التنافسية للمصانع السورية التي ما زالت تعاني من آثار النزاع مثل انقطاعات الكهرباء وارتفاع كلفة المواد الخام، ونتيجة لذلك، توقف عدد من المصانع عن العمل أو خفض طاقتها، مما أدى إلى فقدان فرص العمل وارتفاع مستويات البطالة، خصوصًا بين العمالة الماهرة وشبه الماهرة.

الانتقال نحو القطاعات غير الرسمية

قد تأثر الاقتصاد السوري بشكل واضح بتراجع النشاط الصناعي، حيث أظهرت الدراسات أن معدلات التشغيل في القطاع الصناعي شهدت تراجعًا ملحوظًا، مع انتقال العمالة نحو القطاعات غير الرسمية، وارتفاع الاعتماد على الدعم الاجتماعي والتحويلات الخارجية.

وتضع هذه الدورة الاقتصاد السوري في حلقة مفرغة من الاعتماد على الاستيراد مقابل ضعف الإنتاج المحلي، مما يقلص القوة الشرائية ويعمّق الأزمات الاجتماعية.

في إطلالة تحليلية معمقة، حذرت الباحثة الاقتصادية السورية، الدكتورة رشا سيروب، من تزايد العجز في الميزان التجاري مع تركيا، مؤكدة أن الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء التركي للفترة من كانون الثاني/يناير حتى تموز/يوليو 2025 تكشف عن تحول اقتصادي حرج يستنزف القدرة الإنتاجية المحلية.

من التجارة السرية إلى الإغراق العلني

في معرض تعليقها، أشارت سيروب إلى أن وجود تبادل تجاري بين البلدين لم يكن مستبعدًا حتى في ظل النظام السابق الذي أوقف التبادل رسميًا، حيث كانت التجارة تتم عبر مناطق خارج سيطرته أو عبر دول الجوار كلبنان والعراق، إلا أن ما يحدث اليوم يفوق كل التوقعات، ففي الوقت الذي كان من المتوقع أن يشهد الميزان التجاري عجزًا لصالح تركيا بحكم الفوارق الاقتصادية، فإنه من غير الطبيعي أن تزداد وتيرة المستوردات بشكل شهري في مقابل انخفاض متواصل لقيمة الصادرات.

أما حول حجم التبادل التجاري الكلي بين البلدين، فقبل النزاع كانت التجارة الثنائية تقدر بنحو 1.5 مليار دولار، مع توقعات لزيادتها إلى 5 مليارات دولار قبل الأزمة، إلا أن الصراعات السياسية والأمنية أدت إلى تقليص التبادل بشكل كبير، وعاود الارتفاع تدريجيًا مع تحسن العلاقات الاقتصادية والسياسية بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024.

إحلال البضائع التركية على حساب المنتجات السورية

أوضحت سيروب أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات جامدة، بل هي انعكاس مباشر لعملية إحلال واسعة للبضائع التركية في السوق المحلية على حساب المنتجات السورية، محذرة من أن هذه العملية سيكون لها أثر بالغ السلبية على القطاع الصناعي، الأمر الذي سينعكس لاحقًا على معدلات التشغيل، مما ينذر بارتفاع مستويات البطالة أو تجميد الأجور في القطاعات المتضررة.

وفي تحذير غير مسبوق، أطلق المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى وزارة الاقتصاد والصناعة، جورج خزام، تحذيرًا شديد اللهجة حول التداعيات الخطيرة للسياسات التجارية الراهنة.

وأكد خزام أن التناقض الصارخ بين الرسوم الجمركية المنخفضة المفروضة على المستوردات البديلة للمنتج الوطني، وبين الضرائب ورسوم الإنفاق الاستهلاكي المرتفعة التي يتحملها المصنع المحلي، يمثل معادلة اقتصادية مختلة تقوض أسس الإنتاج الوطني.

التحول القسري للصناعيين

أوضح خزام، أن هذه المعادلة غير المتوازنة تمنح المستورد سيادة مطلقة على السوق، وتجبر الصناعي الوطني على الخروج تدريجيًا، مما يدفعه في نهاية المطاف إلى التحول من الإنتاج إلى الاستيراد.

وفي ختام تصريحه، شدد خزام على أن حماية الصناعة الوطنية لا تعني حماية الصناعيين أنفسهم، بل هي استراتيجية حتمية لحماية الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، وتحديدًا الفقراء والعاطلين عن العمل، صونًا لهم من تفاقم أوضاعهم الاقتصادية.

ولإبراز حجم الأزمة، أشار إلى أن مستوردات السيارات وحدها، منذ بداية التحرير وحتى اليوم، قد بلغت 3.5 مليار دولار أميركي، وهو ما يمثل مؤشرًا صارخًا على حجم الاستنزاف الاقتصادي الذي تتعرض له البلاد.

الصناعة السورية في مهبّ الريح

من جهته حذر الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، في تصريح خاص لـ”الحل نت“، من المخاطر الجسيمة التي تهدد القطاع الصناعي المحلي في سوريا، وذلك في ظل سياسة “الاقتصاد الحر” التي تتبناها الحكومة المؤقتة، والتي أدت إلى إغراق السوق بالمنتجات التركية.

 وأكد أن هذه السياسة، رغم تبريرها بسد الفراغ الناتج عن ضعف البنية التحتية وهجرة رؤوس الأموال، تشكل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الصناعة السورية وتفاقم من معدلات البطالة، موضحًا أن العلاقات الجديدة بين الحكومة السورية والحكومة التركية أفضت إلى فتح واسع للتبادل التجاري، ما سمح بتدفق المنتجات التركية بكميات هائلة، تقدر بما لا يقل عن 150 مليون دولار شهريًا.

وأشار إلى أن هذا التدفق المكثف، وإن كان يهدف ظاهريًا إلى توفير المنتجات للمواطنين وسد حاجة السوق المتعطش، إلا أنه أوجد حالة من عدم التكافؤ التنافسي، حيث تعجز المنتجات المحلية عن مجاراة نظيرتها التركية من حيث الأسعار، ما يهدد بإزاحة الصناعة المحلية من السوق.

أسباب الأزمة

عزا الجاموس هذا الوضع إلى جملة من العوامل، أبرزها تهالك البنية التحتية للصناعة السورية وهجرة رؤوس الأموال وأصحاب الخبرة، وخاصة من مدن صناعية كبرى مثل حلب.

وانتقد عدم اتخاذ الحكومة إجراءات حاسمة حتى الآن، مثل فرض رسوم جمركية على المنتجات التركية، أو وضع سقف لكمية المستوردات، أو تحديد السلع الضرورية للاستيراد ومنع دخول السلع الكمالية.

خطر يهدد فرص العمل

اعتبر أن هذه الإجراءات، التي طالب بها الخبراء منذ أشهر، باتت ضرورة قصوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى زيادة معدلات البطالة، حيث أن المنتجات التركية الرخيصة، والتي تتناسب مع الدخل المنخفض للمواطن السوري، ستواصل إزاحة المنتجات المحلية من السوق، ما سيؤدي إلى إغلاق المزيد من المصانع وورش العمل.

وفي إجابته على سؤال حول ما إذا كان هذا النمو في التجارة يشير إلى تعافٍ اقتصادي، أكد الجاموس أن الأمر لا يتعدى كونه نتيجة لعلاقات سياسية ومصالح تجارية بين بعض الأطراف، واستجابة لعطش السوق السوري للمنتجات.

 وشدد على أن التعافي الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة بناء البنية التحتية، وتحفيز القطاع المالي، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وهو ما لا يزال في حدوده الدنيا.

قطاعات في مرمى الخطر

أضاف الجاموس أن المخاطر على المنتج المحلي عالية جدًا في ظل هذه السياسة، وأنه إذا لم يتم دعم الصناعة المحلية بشكل فعال، من خلال إعادة الصناعيين ورؤوس الأموال المهاجرة، وتوفير التسهيلات الائتمانية والضريبية، وتأهيل البنية التحتية من كهرباء وطاقة، فإن الصناعة السورية ستفقد مكانتها لفترة طويلة جدًا، وستصبح السوق السورية ساحة مفتوحة للمنتجات الأجنبية من تركيا والدول المجاورة وحتى الدول الأوروبية والخليجية.

 وأشار إلى أن هذه المنتجات التركية تتميز بأسعارها المنخفضة، التي تتناسب مع القدرة الشرائية المتدنية للمواطن السوري، حيث أن 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

مستقبل الصناعة

اختتم الجاموس بالدعوة إلى ضرورة اتخاذ سياسات عاجلة وحاسمة لضبط الاستيراد وتوجيهه بما يخدم المصلحة الوطنية، مقترحًا أن يتم استيراد المنتجات التي لا تتوفر في السوق السوري فقط، مع فرض رسوم جمركية عالية على السلع التي يوجد لها بديل محلي.

كما أكد على أهمية إخضاع المنتجات المستوردة للفحص الدقيق للتأكد من مطابقتها للمعايير العالمية، وضرورة العمل على ضبط الحدود ومنع عمليات التهريب، وخاصة من المناطق الشمالية مع تركيا، لضمان فعالية السياسات الحكومية.

 وشدد على أن هذه الإجراءات هي السبيل الوحيد لإعادة إحياء القطاع الصناعي السوري، الذي كان يشكل أكثر من 27 بالمئة من الناتج المحلي، وجذب المستثمرين السوريين المهاجرين إلى بلدهم للمساهمة في بناء الاقتصاد الوطني.

 ——————————-

 ما قدرة “صندوق التنمية السوري” على إعادة إعمار البلاد؟/ أغيد أبو زايد

الجمعة, 5 سبتمبر 2025

أطلقت دمشق أمس الخميس، “صندوق التنمية السوري”، والذي يُعد مؤسسة اقتصادية وطنية أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم (112) لعام 2025، تُعنى بمشروع إعادة بناء سوريا. إذ تخطت قيمة التبرعات للصندوق 60 مليون دولار أميركي، خلال الساعات الأولى من إطلاقه.

وجاء ذلك خلال فعالية في قلعة دمشق التاريخية بالعاصمة السورية، إذ أعلن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إطلاق الصندوق، بمشاركة عدد من الشركات المحلية والعالمية، إلى جانب رجال أعمال سوريين وعرب.

ما مهام صندوق التنمية السوري؟

بحسب الموقع الرسمي، فإن “صندوق التنمية السوري” كيان يتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية لقيادة مسيرة التنمية المستدامة في البلاد. إذ قال الشرع في كلمته: “نجتمع لنعلن انطلاق صندوق التنمية السوري، الذي ندعوكم من خلاله للإنفاق من كريم أموالكم لنبني ما هدمه النظام البائد، ونحيي الأرض التي أحرقوها خضراء يانعة”.

التبرعات لـ “صندوق التنمية السوري” – “سانا”

بدوره، قال المدير العام للصندوق صفوت رسلان، في كلمته خلال الفعالية، إن إطلاق الصندوق “بوصلة لإعادة الإعمار في وطننا الجريح وفاءً لتضحيات الشهداء”.

وأضاف “نحن أمام انطلاق مرحلة جديدة.. مرحلة البناء بعد الدمار، والثقة بعد الانكسار، والأمل بعد الألم”، بينما دعا السوريين إلى “مد أيديهم لبعضهم البعض، وجعل الصندوق قوة وطنية جامعة”.

وأكد رسلان أن الصندوق سيكون “رمزا للشفافية وعنوانا للاستقرار ومحركا للنمو”، لافتا إلى أن العمل سينطلق عبر برامج واضحة تستند إلى الشفافية والمحاسبة. إذ أشار إلى أن عمل الصندوق سيقوم على الشفافية الكاملة عبر إصدار تقارير سنوية علنية، ونشر بيانات رقمية دورية، إضافة إلى قاعدة بيانات إلكترونية محدثة باستمرار.

ما قدرة الصندوق على إعادة الإعمار؟

تتمثل مهمة “صندوق التنمية” في بناء وحماية وإدارة موارده “بكفاءة وشفافية لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، مع التركيز على أولويات السوريين وتحسين جودة الخدمات وتعزيز التماسك الاجتماعي. كما يلتزم بتعبئة الموارد وتمويل المبادرات التي تحفز الإنتاج والعمل مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة والشراكة لتحقيق أثر مستدام وفعّال، وفق موقعه الرسمي.

حفل إطلاق “صندوق التنمية السوري” – انترنت

لكن ذلك يتطلب مئات مليارات الدولارات، إذ تُقدر تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 500 مليار دولار، وهو ما يفوق قدرة دمشق على تمويل هذه العملية من دون دعم دولي. إذ تتطلب عملية إعادة الإعمار حصول دمشق على دعم عربي وغربي للبدء بهذه العملية، التي تحتاج سنوات، في ظل ضعف اقتصادي ودمار واسع في البنية التحتية.

ولنجاح عملية إعادة الإعمار والحصول على دعم دولي، فإن ذلك يتطلب قيام دمشق باستجابة دمشق للمطالب الدولية، وإشراك جميع السوريين في حكم البلاد، وإنهاء حالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، إضافة إلى تحقيق التعافي الاقتصادي للسوريين، عبر تحسين ظروفهم المعيشية.

——————————–

أرسيل غورال.. خبير تركي يدير مطار دمشق/ عدنان عبد الرزاق

06 سبتمبر 2025

يعتبر الكثير من الخبراء تعيين الخبير التركي في مجال إدارة وتشغيل المطارات أرسيل غورال رئيساً تنفيذياً لإدارة وتشغيل مطار دمشق الدولي، اختياراً موفقاً، نظراً للإدارات الناجحة والأعمال السابقة لمتخصص قاد مطار صبيحة غوكشين إلى مراكز عالمية متقدمة، بعد مسيرته الممتدة لثلاثة عقود في قطاع خدمات الطيران، ختمها قبل تعيينه في مطار دمشق، بمنصب رئيس العمليات في شركة تطوير مطار الملك سلمان الدولي العام الماضي.

وزاد التساؤل عن غورال أخيراً بعد إعلان تحالف دولي يضم خمس شركات أجنبية عن تعيينه رئيساً تنفيذياً لإدارة وتشغيل مطار دمشق الدولي، في إطار مشروع استثماري ضخم تتجاوز قيمته 4 مليارات دولار، ويُعد الأوسع من نوعه في قطاع البنية التحتية السورية منذ عقود.

وجاء هذا التعيين بعد توقيع الحكومة السورية في أغسطس/آب الماضي مذكرة تفاهم مع التحالف، الذي يضم ثلاث شركات تركية هي: “جنغيز” و”كاليون” للبناء، و”تاف” المشغلة للمطارات، إضافة إلى “أورباكون” القطرية و”أسيتس إنفستمنتس” الأميركية.

ولد أرسيل غورال في إسطنبول في نيسان/إبريل عام 1972، وأكمل تعليمه الثانوي في مدرسة “كادي كوي” الأناضولية الثانوية، قبل أن يدرس إدارة الأعمال باللغة الإنكليزية في جامعة إسطنبول. بدأ حياته المهنية منذ عام 1993 حتى عام 2000 في شركة جلبي “Çelebi” للمناولة الأرضية وشركة غوزين للطيران في مطار “أتاتورك” في إسطنبول، قبل أن يتولى منصب نائب المدير العام للعمليات بمطار “أتاتورك” في شركة TAV Airports Holding.

ثم شغل منصب المدير العام لمدة عامين في مطاري “تبليسي وباتومي” في جورجيا، اللذين تديرهما الشركة ذاتها، ثم عُيّن مديراً عاماً لمطار النفيضة الحمامات الدولي في تونس، والذي تديره الشركة ذاتها أيضًا. وفي عام 2011 عاد غورال إلى تركيا ليشغل منصب المدير العام لمطار أنطاليا حتى عام 2015. ليتولى عام 2016 منصب الرئيس التنفيذي المسؤول عن التكامل (CAIO) في شركة İGA، الشركة المشغلة لمطار إسطنبول.

اتفاق تأهيل مطار دمشق

ولعل المنصب الأبرز لأرسيل غورال كان الرئيس التنفيذي لمطار صبيحة غوكشين في إسطنبول بين عامي 2017 و2021، نظراً للإنجازات التي حققها المطار خلال عهده، حيث أصبح ضمن أكبر 10 مطارات في أوروبا، وفاز بأكثر من 50 جائزة محلية ودولية بين عامي 2018 و2020، إضافة إلى اختياره ضمن 50 رئيساً تنفيذياً يقودون عالم الأعمال في تركيا من جانب مجلة “بيزنس لايف” لعام 2020.

وبعد النجاح في مطار صبيحة بالقسم الآسيوي من إسطنبول، شغل غورال منصب الرئيس التنفيذي لشركة “MR”، المشغلة لخمسة مستشفيات في مدن بورصة، أضنة، يوزغات، إلازيغ، غازي عنتاب، وقبل تعيينه في أغسطس الماضي رئيساً للائتلاف المُشكّل لتوسيع وتحديث مطار دمشق الدولي، شغل منصب نائب رئيس مطار الملك سلمان الدولي بالرياض.

وتنص مذكرة التفاهم الموقعة بين دمشق واتحاد الشركات بقيادة شركة “UCC” القطرية بقيمة تفوق 4 مليارات دولار، على تطوير مطار دمشق الدولي وفق أحدث المعايير العالمية، بحسب تصريح سابق لرئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، عمر الحصري، الذي بيّن أن الاتفاق يشمل إعادة تأهيل المطار وتوسعته لزيادة طاقته الاستيعابية إلى 31 مليون مسافر سنوياً، وتحديث البنية التحتية والخدمات الأرضية، وإدخال أنظمة تشغيل متطورة. ويبعد مطار دمشق الدولي عن العاصمة لجهة الشرق بنحو 25 كلم، وهو أكبر مطارات سورية المدنية وثاني مطار تأسس في سورية نهاية عام 1969 بعد مطار المزة الذي اختص بالطيران العسكري.

وتعرّض مطار دمشق الدولي وما حوله مرات عدة خلال العامين الأخيرين وقبل تحرير سورية، لقصف الطائرات والصواريخ الإسرائيلية، إذ خرج عن الخدمة لمدة 12 يوماً في يونيو عام 2022 قبل أن يعود في الـ22 من الشهر ذاته، وخروجه لساعات عن العمل من جراء قصف إسرائيلي ثانٍ في مطلع يناير 2023، وخروجه عن العمل هو ومطار حلب اللذين تعرضا معاً لقصف إسرائيلي في 12 أكتوبر 2023، قبل أن يعود بعد سبعة أيام من الشهر نفسه.

كما خرج مطار دمشق عن العمل والخدمة في نوفمبر العام الماضي بسبب القصف الإسرائيلي، ليعود للعمل في 26 من الشهر نفسه، لكن طيران الاحتلال الإسرائيلي عاود قصفه في اليوم نفسه، ليخرج عن الخدمة حتى 27 ديسمبر العام الماضي.

العربي الجديد

———————-

 وصفات خطرة على هامش حديث وزير المالية السوري/ إياد الجعفري

 الأحد 2025/09/07

في حوار أجراه مع “الإخبارية السورية” قبل يومين، فجّر وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، مفاجأتين. الأولى، أن الدولة السورية موّلت زيادة الرواتب (بنسبة 200%) من مواردها الذاتية. والثانية أن الدولة ستنهي كلياً نظام الدعم الاجتماعي، العام المقبل.

وأما في المفاجأة الأولى، قال الوزير: “البعض يعتقد أننا حصلنا على أموال من الخارج لزيادة الرواتب”، لينفي ذلك، قبل أن يشير إلى أنه في الأيام المقبلة، “ربما تكون هناك منحة من قطر والسعودية لجزء بسيط من الرواتب”. وتحدث الوزير عن فائض في موازنة العام الجاري، أرجعه إلى النجاح في مكافحة الفساد وحسن إدارة المال العام، والذي أتاح لهم رفع الإيرادات الضريبية بصورة كبيرة. ووفق الوزير، فإن حصيلة الرسوم الجمركية التي يتم تحصيلها الآن، في شهر واحد، تعادل حصيلة سنة ونصف السنة تقريباً، في عهد النظام البائد. وهو مؤشر إيجابي، بالفعل. لكن قبل الاحتفاء به، نحتاج للتدقيق في التفاصيل التي غابت عن حديث الوزير. فهو رفض تقديم أي رقم، بخصوص أي معلومة أو خطة أفصح عنها، بذريعة أن الأرقام “لا تحضره الآن”. كما أنه لم يشر إلى مصدر الزيادة الكبيرة في الرسوم الجمركية. ونستطيع أن نخمّن، أن المصدر الرئيس لها، هو الرسوم الجمركية (بوسطي 2000 دولار)، على كل سيارة مستعملة دخلت إلى البلاد (أكثر من 100 ألف سيارة خلال 5 أشهر)، حتى صدور قرار وقف استيراد السيارات المستعملة، في نهاية حزيران الفائت.

ووسطياً، يمكن أن نتوقع توفير نحو 200 مليون دولار، كرسوم جمركية على السيارات المستعملة فقط. مع الإشارة إلى أن فتح باب الاستيراد على مصراعيه، شمل طيفاً واسعاً من السلع والمنتجات، خلال 6 أشهر. ويمكن قياساً على إعلان مؤسسة التأمينات الاجتماعية، والذي أفاد بأن الكتلة الإجمالية لزيادة الرواتب، لنحو نصف مليون متقاعد، بلغت 423 مليار ليرة سورية (نحو 38 مليون دولار)، أن نقدّر الكلفة الإجمالية لزيادة الرواتب لمجمل موظفي القطاع العام (نحو مليون موظف ونصف المليون متقاعد)، بحوالي 120 مليون دولار. وهو رقم متاح لخزينة الدولة من الرسوم الجمركية المحصّلة من السيارات المستعملة. وهو إنجاز، لكنه غير مستدام. ففتح باب الاستيراد على مصراعيه، كلفته على المدى المتوسط (لا البعيد)، تدمير القطاعات الإنتاجية في البلاد. وهو ما بدأت السلطات المعنية تتلافى الذهاب إلى خواتيمه الخطرة، عبر تقييد الاستيراد لبعض السلع (الزراعية بصورة خصوصاً). وهكذا، فإن الرسوم الجمركية على المواد المستوردة، ليست مصدراً مستداماً لتمويل خزينة الدولة، بالنسبة الراهنة نفسها، على الأقل. وسنتوقع تراجع دور هذا المصدر في تمويل الخزينة، في الأشهر المقبلة، بعد وقف استيراد السيارات المستعملة.

عند النقطة الأخيرة، ننتقل إلى مكمن الإشكالية في المفاجأة الأولى التي فجّرها الوزير. فهو قال “أنا متأكد اليوم.. أننا مع نجاحنا في مكافحة الفساد لا نحتاج موارد مالية من الخارج”. تتقاطع هذه الجملة التي توحي بكثير من “الرغبوية”، مع جملة قالها الرئيس أحمد الشرع في حفلة إطلاق صندوق التنمية السوري، حينما قال “نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة مرحلة البناء والإعمار التي نكتب فيها تاريخ سوريا الجديد بأيدينا وأموالنا وجهدنا”.

وإن قرأنا هاتين الجملتين، في ضوء المعلومة التي فجّرها الوزير، بأن منحة قطر والسعودية لتمويل جانب من رواتب موظفي القطاع العام، المُعلن عنها منذ مطلع حزيران الفائت، لم تبصر النور بعد، نجد أننا أمام استنتاج أولي، بأن هذا التأخر في تقديم المنحة، يتعلق باعتبارات سياسية. وأن حديث الوزير، ورئيس الجمهورية، عن قدرتنا على بناء البلاد من دون الحاجة لموارد خارجية، بالتزامن مع تعبئة حكومية كبيرة لاستجرار المنح من رجال أعمال سوريين، لصالح صناديق التنمية السورية في المحافظات، قد يعني أن هناك عقدة سياسية ما، تحتاج للتفكيك، بين السلطة في دمشق، وبين داعمين خليجيين لها. وأن السلطة في دمشق تحاول إرسال رسائل “معاندة” لهؤلاء الداعمين. وهو مؤشر، إن كان دقيقاً، فسيكون في غاية الخطورة. لأن سوريا، بعيدة جداً من امتلاك موارد ذاتية كفيلة بتمويل حركة إعادة إعمار، بالصورة المأمولة. ونأمل ألا تكون قراءتنا هذه، دقيقة. لكننا نأمل في الوقت نفسه، ألا تذهب الحكومة الانتقالية في دمشق باتجاه حالة من العناد مع داعمين خارجيين لها، على غرار ما كان يفعل رأس النظام البائد، بشار الأسد، في السنوات الأخيرة من حكمه، حينما كانت تُقدّم له عروض إعادة تأهيل خليجية وإقليمية، مقابل تنازلات أو تسويات سياسية، رفضها جميعاً، كي يُبقي كل صلاحيات الحكم، محصورة في يده، وحده.

وبالانتقال إلى المفاجأة الثانية التي فجّرها الوزير، والمتعلّقة بوقف الدعم الحكومي للسوريين، تماماً، العام القادم. فهو أشار بوضوح إلى أن الدعم لن يُرفع فقط عن الخبز والكهرباء والوقود، بل سيُرفع أيضاً عن التعليم والصحة، مع الاتجاه نحو الدعم الموجّه، لصالح الفئات محدودة الدخل والفقيرة. وفي النقطة الأخيرة، تحدث الوزير عن نيتهم إطلاق برنامج وطني لمكافحة الفقر، سيتم الرهان فيه، على تقديم إعفاءات ضريبية للتجار ورجال الأعمال مقابل انخراطهم في مشاريع دعم مجتمعي في بيئاتهم المحلية. إلى جانب إصلاح إدارة الوقف ذات الأصول الهائلة في سوريا. لكن النقطة الإشكالية الأهم في حديث الوزير، كانت إشارته إلى أن التعليم المجاني والصحة المجانية، ستكون للفقراء والمستحقين. وحينما سأله محاوره عن المعيار الذي ستحدد الدولة بموجبه، “الفقير”، تحدث عن قاعدة بيانات كاملة يتم العمل عليها. وهي السياسة ذاتها، بالحرف، التي كان النظام البائد يشتغل عليها، في سنواته الأخيرة، والتي ترافقت مع انهيار معيشي غير مسبوق في حياة السوريين.

ونحن نتفق مع الوزير على اهتراء منظومة الدعم الاجتماعي، وكلفتها المرتفعة على خزينة الدولة. لكن في بلد، يشكل فقراؤه الغالبية، باقتصاد مدمّر، وفي ظل مؤشرات غير مطمئنة بأنه سيكون هناك دعم خارجي قريب لعملية إعادة الإعمار، في الوقت ذاته، يتم دفع الناس نحو اقتصاد سوق منفلت من أي ضوابط، يصبح فيه سعر ربطة الخبز أكثر من 8000 ليرة (كلفة الربطة وفق تصريحات رسمية)، وتصبح فيه الطبابة والتعليم، برسوم، إلا لمن يستطيع إثبات فقره، تلك وصفة مخيفة لمستقبل معيشة السوريين. وشروط تجاوز هكذا نقلة خطرة، هي في رفع أجور السوريين بصورة قياسية، ربما يجب أن تصل إلى نحو 1000%، كي يصبح من المتاح تمرير ذلك، من دون أن تحصل خضّة نوعية في الاستقرار المجتمعي.

في الختام، لا يجوز أن نبخس هذه الحكومة حقها بالإشارة إلى نجاحها في تمويل زيادة الرواتب الأخيرة من دون التسبب في قفزات نوعية موازية في الأسعار. إلى جانب حديث الوزير عن تصفير الضرائب تماماً، لأية مشاريع استثمارية زراعية أو تلك التي تقام في محافظات تعاني مشكلات تنموية، كدرعا والسويداء والرقة. لكن في الوقت نفسه، نعتقد أن من الواجب التريث في الذهاب أبعد، نحو تحرير السلع، وإلغاء الدعم، قبل ربط ذلك بتعديل نوعي لسلّم الأجور، يتيح للسوريين استيعاب التغيرات الكبيرة المقبلة في تكاليف حياته

—————————-

 إعفاءات غير مسبوقة.. سوريا تنتهي من مشروع قانون جديد للضريبة على الدخل

إلغاء الضرائب على عوائد وفوائد إيداعات المصارف والشركات الأجنبية غير العاملة وصادرات السلع والخدمات

الرياض – العربية Business

07 سبتمبر ,2025

أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عن الانتهاء من مشروع قانون الضريبة على الدخل، ضمن خطة للتوجه إلى نظام ضريبي شفاف وعادل وتنافسي ومبسط.

وأضاف الوزير في منشور على منصة “لينكد إن”، أن مشروع القانون يأتي في إطار الجهود التي تبذلها “المالية” السورية للتحول من وزارة جباية وقهر إلى وزارة تنمية وبناء وشراكة.

وأوضح أنه تم طرح مشروع القانون للتشاور لاستلام الملاحظات والمقترحات حوله لمدة 21 يوماً، عبر البريد الإلكتروني المخصص لذلك، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.

وقال برنية إنه تم وضع ضريبة منخفضة على الدخل من الوظيفة بعد خصم الحد المعفى، وعلى فئتين، وضريبة تنافسية على الدخل من الأعمال بعد خصم الحد المعفى، وعلى فئتين، إضافة إلى عدم وجود ضريبة على التنازلات عن حصص الشركات، ولا على الفروقات الناجمة عن عملية إعادة تقييم الأصول الثابتة.

وأضاف: “وفق القانون الجديد ليس هناك ضريبة على عوائد وفوائد إيداعات المصارف، ولا ضريبة على الشركات الأجنبية غير العاملة، ولا على الصادرات المحلية من السلع والخدمات، كما لا يوجد ضريبة أيضاً على القطاع الزراعي وجمعياته، ولا على دور الحضانة وأصحاب الهمم، ولا على أرباح الحصص والأسهم، ولا على معاهد ودور مؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة”.

وأشار إلى أن القانون الجديد وضع حداً من الدخل معفى بشكل مناسب، وحداً آخر معفى للمعالين، يستفيد منه كل شريك في الشركة، ونص على حسم خاص من الضريبة للتبرعات في مجال المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال.

محكمة ضريبية خاصة

كما تضمن شفافية في النفقات المقبولة وغير المقبولة، وتبسيط إجراءات تدقيق بيانات المكلفين مع الشفافية، وتكريس الفاتورة الإلكترونية، وإلغاء الاستعلام الضريبي، والتحول إلى مكافحة التهرب الضريبي المركز بشروط ومحددات، إضافة إلى إتمام عملية التدقيق بنظام اختيار العينات عبر نظام إلكتروني متقدم لا يتدخل فيه الأشخاص، وضمان حق المكلف في الاعتراض والتقاضي، وإلغاء مفهوم “الحكم والخصم في آن واحد”، إضافة إلى ترسيخ مبدأ “عبء الإثبات على الإدارة الضريبية” وليس على المكلف.

وقال برنية، إن القانون الجديد يتضمن أيضاً وجود محكمة ضريبية خاصة، وأن تتم إجراءات الحجز على الأموال ضمن ضوابط ونطاق ضيق، وإلغاء عقوبة السجن والاستبدال بالعقوبات المالية، وفتح مجال المصالحة للمخالفات بشروط ومتطلبات محددة.

———————–

«إذا مو من جيب اللي خلفو… من وين؟»

Marco Olabi

لعل أصدق ما قيل قبل أيام خلال إطلاق حملة «أبشري حوران»، هو ما قاله موسى العمر: «10 مليون دولار من وزير المالية، طبعاً مو من جيب اللي خلفو…».

لكن إن لم يكن من جيب اللي خلفو، فما هو مصدر المال؟ بالبداية قيل أن المبلغ جاء من الدولة، إلا أن انتقادات عدة وجهت للمالية، ليخرج وزير المالية برواية مختلفة، ويؤكد أن الأموال كانت مخصصة لمحافظة درعا ضمن الموازنة العامة. هذا التبرير لا يلامس الحقيقة، إذ أن آليات الموازنة الرسمية لا تسمح بصرف مبالغ بهذا الحجم بشكل مفاجئ لحملات تبرعات شعبية حتى وإن كانت من مخصصات المحافظة، كما أن ذلك لا يجعل منها تبرعاً بل «حقاً» محفوظاً للمحافظة في الموازنة. أيضاً، لا يمكن تجاوز الاجراءات البيروقراطية والقانونية المطلوبة قبل التبرع أو حتى صرف المخصصات. لذا يبدو واضحاً أن التبرير الرسمي يفتقد المنطق، ما يدفع إلى البحث عن مصدر آخر للأموال.

ومن خلال تحليل هذا السياق، يمكن القول إن هذه الموارد على الأرجح لم تكن جزءً من الموازنة العامة، بل أتت من خزائن هيئة تحرير الشام خارج النظام الرسمي. بمعنى آخر: «هي مال سياسي، أتى من خارج الموازنة، وبقي خارجها»، واستخدم لأغراض محددة تخدم أهداف الهيئة في السيطرة وبناء النفوذ الاجتماعي والسياسي في مناطق لم تكن حواضن تقليدية لها، مثل درعا. هذه الاستراتيجية تحول الأموال إلى أداة تأثير مباشر، تحت غطاء إنساني وإغاثي شكلي، بعيداً عن النظام المالي والموازنة وضوابطها القانونية الصارمة.

لكن من أين تأتي أموال هيئة تحرير الشام؟

قبل سقوط النظام في 8 ديسمبر، كانت هيئة تحرير الشام تمتلك فوائض مالية، محدودة، لكنها تكفي لتغطية العمليات الأساسية واستمرارية عملها، لكن الهيئة لم تكن تعتمد فقط على «فوائضها الرسمية» من المعابر قبل جفافها والضرائب المحلية والمساعدات، بل عملت على بناء طبقة رجال أعمال من قادتها أو مرتبطة بهم، ما ضمن ولاءهم وفتح لها مجالاً للتحكم بالاقتصاد المحلي في مناطق سيطرتها.

حيث أسس قياديون أو مقربون من الهيئة شركات واجهة بأسماء مدنية تعمل في مجالات الصيرفة، الاتصالات، المحروقات، العقارات، النقل، المطاحن، والتجارة العامة، ما جعل جزءً كبيراً من فوائض الهيئة الحقيقية لا يكون في الخزينة الرسمية والتي كانت بشكل أساسي بتصرف ذراعها السياسي «حكومة الإنقاذ»، وإنما كانت في استثمارات رجال الأعمال بالقطاع الخاص.

أما فيما يخص الإنفاق، فلم يكن إنفاق الهيئة وحكومتها كبيراً، لأنها أدارت بشكل رديئ القطاعات التي تدخل في صلب العمل الحكومي، كالتعليم أو التنمية الزراعية، والجزء الأساسي من الخدمات مخصخص «معظمها يعود لرجالات الهيئة ومحاسيبها» ويعتقد أن الإنفاق لم يكن يتجاوز الـ 50 مليون دولار سنوياً.

وتشير تقديراتي الخاصة، إلى أن فوائض الهيئة السائلة عند سقوط النظام تراوحت بين 160 و230 مليون دولار، وهي تشمل الاحتياطيات النقدية والفوائض، لكنها لا تشمل الأصول أو العقارات أو العتاد العسكري. هذه التقديرات مبنية على بيانات متفرقة عن المعابر ورسوم الجباية. أما تقديرات أرباح وفوائض أهم الشركات التي أدارها رجال الهيئة تتراوح بين 70 إلى 90 مليون دولار سنوياً، الأرقام يمكن تتبعها من مصادر بحثية وصحفية متفرقة.

من الناحية السياسية والاقتصادية، يشبه هذا النظام ما قامت به ميليشيات أخرى مثل حزب الله في لبنان أو طالبان في أفغانستان: ازدواجية بين اقتصاد رسمي معلن واقتصاد خاص مخفي لتجنب العقوبات. ومن منظور الهيئة، ولأسباب دينية وفكرية، لا تعتبر ما نراه نحن فساداً، – مثل العمل بلا إعلان موازنة أو شفافية – فساداً بالمعنى التقليدي. فهي تمتلك تصوراً مختلفاً للمسائل المالية (شرعي)، كما أنها لم تعمل في أي وقت بعقلية الدولة التقليدية، وبعد سقوط النظام، وحتى اللحظة، لا تشير أي مؤشرات إلى أنها ستغير أسلوبها، بل ستستمر في إدارة اقتصاد موازٍ خارج المنظومة الرسمية.

يذكر أنه ومع وصولها للحكم، كان من الممكن أن تقوم الهيئة بدمج مواردها في المصرف المركزي والموازنة العامة لتعزيز شرعية الدولة الجديدة واستقرار الاقتصاد الوطني، وذلك عبر الآليات القانونية المعتمدة لدمج الأموال والأصول. إلا أنه وبعد مرور تسعة أشهر على وصولها لدمشق، لم تظهر أي خطوات فعلية في هذا الاتجاه. ويبدو أن الهيئة لا تبدي رغبة جادة في تحويل الأموال إلى الدورة الرسمية للاقتصاد، وتفضل الحفاظ على خزائنها الخاصة، مستغلة ثروتها كأداة قوة اقتصادية وسياسية، والدليل ليس فقط أنها لم تقدم على الدمج، بل أنها حتى لم تفكك منظومتها الاقتصادية والنقدية في إدلب، وتستمر بتشغيلها بشكل موازٍ لمنظومة الدولة الرسمية لضمان استمرارية إيراداتها الخاصة.

حيث أن دمج أموالها وأصولها في الخزينة العامة سيؤدي حكماً إلى فقدانها السيطرة المباشرة على مواردها «رسمية وخاصة»، ويفتح الباب أمام المساءلة ضمن ضوابط الخزينة والموازنة القانونية، وهو ما يتعارض مع أولويات الهيئة في هذه المرحلة، والتي تركز على الأمن (تمويل عناصرها خصوصاً في الأمن العام)، وإحكام القبضة على النفوذ الاجتماعي والسياسي في عموم البلاد. بمعنى آخر، الأموال تُصرف أولاً لأهداف السلطة السياسية، بينما تظل الدولة الرسمية بمؤسساتها في دور ثانوي فيما يتعلق بالتمويل المباشر لمشاريعها والقطاعات الحكومية والتي بدورها ستتقلص، خاصة مع التوجه لخصخصة شبه شاملة، والصعود المتسارع لاقتصاد المحاسيب.

وبالعودة إلى أبشري حوران، فإن المال الذي تبرع به الوزير، بالفعل لم يكن من جيب اللي خلفه، وإنما يمكن اعتباره عملية تبييض سياسي للأموال الخاصة بالهيئة. الأموال تتحول إلى مشاريع إنسانية واجتماعية، ما يعطيها غطاء شرعي واجتماعي، ويكسب السلطة أداة لتوسيع نفوذها السياسي ورفع شعبيتها في مناطق لم تكن حاضنة تقليدية للهيئة، مثل درعا.

وتطرح هذه العمليات سؤالاً مهماً حول مستقبل الاقتصاد السوري تحت سلطة الهيئة: هل ستظل الدورة المالية المزدوجة سائدة، مع اقتصاد رسمي محدود وآخر خاص موازٍ تشترى به الولاءات السياسية؟

أم أن هناك احتمالية لتغيير هذا النموذج مستقبلاً، في ظل حاجة الدولة الماسة إلى شفافية واستقرار مالي لضمان إعادة الإعمار وإدارة الموارد بشكل متوازن لتنمية عادلة في عموم البلاد؟

——————————-

 إصلاح ضريبي مرتقب: مشروع قانون دخل جديد في سوريا

السبت 2025/09/06

أعلنت وزارة المالية في سوريا عن إنجاز مشروع قانون جديد للضريبة على الدخل، في خطوة وُصفت بأنها أحد أهم مفاصل الإصلاح الضريبي ضمن توجه نحو بناء نظام أكثر عدالة وشفافية يخدم نمو قطاع الأعمال. وقال وزير المالية، يسر برنية، في منشور عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”، إن مشروع القانون طُرح للتشاور على مدى 21 يوماً من أجل تلقي الملاحظات والمقترحات.

وأوضح الوزير أن المشروع يتميز بالبساطة والتنافسية والعدالة، ويعتمد على مبادئ الإدارة الرشيدة والحوكمة الفعالة، مع التركيز على التحول الرقمي في الإدارة الضريبية. ويهدف القانون إلى تعزيز التنمية الاقتصادية وتيسير التجارة وتحفيز الاستثمار ودعم ريادة القطاع الخاص، بما ينعكس إيجابياً على المجتمع والاقتصاد الوطني.

ويتضمن المشروع تخفيفاً كبيراً في الأعباء الضريبية عبر ضريبة منخفضة على الدخل المتأتي من الوظائف بعد خصم الحد المعفى، وأخرى تنافسية على دخل الأعمال. كما يتيح إعفاءات متعددة تشمل التنازلات عن حصص الشركات، والفروقات الناجمة عن إعادة تقييم الأصول الثابتة، وعوائد إيداعات المصارف وفوائدها، إضافة إلى الشركات الأجنبية غير العاملة والصادرات المحلية من السلع والخدمات. كما يشمل الإعفاء القطاع الزراعي وجمعياته، دور الحضانة وأصحاب الهمم، وأرباح الحصص والأسهم، إلى جانب معاهد ومؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة.

وشدد برنية على أن المشروع يضمن شفافية في تحديد النفقات المقبولة وغير المقبولة، مع تبسيط إجراءات التدقيق الضريبي عبر أنظمة إلكترونية متقدمة لا تخضع لتدخل الأشخاص، وترسيخ الفوترة الإلكترونية. كما نص على إلغاء الاستعلام الضريبي والتحول إلى مكافحة التهرب الضريبي وفق شروط محددة، ومنح المكلفين الحق في الاعتراض والتقاضي، مع ترسيخ مبدأ أن عبء الإثبات يقع على الإدارة الضريبية وليس على المكلف.

ويستحدث القانون محكمة ضريبية خاصة، ويقيد إجراءات الحجز على الأموال ضمن ضوابط ضيقة، ويلغي عقوبة السجن في المخالفات الضريبية ليستبدلها بغرامات مالية، مع فتح المجال للمصالحة وفق شروط محددة.

واعتبر وزير المالية أن هذا المشروع يعكس توجه الوزارة للتحول من “وزارة جباية وقهر” إلى “وزارة تنمية وبناء وشراكة”، مؤكداً أن الغاية النهائية هي إقامة نظام ضريبي شفاف ومحترف يسهم في تعزيز الثقة بين الدولة وقطاع الأعمال.

المدن

————–

 القروض المتعثرة في سوريا… ملف متورّم حتى الانفجار/ ناظم عيد

الأحد 2025/09/07

لعلّها جرأة تُسجل لوزير المالية السوري، في مقاربة ملف القروض المتعثرة، الذي يبدو بالفعل من أعقد الملفات العالقة في بنية اقتصاد منهك على خلفيات فساد وسوء إدارة.

وإن كان الوزير محمد يسر برنية العائد بعد التحرير ملماً ببعض خلفيات هذا الملف، بحكم وجوده – قبل الثورة – في مجلس إدارة هيئة الأوراق والأسواق المالية، إلا أن ثمة تفاصيل كثيرة جرت لا بدّ أن يكون الجميع في صورتها، ليصار إلى التعاطي الصحيح مع إشكالية كانت اقتصادية الأثر، فأصبحت ذات ذيول اجتماعية متداخلة.

صحوة مشؤومة

في العام 2017 كان الحدث ذو الصدى المدوي في سوريا، وكأنه اكتشاف أو فتح غير مسبوق؛ إذ صحت البلاد في يوم 3 نيسان على أنباء عن لجنة حملت الرقم 352 مهمتها التحقيق في ملفات القروض المتعثرة، التي تزيد قيمتها عن 200 مليار ليرة سورية “كان سعر صرف الدولار حينها حوالي 500 ليرة سورية ..أما استجرار القروض كان بسعر صرف 48 ليرة للدولار”.

ترأس اللجنة حينها قيس خضر أمين عام مجلس الوزراء، بعضوية عبد الرزاق قاسم الرئيس التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية، ومازن يوسف وزير الصناعة، لكن بصفته رئيساً سابقاً للجهاز المركزي للرقابة المالية.

انبثق عن اللجنة 352 لجان فرعية لكل مصرف من المصارف المانحة، تتألف كل لجنة من أستاذ جامعي وممثل عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إضافة إلى ممثل عن إدارة قضايا الدولة “محامٍ بطبيعة الحال”، وباشرت اللجان أعمالها مباشرةً مبهمة ومرتجلة، وخلال أقل من 15 يوماً أعدت قرارات كف اليد لأعداد كبيرة من موظفي المصارف، وحجوزات على أملاك كبار المقترضين مع منع سفرهم خارج البلاد.

والملاحظة أن قرارات كف اليد ظهرت بتوقيع وزير المالية “مأمون حمدان”، وكان ذلك مستغرباً لأن مثل هذه القرارات تصدر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.

شارة بداية وشرارة ابتزاز

بدأت الحكاية بهمسة من مازن يوسف -المسمى حديثاً وزيراً للصناعة بعد أن كان رئيساً للجهاز المركزي للرقابة المالية- في أذن عماد خميس رئيس مجلس الوزراء، عن وجود كتلة أموال هائلة ممنوحة على شكل قروض لصناعيين ومستثمرين كبار باتت مشكوكاً في تحصيلها، وطبعاً كلا الاثنين مازن يوسف وعماد خميس يبحثان عن نقاط ارتكاز وفلاشات تعزز من حضورهما في مهمتيهما السياديتين الجديدتين.

و”زُفّت البشرى” لبشار الأسد الذي وجّه بما يشبه “تسونامي” في وجه كبار المقترضين، وهم رجال أعمال ذوي ملاءات مالية كبيرة، وأصحاب أصول استثمارية دسمة.

وهذه كانت بداية لسلسلة طويلة من رحلة ابتزاز لكبار المتمولين، التي لم تنته إلا مع سقوط النظام السابق.

شبح بنك الاستثمار الأوروبي

على نحوٍ أو آخر حُسم الجزء الأكبر من الملف بكل ما انطوى عليه من ابتزاز و”علاوات”، ولم يتبق إلا القروض الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي، ولهذا يُعد ملفه الأكثر تعقيداً.

إذ قرر الاتحاد الأوروبي في وقت سابق منح تسهيلات وتمويل لمشروعات استثمارية في سوريا، عبر بنك الاستثمار الأوروبي، وأُنشئت حلقة وسيطة في سوريا اسمها “وحدة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة”. تقوم هذه الوحدة بدور الوكيل، وتوجه المقترضين بعد إعداد استمارات القروض نحو مصرفين حكوميين هما البنك التجاري السوري والبنك العقاري، لإدارة ملف القروض لجهة دراسة الملاءة والضمانات، ثم منح مبلغ القرض مع التعهد بتحصيل الأقساط وتحويلها إلى البنك الأساسي المانح “بنك الاستثمار الأوروبي”، والقروض تمنح طبعاً باليورو والدولار، وليس بالليرة السورية.

ومع دخول الليرة في أزماتها المتتالية، بات من المتعذر على المقترضين تسديد التزاماتهم “من سعر صرف 45 ليرة مقابل الدولار إلى 15 ألف ليرة قبل التحرير”، وبقي هذا الجزء من الملف عالقاً، وهو أحد التحديات أمام لجنة التسوية التي أعلنها وزير المالية منذ أيام.

مهمة عسيرة وهواجس تعثّر

من كبار المقترضين إلى صغارهم بات المشهد أكثر تعقيداً، ويثير حالة من الترقب للطريقة التي ستُعالج بموجبها.

فالحكومة تقف اليوم وجاهياً أمام طيف واسع من المقترضين الحاصلين على قروض صغيرة باسم “القرض الشخصي”، وهو منتج مصرفي جديد ابتُكر في الأوساط المصرفية الحكومية بعد إقلاع المصرف المركزي عن سياسات الإقراض المتحفظة، وإطلاق حرية المصارف لتعويض خساراتها الناجمة عن عدم السماح لها بمنح قروض تشغيلية لسنوات طويلة، بسبب مخاطر الاستثمار والأفق الضبابي للبلاد، مع اضطرارها لقبول الإيداعات، ودفع فوائد بمعدلات عالية.

القرض الشخصي كان نافذة النجاة الوحيدة، شرعت البنوك عبرها بالإعلان عن قروض اعتبرها المواطن السوري “المخنوق” فرصة لترميم بنية حياته المشوهة..وكان البنك التجاري السوري “أكبر بنك” صاحب المبادرات الأكثر جذباً للزبائن، وأكبر المانحين للقروض الشخصية بسقوف وصلت إلى 50 مليون ليرة سورية بضمانات عقارية، و25 مليون ليرة بضمانات شخصية وكفلاء تسديد، في حين كانت السقوف لدى مصرفي التسليف والتوفير 7 مليون ليرة للموظفين، وتصل إلى 15 مليون ليرة مع ضمانات.. وكذلك كان حال البنك العقاري.

العسكريون زبائن الغفلة

وكان لافتاً تهافت العسكريين للحصول على القروض الشخصية، بما أن العسكري لم يكن في عداد الزبائن المفترضين للبنوك، “لا يحق له الحصول على قرض بنكي”، لكن قرارات السماح والمبالغ الكبيرة أشعلت شهية كل عسكري للسعي إلى ما يتيسر له من البنوك، وكانت الحصيلة عشرات آلاف المقترضين..

اليوم بعد التحرير والتسريح الأوتوماتيكي للجيش، بات جميع هؤلاء أصحاب القروض المتعثرة التي تشكل أزمة حقيقية يترقب الطريقة التي ستجري بموجبها المعالجات.

وفي ذات الاتجاه.. ثمة أعداد كبيرة من موظفي القطاع العام الحاصلين على قروض وفقدوا وظائفهم في عداد المقترضين المتعثرين، وهؤلاء أيضاً يشكلون نسبة غير قليلة من حجم المشكلة التي تعقد الطريق المؤدية إلى حل سلس.

ترقب

الآن يترقب السوريون الطريقة التصالحية التي سيصار عبرها إلى حل مشكلة القروض المتعثرة، والتي يختلط فيها الاعتبار الاقتصادي بالآخر الاجتماعي وامتداداته المتشعبة.

ويتوقع متابعون وخبراء أن يكون ثمة مفاجآت على صعيد الحلحلة، قد تتمثل بالإعادة التدريجية للمسرحين من أعمالهم، أو السماح لهم بإجراءات تقاعد نظامية، والحصول على رواتب تقاعدية يسددون بواسطتها أقساط قروضهم..

خصوصاً أنه لا ضمانات من قبيل الأصول والممتلكات لدى هؤلاء، أو معظمهم، يمكن أن تكون وسيلة تعويض لمبلغ القرض مع فوائد أو بدون.

—————————–

 الليرة السورية تهوي مجدّداً… وتحذيرات من “صمت” المركزي

الأحد 2025/09/07

سجلت الليرة السورية انخفاضاً جديداً أمام الدولار الأميركي، متجاوزة عتبة 11200 ليرة للدولار الواحد في معظم المحافظات السورية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية في الأسواق، التي شهدت موجة غلاء إضافية أثقلت كاهل السوريين.

وفي تصريح خاص لـ”المدن”، يعتبر الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، أن نسبة التراجع الحالية في سعر الصرف، والبالغة نحو 4 في المئة، “لا تُعد أمراً يدعو للقلق”، موضحاً أن ما يجري هو “عملية سحب للدولار من السوق”، مرجحاً أن تشهد الليرة عودة للاستقرار خلال الفترة المقبلة.

ويشير ديب إلى أن الخطورة تكمن في حال تجاوز سعر الصرف مستويات 11500 ليرة وما فوق، عندها “يصبح من الضروري أن يتدخل مصرف سورية المركزي تدخلاً مباشراً للجم الانحدار”. ويضيف: “حذرنا منذ أشهر من ضرورة أن يعمل المركزي بعقلية السوق لا بعقلية المكاتب البيروقراطية، لكن غياب الدور الفعلي للمؤسسات الرسمية في إدارة سعر الصرف لا يزال واضحاً”.

وحول ما يُثار عن “صندوق التنمية السوري”، يشدد ديب على أنه “من المبكر الحكم على أثره الفعلي على سعر الصرف”، موضحاً أن نتائجه مرتبطة بالآليات التي ستُعتمد. لكنه يلفت إلى أن “الدور الأبرز في تقلبات السوق ما زال مرتبطاً بتصريحات حاكم مصرف سورية المركزي، التي غالباً ما تبتعد عن منطق السوق وتؤثر سلباً على الثقة”.

ويختم ديب تصريحه بالتأكيد أن المرحلة الراهنة تتطلب “العمل على مشاريع تكتيكية قصيرة المدى لا تحتاج إلى سنوات لتنفيذها، ولا إلى تكاليف تشغيل عالية”، معتبراً أن مثل هذه المشاريع يمكن أن تشكل أساساً لإطلاق استراتيجيات طويلة المدى أكثر رسوخاً.

—————————————-

=====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى