سوريا فوق برميل بارود/ بكر صدقي

09 أيلول 2025
مع اقتراب موعد مشاركة أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر الشهر الجاري، ارتفع منسوب التوتر في الأجواء السورية من خلال تصريحات مختلف الفرقاء.
فبعد بيان حكمت الهجري الذي دفع بموضوع النزاع في الجنوب إلى حدود المطالبة بالاستقلال لكيان درزي، قال صالح مسلم إن أمام سلطة دمشق خيارين: إما اللامركزية أو استقلال شمال شرق سوريا. أما في منطقة الساحل فقد أعلن عن قيام «مجلس سياسي لوسط وغرب سوريا» في بيان طالب بتطبيق نظام فيدرالي.
قد لا تكون ثمة علاقة سببية بين مشاركة الشرع المرتقبة وإلقائه المحتمل لخطاب أمام زعماء العالم في الاجتماع الدوري للجمعية العامة، وبين التطورات السياسية المشار إليها التي لا يصعب ردها إلى ديناميات داخلية بحتة في سياق الصراع السياسي على السلطة وعلى هوية الدولة السورية الجديدة. لكن الربط بين الأمرين يمكّننا من تسليط الضوء على استمرار السلطة في السعي لتعزيز شرعيتها الخارجية مقابل فشلها في الاستجابة لتحديات الداخل. هذه التحديات التي يمكن إجمالها في عدم رضا مكونات المجتمع في سوريا عن تفرد المجموعة الحاكمة بالسلطة وعدم اكتراث هذه بهواجس ومطالب السوريين بمختلف فئاتهم ومنازعهم السياسية، لأنها تشكل قوة نابذة، بدلاً من أن تكون عامل جذب وجمع. بكلمات أخرى: فشلت السلطة في نيل شرعية داخلية عامة خارج جمهور مهلل لا يمكن تقدير حجمه الاجتماعي الحقيقي يعيد إحياء مفهوم الموالاة على طريقة موالاة نظام الأسد البائد، ولاء أعمى غير مشروط بصرف النظر عن مسالك السلطة وأدائها، مع عدوانية شديدة تجاه أي نقد يوجه لها.
بالتوازي مع إعلان تأسيس «مجلس وسط وغرب سوريا» الذي من المفترض أن يمثل العلويين، تواترت أخبار عن تنظيم مسلح يسمي نفسه «سرايا الجواد» تبنى أكثر من عملية عسكرية ضد قوات الأمن العام التابعة لسلطة دمشق التي قامت بدورها بتعزيز تواجدها العسكري في مناطق الساحل السوري. الأمر الذي أحيا مخاوف تكرار مجازر شهر آذار التي ذهب ضحيتها أكثر من 1400 قتيل من المدنيين وفق التقديرات.
أما في محافظة السويداء فقد توحدت الفصائل المحلية المسلحة لتشكل ما أسمته «الحرس الوطني» الذي أعلن ولاءه لزعامة حكمت الهجري، وكأن الأمر يتعلق بقوة عسكرية تحمي انفصال المحافظة عن الجسم السوري.
أما اللغط الحاد الذي أثارته مقالة موريس عايق «الطور الثاني من الحرب الأهلية في سوريا» وبخاصة حديثه عن «فاشية سنية» ودعوته لدفن الوطنية السورية، فيمكن اعتباره تمثيلاً دقيقاً للمناخ العام في سوريا ما بعد الأسد: كأن البلد جاثم فوق برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة. من جهة أولى سلطة ماضية في التفرد بحكم البلاد وفي تعزيز أسس نظام شمولي جديد غير مكترثة بكل ما يقوله السوريون وغير السوريين؛ ومن جهة مقابلة استسهال فكرة الانفصال وتفكيك وحدة البلاد ما دامت المجموعة الحاكمة لا تصغي لأحد، من غير أي تفكير بمدى واقعية هذه الطروحات.
كان لافتاً ما جاء في البيان الختامي لمجلس جامعة الدول العربية بشأن سوريا تأكيده على وجوب تطبيق مضمون القرار الأممي 2254 الأمر الذي يعني شطب كل الإجراءات الأحادية التي قامت بها سلطة دمشق والعودة إلى نقطة الصفر: إقامة سلطة تشاركية جامعة للمرحلة الانتقالية. قرار مجلس الأمن الذي عرقل نظام الأسد تنفيذه طوال تسع سنوات، يعود ليطرح على الطاولة من جديد بعد انقضاء ثمانية أشهر على سقوطه. لا مفر إذن أمام السلطة من تطبيق القرار، الأمر الذي عاد وكرره مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون في اجتماعه الأخير مع أسعد الشيباني. هذا هو السبيل الوحيد لمنع تفكك الكيان السوري الذي أصبح قيد التداول في الآونة الأخيرة من قبل الدروز والكرد والعلويين.
ولد أحمد الشرع بعد عام على اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات على يد إسلامي متطرف يدعى خالد الاسلامبولي. لقد دفع السادات حياته ثمناً لاختياره طريق التسوية والتطبيع مع إسرائيل لاستعادة شبه جزيرة سيناء. من المحتمل أن الشرع لا يعرف شيئاً عن الأجواء المشحونة في تلك الحقبة البعيدة التي أعقبت زيارة السادات لإسرائيل في العام 1977. نوايا ترامب معلنة بشأن رغبته في جمع الشرع مع نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة كخطوة رمزية تمهيداً لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وسوريا. إذا افترضنا جدلاً أن هذا اللقاء سيتم بالفعل، فمن المستبعد أن يواجه الشرع في سوريا اعتراضات بحدة الاعتراضات التي واجهها السادات قبل نحو خمسة عقود حين قام بزيارة إسرائيل بقرار مفاجئ شكل صدمة في الرأي العام المصري والعربي. ربما محور المقاومة والممانعة وحده سيكون في واجهة الرفض، إعلامياً فقط على أي حال. سوريا المنشغلة بمخاوف وجودية والغارقة في مشكلاتها الكبيرة واستقطاباتها الداخلية الحادة ستكون آخر من يكترث. أما مقاتلو الفصائل الإسلامية المنضوون نظرياً في جيش السلطة وأمنها العام، وبينهم كثير من الأجانب، فمن المحتمل أن يستفزهم مشهد الشرع في حفل تخرج زوجته من جامعة إدلب أكثر من استفزاز مفترض لمشهد مصافحة قد يجمعه مع نتنياهو. إذا كان من خطر على الشرع بظهور اسلامبولي جديد فلن يكون ذلك كردة فعل على التطبيع مع إسرائيل بل على مظاهر «العلمنة» في سلوك القائد!
كاتب سوري
القدس العربي



