سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

المظلومية السنّية تعبير عن الهوية الوطنية المستجدة!/ يحيى الأوس

 

الخميس 2025/09/11

دخلت المظلومية السنية بصفتها تعبيراً لزومياً عن الهوية الوطنية السورية المستجدة مع سقوط نظام الأسد، وتسلم جبهة تحرير الشام مقاليد السلطة في سوريا، بعد أن حافظت على نفسها خلال العقود الطويلة السابقة بوصفها سرديات تحتية للظلم الذي تعرض له المكون السني، تغذى واستقر عبر عمليات الإقصاء السياسي، والعنف المعبَّر عنه في المجازر التي طالت هذا المكون في مراحل تاريخية مختلفة. وهو ما أفضى إلى صياغة ذاكرة المظلومين أو الراغبين في الانضواء تحتها بصفتها ذاكرة “جماعية” متحفزة وضرورية للحفاظ على سردية المضطهد، بانتظار رفعها والخلاص منها. وساعد في استمراريتها، حبسها عن الفضاء العام؛ بل وإنكارها ومحاولات عزلها عن محيطها الطبيعي في المنطقة العربية، التي تفجرت إثر سقوط بغداد في العام 2003، وانقلاب المظلومية الشيعية التي أسس لها صدام حسين في العراق إلى مظلومية سنية عززت جارتها السورية، وطرحت نفسها بوصفها نادياً للمظلوميات العابرة للحدود الوطنية، ليس في العراق والشام؛ لكن في لبنان أيضاً وفلسطين، وإن بدرجة أقل.

وفي الوقت الذي جاهرت فيه بعض النخب برفع هذه المظلومية بوصفها حيفاً مباشراً منذ السقوط، دأبت السلطة الطارئة على استخدامها لتبرير سياساتها الداخلية، ومنحها غطاءً شعبوياً حمائياً، تأسيساً على الحصانة والقوة التي تمنحها مظلومية الضحية من أجل حشد الدعم الشعبي داخلياً، وفي الفضاء الدولي أيضاً عندما تُوظَّف استراتيجياً لتبرير السياسات على اختلافها.

منذ الأسابيع الأولى لتسلم هيئة تحرير الشام للسلطة، اعتمد الخطاب الرسمي والإعلامي على ترسيخ سرديات الاضطهاد التاريخي للسنة السوريين، بوصف ذلك ضرورة من أجل حماية السلطة الناشئة من التهديدات متعددة الأوجه، كالطموحات الإيرانية للعودة إلى المنطقة التي طردت منها وحليفها حزب الله، أو من فلول النظام. كما بدا واضحاً تدفق الأخبار والمرويات التي أعادت إلى التداول الفظائع المرتكبة في الخمس عشر سنة الماضية (مذبحة الحولة، هجمات الكيماوي، سجن صيدنايا، جورة التضامن وغيرها)، ومن أحداث الثمانينيات الدامية في حماة وحلب وجسر الشغور، لما لها من دور توحيدي قوي يؤدي وظيفة تضامنية للناس، وفي الوقت نفسه تلعب دوراً تقسيمياً مع المستبعد أو المقصي من خانة المظلومية، بعد استقرارها بوصفها مظلومية انتقائية ضد المكون السني بعينه.  

ظهر هذا التكريس في الخطابات واللغة الإعلامية التي تم عُمّمت على الصعيد الرسمي، والتي بدأت مبكراً مع إعلاميي السلطة في تصريحات لا تقبل اللبس على أن دورة الظلم وصلت منتهاها، وأن المظلومين انتصروا، وهم وحدهم سيقطفون الثمار. وما قاله وزير الثقافة السوري، صاحب “لقد صمنا عن الأفراح دهراً إن دمشق لنا إلى يوم القيامة”، كان دليلاً صريحاً على هذه المظلومية المديدة التي انتهت بالسيطرة على دمشق، ونزعة الإبقاء عليها إلى ما لا نهاية، وكذلك كانت الخطابات الرسمية لأحمد الشرع ومسؤوليه وفي خطب أئمة الجوامع ومؤيدي السلطة، حتى شكلت مجتمعة ما يشبه إطاراً سردياً وجودياً واستراتيجياً للخطاب السلطوي، بقالب سياسي ينطلق من الماضي ويصب في الحاضر، يشد من أزرها تدفق لا نهائي من المحتوى الإعلامي المفخخ الذي يعيد صياغة الطبيعة الجوهرية للواقع، تؤثر بكيفية فهم الناس لواقعهم الجديد بوصفهم مجموعة أنهت حقبة المظلومية القاسية، لكن عينها على استحقاقات المرحلة التالية وأهدافها السياسية المقبلة.

تسليح البيئة السورية برواية الضحية

لم تجد السلطة القائمة الكثير من الصعوبات في دفع جمهورها إلى التسلح بمفهوم الضحية، الذي أوجد المبرر “الأخلاقي” للانتهاكات الواسعة التي ارتُكبت على طول الخريطة السورية في الساحل أولاً وفي السويداء حالياً، مصحوبة بخطابات تحريضية واسعة سكتت عنها السلطة، وغذتها أجهزة الإعلام الرسمية الخاضعة للسلطة. هذه الخطابات جذبت؛ بل جرى تبنيها على نحوٍ واسع من قبل جمهور عريض، خصوصاً فئة الشباب، ليس فقط بسبب المناخ العام الذي هيأته السلطة لتبني مفهوم الضحية “السنية” وحسب؛ لكن بسبب المسارات الشخصية المعقدة للشباب السوري من أبناء السنة، وظروف التنشئة الاجتماعية التي مروا بها خلال العقد والنصف الماضيين: مخيمات، تهميش، تحشيد طائفي، بطالة، تجهيل ثقافي.

أُشبعت البيئة السورية وسُلّحت بروايات الضحية والمظلومية، والحق في رد الاعتبارات الجمعية المهدورة لأهل السنة، وعُزّزت مشاعر التهديد المفترضة، والخوف من فقدان السلطة المستعادة، وضرورات اليقظة الدائمة، والشك المفرط في كل ما هومناهض للسلطة القائمة، بعد تأثيث خلفية تتبنى نظرية المؤامرة المحيقة، والتهديدات الخارجية، والخونة المتوثبين في الداخل للانقضاض على السيادة المكتسبة.

تهميش مظلومية الآخر المختلف طائفياً

إن متابعة واقع الخطاب الإعلامي المهيمن، والمتناغم مع جوقة إعلام التواصل الاجتماعي المؤيد للسلطة، تكشف حقيقة احتكار موقع الضحية، وطمس المظلوميات التي طالت السوريين من غير السنة خلال حكم الأسد، أو على الأقل تهميشها واستبدالها بسرديات أكثر خطورة، تنفي عنها صفة المظلومية أو تتنكر لها (اعتقال  مئات الناشطين العلويين والدروز والمسيحيين وتعذيبهم في سجون الأسد، تهجير عشرات آلاف الأكراد، اضطهاد الأيزيديين، هجمات داعش على السويداء 2018) وتستبدلها بخطاب كراهية وتحريض أنجز مهمة شيطنة الأقليات، وانتهى بهجمات دموية قاتلة ترقى إلى مصاف جرائم الحرب في الساحل والسويداء.  

ومع استمرارية هذا الخطاب المُتبنّى شعبوياً، والمتسق مع استراتيجية سلطوية واضحة لا يمكن إخفاؤها، تدير السلطة ظهرها لمسألة السلم الأهلي، معتمدةً على مستوىً عال من الدعم الشعبوي الأرعن، وتواطؤ من النخب التي تدعي باستحياء عدم رضاها عن سلوك السلطة، برغم أنها تتبنى جملة وتفصيلاً سردية الضحية والمظلومية، وتستخدمها تبريراً وقحاً لصمتها، أو لتواطؤها الضمني.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى