سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

أي شكل من الحكم هو الأنسب لسوريا المستقبل.. مركزية، لامركزية، أم فيدرالية؟/ عبد الناصر القادري

 

2025.09.10

انطلاقاً مما تعيشه سوريا بعد إسقاط النظام المخلوع، ومحاولات البعض لفرض أشكال حكم على مقاساتهم، يذكرنا ذلك بما قاله أرسطو في كتابه “السياسة”: “بديهي إذن أن الدساتير كلها التي تقصد إلى المنفعة العامة صالحة، وكل الدساتير التي تقصد المنفعة الشخصية للحاكمين هي فاسدة القواعد، وليست إلا فساداً للدساتير الصالحة”.

وفي سياق ذلك، تحاول بعض الزعامات أو القيادات العسكرية أو الناشطين الذين يقدمون أنفسهم دينياً أو عرقياً أو مذهبياً، اقتسام جزء من كعكعة سوريا لصناعة أوطان جديدة أو فرض حلول تناسبهم، رغم مساعي الكثيرين من السوريين تجاوز المرحلة الانتقالية محافظين على شكل سوريا وخريطتها موحدة وسيادتها كاملة تعبر إلى مكانتها الجديدة بيسر وأقل كلفة ممكنة، بما يتوافق مع تقرير مصيرها بدستور دائم وانتخابات حرة وبقدر حجم التضحيات المبذولة خلال سنوات الثورة السورية.

وتتعالى الأصوات التي تنادي بشكل الدولة بناء على مقاس طموحاتها ومكتسباتها الضيقة، في الوقت الذي تمر به سوريا بمحاولات إسرائيلية (وعدة دول أخرى) لا تخفى لإضعافها وتفتيتها طائفياً وعرقياً مما يؤدي إلى تقسيمها وإفشال أي من سبل تعافيها.

يطالب حكمت الهجري شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء بحكم ذاتي مستقوياً بالاحتلال الإسرائيلي، وتفاوض قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على شكل إدارة لا مركزية موسعة في الحكم منطلقة من شكل الإدارة الذاتية التي تسيطر فيها معظم مساحة الجزيرة السورية، في الوقت الذي أعلن عن تشكيل مجلس سياسي لإقليم وسط وغرب سوريا الذي يتحدث عن فيدرالية كاملة، أما من جهة الحكومة المعترف بها دولياً ما زالت تصر على شكل حكم مركزي وسوريا موحدة، مع إمكانية الحديث عن تطوير قانون الإدارة المحلية رقم 107، حيث قال الرئيس أحمد الشرع رداً على سؤال أحد الإعلاميين العرب خلال استقباله لهم بدمشق، إن “في سوريا القانون 107 وهناك وزارة إدارة محلية”، مضيفاً “المهم هو تعريف الفيدرالية أو اللامركزية. إذا كانت تعني التقسيم، فهذا غير مقبول. و”هل تريد سوريا موحدة؟ هل تريد إدارة مركزية؟ هل تسمح الطبيعة الجغرافية؟ هل الشعب موافق؟”، لافتاً إلى أن هذه أسئلة تحدد الموقف.

ما أفضل شكل إداري لحكم سوريا؟

ويرى المفكر السوري الدكتور برهان غليون أن “اللامركزية الديمقراطية هي الحل في سوريا” قائلاً: “أنا أعتقد أن سوريا بحاجة إلى جرعة كبيرة من اللامركزية الإدارية. وهذا ما نص عليه برنامج المجلس الوطني السوري الذي كان أول هيئة وطنية جامعة تمثل الثورة السورية”.

وأضاف غليون في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “البرنامج تحدث عن لامركزية موسعة تسمح لمجالس المحافظات أن تشرف مباشرة على العديد من الشؤون الإدارية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها ضمن إطار القانون الواحد، ويبقى للمركز إدارة الشؤون السيادية: القوات المسحلة والمصرف المركزي والعلاقات الخارجية والقضاء (العدالة)”.

واستدرك الدكتور برهان أنه “كي تكون اللامركزية وسيلة لتوحيد الإرادة الوطنية لا قناعاً للمحاصصة والانفصال ينبغي أن تعطى لمواطني كل محافظة من خلال مجالس منتخبة قانونياً بطريقة ديمقراطية وبصورة نزيهة وشفافة يشارك فيها الجميع وليس لحزب أو جماعة. وهكذا يمكن للأكثرية القومية أو الدينية في أي مدينة أو محافظة أن تحد تمثيلها الطبيعي في مجلس إدارتها الذي يعكس خصوصياتها من دون محاصصة قومية أو طائفية وحسب معايير سياسية وأخلاقية بحيث يبرز الفرد أو الممثل الأكثر كفاءة وأمانة في نظر سكان المحافظة، بصرف النظر عن دينه وقوميته، في المجالس المنتخبة. ولن يكون هناك أي مانع من أن يكون المحافظ صاحب الصلاحيات الواسعة أو المسؤول في الإدارة كردياً أو عربياً أو مسلماً أو مسيحياً أو غيرهما. لذلك “اللامركزية الديمقراطية هي البديل عن المحاصصة وعن المركزية المعطلة معاً”.

ما بين الطروحات الواقعية وغير الواقعية

من جانبه، قال الباحث السوري الدكتور عبد الرحمن الحاج، “نحن هنا إزاء نزعات انطواء تغذيها من جهة مخاوف من المستقبل ويستثمر في هذه المخاوف خصوم أو أعداء للحكم الجديد، أو باحثون عن مصالحهم في ظل وضع انتقالي يتسم بالهشاشة وبناء مؤسسات حكم منهارة من العدم تقريباً

النقاش حول أيهما أفضل مركزية أو لا مركزية؟ سياسية أو إدارية؟ فيدرالية أو كونفدرالية؟ انفصال أو عدم انفصال؟ كل النقاش متأسس ليس على مدى صلاحية هذه الأطروحات وإنما لاعتبارات قابلة للمعاجلة، والحقيقة البينة أن جميع تلك الطروحات جميعها تستند إلى دعم خارجي كلياً أو جزئياً، ما يجعلها أطروحات رهن برغبة الدول ومصالحها التي يستند إليها”.

ويعتقد الحاج في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “جميع الطروحات في (بعض مناطق سوريا) حالياً غير واقعية، لا من جهة الجغرافيا، ولا من جهة الموارد.

وأكّد الحاج أن “هناك حاجة ماسة لتعزيز المساهمة المحلية في الحكم، والاتجاه الرئيس الشعبي هو لا إدارية موسعة، وهي صيغة مقبولة من الحكومة الانتقالية”.

ولفت إلى أن  القانون 107 (صدر عام 2011) يتحدث عن إدارة محلية موسعة، وقد يكون هذا القانون، الذي لم يتم العمل به حين صدوره، أساساً لقانون جديد لتطوير قانون لإدارة محلية لامركزية، هذا بلا شك سيلبي الكثير من الحاجة ويقلل من الضغط على المركز دون أن يفقد الدولة وحدتها وقراراتها ومؤسساتها السيادية والسياسية التي ستبقى مركزية.

وتطرق الحاج في حديثه إلى اللجوء إلى الاستفتاء حتى لو كان حقاً لمجموعة سكانية، يجب أن ينظر إليه سياسياً إذا كان ممكناً أم لا، كردستان العراق قبل بضع سنوات قامت باستفتاء للاستقلال والانتقال من وضع إقليم يقوم على الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة إلا أنه فشل رغم أنه نجح بالأصوات، لكنه غير واقعي وغير قابل للتطبيق. المسألة ليست إن كان بالإمكان إقامة استفتاء من قبل مجموعة سكانية متمركزة في منطقة جغرافية محددة وإنما في مدى واقعية تطبيق نتائج هذا الاستفتاء”.

وأشار إلى أن الاستفتاء على حق تقرير المصير لمجموعة سكانية على أرض ذات سيادة يتطلب توافقاً مع الحكومة المركزية لقبول إجراء مثل هذا الاستفتاء وإلا فإن أي استفتاء من هذا النوع لا يكتسب الشرعية اللازمة ويتم عرقلته”.

ما الفرق بين أشكال الحكم؟

تسعى سوريا الجديدة لكتابة عناوين مستقبلها في جمهوريتها التي تتشكل بعد انتصار الثورة السورية وهروب بشار الأسد وأبرز أزلام نظامه، وقد عرفت هذه البلاد منذ تأسيسها شكل الدولة المركزية بكل مافيه من إيجابيات وسلبيات وبعد انطلاق الثورة أصدر مرسوم القانون 107 إلا أنه لم يفعل، فما الفرق بين أشكال الحكم المختلفة المركزية واللامركزية والفيدرالية، وما القانون 107 وهل يتصل بشكل اللامركزية الإدارية الموسعة؟

    الحكم المركزي

هو شكل الحكم الإداري في دولة مركزية/موحَّدة، تحتكر فيه السيادة والاختصاصات العليا في يد حكومة مركزية واحدة، وتمنح هذه الحكومةُ الوحداتِ المحلية ما تشاء من صلاحيات عبر التفويض أو القوانين، مع احتفاظها بحق سحبها أو تعديلها.

 وفي هذا النموذج يكون الدستور واحداً، والبرلمان والمحاكم العليا وطنية، والجيش والمالية والسياسة الخارجية جميعها تحت سلطة المركز؛ كما تُوحَّد المعايير والقوانين الأساسية (التعليم، الصحة، الضرائب العامة…) على كامل الإقليم.

ويدار داخلياً من خلال تفويض إداري يتراوح بين:

إعطاء صلاحيات محدودة لمديريات تابعة للوزارات تعمل محلياً بأسلوب “اللامركزية الإدارية المحدودة”.

تفويض/تفويض موسّع: نقل جزء من إدارة الخدمات إلى بلديات ومحافظات مع بقاء القرار الاستراتيجي للمركز.

كما أنها يمكن أن تعطي صلاحيات من خلال لا مركزية مقننة: منح مجالس محلية منتخبة صلاحيات أوسع يُحدّدها قانون وطني، لكن ضمن دولة موحّدة (مثل ما حصل في فرنسا بعد قوانين اللامركزية، أو في إيطاليا بشكل “الدولة الإقليمية”، أو في المملكة المتحدة بنظام التفويض).

وتفرض الحكومة المركزية وحدة الأجهزة السيادية بشكل كامل: جيش موحّد، سياسة خارجية موحّدة، عملة وبنك مركزي واحد، وتشريعات عليا موحّدة.

ما مزايا الحكم المركزي؟

    وحدة القرار والهوية وسهولة تنسيق السياسات الوطنية.

    خفض التفاوت القانوني بين المناطق وتبسيط الإجراءات.

    استجابة أسرع للأزمات عندما تكون قنوات القيادة واضحة.

   ما عيوب الحكم المركزي؟

    فرط البيروقراطية والتهميش للمناطق البعيدة إذا ضَعُفت المشاركة المحلية.

    تباطؤ الخدمات بسبب مركزية الموافقات.

    تحوّل التفويض إلى أداة سياسية تُمنح أو تُسحب بقرار مركزي.

يطبق نموذج الحكم المركزي في معظم دول العالم 165 من أصل 193 دولة، لكنها تختلف في مدى اللامركزية داخل هذا الإطار، ويمكن للدولة المركزية أن تكون فعّالة وشاملة إذا قُنّنت تفويضات محلية واضحة ومستقرة، مع وحدة سيادية في الدفاع والخارجية والمالية.

 تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى