سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

هؤلاء “المؤثّرون”/ شعبان عبود

09 سبتمبر 2025

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرّد منصات للتفاعل أو الترفيه في سورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، بل تحوّلت إلى ساحات صراع خفي وخطير، تغذّيه حناجر من يُعرفون بـ”المؤثرين”، الذين يتصدّرون المشهد الرقمي لا بحثاً عن الحقيقة أو الوعي، بل عن “الترند” واللايكات والمشاهدات، حتى لو كان الثمن وحدة المجتمع السوري المتصدّع أصلاً.

وسط هذا المشهد، بات هؤلاء المؤثرون يشكّلون خطراً متنامياً، ليس فقط على النسيج الاجتماعي السوري، بل على مسار الدولة الجديدة، وعلى الفرصة التي انفتحت أمام سورية والسوريين، وعلى إمكان تحقيق مصالحةٍ وطنيةٍ حقيقية بعد سنوات من الحرب الطائفية والانقسام.

يعتمد كثيرون من المؤثرين السوريين اليوم على أسلوب الإثارة والانقسام لصناعة المحتوى، ولا يتورّعون عن أي أسلوب لزيادة وصول منصاتهم، يسخرون من طائفة معينة، يشتمون منطقة جغرافية أو لهجة محلية، يستخدمون نبرة ساخرة أو استعلائية تجاه فئة مجتمعية كاملة، تحت عنوان “المزاح” أو “التفاعل”.

لكن ما يبدو ظاهرياً “دعابة”، يخفي وراءه إعادة إنتاج لخطابات الكراهية والطائفية التي مزّقت البلاد. وهنا يمكن القول إن ما كان يفعله الإعلام الرسمي سابقاً عبر خطاب تعبوي متجهّم وخشبي، بات يفعله اليوم مؤثرون شباب، ولكن عبر النكات والسخرية والتعليقات… وبتأثير أوسع وأسرع.

تعاني البيئة السورية اليوم من أزمة ثقة، انقسام اجتماعي، ونزيف اقتصادي. وهذا المناخ المثقل بالعاطفة والخوف والغضب يشكّل أرضاً خصبة لهؤلاء المؤثرين، لأنه كلما زادت الأزمة، زاد تعطّش الناس لتفريغ غضبهم وقلقهم، وارتفع استعداد مشاعرهم وغرائزهم للتلقي على حساب عقولهم، أو للهروب من ذلك كله نحو الترفيه. وكلما طُرحت مواضيع حساسة، زاد التفاعل والمشاركة والانتشار، وكلما ارتفعت المشاهدات، زادت الأرباح من الإعلانات والرعاية والـ”تيك توك” و”يوتيوب” وغيرها. بمعنى آخر: الخراب الاجتماعي يدرّ عليهم دخلاً مادّياً مباشراً، ما يدفعهم للعودة مجدّداً لتأجيجه إن شعروا بانطفائه.

المشكلة الأخطر أن بعض هؤلاء المؤثّرين لا يواكبون المناخات، بل يصنعونها. فحين يبدأ الخطاب العام بالهدوء، أو يميل نحو التسامح أو الوعي، يعودون إلى طرح محتوىً استفزازي يحيي ذكريات الانقسام ويستخفّ بضحايا منطقة أو طائفة، ويعيد نشر روايات مؤدلجة حول من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”.

وغالباً ما يتم استخدام هذه الأساليب بشكل مسرحي أو مبالغ فيه، مدفوع بشهية الانتشار أكثر من أي قناعة فكرية. وفي غياب مؤسّسات إعلامية نزيهة، أو قانون واضح يضبط الخطاب الإلكتروني، يتمتع هؤلاء بحرية شبه مطلقة، لا أحد يحاسبهم على خطاب التحريض، لا آليات واضحة لمكافحة المحتوى الضار، ولا مؤسسات تعليمية أو إعلامية تقدّم بدائل حقيقية للجيل الجديد، بل على العكس، كثير منهم ينتقل من منصّة إلى أخرى، ويضاعف جمهوره، ويحصد فرص رعاية ودخل، في وقت تعاني فيه النخب الثقافية والمجتمعية من التهميش والغياب.

تتطلب المرحلة الراهنة في سورية خطاباً مسؤولاً، يسعى إلى لمّ الشمل، وترميم الجروح، وإيجاد أفق مشترك للسوريين من مختلف المناطق والانتماءات، لكن هؤلاء المؤثرين، عبر تكريسهم سرديات “نحن” و”هم”، و”الصح” و”الخطأ”، والطائفة ضد الطائفة، يعيقون أي إمكانية لبناء وطن موحّد. بل أسوأ من ذلك، يعيدون ترسيخ صورة السوري لدى السوري خصماً أو سخرية أو كاريكاتيراً، في وقت يحتاج فيه الجميع إلى الاعتراف بالآخر والتعاطف معه لا السخرية منه.

ليست الخطورة فقط في وجود هؤلاء المؤثرين، بل في سلبية المجتمع حيالهم، وتعاطيه معهم كأنهم مجرّد “نجوم”، لا أدوات تفكيك وتقسيم وتمزيق اجتماعي.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى