رئيس الحكومة السورية المؤقتة الأسبق أحمد طعمة: تجربة إدلب لا تكفي للحكم في سوريا

أنيس المهنا
الخميس 2025/09/11
في حوارٍ شائقٍ ومكثف، يتحدث رئيس الحكومة السورية المؤقتة الأسبق أحمد طعمة، عن جوهر الإشكاليات التي تواجه سوريا اليوم، مُعبّراً عن قناعته بأن المعركة الحقيقية هي بين من يريدون بناءَ دولة المؤسسات والقانون، وبين من يبحثون فقط عن تثبيت سلطتهم بأي شكل كان.
هذه الرؤية التي طرحها طعمة، في حديث لـ”المدن”، تشكّل الفكرة الرئيسة. يستخلص طعمة الدروس من تجربة الحكومة المؤقتة، ويحذّر من مغبة إقصاء الكفاءات، ويؤكد أن العدالة الانتقالية واللامركزية الإدارية الفعالة هما الطريق الوحيد لاستقرار سوريا ووحدتها. ويعرب عن ثقته بقدرة السوريين على طرح نموذج ديمقراطي مدني محافظ يناسب مجتمعنا ومنطقتنا الملتهبة.
شغل طعمة منصب رئيس حكومة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بين عامي 2013 و2016، وهو طبيب أسنان خريج جامعة دمشق، وخطيب سابق في أحد مساجد مدينة دير الزور.
وفيما يلي نص المقابلة:
– ما هي الدروس المستخلصة من رئاستك للحكومة المؤقتة قبل سقوط الأسد أكثر من مرة؟ وهل يمكن أن تستفيد منها الحكومة الحالية؟ وهل يمكن تطبيق تجربة إدلب على الحالة السورية؟
– تحويل الأفكار إلى واقع لم يكن بسيطاً، ولكن عندما تكون الأفكار صحيحة، ومن يحمل هذه الأفكار لديه تصور واضح لكيفية تطبيقها، فمن المؤكد أن النتيجة النهائية ستكون معقولة .
نحن في الحكومة المؤقتة بذلنا قصارى جهدنا من أجل بناء أسس الدولة، أو بناء المؤسسات إذا أردنا أن نكون دقيقين، في ذلك الوقت.
في التربية والتعليم أنشأنا في كل المناطق السورية – حتى التي لم تكن محررةً – مديريات للتربية، وكانت تشرف على عدد كبير من الأساتذة والطلاب. والبعض منها بقي حتى لحظة التحرير، بما في ذلك مديرية التربية في إدلب، واستطاعت أن تجعل شهاداتها معترف بها وعملت على تمويل لبعض المشاريع.
وأنشأنا أيضا جامعة حلب الحرة، وقد عشت قلقاً شديداً أن يأتي اليوم الذي لا فيه يتم الاعتراف بشهاداتها الأمر الذي يفقد الطلاب كل جهودهم خلال سنوات، واليوم بعد التحرير تم الاعتراف بها، وأنشأنا مجلس التعليم العالي .
إذا استطعنا أن نضع اللبنة الأساسية بالنسبة للتربية والتعليم، استطعنا إنشاءها بشكل منهجي وصحيح. التربية والصحة والادارة المحلية، “شكلت أولوية لنا في الحكومة السورية المؤقتة”.
وبالنسبة لتجربة إدلب، فهي في جزء منها كانت إيجابية، ويمكن البناء عليه. لكن التجربة في إدلب ليست كافية. فمهوم سوريا ككل، أكبر من منطقة محددة، خصوصا في ظل اختلاف التلاوين والمكونات في سوريا ومن مختلف الملل. لكن إذا كان الأساس صحيحاً ستكون النتائج إيجابية.
لقد حاولنا أيضاً آنذاك، أن نبني أساسا للقضاء وأسساً لتشكيل الشرطة المدنية، مع التنويه بالطبع إلى أننا اعتمدنا القانون السوري مع إلغاء بعض المواد التي استطاع النظام وضعها أو تفسيرها لتتلائم مع الحكم الديكتاتوري الخاص به، وبعضها يقلل من حق الإنسان في الحرية والعدالة الاجتماعية.
– ماذا عن العلاقة بين متطلبات العدالة الانتقالية وضرورات السلم الأهلي في المرحلة الحالية، خصوصاً بعد الذي جرى في السويداء والساحل السوري؟
– المسألة بالغة الصعوبة، وتحتاج إلى شفافية عالية جداً، وتحتاج إلى شجاعة، ومن المبادئ الأساسية التي علمنا إياها ديننا “أن نقول الحق ولو على أنفسنا”.
كما قال الله في سورة المائدة: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون “. فالعدل هو الأساس، وهو الذي يبنى عليه بناء الدولة بأكمله. لذلك، فمسألة العدالة الانتقالية هي الأساس الأول والأهم لبناء سوريا الجديدة والتي يتم من خلالها جبر الضرر والاعتراف بالخطأ مع تثبيت بيئة قانونية حتى لا تتكرر هذه الأخطاء الكارثية مرة أخرى.
– ما رأيكم ببعض التسويات المالية التي أقامها بعض الأشخاص المعروفين بعلاقات مع النظام البائد؟
– أيّ نوع من هذه التسويات مرفوض، وهناك أسس ينبغي أن نلتزم بها. فهذه التسويات تضر بمسار العدالة الانتقالية، وتضرب ببناء الدولة. نأمل من الحكومة الحالية أن لا تتأخر القوانين الخاصة بالعدالة الانتقالية وإقرارها، بشكل كامل، لأن في ذلك مصلحة الجميع وبدون ذلك لا يمكن أن يستقر القضاء، ولايمكن أن تستقر الدولة.
– ماذا عن اللامركزية الإدارية التي لا تمس وحدة سوريا؟
– هناك حد أعلى وحد أدنى في هذا المفهوم، نحن لسنا مع المركزية المطلقة أبداً، ولسنا مع الفيدرالية. نحن نريد أن نصل إلى قواسم مشتركة بين جميع المكونات ضمن هذين الحدين، وأن يتم ذلك من خلال التفاهمات وتلاقح الأفكار. ونحن مع تشكيل رأي عام جامع بين مختلف مكونات الشعب السوري وهذا بالطبع يرتكز على مجموعة نقاط: لماذا لا نستمع إلى ما يقوله المكون الكردي مثلاً؟ لماذا لا نستمع إلى ما يقوله الأخوة المسيحيون أو الدروز أو العلويون؟ لنفهم ما هي مطالبهم ومخاوفهم، وما هي النقاط البيضاء الإيجابية التي يمكن أن نتفق عليها معاً لتكون جسراً بيننا جميعاً، ونصل من خلالها إليهم.
وإذا جمعت كل هذه النقاط من خلال حوار جاد ومستمر وتشرف عليه شخصيات وازنة في المجتمع، وليس شخصيات عادية ليس لديها تصور لواقع الأمر وعمره.
– لماذا تم إقصاء بعض تلك الشخصيات الوازنة كما سميتها؟
– لم نكن موافقين على ما جرى في مؤتمر الحوار والذي جرى في أول العامز لم يلبِ طموحاتنا كسوريين، كنا نريد له أن يكون أكثر ثراءً وتنوعاً، واليوم ما زلنا ندعو لمؤتمر جديد للحوار على أسس جديدة تشارك فيه كل المكونات بشكل حقيقي، ليتم التفاهم ما بيينا. فلنبحث عن نوع ما من اللامركزية، وأنا اعتقد ان اللامركزية الإدارية التي تعطي صلاحيات إدارية ممتازة لكل المحافظات، أمر لابد منه. لماذا يكون كل شيء مركزياً في دمشق؟
– إلى متى تبقى سلة الغذاء السورية هي الأفقر؟
– اللامركزية الإدارية ليس مطلباً كردياً فحسب، وأنا من دير الزور وفي عهد الأسد، لا يمكن تعيين أي موظف هناك إلا من قبل دمشق وتعيين المحافظ يتم مركزياً، حتى مدير دائرة المياه كان مركزياً، من دمشق، وــدقّ التفاصيل كانت تأتي من المركز.
وهذا كله يعني ببساطة أن أبناء المحافظة لا قيمة لهم ولا دور لهم، وأنا مع أن يُعطى للمحافظ دوراً مهما. لماذا لا يُعطى لرئيس المجلس المحلي صلاحيات جيدة تتناسب مع القانون 107. الموضوع في بداية الألفية الأصلي وليس بعد أن دمره بشار الأسد بتقييده لكل سلطة تعطى للمحافظ أو الفروع، والبنود التي لا تعجبه كان يلغيها وجعله على مقاسه وهذا القانون كان ممتازاً بالأصل وأقرّته شخصيات سورية مهمة.
نحن في الحكومة المؤقتة، أحضرنا نفس قانون الإدارة المحلية الأصلي، وتشاورنا مع عدد من الخبراء وخرجنا فيما بعد بنص ممتاز. واقترحت على عدد من الاخوة في الحكومة الجديدة أن نعود إليه. للأسف المرسوم 107 لا يريده وزير الإدارة المحلية الحالي، لكننا لن نعدم وسيلة لتطبيق هذا القانون بطريقة مميزة تضمن العدالة للجميع. نحن نريد أن يكون هناك ثقة في السلطة من قبل الشعب في المحافظات، وبنفس الوقت أن يكون هناك إمكانية للمحاسبة الداخلية والخارجية.
لا نختلف مع السلطة الحالية، أن تكون وزارات الدفاع والخارجية وحتى السياسات النقدية من صلاحيات الحكومة في دمشق، وهذا أمر بديهي، كذلك فمن الطبيعي عندما يُطرح وجود جيشين في بلد ما، فالمسألة تتجاوز حدود الفيدرالية لتصل إلى الكونفدرالي.
نحن اليوم بأمس الحاجة إلى تمكين المجتمع الأهلي، وليس المجتمع المدني فقط، فالمجتمع الأهلي يرتكز أيضاً على مفهوم الأسرة ثم الحارة ثم العشيرة. لذلك نحن اليوم بأمس الحاجة الحاجة إلى الحياة السياسية والأحزاب ونشدد على المطالبة بها.
ببساطة، نريد دولة مدنية ديمقراطية لجميع أبنائها، تقوم على دولة مواطنة فيها حقوق للإنسان وفيها فصل بين السلطات واستقلال للقضاء، لكي يتمتع الإنسان السوري بأهم مطلبين للثورة السورية، وهما الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية. وهذان المطلبان لا يتحققان إلا من خلال أحزاب ومشاريع سياسية، حتى تصبح الثقافة السياسية سائدة في المجتمعات.
– هل يمكن بناء خطة طريق لبناء حياة سياسية حقيقية، بدون مجلس شعب يراه الكثيرون، صوريا ومعيناً، وستكون قراراته على حجم السلطة في دمشق؟
– هي أحد المخاوف الأساسية التي نخشاها بسبب الشكل المزمع تكريسه لمجلس الشعب المقبل، هذا الشكل يمكن أن يقيد الحريات والحياة المدنية ككل. لذلك، لا نريد اليوم أن نشعر بهذا الغبن بعد 14 عاماً من الكفاح والنضال.
– لماذا هذا الاستعجال بتشكيل مجلس الشعب؟ وهل سيكون لمباركة اتفاق أمني منتظر توقيعه ربما في نيويورك في نهاية الشهر الحاليبين الحكومة السورية وإسرائيل؟
– هناك فرق واضح بين من يريد بناء سلطة وبين من يريد بناء الدولة، نحن اليوم نريد بناء الدولة التي تعتمد في الدرجة الأولى على بناء المؤسسات، وبدون استعجال ومن خلال أكبر قدر من التفاهمات المجتمعية والمكونات.
– همّ السلطة اليوم أن تنال قبولاً خارجياً، بينما أنا مقتنع أن استمرارية أي سلطة وتحولها إلى دولة يبدأ عملياً بالشرعية الداخلية، والشرعية لا تُأخذ إلا من الداخل مهما كان هناك توافق دولي على تلك السلطة، فهي لا يمكن أن تستمر إلا بأن تحظى بتوافق داخلي من خلال المجتمع الذي يحمي السلطة أولاً. مشكلتنا اليوم أننا لا نفرق بين ما تعنيه السلطة وبين ما تعنيه الدولة. من يريد السلطة يبحث فقط عن الطريقة التي يثبّت بها هذه السلطة ولو بدعم خارجي بشكل جزئي، أو بدعم من جزء من بعض المكونات المجتمعية المبنية على أسس طائفية أو عقدية
نحن اليوم لا نتمنى أن تكون هذه السلطة عاقلة فحسب، بل حكيمة من خلال المزيد من اللقاءات مع الحكماء الذين يدرسون كل موضوع من جوانب متعددة، فالإنسان بمفرده لا يمكن أن يصل إلى منتهى العلم.
– ماذا عن الانتقادات السابقة للمعارضة السورية كل فترة الثورة السورية والحديث عن نوع من الفساد في صفوفهم؟
– المعارضة ارتكبت أخطاءً فادحة، فقيادة المعارضة السورية هي ابنة هذا الشعب، وهذا الشعب قد أفقره حافظ الأسد سياسياً، وقام بإبعاده عن الهم السياسي والشأن العام. لم تكن لدينا قيادات وشخصيات سياسية كبيرة تستطيع أن تدرك ما يريده المجتمع الدولي، وأن تفهم أيضاً متطلبات الواقع المحلي.
أحد أكبر أخطأئنا، أننا استسهلنا المهمة، وكنا نعتقد في بداية الثورة أن سقوط الأسد مسألة أيام، كذلك لم نستطِع الاستفادة من التجارب المصرية واليمنية والليبية والتونسية، ولم تدرس هذه التجارب بشكل كافٍ.
أحد الشخصيات التركية البارزة قال لنا بالحرف: أنتم دائما تمدحون التجربة التركية في السياسة، لكن مع الأسف لم يقم أحد منكم بسؤالنا، كيف نجحتم؟ ماذا تستفيدون أنتم من نجاح تجربة تركيا إذا لم يقُم من بينكم شبان ومفكرون كبار يدرسون بدقة أين نجحنا؟ وكيف نجحنا؟. هذا الأمر الذي سبب فيما بعد تقارباً تركياً مع بشار الأسد، انطلق من خلال قضايا تركية استراتيجية خاصة وخطيرة، ربما مثل قضية اللاجئين التي من المفروض حلها بأي شكل، وأيضا كان الأتراك يعملون بشكل جدي على وقف التغلغل الإيراني في سوريا، والذي أودى في آخر الأمر إلى بعض التفاهمات مع بشار الأسد، من أجل تقليص النفوذ الإيراني الجاثم فوق صدورنا جميعا.
– هل يمكن اليوم اعتبار فال التجربة السورية الحالية هو فشل للشكل الأخير من حكم الإسلام السياسي؟
– ربما كان ذلك صحيحاً. فالإسلام الإخواني في مصر قد فشل، والإسلام الصفوي الشيعي في إيران فشل أيضاً، والآن التجربة السلفية في سوريا، أو “ابنة المدرسة السلفية”، وهي اليوم وضعت على المحك، وينظر الجميع هل سينجح أصحاب هذه التجربة في حكم سوريا؟ على الرغم من أن التجربة الإسلامية المعتدلة في تركيا قد نجحت ولو نجاحاً معقولاً، فحزب “العدالة والتنمية” خدم شعبه.
من المهم أن لا ننظر بشكل مطلق للمواقف الغربية، على أنها مواقف تريد الشر لنا دائماً. هم ربما يقبلون بشيء من الاعتدال سواء في الفكر أو غيره. وبرغم كل شيء، لا أعتقد أن سوريا ذاهبة إلى التقسيم، ولا أعتقد أن أي دولة غربية أو اقليمية تريد التقسيم في سوريا، وأزعم أن إسرائيل لا تريد ذلك أيضاً، لأن التقسيم قد يؤدي إلى تشكيل كيان سني متشدد نقي، قد يشكل خطراً على كل الأطراف في المنطقة.
– ما العمل؟
– سأبقى متفائلاً. اليوم ما أريد أن أطرحه أن هناك إمكانية لتأسيس نموذج ديمقراطي لدولة مدنية، وهذا النموذج يتأقلم مع الواقع المحلي بمختلف تلاوينه، والذي ربما يوصلنا إلى تفاهم مقبول مع الوضع الإقليمي والوضع الدولي. من المؤكد، أن ذلك سيكون صعباً لكنه ليس مستحيلاً، إذا كنا في حقيقة الأمر جادين وصادقين.
وكرجل عارك السياسة بكل تفاصيلها، أقول بتواضع: لدينا قلق شديد من الاحتمالات التي يمكن أن تحصل والتي ستشكل خطرا محدقاً على كل المنطقة.
– ما النصيحة التي تقدمونها للرئيس السوري أحمد الشرع ؟
– أرجو أن تصل نصيحتي والدين النصيحة، أقول للسيد الرئيس: إن المجتمع السوري متعدد الأعراق، ومتعدد التلاوين الفكرية والمذاهب، وهذه ميزة في هذا الشعب المتحضر، ولن تكون نقمة. على الرئيس الشرع السعي للمزيد من الحوارات، لأخذ أحسن الأفكار واستخلاص أهم الطروحات، وبالتأكيد سننجح، ولن نكون مصدر تشاؤم للسوريين رغم مخاوفنا، وهناك أمل لبناء سوريا الحديثة التي نحلم بها.
المدن



