العُقاب الذي يخيم على البلاد: طبقات «الهوية البصرية»/حسام جزماتي

09-09-2025
بعد أكثر من شهرين على إطلاقها يلاحظ متابعون حضوراً كبيراً للعُقاب، رمز «الهوية البصرية» التي أعلنت عنها السلطة الجديدة في دمشق في احتفال امتدَّ إلى الساحات الرئيسية في المحافظات، على حساب علَم الدولة المعتمد بعد سقوط نظام الأسد، الذي كان علَم الثورة، والذي قد يظهر باهتاً إلى جانب العُقاب، أو ربما يغيب كلياً عن الهدايا التذكارية، وأوراق المراسلات الرسمية، وبعض الحواجز والشعارات على بدلات قوات وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية. ليبدو هذا تكراراً لشعور كان يحسّه السوريون نحو العلَم السابق، «الأحمر»، الذي كان علامة على البيروقراطية الحكومية الكئيبة في مقابل الهيبة التي كان يشيعها «النسر السوري» حين يُرفَع أو يُوضَع على نمرة سيارة دلالة على تبعيتها العسكرية أو الأمنية.
ويربط الكثيرون ذلك بكراهية أصلية لدى «هيئة تحرير الشام»، الحاكمة فعلياً، للعلَم «الأخضر» الذي كانت تعدّه «راية عميّة» وداسه أفرادٌ منها، قبل أن تضطر إلى اعتماده لتستمد شرعيةً ثوريةً من رصيده الرمزي. ويدللون على ذلك بمناسبات كثيرة بدا فيها أن السلطة السابقة في إدلب تضطهد أطلال السلطة التي كانت تُنافسها في شمال حلب، جامعات وطلاباً وموظفين وفاعلين، والتي تمثلت وقتئذٍ بحكومة مؤقتة، وجيش وطني، وخزّان من ناشطين وإعلاميين رافضين للاندراج تحت حكم «الهيئة» بعد أن حاولت ذلك سلماً وحرباً.
ويرى كثير من هؤلاء أن العُقابَ وسيلةٌ التفافيةٌ من «الهيئة» لرفع رايتها مجدداً. فمن الشائع أن علَم الجماعة، المُكوَّن من عبارة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، بلون أسود على أرضية بيضاء، يُعرف تاريخياً باسم «راية العُقاب». سواء كان بهذا الخط المنمق أم بالشكل الذي اعتمدته داعش، وسواها، من كتابة بيضاء بأحرف غير منقوطة على أرضية سوداء. ومن المعروف أن رفع راية «الهيئة» إلى جانب العلَم الأخضر، في بعض اللقاءات في الأسابيع الأولى للتحرير، أثار اعتراضات لا يستفزُّها اليومَ الحضور المُكثَّف لتنويعات العُقاب في المناسبات الرسمية وشبه الرسمية، ومواقع الوزارات، وإظهاراً للولاء الشخصي في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن لدى فريق «تطوير الهوية البصرية» رواية أخرى. فهو يقول إنه كُلِّفَ بمهمته منذ تلك الأيام المبكرة، قبل مضيّ شهر على الإطاحة بالنظام السابق، وإنه أنجزها، بعد ستة أشهر، بالاعتماد، أولاً، على دراسات قام بها المختصون بالدراسات التاريخية فيه، الذين أفادوا أن رسم العُقاب رمزٌ سوري يرجع إلى قبل الإسلام.
لكن الاستضافات التلفزيونية التي صاحبت إطلاق «الهوية البصرية» أوضحت أن عقل الفريق الذي أنتجها ليس في الماضي السحيق، بل في تصميمات الغرافيك وفضاءات التسويق (Marketing)، وهي الفضاءات التي جاء منها وصفُ «الهوية البصرية» (Visual Identity) كجزء من العلامة التجارية (Brand)، وهو ما تبينه طريقة استخدام الشعار (Logo) بما فيها من ألوان أساسية وإضافية وخطوطٍ وتصاميم. ينتمي كل هذا إلى عالم الشركات، لا إلى مراسم الدول التي اعتادت استعمال كلمة (Emblem) للتعبير عن رمزها الوطني الذي يُستخدَم في مهام محددة.
وبهذا التكليف المبكر بدا أن السلطة الجديدة هدفت إلى إجراء عملية (Rebranding)، تُعلن عبرها عن الوجه الجديد للبلد الذي استلمته من «النظام البائد» شركة مفلسة متهالكة صار على رأسها الآن روّاد أعمال نشطون يريدون أن يُشهروا «قصة النجاح» التي أوصلتهم إلى العاصمة، وأن يُعلنوا عن أخرى تهدف إلى تقديم أفضل منتج وأرقى خدمات للعملاء -المواطنين سابقاً- وتعيد لسورية مكانتها في المنطقة بين المنافسين في السوق الإقليمي، تحت شعار يحمل اللون الذهبي.
والحق أن هذا يمكن أن ينفع لفهم مقطع من الكلمة التي ألقاها أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية، في حفل الإطلاق، إذ ربما كان يعني بها قيادته حين قال إن هذه «الهوية البصرية»: «تستمد سماتها من هذا الطائر الجارح. تستمد منه القوة والعزم والسرعة والإتقان والبصر الحاد والقنص الذكي والابتكار في الأداء. فهو المناور البارع، والسابح في الفضاء، المحلق في العلياء. وهو الصائد الماهر والمنقض المحترف والباسط جناحيه لحماية أهله وأبنائه. ولونه لون المعدن النقي الصافي الذي لا يبلى».
لكن هذا ليس الاستخدام الأول للعُقاب في تاريخ «هيئة تحرير الشام»، فمن المعروف أنه كان اسم أبرز سجونها وأكثرها رهبة في مكان غير محدد بدقة في ريف إدلب، بين البارة وكنصفرة وبليون، داخل مغارات صخرية أثرية تحت الأرض، إلى جانب مداجن استُخدِمَت كمكاتب إدارية له، وحواجز محيطة تتلقّى وتعتقل من يحملون تبليغات بوجوب مراجعته، فتُطمِّشُ أعيُنَهم وتقتادُهم إليه لئلا يعرف أحد منهم مكانه بشكل دقيق.
وفي تقرير سبق وأصدرته «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قالت إن «سجن العُقاب» يتكون من ست زنزانات جماعية، ورباعيتين، وأربع وعشرين منفردة. بما يتسع لعدة مئات من المعتقلين الذين كانوا يتعرضون للتعذيب فضلاً عن الإهانات وسوء التغذية والمكان غير الصحي ومنع الزيارات والاتصالات. وفي أطول مراحله تولاه محمد قرمز (أبو يوسف حلفايا) الذي كان من القادة المعروفين في «الهيئة»، وترأَّسَ «جهاز الأمن العام» قبل أنس خطاب (أبو أحمد حدود).
أيٌّ من هذه الدلالات يحمل رمز العُقاب الراهن إذاً؟ لعله يعنيها كلها؛ راية إسلامية مُجسَّدة لمن شاء من قواعد وحاضنة «الهيئة» الذين يتفهمون اليوم أن عليهم تَجرُّع «التقية»، وعلامة تجارية لدولة جديدة يبدو أن دينها الحقيقي هو الصفقات، وقصة نجاح لفتية «آمنوا بربهم وزدناهم هدى» كما يكرر الأب حسين الشرع، وباطناً من العذاب لم يتحرر منه معتقلو «سجن العُقاب» إلا عندما خُشي من سقوطه بيد حملة النظام حينئذ، وانتقلت مهامه إلى مواقع أخرى كانت «الهيئة» تستخدمها وما تزال، أبرزها اليوم سجن حارم الذي يحتفظ بمعتقلين سياسيين مما قبل سقوط النظام وحتى الآن، فضلاً عن سجون النظام وأفرع مخابراته التي أعيد تفعيل بعضها بزبائن ج
موقع الجمهورية



