سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سوريا الجديدة بين وعود إصلاح السجون والأمن ومخاوف إعادة إنتاج السلطوية

 

8 سبتمبر 2025

تتناول صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في هذا التقرير المشهد السياسي في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، مشيرة إلى إعلان القيادة الجديدة خططًا لإصلاح السجون والأجهزة الأمنية التي شكّلت رمزًا لعقود من القمع؛ في الوقت الذي تظهر مؤشرات مثيرة للقلق، من بينها تركّز السلطة في يد الرئيس أحمد الشرع ومحيطه، وتفاقم العنف الطائفي، بالإضافة إلى تعثّر المفاوضات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والجدل حول الانتخابات البرلمانية، ما يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية وصعوبة بناء الثقة.

خمسة عقود من الرعب

تشير الصحيفة في مقدمة تقريرها إلى اتخاذ القادة الجدد في سوريا خطوات تهدف إلى إبعاد البلاد عن نموذج الحكم الديكتاتوري، عبر خطط لإعادة هيكلة منظومتي السجون والأجهزة الأمنية اللتين شكّلتا العمود الفقري لـ”حكم الخوف” في عهد نظام الأسد، لافتة إلى أن طريقة تعاملهم مع موجات العنف الطائفي، وغياب الشمولية، وتركيز السلطة في أيدي قلة من المقربين، أثارت مخاوف من أن نمط الحكم الجديد ما يزال متجذرًا في ممارسات سلطوية.

وأضافت الصحيفة أن على مدى أكثر من خمسة عقود، وتحت حكم عائلة الأسد، كانت سوريا دولة أمنية تُدار بالرعب، حيث شكّلت السجون أداة رمزية وواقعية للتخويف، فامتلأت بممارسات التعذيب والإعدامات، وجرى استخدامها لاعتقال عشرات الآلاف وإخفائهم قسرًا، وإبقاء المجتمع تحت سيطرة قمعية.

وأعادت “نيويورك تايمز” التذكير بأنه في أيار/مايو الماضي، أعلنت وزارة الداخلية أنها ستعيد هيكلة الأجهزة الأمنية والسجون، بهدف صون حقوق الإنسان والحفاظ على كرامة السجناء. وأشارت الوزارة حينها إلى أن الخطة قد تتضمن بناء سجون جديدة كليًا أو إعادة تأهيل القائم منها لتتوافق مع المعايير الإنسانية. وقال المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، للصحيفة الأميركية: “إن طغيان الأجهزة الأمنية قد انتهى”.

“مؤشرات مقلقة على الاستمرارية”

ومع ذلك، ما تزال هناك مؤشرات عديدة على أن الذين أطاحوا بالرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي لم يتخلوا بالكامل عن الأساليب القديمة. فالرئيس الجديد أحمد الشرع، القيادي الإسلامي السابق في صفوف المعارضة المسلحة، حكم البلاد من خلال تركيز السلطة في يده وأيدي مجموعة صغيرة من الموالين، من بينهم أشقاؤه، بحسب “نيويورك تايمز”.

تقول مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، منى يعقوبيان، لـ”نيويورك تايمز”: “من الناحية البنيوية ما زال النظام رئاسيًا قويًا يشبه نظام الأسد”، مشيرةً إلى أن “هناك مقاومة لفكرة اللامركزية ومنح مختلف المكونات حق المشاركة في الحكم، رغم أن ذلك أساسي بالنسبة لسوريا نظرًا لتنوعها الديني والإثني”. أما مديرة السياسات في منظمة “إيتانا سوريا”، لارا نلسون، فترى أن هناك “مؤشرات مقلقة على الاستمرارية”.

لا يمكن إغفال الفوارق

ومع ذلك، يرى الخبراء أن الفوارق بين النظام السابق والحالي لا يمكن إغفالها. فقد رحّبت منظمات حقوقية بالمساعي الرامية إلى تفكيك “الدولة البوليسة”، لكنها أكدت أن الوقت ما يزال مبكرًا لتقييم نجاح هذه الجهود. فعندما أعلنت وزارة الداخلية عن تغييرات في فروع الأمن في أيار/مايو، أكدت أنها ستنشئ مكاتب رسمية لتلقي الشكاوى وضمان المساءلة، وهو أمر يختلف جذريًا عن أيام الأسد حين كان السوريون يخشون مجرد الاقتراب من أبنية الأمن، بحسب “نيويورك تايمز”.

وفي تعليقها على الخطوات التي اتخذتها الداخلية، تقول يعقوبيان: “هذه خطوات مهمة توحي بأن القيادة السورية لا تريد العودة إلى مسار النظام السابق”، مؤكدة أن “هذا (المسار) مشجع”.

أما الانتخابات البرلمانية المقررة لاحقًا هذا الشهر، والتي رحب بها البعض بدايةً باعتبارها خطوة نحو نظام أكثر ديمقراطية، فقد تحولت إلى مثار جدل. فمن أصل 210 مقاعد، سيُعيّن الرئيس ثلثها مباشرة، فيما تُنتخب البقية عبر هيئات انتخابية محلية تشكلها الحكومة، مع تخصيص خُمس المقاعد للنساء.

والأسبوع الماضي، أعلنت لجنة الانتخابات تأجيل التصويت في ثلاث محافظات خارجة عن سيطرة الحكومة إلى أجل غير مسمى، مكتفية بتعيين ممثلين عنها، بحسب وسائل الإعلام الرسمية. وكان ذلك تذكيرًا صارخًا بالتحديات التي يواجهها الشرع في توحيد بلد تمزقه حرب مستمرة منذ نحو 14 عامًا، وفقًا لتقرير الصحيفة الأميركية.

وتذكّر “نيويورك تايمز” بالمفاوضات التي دخلتها الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا مع الحكومة المركزية في دمشق للاندماج في المؤسسات السياسية والعسكرية الوطنية، لكن هذه المحادثات توقفت مؤخرًا. وانتقد القادة الكرد الانتخابات باعتبارها “محاولة لإعادة إنتاج السياسات الإقصائية التي حكمت سوريا لعقود”، مؤكدين أنها لا تعكس إرادة الشعب.

غياب الشمولية في صنع القرار

وقد أدى غياب الشمولية في صنع القرار إلى أزمة ثقة بين الحكومة ومكونات الأقليات، مثل المسيحيين والعلويين والدروز والأكراد، وهو ما يشكل التحدي الأكبر ربما أمام توحيد البلاد. فيما اعتبر خبراء أن تعيين بعض ممثلي الأقليات في مواقع حكومية ليس سوى خطوة شكلية. وقالت المحامية والناشطة المعارضة السابقة، ديمة موسى، لـ”نيويورك تايمز”: “أكثر ما يثير قلقي هو غياب الانفتاح على الآخرين من ذوي الانتماءات السياسية المختلفة”.

وقد فاقمت الفجوة ثلاث موجات من العنف الطائفي الدامي خلال الأشهر الستة الماضية، تورطت فيها قوات حكومية أو موالون لها. ففي أحدث هذه الأحداث، قُتل المئات في تموز/يوليو الماضي بمحافظة السويداء الجنوبية إثر اشتباكات بين قبائل بدوية مسلحة وفصائل من الطائفة الدرزية. وقالت منظمات حقوقية إن القوات المرتبطة بالحكومة ضالعة في عمليات قتل خارج القانون وأعمال عنف بدوافع انتقامية أو طائفية.

وأدانت الحكومة هذه الانتهاكات التي قالت إن منفذيها تصرفوا خارج إطار القانون، وأعلنت فتح تحقيقات. لكن المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسن، حذّر مجلس الأمن مؤخرًا قائلًا: “البلاد ما تزال هشة للغاية، والمرحلة الانتقالية على حافة الخطر”. وأضاف: “على السوريين أن يشعروا أن هذه المرحلة ليست مجرد ترتيبات مؤقتة ومؤسسات معزولة، بل مسار واضح وشامل يقوم على الشمولية والشفافية”، مؤكدًا أنه من دون إصلاحات حقيقية ومؤسسات حكومية قوية، فإن سوريا تخاطر بخسارة دعم دولي حاسم.

وبحسب “نيويورك تايمز”، قوّض العنف الطائفي والانتقامي ما قال مسؤولو الحكومة إنه أولوياتهم، بما في ذلك تحقيق الأمن والاستقرار، وتعزيز السلم الأهلي، وتوحيد البلاد. وترى يعقوبيان أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى تنفيذ الإصلاحات المعلنة وانضباط الأجهزة الأمنية. فيما تقول موسى، التي باتت ناشطة في مجال حقوق المرأة، إن “هناك الكثير مما يجب إنجازه، وكان ينبغي أن تكون الأمور قد تقدمت أكثر مما هي عليه الآن، خصوصًا في قضايا الاقتصاد والأمن وإعادة هيكلة القوات المسلحة”.

مؤشر محدود على الالتزام بالانفتاح

ويضم فريق الشرع الحكومي بعض الوزراء من أصحاب الخبرات المهنية العائدين من الشتات السوري، إضافة إلى ممثلين عن الأقليات وامرأة واحدة، وهو ما اعتُبر مؤشرًا محدودًا على التزامه بالانفتاح. لكن الشرع عيّن مقربين في الوزارات السيادية مثل الدفاع والخارجية والداخلية، معتمدًا على دائرة ضيقة من الموالين الذين رافقوه خلال سنوات قيادته لـ”هيئة تحرير الشام” ذات الخلفية الإسلامية، كما تقول الصحيفة الأميركية في تقريرها.

ويتولى وزير الداخلية، أنس خطاب، الذي كان مسؤولًا عن الأمن الداخلي في “هيئة تحرير الشام” المرتبطة سابقًا بالقاعدة، مهمة إعادة بناء وتنظيم قوات الأمن والشرطة. وبعد وصول المعارضة المسلحة إلى الحكم، جرى تسريح جميع ضباط الشرطة والأمن المرتبطين بالنظام السابق باعتبارهم أدوات في يد الأسد، لكن بعضهم سُمح له لاحقًا بالعودة، فيما جرى استقدام آلاف العناصر الجديدة خلال الأشهر التسعة الماضية عبر برامج تدريب سريعة لإلحاقهم بالخدمة فورًا.

أما وزير الخارجية، أسعد الشيباني، فقد رافق الشرع لسنوات وتولى إدارة العلاقات الخارجية لـ”هيئة تحرير الشام”. واليوم يتجاوز دوره حدود السياسة الخارجية ليشبه منصب رئيس الوزراء، إذ إن العديد من الوزراء يرفعون تقاريرهم إليه، وفق ما ذكره دبلوماسيون أجانب على تماس مع الحكومة، وفقًا للصحيفة الأميركية.

وتختم “نيويورك تايمز” تقريرها بالإشارة إلى تأكيد نلسون قائلة: “ما رأيناه هو مجرد إدماج رمزي لبعض الوزراء من الأقليات أو النساء، من دون أن يُمنحوا أي صلاحيات حقيقية”، مضيفة أن: “هيئة تحرير الشام ما تزال تُمسك بمفاصل السلطة الأساسية في الدولة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى