أزمة السياسة العربية من منظور الدولة والمجتمع/ محمد أبو رمان

09 سبتمبر 2025
يمثّل كتاب جويل مجدال “الدولة في المجتمع: دراسة كيف تحول الدولة والمجتمعات وتشكل بعضها بعضاً” (ترجمة محمد صلاح علي، عالم الآدب للبرمجيات والنشر والتوزيع، القاهرة، 2017) محاولة جذرية لإعادة التفكير في مفهوم الدولة ومكانتها داخل الدراسات المقارنة للسياسة.
لم يكن الكتاب مجرّد إضافة للنقاش النظري، بل شكّل تحوّلاً نوعيّاً في طريقة النظر إلى الدولة: كيف نفهمها، وكيف ندرس تفاعلها مع المجتمع؟ على خلاف التعريف الكلاسيكي لماكس فيبر، الذي رأى الدولة الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل الإقليم، قدّم مجدال رؤية أكثر تعقيداً: الدولة ليست مجرّد هيكل أو مؤسّسة، بل هي حقل متشابك من الصور والممارسات. تمثل الصور ما تنتجه الدولة عن نفسها: الأعلام، الشعارات، الدساتير، والخطابات الرسمية التي تعكس سيادتها المزعومة. أما الممارسات فهي قدرة الدولة على جعل الناس يتبعون قواعدها في حياتهم اليومية. يوضح هذا التمييز الفجوة بين ما تدّعيه الدولة وما تنجح فعليّاً في فرضه، ويكشف أن الدولة ليست قوة مطلقة، بل هي طرفٌ في شبكة معقدة من الصراعات الاجتماعية والسياسية، متأثّراً بهذا التعريف بعالمي الاجتماع الفرنسيين؛ ميشيل فوكو في تأطيره مفهوم الصورة وبيير بورديو في تأطيره مفهوم الحقل في العلوم الاجتماعية.
لم تتشكّل هذه الرؤية في فراغ؛ فقد تشكّل وعي مجدال أولاً من خلال مقاربة إدوارد شيلز عن “المركز والمحيط”، التي تصوّر الدولة كمركز يمتلك القوة الرمزية والقانونية لإخضاع المجتمع التقليدي. اعتمد مجدال هذا التصور في بداياته، إلا أن هزيمة عام 1967 أظهرت له محدوديته، فإسرائيل، رغم قوتها العسكرية والبيروقراطية، لم تنجح في إخضاع المجتمع الفلسطيني أو فرض هيمنتها المطلقة، ما دفعه إلى إعادة النظر في نموذج المركز– المحيط (المقاربة المنهجية التي طوّرها إدوارد ميشلز وكان مجدال يتبنّاها)، والبحث عن فهم أكثر دقة لصراع الدولة مع القوى الاجتماعية على الشرعية والهيمنة.
كما تأثر مجدال، في بداياته، بصموئيل هنتنغتون، خصوصاً خلال دراسته العليا في السياسة المقارنة، ونظرياته حول المؤسّسات السياسية واستقرار الأنظمة. ركّز هنتنغتون على دور المؤسسات في ضبط الصراعات وتحقيق استقرار الدولة، وهو ما بدا مقنعاً لمجدال في البداية. لكنه سرعان ما اكتشف أن التركيز على المؤسّسات وحدها يغفل الصراعات المجتمعية الفعلية والتفاعلات بين الدولة والقوى الاجتماعية، وهو ما دفعه لاحقاً إلى نقد محدودية هذا الطرح وتطوير رؤيته الخاصة، التي تراعي الدولة بوصفها شبكة متشابكة من الصور والممارسات تتنافس مع قوى متعدّدة في المجتمع.
في هذا الإطار، جاء مجدال رد فعل مباشراً على جدل واسع في السياسة المقارنة، فالمرحلة السلوكية، بقيادة ديفيد إيستون وغابرييل ألموند، ألغت الدولة من التحليل، وركزت على “النظام السياسي” كآلة تحلل المدخلات والمخرجات دون النظر إلى خصوصية الدولة أو تاريخها المؤسّسي. ومع نهاية السبعينيات، جاءت موجة “استعادة الدولة” Bringing the State Back In، لتعيد الدولة إلى صدارة التحليل فاعلاً قادراً على فرض إرادته على المجتمع. في هذا السياق، ظهرت مقاربة الكوربوراتية، التي تصوّر الدولة منظّماً للمجتمع عبر قنوات رسمية شبه مؤسّساتية، مثل النقابات والجمعيات المهنية، فيما أشار غييرمو أودونيل إلى “البيروقراطية السلطوية” في أميركا اللاتينية، حيث الدولة العسكرية – البيروقراطية تفرض هيمنتها من أعلى، مطبّقة نظم السيطرة على المجتمع.
اشتبك مجدال مع كلا النموذجين (السلوكي وما بعد السلوكي)؛ فهو لم يكتفِ بالرفض السلوكي الذي ألغى الدولة، ولم يقتنع بالتصوّر المطلق لما بعد السلوكية والكوربوراتية. بل رأى أن الدولة ليست قوة عليا مطلقة، بل هي طرفٌ في صراع متواصل مع قوى متعدّدة – عشائر، طوائف، حركات دينية، شبكات اقتصادية غير رسمية، ومنظّمات مدنية – تنافس على فرض قواعدها وشرعيتها. وهكذا صاغ جوهر مقاربته: الدولة والمجتمع معاً، شبكة متشابكة من الصور والممارسات والقوى المتنافسة، حيث لا هيمنة مطلقة لأي طرف.
يستدعي هذا التحليل، أيضاً، أفكار غرامشي، إذ يوضح أن الهيمنة لا تقوم على القوة المادية وحدها، بل على القدرة على إنتاج منظومة قيمية تجعل السلطة مقبولة. الدولة تسعى إلى فرض هيمنتها عبر التعليم، القانون، الإعلام والمؤسّسات الرمزية، بينما تسعى الجماعات الاجتماعية إلى إنتاج هيمنتها الخاصة عبر الدين، العائلة، الشبكات التقليدية أو الاقتصاد غير الرسمي. بذلك يصبح الصراع على الشرعية والمعنى جزءًا من الصراع على القوة، ويظل فهم الدولة مستحيلاً بمعزل عن المجتمع.
يكتسب تحليل مجدال أبعاداً أعمق عند مقارنته بفكر محمد عابد الجابري لا سيما كما طرحه في كتابه “العقل السياسي العربي”، فالجابري أبرز أن العقل السياسي العربي يتأثر باللاشعور السياسي والمخيال الاجتماعي، بحيث يستحضر التاريخ في الحاضر ويعيد إنتاج أنماط الهيمنة والصراع القديمة، ويظهر أن الدولة العربية ليست مجرّد مؤسّسة قائمة بذاتها، بل محصلة لتفاعلات القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية، وذلك يتقاطع بدقة مع مجدال، الذي أشار إلى الفجوة بين الصورة والممارسات، أي ما تدّعيه الدولة من سيادة وما تستطيع فعليّاً فرضه على المجتمع. ومن هذا المنطلق، تمنحنا مقاربة مجدال أدوات لفهم هشاشة الدولة العربية، حيث تتنافس الجماعات المختلفة على فرض قواعدها وضبط القيم والمعايير الاجتماعية، وتظلّ الشرعية متعدّدة وغير مستقرّة.
حين نطبق هذا على الواقع العربي، يظهر مدى أهمية مقاربة مجدال. ففي العراق، تتنازع الدولة والمليشيات الطائفية على الولاءات والقواعد. في لبنان، تمارس الطوائف والأحزاب سلطة موازية، بينما تحوّلت الجماعات المسلحة في اليمن وليبيا إلى بديل حقيقي للدولة، ففي هذه الحالات، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها العسكرية أو الأمنية فقط، بل بقدرتها على جعل قواعدها المرجعية هي التي يلتزم بها الناس طوعاً.
لا تقتصر أهمية هذا التحليل على الجنوب فقط. ففي الغرب، تكشف تحوّلات القرن الحادي والعشرين عن محدودية الدولة: صعود الشعبوية، تراجع الثقة بالمؤسّسات، قوة الشركات الرقمية العملاقة، والحركات الاجتماعية العابرة للحدود. ويعكس ذلك كله أن “الممارسات” لم تعد حكراً على الدولة، حتى لو بقيت “الصورة” قوية.
تزداد أهمية هذه المقاربة عند النظر إلى أزمة شرعية الدولة في العالم العربي، فالدول الأوروبية استطاعت، عبر مفهوم الدولة – الأمة، أن تؤسّس لعقد اجتماعي نسقي متكامل يجمع بين الشرعية القانونية والسياسية والثقافية. في المقابل، تظل الدولة العربية في حالاتٍ كثيرة رهينة مرحلة ما قبل العقد الاجتماعي، حيث لا تتأسّس الشرعية على إجماع شعبي مستقر، بل على سلطة تاريخية وبنى مادية، وغياب الوعي السياسي المدني، كما يشير محمد عابد الجابري. ومن هذا المنظور، يقدّم مجدال أدوات حيوية لفهم هذه الهشاشة، بإبراز أن الدولة ليست كياناً مطلقاً، بل هي فضاء متصارعٌ مع المجتمع، حيث تتنافس الجماعات والمجموعات على فرض قواعد الضبط الاجتماعي والقيمي، وتتقاطع الصورة مع الممارسة لتنتج شرعيات متعدّدة وغير مستقرة.
في المحصلة، يقدّم مجدال حلقة ثالثة في تطوّر السياسة المقارنة: بعد تغييب الدولة سلوكيّاً، واستعادتها مطلقة في ما بعد السلوكية والكوربوراتية، جاء ليعيد الدولة والمجتمع معاً إلى قلب التحليل، فضاءً واحداً للصراع على الشرعية والهيمنة. ومن هنا يكتسب كتابه “الدولة في المجتمع” قيمته المرجعية، ليس فقط لفهم هشاشة الدولة العربية، بل أيضاً لتفسير التحولات الحديثة في العالم، من خلال إدراك الدولة والمجتمع كشبكة متشابكة من الصور والممارسات والقوى المتنافسة، لا ككيان واحد منفصل أو متفوق دوماً.
يمثل كتاب “الدولة في المجتمع…” رؤية ديناميكية تمكّن الباحث من فهم تعقيدات الدولتين، العربية والغربية على حد سواء، وتقديم تحليل قادر على استيعاب هشاشة الدولة، صراعها مع المجتمع، وتعدّد فاعليتها، بعيداً عن النظريات الأحادية التي إما ألغت الدولة أو بالغت في هيمنتها، ليصبح مجدال مرجعاً ضروريّاً لكل دراسة مقارنة تبحث عن فهم معمّق للدولة والمجتمع في عالم معقّد ومتغير.
العربي الجديد

———————————-
تلخيص كتاب: الدولة في المجتمع – دراسة عن كيف تُحول الدول و المجتمعات بعضها البعض.
تأليف: جويل س. مجدال.
ترجمة: محمد صلاح علي.
إعداد: علي أبوادريس.
الجزء الأول.
في هذه اللحظة الراهنة من تاريخ بلادنا السودان التي تعبر عن مخاض سياسي و اجتماعي ينبيء بتغيرات كبيرة على عدد من المستويات تأتي الحوجة لمثل هذا الكتاب الذي يؤسس لطرائق جديدة في النظر للعلاقة بين ” الدولة و المجتمع” , حيث أنه لا يمكننا الحديث عن تغير سياسي أو اجتماعي دون الحديث عن المجتمع ولا يمكننا الحديث عن المجتمع -في أزمنتنا الحديثة الراهنة- دون الحديث عن ” الدولة” التي تموضع نفسها دوما في مركز أي حديث يتحدث عن التغير أو السلطة أو السيطرة.
عليه فان هذا الكتاب هو دراسة حول السيطرة و التغير الاجتماعي و السياسي محاولا تقديم اجابات جديدة لأسئلة قديمة مثل أيهما يشكل الآخر: الدولة أم المجتمع؟ ما شكل العلاقة بينهما هل هي علاقة تابع/متبوع؟ ما العوامل التي قد تحدد شكل هذه العلاقة؟ و غيرها العديد من الأسئلة, و يمكننا اعتبار أن هذا الكتاب هو عبارة عن حوار متواصل مع النظريات و الاتجاهات السائدة في العلوم الاجتماعية و السياسية التي تدرس التغير الاجتماعي و السياسي في وحداته المعروفة ( الدولة, المجتمع, الفرد).
يعتبر مؤلف الكتاب ” جويل مجدال” أحد أبرز الأكاديميين الغربيين في حقلي السياسات المقارنة و الدراسات الدولية, صاحب ماجستير و دكتوراه في جامعة هارفارد التي عمل بالتدريس فيها و يشغل حاليا كرسي السياسة المقارنة و العلاقات الدولية بجامعة واشنطن.
بنية الكتاب و مسار العرض:
الكتاب هو مجموعة من الأوراق البحثية المتفرقة, عبارة عن 8 أوراق بحثية, كتبها ميجدال في أوقات متباعدة و أعاد صياغتها ليتم جمعها في كتاب واحد يمثل ذروة عمله حول مقاربته الخاصة لدراسة العلاقة بين الدولة و المجتمع, وهو عبارة عن خمسة أجزاء رئيسية (الجزء الأول: مدخل: مقاربة الدولة-في-المجتمع تعريف جديد للدولة و تجاوز لعالم ضيق من الدقة الصارمة, الجزء الثاني: اعادة النظر في التغير الاجتماعي و السياسي, الجزء الثالث: مقاربة سياقية: تشكيل الدول و المجتمعات, الجزء الرابع: الربط بين التغير الكلي و الجزئي, الجزء الخامس: دراسة الدولة).
سيمر مسار عرض هذا الكتاب عبر طريقة جمع الافكار المشتركة بين هذه الأوراق البحثية دون الالتزام بعرضها حسب ترتيب الكتاب و نحاول في ثنايا العرض طرح بعض التساؤلات أو الأمثلة المتعلقة بواقعنا السوداني الراهن مستندين على الامكانات النقدية/البحثية التي يفتحنا عليها هذا العمل البحثي المهم.
نبدأ استعراضنا لهذا الكتاب بالتأكيد على مداخل مفاهيمية مهمة يحاول الكاتب الاشتباك معها طيلة فصول الكتاب: وهي أن الدولة تم تصويرها في معظم الكتابات الاكاديمية التي تتناول مواضيع السيطرة و التغير باعتبارها جسم منفصل و مستقل استقلال تام عن المجتمع, و باعتبارها ” اله قدير” يغير المجتمع ويشكله متى شاء و كيف شاء, و أنها قادرة على انفاذ سياساتها الطموحة على المجتمع, و دوما ما تم تصوير المجتمع باعتباره متلقي سلبي يتشكل بمشيئة الدولة و يتجه معها و يدور أنى دارت, و معظم هذه الكتابات كانت تلغي وتستبعد حسب قوله ” الدور النشط للجماهير/المجتمع” في التأثير على الدولة, حيث يقول ” كان الافتراض المهيمن يقضي بأن المدينة أو المركز أو النواة أو الدولة أو الطبقة الاجتماعية المسيطرة –أي مركز متماسك للسلطة- يمتلك أهداف و غايات محددة و موارد و أفكار فائقة يمكنه استخدامها لفرض ارادته على المجتمع بأكمله” , هذا الافتراض الرئيس الأول الذي يشتبك معه الكتاب.
المحدد الرئيسي الثاني الذي يطبع هوية الكتاب هو المقاربة الخاصة التي بلورها الكاتب عن موضوع السيطرة و التغير وهي المقاربة التي أسماها مقاربة ( الدولة – في – المجتمع ), و التي يرى أنها تتجاوز عيوب و اشكالات المقاربات السائدة في العلوم الاجتماعية و السياسية.
-يمر الجزء الأول -الذي نعتبره أهم جزء من الكتاب وهو المؤسس لما بعده- عبر مدخله بسرد السؤال الرئيسي الموجه لمعظم الكتابات النظرية في موضوع السيطرة و التغير و هو السؤال ذاته الذي يحاول الكتاب الاجابة عليه وهو: ( من يضع القواعد التي يتصرف الآخرون وفقا لها؟ و من يفرض ارادته على الآخرين و متى تتحول هذه الأنماط؟)
كان الاستهلال بعرض سريع لعدد من الاتجاهات البحثية في الخمسينات و الستينات التي تناولت موضوع السيطرة و التغير من زوايا النظر التي لا يتفق معها الكاتب أو بلفظ أدق لا يراها كافية للتفسير, و ذكر أهم ثلاث اتجاهات نظرية سيطرت على العلوم الاجتماعية في تلك الفترة مبتدئا باتجاه ” تالكوت بارسونز” صاحب الأثر الواسع في علم الاجتماع الحديث عبر نظريته “النظام/ النسق الاجتماعي” الذي كان ينظر للمجتمع ” كنسق منتظم” يحافظ على تماسكه عبر صنع اجماع معياري على شكل محدد من القيم الاجتماعية و الثقافية, أي مركز قيم معين يصنع المعايير و تسري في اعضاء المجتمع ” أسرة,منظومات ثقافية, دولة..الخ” , انتقل الكاتب بعد ذلك لعرض الاتجاه الرئيسي الثاني المتأثر بنسقية بارسونز المذكورة آنفا, فكان الاسهام المهم للمنظر ” ادوارد شيلز” عبر نظريته ” المركز و الهامش”, و التي قوامها ثلاث عناصر رئيسية هي ” القيم/ المعتقدات,النخبة, و المؤسسات” حيث رأى أن المكون المؤسسي يطبق قيم المركز في جميع أنحاء المجتمع, و المكون القيمي هو مجموعة القيم التي تحدد الوجود المجتمعي الأنسب سواء كانت قيم ثقافية او سياسية أو اجتماعية, أما النخبة فهم الحراس النخبويين لهذه القيم, يدافعون عنها ويشرعنونها, خلاصة هذه النظرية كانت في أن ” المركز النشط الفعال المتوحد هو الذي يقولب الهامش”. كان الاتجاه الثالث هو اتجاه المنظر المعروف ” صامويل هنتجتون” الذي كان مصرا أن المكان الذي يجب أن ننظر فيه بشكل خاص بحثا عن مصادر قوة فرض النظام و السيطرة و التغير هو ” المؤسسات السياسية” .
هذه الاتجاهات النظرية الثلاثة و الاسهامات التي جاءت بعدها مثل (نظريات الدولتية, البنيوية, الاختيار العقلاني, الواقعية الجديدة”, جميعها تشدد على أنه ” يجب النظر الى الدولة باعتبارها مؤسسة لها مكانة مستقلة و خاصة و أنها تمثل مركز التغيير على الحقيقة”, فكان يتم تحليل التغيير و السيطرة مرارا باعتبارهما جزءا من سيرورة تمثل الدولة فيها المركز/المحور/نقطة الارتكاز, فمن خلال ( القانون, البيروقراطية, العنف وو سائل أخرى: ” تقوم الدولة الحديثة بتشكيل سلوك البشر و من ثم احساسهم بهويتهم” .
شكك الكاتب ابتداء في هذه النظريات السائدة في تلك الفترة ” الستينات,السبعينات”- و التي تتمركز جميعها حول الدولة كمركز و محدد رئيسي لعملية السيطرة و التغير-, وذلك- حسب سرده- أثناء فترة وجوده في قرى الضفة المحتلة لمهمة بحثية, فكانت خلاصة تشكيكه حيث قال ” على الرغم من قوة دولة اسرائيل الخرافية- وخاصة بعد انتصارها المدوي في حرب الأيام الستة على ثلاث دول عربية عام 1967- وجدت أن الوضع في القرى الفلسطينية المحتلة لا يشبه أبدا السياسات المرسومة بدقة” و أيضا لم تكن الولايات المتحدة أفضل حالا في سياساتها في فيتنام.
اذن ما المشكلة في ذلك؟ يذكر الكاتب أن الأمر ليس ببساطة التفسير القائل أن هذه الاخفاقات و النتائج المختلطة لسياسيات الدولة سببها أن تصميم السياسات كان سيئا, أو أن المسؤولين كانوا غير أكفاء, أو أن الموارد لم تكن كافية, اذ أن هناك خلل كامن أصلا في التصورات عن شكل العلاقة بين الدولة و المجتمع حيث يتم اعتبار أي فشل في تنفيذ سياسات الدولة هو خلل في آلية/طريقة/أداة التنفيذ و ليس لشيء مختلف كامن داخل المجتمع سنعرفه لاحقا في ثنايا هذا العرض.
من الاسهامات النظرية كذلك الموجهة للباحثين في النظر للدولة هو تعريف ماكس فيبر –عالم الاجتماع الشهير-هذا التعريف طالما حبس الخيال الاجتماعي للمنظرين للدولة في شكل معين للدولة نموذجي/مثالي و أي منظومات اجتماعية لا ينطبق عليها التعريف يتم النظر لها كخلل أو انحراف عن النموذج, فما هو التعريف و ما هو نقد كاتبنا –جويل مجدال – له؟ , يعرف فيبر الدولة بقوله( أنها مجموعة بشرية تدعي بنجاح احتكار الاستخدام الشرعي للعنف في اقليم معين), احدى الرؤى النقدية الرئيسية لكاتب الكتاب لمعظم الاتجاهات المتعاطية مع موضوع الدولة هو أنها تنظر اليها ” كهيئات متماسكة هادفة” بمعنى أنها الدولة عبارة عن ” كل متحد/متماسك” وليست مجموعة من الاتجاهات المتعددة التي قد تتشابك و تتصارع او تتضافر, و هو ما يمكن توضيحه بالقول أنها طريقة تجسيمية في النظر للدولة أي كجسم واحد متحد له غايات و اهداف متناسقة/محددة/منسجمة ويحتكر العنف الشرعي.
بعد هذه السياحة العامة بين النظريات المتعاطية مع قضية التغير و السيطرة و التي تضع الدولة في قلب العملية و تعريف ماكس فيبر و غيره , ماذا يريد أن يقول الكاتب أو ما هي الصيغة التي يقترحها للنظر للدولة و من ثم التغير؟
نبدأ بحديثه عن ” تعريف جديد للدولة ” , يرى الكاتب أننا يجب أن ننظر لمستويين رئيسيين عند محاولة فهم الدولة, هذان المستويان هما ” الصورة و الممارسات”, فهو يقول أن الدولة تتشكل فعليا من” صورة و ممارسات” , و خلاصة قوله أن- الصورة و الممارسات – قد تكون متداخلة أو متآزرة أو متعارضة وتقوض بعضها بعضا. ماذا يقصد بذلك ؟ يقصد مجدال بالصورة: كيف يتصور الناس الدولة؟ ما هو شكل الادراك المعين الذي تريد الدولة ترسيخه عنها ؟ فالصورة حسب قوله ” هي صورة ذهنية لهيئة اجتماعية متماسكة ككيان واحد مستقل و موحد و ممركز الى حد كبير و مسيطر في اقليم ما و الممارسات هي الممارسات (الفعلية) لأجزائها المختلفة”, نسترسل قليلا في شرح فكرة الصورة و الممارسات لأنها الفكرة المركزية التي تستند عليها مقاربة الكاتب.
تفترض الصورة الذهنية للدولة نوعين من الحدود: حدود قطرية: بين الدولة و دول أخرى, و حدود اجتماعية, أي الحد بين الدولة و القوى الاجتماعية الاخرى فيما يمكن أن نسميه الفصل بين العام و الخاص, بين المؤسساتي اللا شخصي و بين الشخصي, بين الدولة و الأسرة, بين القانون العام و القانون الخاص وهكذا, اذن الصورة النظرية/الذهنية للدولة هي كيان مستقل ذي سيادة و حدود قطرية معينة تحتوي مجموعة السكان الذين يمثلهم, و مستقل تماما هذا الكيان عن من يحكمهم من مكونات اجماعية, لكن هل العلاقة بين صورة الدولة الذهنية و بين ممارساتها الفعلية =مستقرة ؟ من هنا نبدأ بامساك أولى الخيوط لفهم مقاربة الكاتب “الدولة-في-المجتمع” و هي أن صورة الدولة وممارساتها تكونان دوما في توتر مستمر, كيف؟ فربما نجد العلاقة بين صورة الدولة و ممارستها تأخذ عدة احتمالات, مثلا قد:
أ/ تعزز الممارسات صورة الدولة و ترسخها في الأذهان, حيث يقول الكاتب ” عزز عدد لا يحصى من الممارسات الصورة التي تقضي بأن العلامات القطرية المرسومة على الخرائط حقيقية و فعال –يعني صورة الحدود القطرية التي ذكرناها آنفا- فقد قام قادة الدول بتوظيف (تأشيرات الدخول, جوازات السفر, علامات الحدود, الأسلاك الشائكة ..الخ) ” كل هذه الممارسات ترسخ في الاذهان صورة أن للدولة حدود قطرية ثابتة و راسخة و مستقرة. و بالمثل بالنسبة لصورة الفصل/الحد الاجتماعي بين الدولة و التشكيلات الاجتماعية الاخرى أي الفصل بين العام و الخاص هناك ممارسات تعزز هذه الصورة و ترسخها أكتر في الأذهان أن هناك فصلا تاما بين العام(الدولة) و الخاص(المجتمع), و هذه الممارسات مثل (احتفالات التتويج و التنصيب للقادة و الملوك, وضع أعمال الدولة في أماكن خاصة كالبلاط الملكي, قاعات المدينة, المباني الفيدرالية…الخ) و بهذه الطريقة و طرق غيرها لا تحصى تم صقل مكانة صورة الدولة باعتبارها جسما اجتماعيا متمايزا” .
ب/ قد تضارب الممارسات صورة الدولة و تناقضها و تقوضها, فبعض الممارسات تبطل صورة الحدود القطرية كأنها غير موجودة كبعض الجماعات و القبائل الموجودة التي لا تعتد بالحدود القطرية, و البعض الآخر من الممارسات قد يبطل و يناقض و يقوض صورة الفصل بين العام و الخاص “كقصة المسؤول الهندي عن الاراضي الذي كان يحتفظ بسجلات خمسة آلاف قطعة أرض في الطابق السفلي من منزله حيث جعل هذا الطابق كمكتب و كان أحد معاونيه يساعد في التوسط بينه و بين القادمين لتسجيل او لتغيير حقوق الملكية, و آخر كان يساعده في مهام رسمية الى جانب مهام أخرى متعلقة بشؤون أهل المسؤول و أسرته, فكان التمييز بين المساحة العامة و الخاصة, و العمل العام و الخاص و الأجر العام و الخاص= أمرا مفتقدا تماما ” و غير هذه العديد و الكثير من الأمثلة و النماذج التي ذكرها الكاتب عن مناطق مختلفة من العالم تقوض فيها ممارسات الدولة صورتها, و ذروة هذا التقويض أحيانا يكون في تحالف مكونات و أجزاء من الدولة مع مجموعات خارج سلك الدولة الرسمي لتحقيق أهدافهم, كتحالف بعض العصابات الاجرامية مع قوات الأمن في نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا, و قد تقوي الدولة أيضا بعض المجموعات الاجتماعية على حساب أخرى كنوع من أنواع شراء الاستقرار في منطقة معينة (1), وذكر الكاتب العديد من الأمثلة التي تؤيد ذلك, الشاهد أن كل هذه الممارسات تقوض صورة الدولة كجسم يحكم باستقلال و انفصال عن المجتمع ويصدر فعله السياسي عنه بصورة نقية صافية لا تشوبها شائبة أي مجموعة اجتماعية معينة و لا تؤثر في قراراتها/سياساتها أي نوع من أنواع التحالفات/التداخلات مع مجموعات اجتماعية معينة.
هذه الممارسات التي تناقض/تقوض الصورة الذهنية للدولة كجسم مستقل كيف كان ينظر لها في الاتجاهات النظرية السائدة في الدرس الاجتماعي و السياسي؟ الاجابة أنها كانت تعتبر انحرافا عن الصورة, حيث ينظر للدولة بحديها القطري و الاجتماعي كأفق معياري و كل ما ينبو و يتقاصر عن هذا الأفق يمكن اعتباره فساد أو خلل, أو محسوبية و غيرها, اذن ما هو رأي الكاتب في ذلك؟ و هنا يكمن لب مقاربته عن الدولة-في-المجتمع أن الممارسات المناقضة و المقوضة لصورة الدولة ما هي الا تعبير عن مجموعة مختلفة من المعايير عن معايير الدولة, فتعيين شخص صديق/قريب لك في موقع وظيفي معين فيما يناقض الفصل بين الخاص و العام يمكن اعتباره نوع من أنواع تفضيل الروابط القرابية على الكفاءة, تهريب بعض البضائع على الحدود فيما يناقض الفصل/الحد القطري الذي لتجاوزه يجب المرور بسلك الدولة الرسمي=يمكن اعتباره نوع من أنواع التعبير عن حق الناس في حرية التنقل والتجارة و رفض للقوانين و الاجراءات التي فرضتها الدولة بشكل تعسفي. لا يريد الكاتب هنا المحاججة عن صحة هذه الممارسات او خطأها او صحة صورة معايير الدولة أو خطأها, و انما يريد القول أن معايير الدولة و رؤاها وقواعدها توجد جنبا الى جنب مع معايير و رؤى و قواعد المجموعات الاجتماعية الأخرى التي تمثل أنظمة مختلفة تماما للمعنى قد تتفق أو تختلف مع انطمة الدولة و حدود صورتها, و لكن في النهاية تتشكل العلاقة بين الدولة و المجتمع عبر سيرورة تدافع/تفاعل مستمر بين الدولة و التشكيلات الاجتماعية الأخرى, قد تنجح فيها الدولة في تشكيل و انفاذ سياساتها و معاييرها على المجموعات الاجتماعية, وقد يحدث العكس فتغير المجموعات الاجتماعية من رؤية الدولة و سياساتها فيكون هنا نجاح التأثير من نصيب المجتمع, وقد يحدث ناتج ثالث لا علاقة له بالصورة الابتدائية للدولة و لا بالمجتمع و انما هو خليط تأثير كل منهما على الآخر وهو ما أسماه الكاتب ” المخرجات غير المقصودة” أو “سردية غير المتوقع” و هذا الطريق الثالث هو ما يحدث في الغالب, و كل هذه الرؤية المذكورة آنفا هي لب مقاربة الكاتب ” الدولة –في المجتمع-, فترتكز على أنه ” لا توجد أبدا في أي مكان مجموعة منفردة و موحدة من القواعد, فهذه المقاربة بصورة رئيسية تركز على التفاعلات المشحونة بالصراعات بين مجموعات متعددة من الارشادات الرسمية و غير الرسمية لكيفية التصرف تقدمها جماعات مختلفة من ضمنها الدولة, وطبيعة هذه الصراعات و مخرجاتها هي التي تعطي المجتمعات بنيتها و طابعها المميز”.
و عبر مقاربته هذه يرى المؤلف أننا نتوفر على فهم أفضل لديناميات السيطرة الداخلية و التغير الاجتماعي و السياسي و أنماط العلاقة بين الدولة و المجتمع.
اختتم الكاتب هذا الفصل عبر ذكر ثلاثة دراسات اجتماعية تم اجراءها بالاعتماد على مقاربة الدولة-في-المجتمع و أوضح فيها المقاربة بصورة أعمق. و يعتبر هذا الفصل و هذه التأسيسات النظرية التي ذكرناها آنفا هي جوهر الكتاب و عليها يعتمد في بقية فصوله لذلك ركزنا عليه الحديث و سنمر سريعا على بقية الفصول.



