تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

مقالات تناولت المؤشّر العربي عن سورية 2025

مقالات تناولت “المؤشّر العربي عن سورية 2025

المركز العربي يعلن نتائج استطلاع المؤشر العربي في سورية

تحديث 11 أيلول 2025

————————————-

ما بعد الاستطلاع السوري/ معن البياري

09 سبتمبر 2025

لا شطَط في وصف نسبة السوريين في بلدهم في كفاف 43% بأنها مُفزعةٌ بعض الشيء، سيّما وأن 42% لا تكفي دخولُهم لتغطية احتياجاتهم الأساسية، وأن 36% يعتمدون على تحويلاتٍ ماليةٍ من الخارج. ومقلقٌ أن 61% في بلد البركة والخيرات نادراً ما يتناولون اللحوم. … هذه من معطياتٍ شديدة الأهمية كشفت عنها أخيراً نتائج استطلاع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي للدراسات السورية. ولا يملك واحدُنا إلا الاتفاق مع الباحث جمعة حجازي في مطالعته الوافية في هذه النتائج، في هذا العدد من ملحق “سورية الجديدة”، في أن هذه المُعطيات (وأخرى متّصلة بها) تجعل أولوية الأولويات أمام صنّاع القرار تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن الغذائي، ليس فقط سياسةً اقتصادية، بل شرطاً أساسيّاً لتعزيز الاستقرار، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. والقول هنا إن هذا المعطى بعيدٌ، غالباً، من مشاغل المثقفين والناشطين السياسيين السوريين، على ما هو ملحوظٌ في تعاليقهم وما يبثّونه من آراء واجتهادات، تنصرف إلى طبيعة السلطة الراهنة ومرجعياتها السلفية، وإلى نأيها عن توسيع المشاركة في صناعة القرار. ومع تمثينٍ واجبٍ لهذا الاهتمام بهذه القضايا وما ترتبط بها من تفاصيل، بل ومع ضرورة الاكتراث بها، إلا أن الالتفات إلى مدى قدرة هذه السلطة على معالجة هذه المسألة الاجتماعية/ السياسية، الباهظة الإلحاح، ليس واضحاً بالمقدار اللازم (أو الكافي؟). وربما فوجئ هؤلاء المثقفون بمستوى الرضا غير القليل بين عموم السوريين على هذه السلطة وأدائها الذي يمضي في البلاد إلى الأحسن، وبمستويات الثقة والأمل بمسارٍ أفضل ومستقبل أحسن، سيّما وأن هذا كله يتوازى مع ضغط الظرف المعيشي الصعب لدى فئاتٍ واسعةٍ بين السوريين. وما قد يفسّر هذه المفاجأة أن الوضع السوري عويصٌ وشديدُ التركيب والتعقيد، فيما تصوّرات نخبةٍ سوريةٍ عريضةٍ محسومةٌ، وتجريديّةٌ، وذهنيةٌ في الغالب. والكثير منها يصدُر عن مواقف مسبقةٍ وأفكارٍ مسطّرةٍ تنبني عليها الآراء والاجتهاد، من دون إجهاد الذهن بتقصّي الأمور بعمق، والتحرّي عن الأحوال الضاغطة. سيّما مع تغييب أن الحكم الراهن انتقالي، وشروط أي ظرفٍ انتقاليٍّ في أي تجربة سياسية في أي بلد، خصوصاً إذا مرّ بمحنةٍ من الطراز الأسدي المعلوم، مغايرةٌ، بداهةً، عن الشروط العامة في ظرفٍ ناجز، في الوسع أن تتحدّثَ عن اسحقاقاته، الديمقراطية والانتخابية وغيرهما، وأنتً مغتبطٌ بما تقول.

لا بأس من تكرار الإشارة هنا إلى ما أورده صاحب هذه السطور في افتتاحيةٍ سابقة، أن سورية في المنزلة الأولى بين بلدانٍ عربيةٍ عديدة تصدُر منها وعنها الأخبار المزيّفة، بنسبة 70% كما كشف موقع “مسبار” المتخصّص. والجديد، بل المدهش ربما، في نتائج الاستطلاع أن 80% من السوريين يروْن وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً لاختراع الأخبار المزيّفة عن الآخرين. وربطاً بالمسألة أعلاه، واضحٌ أن منصّات التواصل هي الفضاء الأول (أو الرئيسي) الذي يزاول فيه النشطاء والمثقّفون إيصال أفكارهم وتصوّراتهم وانطباعاتهم إلى الجمهور العام، وهذا طبيعيٌّ. لكن من عظيم الأهمية أن الاستطلاع، فيما يعرّفنا أن 79% يروْن وسائل التواصل جيّدة، لأنها تتيح لهم التعبير عن أفكارهم، إلا أن 79% أيضاً (النسبة نفسها!) يعتبرونها مكاناً للتحريض، و78% يروْنها أصبحت مكاناً لترويج خطابٍ طائفي. ولا يستدعي هذا كله النأي عن الفضاء الرقمي، وإنما يتطلّب، بداهةً، عدم الاستسلام لغواياته، وعدم الجنوح إلى بناء المواقف والآراء على كثيرٍ مما ينكتب فيه ويحتاجُ إلى فحصٍ خاص، وتدقيق موثوق. وفي البدء والمختتم، لا يحسُن أن يقاس على تخويناتٍ يحترفها ناسٌ يواظبون على الحضور في “فيسبوك” (وغيره)، وعلى أخبارٍ مجتزأَة أو متسرّعة غير مدقّقة، ومبالغٍ بها، وزائفة، فضلاً عن الشعور بالإطمئنان لدعاوى أصحاب الأمزجة والأهواء الهوياتية، والجهوية، والطائفية.

تُراه قولاً متزيّداً إن قراءة الحال السورية بعد إعلان نتائج “المؤشّر العربي 2025” بشأن سورية، في دمشق، لها أن تقطع عن قراءاتٍ عديدةٍ قبله؟ … ليس الحماسُ للذي صِرنا نعرفه عن أمزجة السوريين وميولهم وتطلّعاتهم وتشخيصاتهم أوضاعَهم، في اللحظة الراهنة، وراء هذا القول، وإنما القناعة بأن مفاتيح أي نفاشٍ في الموضوعة السورية، شديدة التعقيد على ما يجب التذكير دائما، صارت مختلفةً، أو يجب أن تختلف.

العربي الجديد

————————————–

المؤشّر العربي في سورية… دلالات واستنتاجات/ حسين عبد العزيز

09 سبتمبر 2025

لاستطلاعات الرأي الشعبي أهمية بالغة على ثلاثة مستويات: أولاً، توفر مادة غنية للباحثين الأكاديميين في دراسة الوعي السياسي للمجتمعات ومراقبته. وثانياً، تقدّم مادة موثّقة بالأرقام إلى صُنّاع القرار تسمح لهم بأخذ آراء الجمهور بالاعتبار، ما قد يساهم في تغيير السلطة بعض سلوكياتها. ثالثاً، لا يتيح استطلاع الرأي للجمهور التعبير عن رأيه إزاء قضايا حسّاسة فحسب، بل أيضاً يُنمي وعيه السياسي، فالإجابة عن أسئلة حسّاسة تتطلب تريثاً وتفكيراً مسبقاً، ومع الوقت وتكرار عمليات استطلاعات الرأي، ترتفع مستويات الوعي الجمعي حيال القضايا الكبرى في الدولة والمجتمع. وتشكّل سورية اليوم ببيئتها الاجتماعية ـ السياسية ـ الاقتصادية، الضعيفة والمضطربة، مادّة خصبة وغنية جداً للمؤسّسات البحثية بأنواعها المختلفة من أجل تقصّي الآراء والبناء عليها لمعرفة سلوكيات الناس المستقبلية في الحدّ الأدنى على الأقل.

كان للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، قصب السبق عربيا في إجراء استطلاع رأي، الأول من نوعه في تاريخ سورية، من حيث الجمهور والجغرافية والمواضيع المطروحة. شمل عينة قدرها 3690 من المستجيبين والمستجيبات، ممثلة للمجتمع السوري بمحافظاته وتكويناته الاجتماعية والاقتصادية كافة، وفق آلية عمل طبقية ـ عنقودية (طريقة في البحث العلمي لتقسيم مجتمع البحث إلى مجموعات طبيعية أو جغرافية تسمّى عناقيد، ثم يجري اختيار بعض هذه العناقيد عشوائياً لإجراء الدراسة عليها، وهي طريقة مفيدة في الدراسات الكبيرة عندما يصعُب الوصول إلى جميع أفراد المجتمع).

أول ما يلفت الانتباه في “المؤشّر العربي” أن القضايا السياسية والأمنية أخذت الترتيب الأول في صدارة اهتمام الجمهور، وهذه إشارة مهمّة إلى ارتفاع الوعي السياسي رغم المعاناة الاقتصادية الحادة التي يعيشها الناس منذ عقد ونصف العقد. التركيز على البُعد السياسي يعني أن دروب سورية نحو المعافاة تبدأ أولاً بالمستوى السياسي الذي تتفرّع منه المسائل الأخرى العالقة: أمنية، ثقافية، اقتصادية. في المقابل، تكشف نتائج بعض الأسئلة حيال قضايا أخرى عن وعيٍ منخفض، إلى درجة أن بعض إجابات على بعض الأسئلة جاءت انعكاساً لانطباعات شخصية، وليس نتاجاً لرؤية واقعية.

من النقاط الملفتة أيضا في “المؤشّر” رضا غالبية العينة المُستطلع رأيها عن الوضع وتفاؤلها تجاه المستقبل. وبلغة الأرقام، قال 56% من المستجيبين إن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 25% قالوا إنها تسير في الاتجاه الخاطئ. هذا الاختلاف في مستوى الرأي ناجم عن زاوية النظر لكل فئة، الأولى بنت موقفها على ما تحقّق، وهي بنظرهم إنجازات كبيرة: سقوط نظام الأسد، تحرير المعتقلين، البدء برفع العقوبات الاقتصادية، حرّية التعبير والتجمّع، توقيع الحكومة على مشاريع اقتصادية، ولا سيما في قطاع الكهرباء وإعادة الإعمار. أما الفئة الثانية، وعلى الرغم من عدم إنكارها المنجزات المُتحقّقة، فإنها تنطلق من رؤية أكثر واقعية وناجمة عن الأحداث التي شهدتها البلاد في الأشهر القليلة الماضية من جهة، وعن حالة الانقسام الحاد بين السلطة وبعض المكوّنات السورية من جهة أخرى.

الموقف من نظام الحكم

يعدّ الموقف من نظام الحكم السياسي أهم معيار لمعاينة الثقافة السياسية لأي مجتمع، وتستحقّ المعطيات التي قدّمها “المؤشّر العربي” الوقوف عندها وتحليلها. 61% من المُستطلعة آراؤهم اعتبروا أن الديمقراطية أفضل أشكال الحكم، مقابل نسبة 20% فضلت أنظمة أخرى، و53% من المستجيبين يقبلون استلام السلطة من حزب سياسي لا يتّفقون معه إذا حصل على عدد أصوات تؤهله لذلك في انتخابات حرّة ونزيهة. وإذا كانت هذه النتائج في العموم تعبّر عن شيء إيجابي مفاده رغبة الأغلبية بإقامة نظام ديمقراطي في سورية، فإن النتائج الأخرى على قلتها تثير الخوف: 8% فضلوا نظاماً إسلامياً تحكمه الشريعة من دون انتخابات وأحزاب سياسية، 6% أيدوا نظاماً سلطوياً غير ديمقراطي، 4% يفضلون نظاماً سياسياً يتولى فيه قادة الجيش الحكم، 9% لا يعرفون ما هو الشكل السياسي المرجو، 6% فضلوا نظاماً سياسيّاً تتنافس فيه الأحزاب غير الدينية فقط في الانتخابات، 6% فضلوا نظاماً سياسيّاً تتنافس فيه الأحزاب الإسلامية فقط.

هذه الأرقام التي تشكل في مجموعها نحو 40% من العينة المستهدفة كبيرة، إذ لا يقبل أقل من نصف العينة النظام الديمقراطي، فكيف الحال بقضايا الليبرالية والعلمانية؟ وهذا مؤشّرٌ إلى أن الثقافة السياسية في المجتمع السوري لا تزال أقل من المرجو، خصوصا في ظل انتشار قيم الديمقراطية عبر العالم أولاً، والأوضاع السيئة التي وصلت إليها الدولة والمجتمع نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي. ومن مفارقات نتائج الاستطلاع أن 53% سيسمحون لأي حزبٍ بالحكم شريطة إجراء انتخابات نزيهة وحرّة، بينما عارض الأمر 31%، حيث لن يوافقوا على انتخابات لا يفوز فيها الحزبُ الذي يؤيدونه.

كما بيّنت نتائج “المؤشّر” أن 38% يؤيدون وجود تيار وطني سوري بدون أيديولوجيا، و24% يؤيدون ذلك بشدّة، وهذا مؤشّر إلى تعب السوريين خلال عقود من الأيديولوجيات الزائفة التي نشرها نظام الأسدين أكثر من 50 عاماً، بما فيها الأيديولوجيا القومية والعروبية والعلمانية والليبرالية.

قضايا الاندماج المجتمعي والهوية الوطنية

تعدّ هذه من أخطر القضايا التي سلط “المؤشّر العربي” الضوء عليها، ويبدو طبيعياً أن تكون النتائج مبنيةً على انطباعات شخصية أكثر مما هي مبنية على استقراء حقيقي للواقع القائم.

وفق “المؤشّر”، يعتقد 64% من المستجيبين أن الشعب السوري نجح عبر السنين بدرجات متفاوتة في الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة، مقابل 12% قالوا إنه لم يحصل انصهار على الإطلاق. ورأى 19% أن أهم عامل يشكّل الهوية الوطنية السورية هو “الثقافة السورية المشتركة”، ثم العوامل التالية: اللغة العربية بنسبة 17%، العيش على الأرض السورية 10%، التنوع المجتمعي والثقافي 9%، الدين الإسلامي 8%.

مفهوم انصهار الشعب السوري عبر سنوات تعبيرٌ عام لا يمكن الركون إليه علمياً، فبالنسبة لبعضهم يبدو أن عدم وجود اقتتال طائفي مؤشّر إلى الانصهار الاجتماعي الوطني، غير أن هذا ليس مؤشّراً أو دليلاً، ففي الهند، مثلا، حاجج عالم الاجتماع الهندي أمارتيا سن في كتابه “الهندي المولع بالحِجاج” أن تاريخ الهند العلماني الطويل منذ عصر الفيدات في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد يقوم على مبدأ القبول، وليس على مبدأ المساواة، وهو أمرٌ أدّى إلى استمرار الأزمات الإثنية والدينية الحادّة، لا سيما بين الأكثرية الهندوسية والأقلية المسلمة. ربما ينطبق الأمر نفسه على الحالة السورية، فالانصهار ناجم عن قبول الأمر الواقع، وليس ناجماً عن القناعة بمبدأ المساواة والاعتراف بالحقوق الهُوياتية ضمن مواطنة متساوية. أيضاً، ماذا تعني ثقافة سورية مشتركة؟ ربما لا يستطيع أحد تقديم إجابة علمية، فاللغة العربية والدين الإسلامي عاملان أساسيان من عوامل الهُوية العربية، لا السورية أو المصرية أو المغربية في ذاتها… إلخ.

مسألة الانصهار الاجتماعي والثقافة السورية المشتركة لا تنسجمان مع اعتبار 85% من المستجيبين أن خطاب الطائفية منتشر في البلاد، وأن 84% من المستجيبين يرون أن الناس هذه الأيام يصنّفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي وديني في سورية. لا يقتصر الأمر على ذلك، حيث إن نتائج “المؤشّر” حيال الأسباب التي أدّت إلى هذا الجو الطائفي مربكة، بمعنى أن الأجوبة ناجمة عن انطباعات شخصية، وليس عن تفسير منطقي، فبحسب “المؤشّر العربي”، وافق 41% على عبارة “أن التوتّر بين المواطنين بحسب المذهب أو الدين هو نتيجة تدخل جهات خارجية”. وعند الانتقال من أحكام الوجود إلى أحكام الوجوب، نرى 67% من المستجيبين قد وافقوا على عبارة “لا يحقّ لأحد أن يشكّك في وطنية أي فرد من أفراد المجتمع أو انتمائه إلى الوطن لأنه معارض لسياسات الحكومة”، كما أن 66% قالوا إن لا فرق لديهم في التعامل مع الآخرين بغض النظر عن طائفتهم أو دياناتهم، وتوافق السوريون وبنسب 66% ـ 78% على أنهم لا يمانعون أن يكون جيرانهم من ديانات وطوائف وإثنيات أخرى، وهو ما يعبر عن رفض أشكال التمييز، بينما فضل 25% من المستجيبين التعامل مع أشخاص من الطائفة نفسها.

نسبة الـ66% التي لا تميز في تعاملاتها الاجتماعية بين الطوائف لا يستهان بها. وفي المقابل، تبقى نسبة الـ25% التي تفضل التعامل مع أشخاصٍ من الطائفة نفسها عالية جدا وفق معايير المجتمعات كلها. وقد يزداد الأمر إثارةً عندما نعلم أن 10% من المستجيبين عرّفوا أنفسهم بأنهم متديّنون جدا، مقابل 57% قالوا إنهم متديّنون إلى حد ما، بينما قال 21% إنهم غير متدينين، وهذه نسب مرتفعة في اتجاهات الرأي العام العربي، فضلاً عن أنها تحمل دلالاتٍ هامة، وهي أن الجانب العقائدي ليس السبب في التوترات الطائفية، بقدر ما هو ناجم ربما عن هُوية مُتخيلة، أو مخاوف مُضاعفة، أو سوء في ممارسات النخب تنعكس سلباً على القواعد الشعبية لهذه النخب. ويدعم هذا الرأي أن 75% من المستجيبين رفضوا عبارة “إنّ كلّ شخص غير متديّن هو بالتأكيد سيّئ”، وأن 57% من المستجيبين قالوا إن من الأفضل للبلد فصل الدّين عن السياسة، مقابل 30% قالوا إنه لا يجب فصل الدين عن السياسة.

أداء الحكومة

أكثر مجال ظهر فيه التخبّط في الإجابات وعدم استنادها إلى معطيات واضحة هو ما يتعلق بالموقف من أداء الحكومة السورية، فقد أفادت نسبة تراوح  ما بين 54% و57%، بأنها تثق بمؤسّسات الدولة الرسمية من حكومة، وأمنٍ عام، ودفاع، ومحافظين. وأفاد 47% من الرأي العام بأن الحكومة تطبّق القانون بالتساوي بين المواطنين، بينما رأى 30% من المستجيبين أنها تطبق القانون، ولكنها تحابي بعض الفئات، أي أنها تميّز لمصلحتها، ورأى 12% أنها لا تطبق القانون بالتساوي على الإطلاق. قال 61% من المستجيبين إن السياسات الخارجية بالنسبة إلى الحكومة الحالية تعبّر عن تطلعات الشعب السوري، مقابل 25% قالوا إنها لا تعبر عن تطلعاتهم، وبنسبة مشابهة، أفاد 59% من السوريين بأن سياسات الحكومة الاقتصادية تعبّر عن تطلعاتهم، مقابل 31% أفادوا بعكس ذلك. وأفادت نسبة من المستجيبين تزيد على 50% بنجاح الحكومة في التعامل مع بعض المهمات الرئيسية، مثل: الجرائم، وحماية الأملاك الخاصة بالناس، ومكافحة السرقات، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وفضّ الخلافات والنزاعات بين الناس، في حين اعتبر أقلّ من 50% من المستجيبين أنها نجحت في أداء مهمّات رئيسة أخرى، مثل: البطالة، ومحاربة الخطاب الطائفي، والعمل على إخراج إسرائيل من الأراضي التي احتلتها منذ “8 ديسمبر” (2024).

وعلى صعيد الأداء الحكومي في مهمّات تتعلّق بالتعدّدية السياسية، وحقوق الإنسان، وضمان الحريات، توافق أكثر من نصف المستجيبين على أن الحكومة نجحت في مجالات احترام حقوق الإنسان، وتشجيع مشاركة المواطنين في حوارات سياسية، وضمان حرية التعبير، وضمان حقّ التجمع، بينما عبّرت الأكثرية عن عدم نجاح الحكومة في مجالات أخرى، مثل ضمان التعدّدية السياسية، وإنهاء التمييز بين المواطنين، وتطبيق مبدأ المحاسبة لكبار مسؤولي الحكومة. والواضح هنا أن إجابات الأشخاص المستهدفين كانت مبنية على انطباعات شخصية أكثر مما هي مبنية على معطياتٍ واقعية.

التفاعل في المجال الافتراضي

مع ظهور العالم الافتراضي، اعتقد علماء الاجتماع والسياسة أن هذا العالم سيقدّم خدمات للديمقراطية في المجتمعات الديمقراطية ـ الليبرالية المتطوّرة، أو ما سمّاه آلان تورين مجتمعات الحداثة الفائقة، من حيث زيادة الشفافية وبسط تبادل المعلومات، ما يعني بناء علاقاتٍ أفقيةٍ في المجتمع، لكن التجارب كشفت أن هذا الرأي لم يكن صائباً بالضرورة، فقد بيّنت حالات عديدة أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت عدوّاً للشفافية، حيث كانت، في أحيانٍ كثيرة، منصّة لنشر أخبار كاذبة وافتعالها، وهو ما أكده مانويل كاستلز في كتابه “التفكّك في الأزمة الديمقراطية الليبرالية” أن الأخبار السلبية بلغت خمسة أضعاف الأخبار الإيجابية. وتتعلّق نتائج كاستلز بالمجتمعات المتطوّرة ذات التقاليد العريقة في الديمقراطية والليبرالية والعلمانية والمواطنة، فكيف الحال في مجتمعاتنا ما قبل المواطنية؟ لم يكن هذا الموضوع غائباً عن “المؤشّر العربي” الذي خصّص أسئلة حول التأثيرات الإيجابية والسلبية للعالم الافتراضي.

بحسب أرقام “المؤشّر العربي”، يستخدم 78% من السوريين الإنترنت بدرجات متفاوتة، ولدى 98% من إجمالي مستخدمي الإنترنت حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، و70% من إجمالي مستخدمي الإنترنت يستعملونه للتعبير عن أحداث سياسية جارية، و67% من أجل التفاعل مع قضية سياسية. وهذه أرقام عالية جدا في المجتمع السوري الحالي مقارنة بالمراحل السابقة، حيث الخوف كان يمنع الناس من تناول القضايا السياسية الداخلية على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما عبّرت عنه العينة المستهدفة بالأسئلة، إذ قال 76% منهم إنهم يمكنهم نشر محتوى على وسائل التواصل ينتقد الحكومة من دون خوف من العواقب. وعلى الرغم من أهمية هذا الواقع الجديد لجهة تعبير الناس عن آرائهم ومواقفهم السياسية مقارنة بالمراحل السابقة، إلا أن لهذا الواقع سلبيات خطيرة، خصوصاً عندما يكون المجتمع في وضع حسّاس تطفو على سطحه الخطابات والسلوكيات الإثنية والطائفية، فقد بينت نتائج الاستطلاع أن 80% من السوريين المستهدفين في العينة البحثية يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي مكان لاختراع الأخبار المزيفة عن الآخرين، وأن 78% من السوريين يرون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكانا لترويج خطاب طائفي، و79% يرون أن وسائل التواصل أصبحت مكاناً للتحريض على الآخرين، لما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي من انفعالات هُوياتية ضيقة وشتائم وتخوينات وأخبار بعضها مبالغ به وبعضها الآخر مزيّف، ناهيك عن قراءة الأحداث المحلية بطريقة أحادية الجانب تعكس المزاج الهُوياتي، الأمر الذي يؤجج الوضع، ويدفع آخرين في الجهة المقابلة إلى الرد بالطريقة نفسها.

تؤكد نتائج الاستطلاع أن الواقع السياسي كما تبرزه منصّات التواصل الاجتماعي لا يتطابق مع الواقع الفعلي على الأرض، الأكثر تعقيداً من توصيفه أو اختزاله إلى عالم منقسم بشكل حاد جدّاً. ومع خطورة هذه السلبيات، أكّد 79% من السوريين أن وسائل التواصل الاجتماعي تبقى جيدة، لأنها تتيح للناس التعبير عن آرائهم.

القضية الفلسطينية وإسرائيل

بسبب ارتفاع منسوب العروبة والقومية عند السوريين من جهة والذاكرة المثقلة بتقسيم سورية الكبرى من جهة أخرى، احتلت القضية الفلسطينية في الوجدان السوري مركزاً ريادياً. لكن نتائج “المؤشّر العربي” كشفت عن وجود انزياح في المزاج السوري حيال القضية الفلسطينية، فعلى الرغم من أن 74% من السوريين رفضوا الاعتراف بإسرائيل، مقابل 17% أيدوا ذلك، قال 69% من المستجيبين إن القضية الفلسطينية قضية جميع العرب وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وقال 15% إنها قضية الفلسطينيين وحدهم، في حين أعرب 8% عن عدم امتلاكهم جواباً على هذه النقطة.

إذا ما نُشرت هذه الأرقام قبل عقدين مثلا لشكّلت فاجعة لدى السوريين، حيث إن وجود 15% يعتبرون أن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين وحدهم، و8% لا يمتلكون جوابا، مؤشّر إلى وجود تغيّر سلبي للغاية في الرأي العام السوري إزاء قضية تربّينا على أنها جزءٌ وجوديٌّ من حياتنا، وأنه لا يمكن ترك الفلسطينيين وحدهم يخوضون الصراع ضد إسرائيل نيابة عن العرب: إن نسبة الـ15% والـ8% تعدّ عالية في الحالة السورية.

تبدو نتائج “المؤشّر” حيال القضية الفلسطينية منسجمة مع الموقف من عقد اتفاق سوري ـ إسرائيلي، إذ عارض 70% من المستجيبين عقد اتفاق مع إسرائيل، من دون عودة الجولان السورية، ورأى 58% أن إسرائيل الأولى في ترتيب الجهات الخارجية التي تهدّد أمن الوطن العربي. ربما تكون مأساوية السنوات السابقة التي عاشتها سورية والخلل الكبير جدا في موازين القوى بين سورية وإسرائيل سبباً في رغبة جزء من السوريين بإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل، لكن أرقام “المؤشّر” تجعل مسار السلطة في سورية نحو إسرائيل محفوفاً بالمخاطر، فبدون تقديم شيءٍ استراتيجي للسوريين، سيؤدّي أي اتفاق مُبهم أو قليل النتائج إلى مخاطر داخلية على إدارة الشرع أخذها بالاعتبار.

ختاماً، شكّل المؤشّر العربي في سورية خطوة متقدّمة جداً، وعملاً احترافياً، وسدّاً لفراغ كانت سورية في أمسّ الحاجة إليه، ومن المهم العمل على نشر نتائج الاستطلاع يوميّاً من أجل وصوله إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

العربي الجديد

——————————–

الوطنية السّورية في 2025/ رانيا مصطفى

09 سبتمبر 2025

لأول مرّة، تحضُر سورية ضمن أضخم مشروع مسحيٍّ في العالم العربي، مشهودٌ بمهنيَّته العالية، وهو المؤشّر العربي 2025، الصَّادر أخيراً عن المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات بالتعاون مع المركز العربي للدراسات السورية. وتأتي أهمّيَّتُه في هذه المرحلة المصيريّة من حياة السوريين بإمكانية الاستئناس به من السُّلطات الجديدة والنخب السورية والباحثين على السواء، في غياب القدرة على قياس رأي الشارع، والاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي مقياساً؛ وهي التي تبيَّن في نتائج المؤشِّر أنَّها لا تعكس الواقع، بوجود 52% من المستجيبين لا يستخدمونها إطلاقاً أو نادراً، ونسبة معتبرة يستخدمونها بشكل متوسّط (12% عدة مرات في الشهر و12% مرة أسبوعياً أو أكثر)، ونسبة 13.3% فقط يتابعون المؤثرين السياسيين، مقابل اهتمامات أخرى اجتماعية ورياضية وصحية وتسوق وغيرها.

حسب المؤشّر، يحدّد السّوريّون المستجيبون عوامل تشكيل هويّتهم الوطنية، بالثقافة المشتركة واللغة العربية والأرض الواحدة وعاداتٌ وتقاليدٌ وتاريخ مشترك، وتنوّع مذهبي وديني، ويرى بعضهم في الإسلام هوية عليا للسوريين (8%)، ويعتبر آخرون الانتماء إلى العالم العربي فوق كلِّ المشتركات (7%). لن نغوصَ في جدالٍ حول تاريخ تشكّل الهوية الوطنية السورية، وإن تشكّلت أم لا، فسورية الحالية نتاج تقسيماتٍ استعمارية قسريَّة، مطلع القرن الماضي، واعتبرَتْها إيديولوجية حزب البعث “قُطراً” في وطن عربي كبير، فيما اقتضى انزياح نظام الأسد الأب التدريجي نحو اقتصاد ليبرالي، ثمَّ ترسيخُ هذا التحوّل إلى اقتصاد نيوليبرالي في بداية حكم الأسد الابن، أن تصبح سورية في أدبيات “البعث” وخطاب الحكومة دولةً/ وطناً، كمصلحة فئويَّة تخصُّ كلاً من الطبقة البورجوازية المستفيدة والمنظومة العسكريَّة والأمنية الحاكمة، لمراكمة الثَّروات في ما عُرف برأسمالية المحاسيب، إلى جانب تسكين الجبهات مع العدو الإسرائيلي، والتخلّي عن المطالبة بالجولان السوري المحتل بتوافق غير رسمي؛ وبذلك تمَّ تفريغُ المسألة الوطنية من مضمونها، وترسيخُ الهويات ما قبل الوطنية، وإيقاف التطوّر الطبيعي للمجتمع عبر نظام تسلُّطي قمعي.

الموقف من دولة الاحتلال

في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة في الأراضي السورية، والتَّوغلِ في الجنوب، والادّعاء بحماية السوريين الدروز من مجازر في منتصف يوليو/ تموز الماضي، وفي ظل التواصل العلني المستمرِّ والرفيع المستوى بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بغرض التوصُّل إلى اتفاقات لا يُستَبعَد أن يكون التّطبيع منها، يقدّم الاستطلاع الجديد نتائج مهمّة حول الموقف الشعبي من دولة الاحتلال. فيستشعر السوريون الخارجون من تحت ركام الحرب المشكلات التي تحول دون بناء دولة جديدة على أسس وطنية، ومنها خطر التقسيم (10%)، ثم الانقسامات الطائفية والإثنية والقبلية (9%)، والنسبة نفسها يرون الفقر أخطر المشكلات، فيما يرى 8% مشكلة الفصائل، ولا يضع سوى 6% منهم التوغّلات الإسرائيلية الجديدة في رأس المشكلات. لكنّ 88% يعتبرون أن السياسات الإسرائيلية تهدِّد الاستقرار في سورية. ولا يتجاوز مجموع من يعارضون إسرائيل فقط لأنها تحتل الجولان أو لأنها توسَّعت في الأشهر الأخيرة الـ2.8%، بينما يعتبرها 22.3% دولةً استعمارية استيطانية، و17.3% توسّعية، و8.3% عنصرية. وهذا يتفق مع أن 69% يعتبرون القضية الفلسطينية قضية العرب، مقابل 15% فقط يعتبرونها خاصة بالفلسطينيين، ويرفض أكثر من 90% من المستجيبين في دول عربية، ومنها سورية، الاعترافَ بإسرائيل. ويتابع 74% من المستجيبين السوريين الأخبار في غزّة، و70% لا يوافقون على اتفاقٍ مع إسرائيل بدون الجولان، وتتقارب نسبة المعارضين (39%) والموافقين (38%) على اتفاقٍ فقط لإعادة الالتزام بخطّ الهدنة لعام 1974. ويؤكد 48%، وبدرجة أقل 26%، أن إسرائيل تدعم فئات سورية لتغذية النزاعات.

الحياة السياسية ونظام الحكم ومؤسّسات الدولة

تُظهِر النتائج أن هناك وعياً مقبولاً تجاه بناء الدولة على أساس المواطنة والحقوق المتساوية إلى جانب تحييد الدين عن الدولة؛ إذ يؤيّد 62% من المستجيبين تياراتٍ وطنية بلا إيديولوجيا، بينما 54% يؤيدون التيارات الإسلامية، و48% القومية العروبية، و38% العلمانية، و37% الليبرالية المدنية. والغالب أن لدى السوريين أفكاراً مشوَّشة حول معظم هذه التيارات، بدليل أن أكثر من ربع المستجيبين لم يقدَّموا جواباً عن هذه الأسئلة. لكن اللافت أن 57% يفضّلون فصلَ الدين عن السياسة، و60% يفضِّلون نظاماً ديمقراطياً، و61% يميلون إلى التعدّدية الديمقراطية، و42% يفضلون دولة مدنية مقابل 22% للدولة الدينية. ويستشعر المستجيبون خطورة انتشار خطاب الطائفية (70%) والتمييز على أساس المذهب والدين (66%)، والتمييز بين المحافظات (57%) وبين الريف والمدينة (46). يرفض 67% تخوين معارضي السلطة، وهناك 66% لا يفرِّقون في التعامل مع الآخرين على أساس الديانة والمذهب والطائفة، وهذا يُسقط الادّعاءات أن السوريون يفضُّلون التَّقسيم والفيدرالية على أساس الهويات ما قبل الوطنية.

يتطلّب تعزيز الوطنية السورية بناء مؤسّسات الدولة وتوجّهها السياسي والاقتصادي على أسس وطنية مستقلة عن أي إرادات إقليمية ودولية. لم يتطرّق الاستطلاع بشكل كافٍ إلى أهمية بناء مؤسّسة عسكرية مستقلة عن التدخلات الخارجية، وقادرة على الدفاع عن الوطن وتحرير الأرض، وقد دمّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد سقوط نظام الأسد، كلَّ مقدَّرات الجيش السوري، واكتفى المؤشر بسؤالٍ حول حلّ الفصائل؛ إذ يعتقد 44.2% أن أداء الحكومة جيّد في هذا الملف؛ ولكن قرابة نصف المستجيبين يشيدون بأدائها حول المحافظة على وحدة الأراضي ومكافحة الإرهاب والتطرّف والخطاب الطائفي. يميل غالبية المستجيبين إلى تطبيق عدالة انتقالية كاملة، حيث وافق 61% على أن تشمل كل من تورّط بجرائم ضدّ الإنسانية من النظام والفصائل، مقابل 25% فقط يريدون محاسبة نظام الأسد فقط، ويرى 44% أن نظام الأسد اعتمد على الولاء بغض النظر عن الطائفة، مقابل 35% قالوا إنه اعتمد على طوائف محدّدة. أمّا الثقة بمؤسّسات الدولة الجديدة من أمن عام وحكومة ووزارة الدفاع والمحافظين المعيَّنين فهي أكثر من النصف بقليل. ولا يرى سوى 47% أن الحكومة تقف على مسافةٍ واحدةٍ من المواطنين، و31% يرونها تحابي فئات أخرى، وهي نسبة غير قليلة وتتعارض مع مبدأ المواطنة واستقلالية القضاء.

كما لم يتطرَّق الاستطلاع إلى سؤال السوريين المستجيبين حول السياسات الاقتصادية المتبعة، وهي ذات ملمح نيوليبرالي، وهل تحقق السيادة الاقتصادية، وحول مخاوفهم من أنَّ تدفُّق الاستثمارات سيصبّ في مصلحة طبقة أوليغارشية جديدة، بدلاً من تفضيل سياسات تنموية أكثر عدالة تحقق النهوض لكلّ المناطق السورية. التهديدات الخارجية بعد سنوات من التدخلات الخارجية في سورية، وبناء قواعد عسكرية أميركية وتركية وروسية، شكلاً من الاحتلال، وتوغّلٍ إسرائيلي جديد، تبدو مهمّة بناء مؤسسات وطنية مستقلة غاية في الصعوبة. وفي سؤال حول السياسات الراهنة لبعض القوى الدولية والإقليمية التي تهدِّدُ أمن المنطقة، يرى 78% أن إسرائيل أكبر مهدِّد، تليها إيران (74%)، وروسيا (54%)، والولايات المتحدة (50%)، ولا يرى سوى 25% من المستجيبين أن تركيا تهدد أمن البلاد رغم أنَّها تحتلُّ جزءاً من الشريط الحدودي الشمالي وتقيم قواعدها العسكرية، وتسعى إلى إنشاء قواعد جديدة في الداخل؛ وتجدر ملاحظة أن 40% رفضوا الإجابة عن هذا السؤال. وأخيراً، من المهمّ القول إنّ الجزء المتعلِّق بسورية من الاستطلاع جرى ما بين يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 2025؛ إذ إنَّ المزاج السوري العام يتغيّر كلَّ يومٍ، مع دخول البلاد في حالة ديناميكية مستمرَّة منذ صباح الثامن من ديسمبر، ولا توجُّهات عامَّة ثابتة في رأي السوريين تجاه مجمل القضايا السياسية والاجتماعية والحقوقية التي فُتحَت كلُّها دفعة واحدة بعد سقوط نظام الأسد. ففي الأشهر الأولى بعد السقوط، كان اهتمام السوريين بالشأن العام في أقصاه، بينما تراجع لحظة إعداد “المؤشّر”، بسبب تغييب أيِّ دورٍ للشعب الذي يفاجأ بالقرارات المصيرية. ولا تُعتَبر حريَّة التعبير الفردية، التي بلغت 6 من 10، حسب الاستبيان، كافيةً للتأثير في القرارات، بغياب أو تغييب أيِّ دورٍ حقيقي للقنوات الديمقراطية من أحزاب ونقابات وغيرها. وفي ظل خطاب التحريض الطائفي والمذهبي والعرقي، الذي يملأ المساحات الافتراضيَّة والقنوات الرسمية، بدا من الواضح أنَّ هناك عزوفاً لدى السوريين عن المشاركة في الحياة السياسية، حيث تُفتقَدُ الحوارات البنَّاءة التي تدعم تطور الوعي الجمعي السوري، في سياق تشكيل هوية وطنية جامعة.

العربي الجديد

——————————-

فلسطين الحيّة أبداً/ يعرب العيسى

09 سبتمبر 2025

في عام 1917 عقدت جلسة عاصفة في مجلس العموم البريطاني لمناقشة البيان الذي أعلنته حكومة ديفيد لويد جورج، والذي اشتهر لاحقاً باسم وزير الخارجية فيها، آرثر بلفور. والذي وقّع رسالة تعلن التزام بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في بلد يشكّلون 4% من سكانه آنذاك.

لم يكن كل النواب موافقين على هذا المشروع، وكان لدى كل واحد منهم أسباب للاعتراض عليه، ومن بين هؤلاء خرج اللورد كروزون بمداخلة نارية ختمها قائلاً: وماذا سنفعل بالنصف مليون سوري الموجودين هناك؟

ضاعت الجملة وتاهت في الفضاء لـ 108 سنوات، وبعد أن جرت في النهر مياه كثيرة، وظنَّ الظانّون بسوريي الما تبقى أنهم كفروا بكل القضايا، واستسلموا لكل الأقدار، جاء من يسألهم عن فلسطين. وقد فعل ذلك في لحظة ضعف وطني، وفي قاع وجداني أوصلتهم إليه سنوات القمع والديكتاتورية، آلام الحرب والقتل والتهجير، ضغوط المعيشة وظروف الحياة.

وقفوا أمام السؤال، وأجابوا: فلسطين ليست قضية الفلسطينيين، إنها قضيتنا جميعاً. إسرائيل هي أكبر عدو لنا، ومهدد لوجودنا واستقرارنا. لا اعتراف ولا صلح معها إلا بإعادة الحقوق والأرض.

من بين كل النتائج التي خلص إليها استبيان المؤشّر العربي، في الجزء المتعلق بسورية منه، تستحق الأسئلة المتعلقة بفلسطين وبإسرائيل وقفة أطول للتأمل. ففيه قال 69% من المستجيبين إن فلسطين قضية العرب الأولى، وقال 88% أن إسرائيل هي الخطر الأكبر على وحدة واستقرار سورية، و74% يرفضون الاعتراف بها.

قبل نشر نتائج الاستبيان، والذي أنجز بمعايير قياسية تمنحه مصداقية عالية، كانت القراءة السطحية للمجتمع السوري تصل لاستنتاجات مخيفة ومحبطة، وكانت تشير إلى مجتمع يائس منغلق. منطوٍ على نفسه وطائفته ومنطقته وقوميته، رافض للآخر، كافر بالقضايا الكبرى، مشغول بأحقاده الصغيرة، وبلقمة العيش التي يريد انتزاعها من أفواه الآخرين.

لذلك جاءت هذه النتائج لتقول لنا نحن المتسرّعين المتشائمين: أيها الحمقى، أنتم لا تعرفون شيئاً.  تسمعون ضجيج القلة، فتنخدعون بعلو أصواتهم، وتظنونهم الجميع.

فما ظهر في موضوع إسرائيل والجولان وفلسطين، ظهر في “المؤشّر” في مواضع أخرى، مثل الهوية الوطنية، والطائفية.

حيث حمّل 17% فقط المسؤولية عن حالة التوتر الطائفي للناس والمجتمعات وتعاملهم مع بعضهم، بينما أحالها 24% لعوامل خارجية تعبث بالمجتمع، و18% لوسائل الإعلام التي تصب الزيت على النار، و14% حمّلوها للنخب الحاكمة ورجال الدين.

وقال 66% إنه لا فرق لديهم في التعامل مع الناس أياً كانت طوائفهم وأديانهم، سواءً في التجاور بالسكن أو بالتعامل اليومي في العمل، وقال 25% إنهم يفضلون التجاور والتعامل مع أبناء طوائفهم.

قديماً كان الساسة والإعلام يستخدمون تعبيراً جديراً بالتأمل: فلسطين هي البوصلة. ومن كانت بوصلته فلسطين فهو في الطريق الصحيح في جميع القضايا. وقد استخدموا العبارة في مكانها وغير مكانها، كرّروها حتى ابتذلت، وفقدت معناها، وبدت لنا أنها واحدة من الشعارات الكاذبة التي تطلقها الأنظمة لخداعنا.

تستعيد العبارة طزاجتها وصحّتها، عندما تجد أن من يهتدون بفلسطين، تأخذهم البوصلة نفسها إلى الانتماء الوطني، وإلى رفض الطائفية والعرقية، وإلى الحرص على وحدة واستقرار البلاد، وإلى معرفة من هو العدو حقاً.

العربي الجديد

——————————

سورية الجديدة في عيون مواطنيها… أملٌ يتجدّد وتحدّيات تنتظر/ جمعة حجازي

09 سبتمبر 2025

بعد سنوات من الألم، يطلّ الأمل من جديد في وجوه السوريين. أكثر من نصف المستجيبين يؤكّدون أن سورية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن صفحة الماضي المظلم بدأت تُطوى، وهذه ليست مجرّد نسبة مئوية، إنها ملايين القلوب التي تؤمن بأن الغد أفضل. هذا ما أوضحته نتائج استطلاع الرأي الذي انجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، كجزء من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025.

أعلن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 31 أغسطس/ آب 2025، في دمشق، النتائج الرئيسة والأولية لاستطلاع الرأي الذي نُفّذ في سورية بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وهو جزء من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025. نُفِّذ على عيّنة حجمها 3690 من المستجيبين والمستجيبات. ونُفِّذ على عيّنة طبقية عنقودية متعدّدة المراحل، وممثلة للمجتمع السوري بمحافظاته وتكويناته الاجتماعية والاقتصادية كافة. وبلغ مستوى الثقة بالعينة 98%، بهامش خطأ يراوح بين ± 2 و3%. ونُفّذ العمل الميداني خلال 25 يوماً (25 يوليو/ تموز – 17 أغسطس/ آب 2025). وعمل على تنفيذه أكثر من مائة من المشاركين والمشاركات. ويعدّ هذا الاستطلاع الأول من نوعه في تاريخ سورية من ناحية حجم العيّنة وتغطية جميع المحافظات، فهو أول استطلاع بهذا الحجم والشمولية: 3690 مستجيباً، يغطي المحافظات الـ 14 و65 منطقة إدارية و281 ناحية، ويستمع إلى أصوات آلاف السوريين من مختلف الفئات والخلفيات، ويتضمّن أكثر من 420 سؤالاً، تناولت موضوعاتٍ مهمّة وذات راهنية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وموضوعات الاندماج الاجتماعي والوطني. وسيكون مصدراً مهمّاً لصنّاع السياسات في سورية والمجتمع الأكاديمي السوري، إضافة إلى أهميته ليكون مصدر معلومات للمؤسّسات البحثية العربية والدولية.

حين يعود صوت الناس ليصنع المستقبل

أعواماً طويلة، كان صوت السوريين غائباً. لم يكن الغياب اختياراً، بل كان صمتاً مفروضاً، ومصادرة للمعرفة، وإقصاءً للرأي العام عن دائرة الفعل. لم يكن استطلاع المؤشّر العربي عن سورية لعام 2025 مجرّد استبيان؛ كان عودة الحياة إلى المجال العام. نفّذه المركز العربي، ليعيد الاعتبار لحقّ الناس في التعبير عن آرائهم بعد أن حُرموه عقوداً. لا تكمن أهمية استطلاع “المؤشر العربي” في أنه الأكبر من نوعه في سورية فحسب، بل في أنه أداة يمكن أن تستخدمها الحكومة لصياغة السياسات العامة ورسم ملامح المستقبل، فهو يزوّد صناع القرار ببيانات دقيقة عن أولويات المواطنين، ويمنح الباحثين والمجتمع الأكاديمي قاعدة معرفية لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية. كذلك يتيح للمجتمع المدني والمنظّمات الدولية تصميم برامج أكثر استجابة لاحتياجات الناس. إنه ليس مجرّد تقرير يُقرأ ثم يُركن على الرفّ، بل خريطة طريق يمكن أن توجه الجهود نحو بناء دولة حديثة، قائمة على المشاركة والمساءلة، تستجيب لتطلّعات السوريين في العدالة والحرية والكرامة.

المبادئ المنهجية والمعايير

3690 مواطناً ومواطنة من كل المحافظات، أكثر من 78 ألف ساعة عمل، و420 سؤالاً غاصت في تفاصيل السياسة والاقتصاد والمجتمع والهوية. تم بالاستناد إلى التقسيم الجغرافي والإداري السائد في سورية، حيث جرى التعامل مع سورية باعتبارها مجتمعاً اصلياً يمثل السوريين كافة، ومن ثم الاستناد إلى التقديرات عن حجم السكان في سورية، سواء من خلال منظّمات الامم المتحدة أو من طريق منشورات المكتب المركزي للإحصاء وغيرها من المؤسّسات البحثية وتحديد حجم العينة وفق منهجية توازن بين المتطلبات الإحصائية (الدقة والثقة) القيود الميدانية (الوقت، الموارد). التغطية الجغرافية الشاملة وحساب حجم العينة النظري لتحقيق دقة عالية باستخدام المعادلة: معادلة حساب حجم العينة (Sample Size Formula) في الإحصاء. وهي جزء من منهجية تصميم العيّنات العشوائية، وتُستخدم لتحديد حجم العيّنة المطلوب لتحقيق مستوى ثقة معين (عادة 98%) مع هامش خطأ محدّد. هذه المعادلة هي المعيار الذهبي في تصميم العينات الإحصائية، وتُظهر أن الاستطلاع اعتمد على منهجية علمية دقيقة لضمان: تمثيل حقيقي للمجتمع السوري. هامش خطأ منخفض (عادة ±2% إلى ±3%). وقد خضع الاستبيان للمبادئ المنهجية باستخدام العينة العنقودية طبقية متعددة المراحل عبر مجموعة من الإجراءات تمثلت بالآتي:  1. التمثيل الإحصائي • التمثيل النسبي: توزيع العينة بما يتناسب مع الكثافة السكانية لكل محافظة.  • التغطية الجغرافية: شمول جميع المحافظات والمناطق الإدارية. • التوازن الحضري/ الريفي: مراعاة التوزيع الديمغرافي الطبيعي.  2. الجودة المنهجية • العشوائية: اختيار عشوائي في جميع مراحل العينة. • القابلية للتنفيذ: مراعاة الظروف الميدانية والعملية. • الكفاءة الإحصائية: تحقيق أقصى دقّة بأقل تكلفة.  3. التقسيم الطبقي للعينة (Stratification): • الطبقة الأولى: المحافظات الكبرى (دمشق ريف دمشق، حلب، حمص، حماة، الحسكة). • الثانية: المحافظات المتوسّطة (اللاذقية، إدلب، درعا، الرقة، دير الزور). • الثالثة: المحافظات الصغرى (السويداء، القنيطرة، طرطوس).  • يضمن هذا التقسيم أن المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية لا تطغى على المحافظات الصغيرة، ما يحقق عدالة التمثيل.  4. التدرج الهرمي في التصميم: • المستوى الأول: المحافظات (14 محافظة). • الثاني: المناطق الإدارية (65 منطقة).  • الثالث: النواحي (281 ناحية). يعكس هذا النهج تصميماً عنقودياً متعدّد المراحل، وهو معيار عالمي في الدراسات الميدانية واسعة النطاق.  5. الأثر على جودة النتائج: • يضمن التنوع الجغرافي والاجتماعي في العينة. • يقلل من التحيز الإحصائي، ويزيد من موثوقية التعميم على المجتمع السوري ككل.

الأمل يعود إلى المشهد السوري

بعد سنواتٍ من الصمت والرماد، ينهض الأمل من بين الركام. يؤكّد 56% من السوريين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وكأن نصف سكان البلاد وأكثر يرفعون لافتة واحدة: “الغد لنا”. ليست هذه النسبة مجرّد رقم في تقرير رسمي، إنها نبض حيّ، ورسالة تحدٍّ تقول: “لن نعود إلى الوراء”. إنها لحظة فارقة، تشير بلغة الأرقام إلى تحوّل المزاج العام نحو التفاؤل، وتؤكّد أن غالبية السوريين ترى في المرحلة الراهنة فرصة لإعادة البناء والاستقرار. وبين السطور، يكتُب الناس قصة جديدة: قصة شعبٍ قرّر أن يطوي صفحة الماضي، وأن يفتح كتاب المستقبل بإرادةٍ لا تلين.

الأمل في الصدارة

عبّرت النسبة الأكبر من السوريين عن شعور دائم أو متكرّر بالأمل، 27% دائماً، 29% غالباً، ما يعني أن المزاج العام يميل نحو التفاؤل بعد التغيير، رغم التحدّيات الاقتصادية والأمنية. الأمان يتقدّم على الخوف. شعور الأمان جاء في المرتبة الثانية، 26% دائماً، 35% غالباً، وهو مؤشّر إلى تحسّن الإحساس بالاستقرار، حتى وإن لم يكتمل بعد. تتفوّق المشاعر الإيجابية على السلبية: مشاعر الأمل، الأمان، الفرح، والارتياح تتصدر المشهد، بينما مشاعر مثل اليأس والحزن والغضب تتركّز في فئات “أحياناً” و”قليلاً”، ما يعكس أن هذه المشاعر لم تعد طاغية كما في السابق. التوتّر والقلق لم يختفيا رغم التحسّن، ما زال 35% يشعرون بالتوتّر والقلق “أحياناً”، و27% “قليلاً”، ما يشير إلى أن الاستقرار النفسي يحتاج سياسات اقتصادية واجتماعية داعمة. تقول هذه الأرقام بوضوح: يريد المجتمع السوري أن يعيش الأمل واقعاً. تعزيز الأمان، تحسين المعيشة، وتوسيع المشاركة السياسية هي مفاتيح لتحويل هذا الأمل إلى استقرار دائم. لا يطلب المجتمع السوري المستحيل، بل يطالب بالحق في الأمل. في ظل التحدّيات، تتجلّى إرادة الناس في السعي نحو حياة آمنة وكريمة، وفي المطالبة بأن يكون لهم دور في رسم مستقبلهم. تعزيز الأمان حجر الأساس، وتحسين المعيشة مطلب يومي، وتوسيع المشاركة السياسية هو الطريق نحو العدالة والاستقرار. هذه ليست شعارات، بل معادلة واضحة: حين يشعر الناس بالأمان، ويعيشون بكرامة، ويشاركون في القرار، يتحوّل الأمل إلى واقع، ويتحول الواقع إلى استقرار دائم.

 التحدّيات الاقتصادية وأولويات المعيشة

تكشف نتائج الاستطلاع أن الاقتصاد التحدي الأكبر أمام السوريين في مرحلة ما بعد التغيير، فقد أفاد 42% من المستجيبين بأن دخل أسرهم لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، فيما يعيش 43% في كفاف، ولا يتجاوز من يتمتّعون بوفرة مالية 11% فقط. ولا تعكس هذه الأرقام مجرّد ضيق اقتصادي، بل ترسم صورة مجتمع يواجه ضغوطاً معيشية قاسية، ومع ذلك يتمسّك بخيار البقاء والمشاركة في إعادة البناء.

الأكثر دلالة أن 61% من الأسر نادراً ما تتناول اللحوم، ما يشير إلى تراجع القدرة الشرائية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، في حين يعتمد 36% على تحويلات مالية من الخارج، وهو ما يكشف هشاشة البنية الاقتصادية وارتباطها بمصادر دخل خارجية. وخلف هذه الأرقام الصعبة، يبرز معنىً أعمق: الإصرار على الحياة. فبرغم العوز، لم تتحوّل الغالبية إلى الهجرة خياراً أول، بل اختارت الصمود، وكأن السوريين يرسلون رسالة واضحة: “نحن هنا، وسنصنع مستقبلنا مهما كانت التحدّيات. تضع هذه المؤشّرات أمام صناع القرار أولوية لا تحتمل التأجيل: تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن الغذائي، ليس فقط كسياسة اقتصادية، بل كشرط أساسي لترسيخ الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

التحويلات المالية: شريان حياة غير مرئي

في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية، تظهر التحويلات المالية من الخارج أحد أعمدة الصمود المجتمعي. تفيد البيانات بأن 36% من السوريين يتلقون تحويلات مالية شهرية من الخارج، وهي نسبة كبيرة تعكس حجم الاعتماد على شبكات الدعم العائلية والاغترابية، في ظل تراجع الدخل المحلي وغياب الحماية الاجتماعية. في المقابل، لا يتلقّى 59% أي تحويلات، ما يعني أن أكثر من نصف السكان يعتمدون على مصادر دخل داخلية، غالباً ما تكون غير مستقرّة أو غير كافية، وهو ما يسلّط الضوء على الفجوة الاقتصادية المتزايدة داخل المجتمع. ولا تتحدّث هذه الأرقام فقط عن المال، بل عن الروابط الإنسانية العابرة للحدود، وعن دور الشتات السوري في دعم الداخل، ليس فقط مادّياً، بل نفسياً واجتماعياً. إنها تذكير بأن الاقتصاد ليس مجرّد أرقام، بل شبكة من العلاقات والثقة والتضامن، وأن التحويلات المالية تعبير عن استمرار الانتماء، رغم المسافات والانقسامات.

الغذاء مرآةً للواقع الاجتماعي

في المجتمعات التي تواجه تحدّيات اقتصادية ومعيشية، يصبح الغذاء أكثر من مجرّد حاجة بيولوجية؛ إنه مؤشّر إلى العدالة، والكرامة، والاستقرار. تفيد البيانات بأن الدجاج هو الأكثر حضوراً على مائدة السوريين، ولكن ليس بشكل يومي: 38% يتناولونه أقل من مرّة في الأسبوع، و29% مرّة واحدة أسبوعياً، بينما يتناوله 13% فقط أكثر من مرّة، و3% فقط يومياً. أما اللحوم الحمراء، فهي أقل حضوراً: 27% يتناولونها أقل من مرّة أسبوعياً، و29% مرّة واحدة، لكن اللافت أن 32% يتناولونها أكثر من مرّة أسبوعياً، ما قد يعكس تفاوتاً اقتصادياً بين الأسر. وتكشف هذه الأرقام عن تحوّل في العادات الغذائية، ربما بسبب توفر الأسماك بأسعار أقلّ نسبياً، أو بسبب تغيّرات في الثقافة الغذائية، أو حتى بسبب الضرورات الصحّية والاقتصادية. الرسالة الأعمق: هنا ليس مجرّد وجبة، بل شاهد على التفاوت، وعلى قدرة الأسر على التكيّف، وعلى ما تبقّى من مظاهر الحياة الطبيعية وسط الأزمات.

أولويات الألم والأمل

في لحظة مفصلية من تاريخ سورية، تتحدّث الأرقام بلغة الألم والقلق، لكنها أيضاً تهمس بالأمل. حين سُئل السوريون عن أهم مشكلة تواجه بلادهم اليوم، لم تكن الإجابة سطحية أو عابرة، بل جاءت مرتّبة كأنها خريطة وجدانية ترسم ملامح الواقع وتكشف عن عمق التحدّيات. في القمة، يقف خطر تقسيم سورية كأكبر هاجس، بنسبة 10 من 10. ليس مجرّد قلق جغرافي، بل خوف من فقدان الهوية، من أن يتحوّل الوطن إلى فسيفساء متنازعة بدلاً من بيت واحد يتسع للجميع. ثم تأتي الطائفية، بنسبة 9، كجرح مفتوح في جسد المجتمع، تهدّد نسيجه وتغذّي الانقسام. يليها الفقر وتدنّي مستوى المعيشة، الذي لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بوجوه الأطفال، وبطوابير الخبز، وبالقلق اليومي من الغد. في المرتبة 8، يظهر سوء الوضع الاقتصادي ومنصّات المعلومات، في إشارة إلى أن السوريين لا يروْن فقط في السياسات الاقتصادية مشكلة، بل في طريقة تشكيل الوعي العام أيضاً. ثم يأتي غياب الأمن والأمان (7) ظلاً دائماً يلاحق الحياة اليومية، ويمنع الناس من الشعور بالطمأنينة استمرار النزاع (6) والتدخلات الخارجية (6) يعكسان إدراكاً بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن سورية لا تزال ساحة لصراعات الآخرين. في المرتبة 5، تظهر المخاطر الداخلية، مثل الإرهاب أو النفوذ الإقليمي، كتهديدات مستمرّة، لكنها أقل حضوراً في الوعي الشعبي مقارنة بالمخاوف الكبرى. أما في المرتبة 4 وما دون، فتتوزّع القضايا بين البطالة، تدمير البنية التحتية، العقوبات، ضعف التعليم والصحة، الانغلاق المجتمعي، الهجرة، وحملات الخروج الجديدة. ورغم أهميتها، يراها السوريون نتائج للمشكلات الكبرى، لا جذوراً لها.

الثقة والعدالة: بين الاهتمام الشعبي والسياسات العامة

ترسم الأرقام لوحة معقدة، لكنها تحمل إشارات قوية عن طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في سورية. 80% من السوريين يهتمون بالشؤون السياسية بدرجات متفاوتة، وهذا رقمٌ لافتٌ في ظل الأزمات التي عاشتها البلاد. إنه يعني أن السياسة لم تعد شأناً للنخب فقط، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ربما بدافع القلق على المستقبل أو الأمل في التغيير. في المقابل، 18% غير مهتمين إطلاقاً، وهي نسبة تعكس إرهاقاً من الصراع أو فقداناً للثقة في جدوى المشاركة. وعندما ننتقل إلى الثقة بالمؤسّسات، نجد أن أغلبية تراوح بين 54% و57% تثق بالحكومة والأمن والدفاع والمحافظين. ليست هذه النسبة مطلقة، لكنها مهمّة في سياق بلدٍ مرّ بزلزال سياسي وأمني. إنها تقول إن هناك قاعدة ثقة يمكن البناء عليها، لكنها تحتاج تعزيزاً عبر الشفافية والعدالة. أما العدالة، فهي بيت القصيد: يرى 47% أن الحكومة تطبق القانون بالتساوي، بينما يعتقد 30% أنها تحابي بعض الفئات، ويراها 12% لا تطبّق القانون بالتساوي إطلاقاً. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة إدراكية خطيرة: نصف المجتمع يرى عدالة، والنصف الآخر يرى تمييزاً. هذه الفجوة هي التحدّي الأكبر أمام أي مشروع لإعادة بناء الثقة. الرسالة العميقة أن السوريين ليسوا لامبالين؛ إنهم مهتمّون، يراقبون، ويقيّمون. الثقة موجودة لكنها هشّة، والعدالة هي مفتاح ترسيخها. إذا أرادت الدولة أن تعيد بناء العقد الاجتماعي، عليها أن تبدأ من هنا:  تطبيق القانون بلا استثناء، وتحويل الاهتمام الشعبي بالسياسة إلى مشاركةٍ حقيقية، لا مجرد متابعةٍ من بعيد.

الفساد الإداري والمالي

عند خانة “الفساد منتشر جدّاً” بنسبة 15%، لتقول إن التجربة لم تعد خبراً عابراً، بل ملامسة يومية للوقت المهدور والمسارات الملتوية. وإلى جوارها تأتي فئة “منتشر إلى حدٍّ ما” بنسبة 42%، ما يرفع سقف الإدراك الإجمالي إلى مستوى عالٍ حين نجمع الفئتين معاً 57%، ويعني أن الأغلبية ترى الفساد حالة بنيوية أكثر منه حوادث متفرّقة. في المقابل، لا تتجاوز فئة “محدود/ غير منتشر” (7%)، وهي إشارة إلى جيوبٍ من التحسّن أو تجارب فردية أكثر. وحين نقارن الصورة بما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، يتبدّى منحنى الشعور العام أوضح: نسبة من يقولون إن الفساد “أكثر من قبل تبلغ 11%، ما يعكس أثر الندرة وتضخّم كلفة الوقت في تضخيم “السوق الرمادية” المحيطة بالخدمة. وعلى الضفة الأخرى، يرى 28% أن الواقع “كما كان”؛ ليس لأن الرضا عمّ، بل لأن الإصلاح لم ينعكس بعد في تجربة المواطن على شبّاك الخدمة. أما من يلمّحون إلى أنه “أقل من قبل” بنسبة 56%، فيلتقطون تحسّناتٍ صغيرةً لكنها محسوسة: خطوة أُلغيت من معاملة، بوابة دفع رقمية اختصرت طريقاً، أو تتبّع واضح للطلب جعل الإجراءات أسهل.

المساواة والعدالة في تطبيق القانون

تفيد نتائج الاستطلاع بأن 47% من السوريين يعتقدون أن الحكومة تطبق القانون بالتساوي بين المواطنين. وتكشف هذه النسبة عن كتلة من الأمل، لكنها ليست أغلبية مريحة؛ إنها تقول إن نصف المجتمع تقريباً يرى في القانون مظلّة عادلة، بينما يعيش النصف الآخر في مساحة رمادية من الشك. في المقابل، يرى 30% أن القانون يُطبَّق لكن مع محاباة بعض الفئات. وتفضح هذه النسبة شعوراً عميقاً بوجود امتيازات غير معلنة، وأن العدالة ليست عمياء كما ينبغي. أما 12% فيعتقدون أن القانون لا يُطبَّق بالتساوي، وهذه الفئة، وإن كانت أقلية، تمثل مؤشّراً خطيراً؛ لأنها تعبّر عن فقدان شبه كامل للثقة في المنظومة القانونية. ولا تقف هذه الأرقام عند حدود الإحصاء؛ إنها تحكي قصة مجتمع يتأرجح بين الرغبة في العدالة والخوف من التمييز. فحين يرى المواطن أن القانون قد يُثنى لصالح الأقوى، تتآكل فكرة المساواة، ويتحوّل الامتثال من التزام طوعي إلى شعور بالإكراه. لكن وجود نسبة معتبرة تؤمن بعدالة التطبيق يفتح نافذة أمل: الثقة ليست مفقودة بالكامل، لكنها تحتاج ترميماً عبر الشفافية، والمساءلة، وإجراءات ملموسة تجعل العدالة خبرة يوميّة لا شعاراً.

​أداء الحكومة في قضايا الحريات والعدالة

تراوح نسب المستجيبين الذين قيّموا أداء الحكومة بأنه “جيد” في مجالات تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن بين 45.0% و55.2%، لا تعكس فقط أرقاماً، بل تحكي قصة ثقة تتشكّل، وتطلعات تنتظر أن تتحقّق. في أدنى نقطة، عند ضمان حرية النظام والاعتقاد الديني (45.0%)، يبدو أن هناك فجوة في شعور المواطنين بأن هذا الحقّ مصان بشكل كافٍ. ومع ذلك، يشير الارتفاع التدريجي في التقييمات إلى تحسّن نسبي في مجالات أخرى، مثل حرّية التعبير والمشاركة في السياسات العامة، ما يدل على بداية انفتاح في الفضاء العام. يظهر التحوّل الأبرز عند احترام حقوق الإنسان (51.9%)، حيث تتجاوز النسبة حاجز الـ50%، وكأنها لحظة مفصلية في إدراك الناس تحسّناً ملموساً في هذا المجال. ثم تتصاعد الثقة أكثر عند تطبيق مبدأ المحاسبة وإنهاء التمييز، لتبلغ ذروتها عند ضمان التعدّدية السياسية (55.2%)، وهو ما يعكس تطلّعاً نحو نظام أكثر شمولاً وتمثيلاً. ولا يعني هذا المنحنى الصاعد أن الطريق قد اكتمل، بل إنه يبعث رسالة أمل: أن الثقة تُبنى، وأن الأداء الحكومي حين يلامس أولويات الناس وحقوقهم الأساسية يُقابل بتقدير ملموس. إنها دعوة إلى الاستمرار في هذا المسار، وتعزيز ما تحقّق، وسد الفجوات التي ما زالت قائمة.

تحليل نقدي لأداء الخدمات العامة

تعكس نتائج تقييم المستجيبين لأداء الخدمات العامة خلال الفترة الحالية صورةً مركّبةً تجمع بين جوانب التحسّن والتحدّيات المستمرّة، فقد أظهرت البيانات أن هناك رضىً نسبياً عن توفر المواد الغذائية الأساسية (54%)، والوقود (47.6%)، والنقل والمواصلات (45.7%)، وهي مؤشّرات إيجابية تدلّ على قدرة الجهات المعنية على الحفاظ على استقرار نسبي في الخدمات الحيوية رغم الظروف الاقتصادية واللوجستية المعقدة. في المقابل، جاءت تقييمات توفر الكهرباء (25.6%)، والمياه (30.9%)، والإنترنت (31.5%)، منخفضة، ما يعكس وجود فجواتٍ واضحةٍ في البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تؤثر مباشرة على جودة الحياة اليومية للمواطنين. ويسلّط هذا التباين في التقييمات الضوء على ضرورة إعادة توجيه السياسات العامة نحو تحسين الخدمات ذات الأولوية المجتمعية، مع الاستفادة من النجاحات الجزئية في بعض القطاعات لتوسيع نطاق التحسين. كما تمثل مشاركة المواطنين في هذا التقييم فرصة لتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوجيه الموارد بشكل أكثر فاعلية نحو الاحتياجات الفعلية. بصورة عامة، يمكن اعتبار هذه النتائج مؤشّراً إيجابياً مشروطا؛ فهي تعكس استعداد المجتمع للتفاعل والمساءلة، وتمنح صنّاع القرار خريطة واضحة للتدخّلات المطلوبة، بشرط أن تُترجم هذه المؤشّرات إلى سياسات عملية تستجيب لتطلعات المواطنين.

تتّفق أكثرية الرأي العام السوري على الانحياز إلى النظام الديمقراطي، حيث رفضت أكثرية المستجيبين مجموعة من المقولات السلبية التي يثيرها عادة خصوم النظام الديمقراطي، فالأغلبية ترى “النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام”.

وحين سُئل السوريون عن النظام الأمثل لحكم بلادهم، جاءت الإجابة واضحة: الديمقراطية هي الطريق. 61% من السوريين أكّدوا أن النظام الديمقراطي، رغم ما قد يعتريه من مشكلات، يظلّ أفضل من أي بديل آخر، وعبّر 53% عن استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات حتى لو جاءت بخصومهم السياسيين، وهو مؤشّر نادر في بيئات ما بعد النزاعات، ويعكس نضجاً سياسياً ورغبة حقيقية في بناء عقد اجتماعي جديد، وترفض الأغلبية مقولة إن الأداء الاقتصادي يسير بشكل سيئ في النظام الديمقراطي، وترفض أيضاً مقولة “الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام”. في المقابل، توافَق 60% من السوريين على أنّ النظام الديمقراطي، وإنْ كانت له مشكلاته، أفضل من غيره من الأنظمة، مقابل 20% عارضوا ذلك. وعلى نحوٍ متسق، أكّد ما نسبته 61% أن النظام الأفضل للحكم في سورية اليوم هو الديمقراطي. في حين بلغت نسبة تأييد أنظمة الحكم الأخرى أقل من 10% لكل منها. أفاد 53% من المستجيبين بأنهم يقبلون استلام السلطة من حزب سياسي لا يتّفقون معه إذا حصل على عدد أصوات يؤهّله لذلك ضمن انتخابات حرّة ونزيهة.

تشكيل الأحزاب السياسية

يؤيد الرأي العام السوري تأسيس أحزاب سياسية في سورية. أيّدت الكتلة الأكبر من المستجيبين وجود تيارات قومية عربية وتيارات ليبرالية مدنية. ما يميز الحالة السورية أن هذا التوجّه نحو الديمقراطية لا يأتي من رفاهية سياسية، بل من تجربة مريرة مع الاستبداد والصراع مارسه النظام البائد، ومن رغبة صادقة في بناء نظام يضمن التعددية، والمساءلة، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.

أي الأنظمة السياسية الأفضل

في سياق ما بعد النزاع، حيث يسود الانقسام السياسي والتوجّس من الآخر، أن يُعبّر أكثر من نصف السوريين (53%) عن استعدادهم لقبول نتائج الانتخابات، حتى لو جاءت بخصومهم السياسيين، مؤشّر بالغ الأهمية. إنه يعكس تحوّلاً في الوعي السياسي، من منطق الولاء والانتماء الضيق، إلى منطق احترام الإرادة الشعبية، والقبول بالتعددية جزءاً من العقد الاجتماعي الجديد. لا يعني هذا القبول فقط التسليم بنتائج الانتخابات، بل يعني أيضاً الاعتراف بشرعية الخصم السياسي، والقبول بالتداول السلمي للسلطة، وهو ما يُعدّ من أرقى مظاهر النضج الديمقراطي. في المقابل، تُظهر نسبة المعارضة (31%)، رغم أنها ليست قليلة، أن هناك حاجة لمزيد من الحوار الوطني، وبناء الثقة، وتعزيز ثقافة المشاركة السياسية. تقول هذه الأرقام إن الديمقراطية ليست مجرّد آلية انتخابية، بل ثقافة قبول الآخر، واحترام نتائج الصندوق، وبناء دولةٍ لا تُقصي أحداً. إنها دعوة لإعادة بناء الحياة السياسية في سورية على أسس المشاركة، لا الهيمنة، وعلى التعدّدية، لا الإقصاء.

لا مصالحة بلا محاسبة

في قلب التحولات الكبرى، يبرز مطلب العدالة الانتقالية ركيزة لا غنى عنها للمستقبل. 65% يطالبون بمحاسبة كل من تورط في جرائم ضد الإنسانية أياً كان انتماؤه؛ فسلامٌ يقوم على الحقيقة والإنصاف أمتن من تسويات هشّة لا تُداوي الجراح. إنها رسالة تقول: لا مكان للإفلات من العقاب، وبناء الوطن يبدأ من استعادة الثقة بين الناس والدولة، وبين مكوّنات المجتمع بعضها مع بعض.

الاندماج المجتمعي والهوية الوطنية

رغم سنوات الانقسام والصراع، لا يزال السوريون يؤمنون بإمكانية الانصهار في بوتقة وطنية جامعة؛ إذ يرى 64% من المستجيبين أن الشعب السوري نجح بدرجات متفاوتة في تحقيق هذا الانصهار، مقابل 12% فقط قالوا إنه لم يحصل على الإطلاق. وتعكس النسبتان نضجاً اجتماعياً ورغبة في تجاوز الانقسامات، وتؤكّدان أن السوريين، رغم كل شيء، يريدون وطناً لا يُقصي أحداً، ويقوم على الاحترام والتنوع.

الموقف من الهجرة

في قلب سورية، حيث تتقاطع الأحلام مع الواقع، يكشف استطلاع للرأي عن حكاية مجتمعٍ يقف عند مفترق طرق. 67% من السوريين يقولون “لا” للهجرة، وكأنهم يعلنون تمسّكهم بجذورهم، بإيمان أن التغيير يبدأ من الداخل، مهما كانت العواصف. هؤلاء هم حرّاس الأمل، الذين يروْن في كل حجر فرصة لبناء مستقبل جديد. لكن هناك 27% يهمسون بـ”نعم”، يحملون في قلوبهم شوقاً لأفق أوسع، لأمان مفقود، أو فرصة لم تتحقّق. ليسوا خونة للأرض، بل عشّاق للحياة، يبحثون عن مكانٍ يزهر فيه حلمهم. أما 6%، فهم في مساحة رمادية، بين الخوف والرجاء، بين الصمت والقرار. ليست هذه الأرقام مجرّد نسب، إنها مرآة لروح وطن يتأرجح بين البقاء والرحيل، بين التحدّي والاستسلام. والسؤال الذي يطلّ من بين السطور: هل نستطيع أن نحوّل رغبة الهجرة إلى رغبة في الإعمار؟

الهوية الوطنية: جسرٌ يعبر فوق الانقسامات

يقف كل عمود في الشكل المتعلق بالهوية شاهداً على بُعد من أبعاد الهوية الوطنية السورية، ويعكس ترتيب الأعمدة ونسبها توازناً دقيقاً بين الرمزي والمادي، بين التاريخي والمعيشي، وبين المشترك والمتنوّع. الثقافة السورية المشتركة (19%) تتصدر هذا الترتيب، ما يعكس إدراكاً جمعياً بأن الهوية لا تُبنى فقط على الانتماء الجغرافي أو السياسي، بل أيضاً على نسيج ثقافي تراكمي، يتجلى في اللغة، الفنون، العادات، والرموز اليومية. يمثّل هذا العامل ما يمكن تسميتها “الهوية الثقافية الجمعية”، التي تتجاوز الانقسامات وتؤسّس لوحدة شعورية. تأتي اللغة العربية (17%) في المرتبة الثانية، مؤكّدة أن اللغة ليست فقط أداة تواصل، بل حامل للهوية، ووسيط للمعنى، ومرآة للذات الوطنية. في السياق السوري، تلعب اللغة دوراً محورياً في توحيد الخطاب العام، وفي ترسيخ الانتماء من خلال التعليم والإعلام والدين. العيش على الأرض السورية (10%) هذا العامل يُبرز البُعد المكاني للهوية، حيث تتحوّل الأرض إلى فضاء للانتماء والذاكرة. ليست الأرض هنا مجرّد جغرافيا، بل حاضنة للروابط الاجتماعية والتاريخية، ومصدر للشرعية الوطنية. يشير التنوّع المجتمعي (9%) إلى وعي متزايد بأهمية التعدّدية في تشكيل هوية وطنية جامعة. يعكس هذا تحوّلاً في الخطاب من السعي إلى التجانس، إلى الاعتراف بالتنوع قيمة مضافة، وهو ما يتماشى مع الأدبيات الحديثة حول الهوية التعددية، الانتماء الرمزي والتاريخي. (8% – 6%) تشمل الانتماء إلى الوطن، الرموز الوطنية، والانتماء القومي، وهي عناصر تُستخدم في بناء الهوية الرمزية، التي تُفعّل في المناسبات الوطنية، والخطاب السياسي، والمناهج التعليمية. إننا أمام خريطة معرفية للهوية السورية كما يراها أبناؤها. هوية تتشكل من تفاعل مستمر بين الثقافة واللغة، بين الأرض والتاريخ، وبين التنوّع والوحدة. لا تُختزل في عامل واحد، بل تتجلى في التقاء هذه العوامل ضمن مشروع وطني جامع.

وتكشف نتائج المؤشّر العربي حول الاهتمام بالشأن السياسي في سورية عن لوحة معقدة من المواقف والاتجاهات. تفيد البيانات بأن 18% من المستجيبين لا يهتمون إطلاقاً بالسياسة، فيما يرى 36% أنها مهمّة بدرجة قليلة، بينما يعتبرها 31% مهمّة، و13% فقط يصفونها بأنها مهمة جداً، مع بقاء 2% في خانة الامتناع عن الإجابة. هذه النسب لا تعكس مجرد تباين في المواقف، بل تكشف عن ديناميات اجتماعية وسياسية أعمق. تمثّل النسبة الكبيرة التي ترى السياسة مهمة بدرجة قليلة حالة من الحذر أو التردّد، وهي غالباً انعكاس لتجارب سابقة من عدم الاستقرار أو ضعف الثقة بالمؤسّسات. في المقابل، الفئة التي تعتبر السياسة مهمة جداً، رغم محدوديتها، تشكّل نواة صلبة يمكن أن تكون محرّكاً لأي عملية إصلاح أو مشاركة سياسية مستقبلية. أما الفئة غير المهتمة إطلاقاً، فهي مؤشّر على وجود فجوة بين المواطن والشأن العام، قد تكون ناجمة عن الإحباط أو الانشغال بتحدّيات الحياة اليومية.

التنوّع: أرقام تكشف قوة العيش المشترك

ليس التوتر الطائفي والإثني في سورية وليد سبب واحد، بل هو نتاج شبكة معقّدة من القوى التي تتنازع على العقول والقلوب. في القمة، يقف العامل الخارجي (24%) ظلاً ثقيلاً يخيّم على المشهد، يذكّرنا بأن حدودنا ليست خطوطاً على الخريطة فقط، بل ممرّات مفتوحة لتدخّلات القوى الإقليمية والدولية. لا تكتفي هذه القوى بالمراقبة، بل تغذّي الانقسامات وتستثمر فيها، لتبقى المنطقة في حالة سيولةٍ تخدم مصالحها. لكن المفاجأة أن الداخل رأى أن سلوك المجتمعات بعضها تجاه بعض (22% + 17%) يشكّل مع الإعلام أكثر من النصف. تضيف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي (18%) الزيت على النار، إذ تحوّلت من منصات للتقارب إلى مسارح للاستقطاب، حيث تنتشر الشائعات أسرع من الحقائق، وتُضخّم الأصوات المتطرفة على حساب العقلانية. أما الأنظمة السياسية ومرجعياتها الدينية (14%)، وفي الزاوية، يقف 5% من الصمت، كأنه يرمز إلى حيرة الناس أمام شبكة أسباب متداخلة، أو ربما إلى خوفهم من تسمية الأشياء بأسمائها. ما الذي تقولُه لنا هذه الأرقام؟ إن التوتر ليس مجرد مؤامرة خارجية، ولا مجرّد خلل داخلي؛ إنه تفاعل بين هشاشة الداخل وضغوط الخارج. الإعلام يضخّم، المجتمع يتأثر، والسياسة تترك فراغاً تملأه الانقسامات. الرسالة واضحة: إذا أردنا كسر الحلقة علينا أن نبدأ من إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وضبط خطاب الإعلام، وتحصين الداخل ضد الاستغلال الخارجي.

عندما نقرأ الأرقام، نكتشف أن القصة الحقيقية ليست عن الرفض، بل عن القبول. بين كل الأشكال البيانية، يعلو صوت الأغلبية التي تقول: “لا مانع لدي”. تراوح النسب بين 66% و78%، ما يعني أن معظم السوريين لا يمانعون أن يكون جيرانهم من جنسيات أخرى، أو من مناطق مختلفة، أو حتى من أديان ومذاهب مغايرة. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها شهادة على أن جذور التعايش في المجتمع السوري ما زالت حيّة، رغم كل ما مرّ به من أزمات وانقسامات. صحيح أن هناك أقلية تتحفظ ـ 22% لا يرغبون بجيران من جنسيات أخرى، و15-17% يتحفظون على اختلاف الدين أو المذهب ـ لكن هذه النسب تبدو صغيرة أمام بحر القبول الذي يملأ المشهد. إنها تقول لنا إن السوريين، في عمقهم، يفضلون الجيرة الإنسانية على الجيرة الهوياتية، وأن الحياة اليومية أقوى من خطاب الانقسام. الأكثر إلهاماً أن الاختلاف في اللون أو اللغة أو الثقافة هو الأقل حساسية (13%)، وكأن المجتمع بدأ يتصالح مع التنوع الثقافي أكثر من أي وقت مضى. ترسم هذه الأرقام لوحة تقول: التنوّع ليس تهديداً، بل فرصة، إذا وُجدت سياسات ذكية ومساحات حوارية تحوّل هذا القبول النظري إلى ممارسة يومية.

ونرى انعكاساً صريحاً لخيارات الناس في التعامل مع الآخر. قال 66% عبارة “لا فرق لدي”. تروي هذه النسبة الكبيرة قصة أمل: تعلن أغلبية المشاركين بوضوح أن الانتماء الطائفي أو الديني ليس معياراً للتعامل. في عالم يكثر فيه الحديث عن الانقسامات، يلمع هذا الرقم كإشارة إلى أن جذور التعايش لا تزال حيّة، وأن الفطرة الإنسانية تميل إلى قبول الآخر أكثر مما نتصور.

قال 25% “أفضّل التعامل مع أشخاص من مذهبي/ طائفتي/ ديانتي”. ليس هذا الرقم صغيراً، بل هو ربع العينة تقريباً، وهو جرس إنذار بأن خطاب التعايش وحده لا يكفي، بل يحتاج سياسات وممارسات تعزّز الثقة وتكسر الصور النمطية.

تحليل مستويات الاهتمام بالشأن السياسي

تكشف نتائج المؤشر العربي حول الاهتمام بالشأن السياسي في سورية عن لوحة معقدة من المواقف والاتجاهات. تشير البيانات إلى أن 18% من المستجيبين لا يهتمون إطلاقاً بالسياسة، في حين يرى 36% أنها مهمة بدرجة قليلة، بينما يعتبرها 31% مهمة، و13% فقط يصفونها بأنها مهمة جداً، مع بقاء 2% في خانة الامتناع عن الإجابة. هذه النسب لا تعكس مجرد تباين في المواقف، بل تكشف عن ديناميات اجتماعية وسياسية أعمق. إن النسبة الكبيرة التي ترى السياسة مهمة بدرجة قليلة تمثل حالة من الحذر أو التردد، وهي غالبا انعكاس لتجارب سابقة من عدم الاستقرار أو ضعف الثقة بالمؤسسات. في المقابل، الفئة التي تعتبر السياسة مهمة جداً، رغم محدوديتها، تشكل نواة صلبة يمكن أن تكون محركاً لأي عملية إصلاح أو مشاركة سياسية مستقبلية. أما الفئة غير المهتمة إطلاقاً، فهي مؤشر على وجود فجوة بين المواطن والشأن العام، قد تكون ناجمة عن الإحباط أو الانشغال بتحديات الحياة اليومية. من منظور نظري، يمكن قراءة هذه النتائج في إطار مفاهيم الثقافة السياسية التي تميز بين المجتمعات ذات الثقافة المشاركة وتلك التي يغلب عليها الطابع اللامبالي. النمط السوري هنا يبدو أقرب إلى ثقافة مختلطة، حيث تتعايش الرغبة في المشاركة مع مستويات متفاوتة من اللامبالاة، ما يفرض تحديات أمام صناع السياسات الراغبين في تعزيز المشاركة السياسية. إن تحويل الاهتمام المحدود إلى اهتمام فعلي يتطلب استراتيجيات تستند إلى بناء الثقة، وتوسيع قنوات المشاركة، وربط السياسة باحتياجات الناس اليومية.

القضية الفلسطينية: بوصلة لا تنحرف

تظهر أرقام الاستطلاع أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في الوجدان السوري، ليست مجرد ملف سياسي، بل جزء من الهوية الجماعية. 69% من السوريين يرون أن فلسطين قضية جميع العرب، لا قضية الفلسطينيين وحدهم. هذه النسبة تقول إن التضامن لم يمت، رغم كل الانقسامات التي عصفت بالمنطقة، وإن الشعور بالمصير المشترك لا يزال حاضراً بقوة. أما الموقف من إسرائيل، فهو أكثر وضوحا: 74% يرفضون الاعتراف بها، ليس بدافع العناد، بل انطلاقاً من سردية عميقة عن العدالة والحق. الأسباب التي ذكرها المستجيبون تكشف عن وعي تاريخي وسياسي: إسرائيل ليست مجرد دولة في نظرهم، بل مشروع استيطاني توسعي، يهدد الأرض والهوية، ويغذي النزاعات، ويحتل الجولان، ويشتت الفلسطينيين، ويحرمهم من حق تقرير المصير. هذه ليست شعارات، بل ذاكرة حيّة تشكل الموقف الشعبي. وعندما نسأل عن السلام، نجد أن 70% يرفضون أي اتفاق مع إسرائيل من دون عودة الجولان. هنا تتجلى الوطنية السورية في أوضح صورها: السلام ليس صفقة، بل عدالة. وفي العمق، هناك إدراك بأن إسرائيل ليست خصماً عابراً، بل فاعل يسعى لتفكيك المنطقة، بدليل أن 74% يعتقدون أنها تدعم النزعات الانفصالية في سورية، و88% يرون أنها تهدد الأمن والاستقرار السوري.

إسرائيل في الوعي السوري: تهديد للاستقرار يتجاوز السياسة

 تحدث الأرقام بوضوح: 88% من السوريين يعتقدون أن إسرائيل تهدد الاستقرار في سورية. هذه النسبة الكاسحة ليست مجرد رقم، بل تعبير عن وعي جمعي يرى في إسرائيل أكثر من خصم سياسي؛ يراها مشروعاً دائماً لزعزعة الأمن وتفكيك النسيج الوطني. في المقابل، لا تتجاوز نسبة من يرون أنها لا تشكل تهديداً 4%، وكأنهم أصوات هامشية في بحر من القلق المشروع. أما 8% الذين اختاروا الصمت أو الحياد، فهم مساحة رمادية، ربما تعكس حذراً أو عدم يقين، لكنها لا تغيّر من حقيقة أن الإجماع الشعبي شبه مطلق. ما وراء الأرقام

هذه النتيجة تكشف عن ثلاث حقائق أساسية:

1.    التهديد الإسرائيلي ليس فكرة نظرية في الوعي السوري، بل تجربة حيّة، ترتبط بالجولان المحتل، وبالذاكرة التاريخية للصراع، وبالواقع الإقليمي الذي يشهد تدخلات إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة.

2.    الإجماع الشعبي (88%) مؤشر على وحدة الموقف تجاه الخطر الخارجي، رغم الانقسامات الداخلية التي أفرزتها الحرب.

3.    الاستقرار في المخيال السوري ليس مجرد أمن داخلي، بل سيادة كاملة، وأي قوة تمس هذه السيادة تُرى كتهديد وجودي.

المعرفة: حق إنساني وركيزة للتنمية

لأول مرة، نمتلك خريطة دقيقة لمزاج السوريين، تطلعاتهم، مخاوفهم، ورؤيتهم لمستقبل بلادهم. هذه الأرقام ليست جامدة، بل تنبض بالحياة؛ فهي تعكس نبض أمة تبحث عن الاستقرار والكرامة والعدالة. كل نسبة مئوية هنا تحمل وراءها قصة إنسان عاش الحرب، وفقد الأحبة، لكنه ما زال يؤمن بالغد. اليوم، لم يعد السوريون مجرد أرقام في جداول الإحصاء، بل أصوات حية تعبّر عن إرادة التغيير، وآراء تحمل في طياتها قصصا من الصمود والأمل. كل صوت في هذا الاستطلاع هو شهادة على أن السوريين، رغم الجراح، لم يفقدوا قدرتهم على الحلم، ولم يتخلوا عن حقهم في المشاركة في رسم ملامح الغد. لقد أصبح صوتهم مسموعاً، ليس فقط في أروقة البحث العلمي، بل في فضاء السياسات العامة، ليقول للعالم: نحن هنا، نطالب بأن يكون لنا مكان في مستقبل بلادنا، ونرفض أن نُختزل في خانة الأرقام أو ضجيج الأخبار

المعرفة لم تعد ترفاً، بل حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان، وأحد أهم أهداف التنمية المستدامة وركائز التنمية البشرية. في عالم اليوم، لم تعد الحكومات قادرة على احتكار المعلومة أو منع تدفقها؛ فقد أصبح الفضاء الرقمي مفتوحاً، وأصبح بمقدور الناس امتلاك المعرفة وتوظيفها في حياتهم اليومية. من هنا اعتقد أن الحكومة في سورية سوف تنظر إلى نتائج هذا الاستطلاع لا بوصفها بيانات صماء، بل باعتبارها مدخلات استراتيجية لصياغة السياسات والبرامج. وأن تدرك أن السوريين عبّروا عن آرائهم بمسؤولية وأن احترام هذه الآراء وتقديرها هو حجر الأساس لبناء الثقة. هذا الاستطلاع ليس حدثاً عابراً، بل محطة تاريخية تأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث الأوضاع تموج وتتغير بسرعة. إن فهم سياق الأحداث من خلال آراء الناس، لا من خلال ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي فقط، هو ما يمكن أن يبنى عليه مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

دلالات

العربي الجديد

——————————–

صوت السوريين في 2025/ أحمد قاسم حسين

08 سبتمبر 2025

في لحظة فارقة من تاريخ سورية، وبينما تحاول البلاد لملمة جراح عقدٍ طويل من الحرب وانقسامات الجغرافيا والسياسة وما رافقها من انزياحات ديمغرافية وتدخّلات خارجية ما زالت تلقي بظلالها على الواقع، السياسي والأمني والاقتصادي، في البلاد، أنجز فريق بحثي مكوَّن من أكثر من مائة باحث وباحثة استطلاعاً للرأي العام شمل 3690 مستجيباً من مختلف المحافظات، واستغرق أكثر من 78 ألف ساعة عمل. هذا الاستطلاع، الذي نفّذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، هو الأوسع من نوعه في تاريخ سورية، من حيث حجم العيّنة وعدد الأسئلة وتغطية الجغرافيا السورية بكاملها. وقد عرضت نتائجه الأولية في المنتدى السنوي لدراسات سورية المعاصرة الذي عقد نهاية الشهر الماضي (أغسطس/ آب) في دمشق.

جاء هذا الجهد البحثي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تطرح سورية ما بعد سقوط النظام السابق أسئلة مصيرية عن مستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وإن قراءة متأنّية لنتائج الاستطلاع، التي سقف هذه المقالة عند بعضها، تقدم صورة مركّبة للواقع السوري بوصفه خليطاً من الأمل بالمستقبل وقلق من تحدّيات الحاضر.

ليس خافياً على أحد الواقع الاقتصادي المتهالك الذي تعيشه البلاد بسبب سنوات الحرب والحصار والعقوبات المفروضة على النظام السابق الذي ساهمت سياساته القمعية في دمار هائل في البنية التحتية، بفعل قصفه المدن والبلدات السورية التي ثارت على حكمه، وهو ما قاد إلى تراجع الإنتاجين، الزراعي والصناعي، إضافة إلى انهيار شبكات الخدمات الأساسية، ما جعل الاقتصاد السوري هشّاً للغاية، والمواطن السوري في حالة من الفقر والعوز. لقد جاءت نتائج الاستطلاع منسجمة مع واقع المجتمع السوري حيث تعيش 42% من الأسر حالة عوز اقتصادي، حيث لا يكفي دخلهم لتغطية حاجاتهم الأساسية، وهو ما يدفع أكثر من ثلث السكان إلى الاعتماد على تحويلات مالية من الخارج في سد حاجاتهم الأساسية. ومع ذلك، السوريون محكومون بالأمل والتفاؤل بالمستقبل، حيث رأى 56% من السوريين أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، وهذا مؤشّر تفاؤلي يرتبط بتحسن الأوضاع الأمنية وزوال النظام السابق وتحرير المعتقلين وتحسّن نسبي للأوضاع الأمنية وبدء رفع العقوبات الغربية عن البلاد.

وعند السؤال عن نظام الحكم الأفضل للبلاد، نقرأ أن 60% من السوريين يفضّلون النظام الديمقراطي، لكنهم يضعون “التحوّل الديمقراطي” في ذيل قائمة المشكلات التي تحتاج حلولاً سريعة، قد يبدو ذلك للوهلة الأولى تناقضاً. في الواقع، هذا يعكس ما يمكن وصفه بمفارقة القيم مقابل الأولويات. بمعنى أن هناك ميلاً واضحاً إلى الديمقراطية نظاماً سياسيّاً، إذ أكّد ما نسبته 61% أن النظام الأفضل للحكم في سورية اليوم هو الديمقراطي، وأكثر من نصف المستجيبين يقبلون تداول السلطة حتى لحزب يختلفون معه سياسيّاً إذا فاز انتخابيّاً. وهذه النسب مرتفعة جدّاً مقارنة بسياقات عربية مشابهة، وتؤكّد أن الديمقراطية باتت خياراً مبدئيّاً للمجتمع. وعندما سُئل السوريون عن أبرز مشكلات بلدهم، تصدّرت المخاوف من التقسيم، التدخلات الخارجية، الأوضاع الأمنية والاقتصادية. وهذا طبيعي في مجتمع خرج لتوّه من نظام قمعي وحربٍ طويلة؛ حيث تتقدّم الحاجات المباشرة (الأمن، المعيشة، الاستقرار) على الإصلاحات البنيوية التي ترتبط بنظام الحكم.

في القضايا الإقليمية، بدا الموقف السوري أكثر صلابة، فقد رفض 74% الاعتراف بإسرائيل، ورأى 55% أنها التهديد الأكبر لأمن سورية، و70% رفضوا أي اتفاق سياسي معها من دون استعادة الجولان المحتل، ومردّ ذلك الإرث التاريخي للصراع العربي الإسرائيلي، ولا سيما أن إسرائيل لا تزال تحتلّ أراضي سورية منذ 1967، وأضافت إليها أراضي جديدة، في اعتداء سافر على السيادة السورية. كذلك فإن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة التي يتابعها نحو 74% من السوريين من كثب تظهر مركزية القضية الفلسطينية في الوعي السوري. واعتبر 88% أن إسرائيل تعمل على تهديد استقرار البلاد من خلال تغذية النزعات الانفصالية.

ترسم هذه الأرقام سقفاً واضحاً أمام أي محاولة رسمية للانفتاح على إسرائيل، فلا شرعية شعبية لأي تفاهم من دون عائد سيادي وأمني يضع حدّاً للاعتداءات الإسرائيلية اليومية عن سورية واستعادة الأراضي المحتلة، وفي مقدمها الجولان السوري. وتجدُر الإشارة في هذا السياق إلى أن نتيجة اعتراف السوريين بإسرائيل تنسجم مع المزاج العربي العام الذي وثّقته دورات “المؤشّر العربي” السابقة في المنطقة.

رغم إقرار 85% من المستجيبين بانتشار خطاب الطائفية في المجتمع، أكّدت الأغلبية رفضها للتمييز. وصرّح 66% بأنهم لا يفرّقون في التعامل مع الآخرين على أساس الدين أو الطائفة، فيما عبّر 75% عن قناعة راسخة بأن العرب يشكّلون أمة واحدة، وإن اختلفت تفاصيل تجاربهم. وتكشف هذه النتائج عن إمكانات كامنة لإعادة بناء هوية وطنية سورية جامعة، تعلو على الانقسامات التي عمّقتها الحرب خلال السنوات الماضية.

لا تكمن أهمية هذا الاستطلاع في أرقامه المجرّدة بقدر ما تكمن في رمزيّته التاريخية، فهو أول استطلاع موسّع يجري في سورية منذ عقود. وهو يقدّم صورة بانورامية عن سورية 2025، التي يحكمها الأمل السياسي المتجدّد بعد سقوط النظام، وضغوط الأزمة الاقتصادية على الحياة اليومية للمواطنين، والتمسّك بخيار الديمقراطية مشروعاً للمستقبل، وموقف صريح وصلب في مواجهة التطبيع مع إسرائيل. كذلك يقدّم الاستطلاع للباحثين قاعدة بيانات أصيلة لفهم المجتمع السوري في لحظة الانتقال السياسي الذي تعيشه البلاد، ويزوّد المثقفين بأدوات علمية لتفنيد السرديات الانقسامية، ويمنح الإعلاميين إطاراً مهنياً لرصد نبض الشارع بعيداً عن الانطباعات السطحية ومعارك منصّات التواصل الاجتماعي. أما بالنسبة إلى صنّاع القرار، فإنه يشكّل بوصلة دقيقة لتحديد أولويات حدّدها السوريون بالأمن والاقتصاد أولاً، ثم الإصلاحات السياسية، مع إدراك واضح لحدود الحركة في الملفات الإقليمية الحساسة، وفي مقدمها العلاقة مع إسرائيل.

العربي الجديد

————————————-

إسرائيل “الحنونة”/ عبير داغر اسبر

09 سبتمبر 2025

ليست حكاية غزّة، اليوم، جديدة في مخيال عالمنا الشرس. منذ افتتاحيات التاريخ الكبرى وتموضع وعد بلفور على خرائط المستعمرين، حضر العنف لغة عالمية ناسبت الطغاة، إذ لم تحتج منهم سوى مران على الاستحقاق المتوارث من آلهة لأنصافها. هكذا تكلموا حين نقصتهم الحجة وهجرهم المنطق فاستبدلوهما بالعنف، أغلق الطغاة باب الكلام ليفتحوا أبواب السجون. عند هذه العتبة، أصيبت اللغة الآدمية بالخصاء، وعجزت عن حمل المعنى، استدعيت القسوة لتصير لغة تُكتب قواعدها على الأجساد وتُحفر أفعالها في الذاكرة، لا بالصور والأحاسيس، لا بالضحك والنجوى، بل برائحة أجساد نُخست بالحديد المحمى.

في غزّة، ها هي اللغة تعجز مرّة أخرى. قرّر رجل مثلنا ألا يسلم عقله للبلاغة، وألا يغمغم بكلمة أتقنها عبر سنوات. حضر التجويع كما لو أنه المفردة الأكثر بلاغةً في تلك اللغة. أغلق الحصار المعابر، مات البحر بلا صياديه، قُصفت الحقول لتترك التربة منسية. هكذا بقرار بشري قصدي، لم تشاغب عليه العتمة ولا أتعبه الضمير. جلس “رجل” بملابس عصرية وقلم، وضع قراراً بسهولة الماء، ليحوّل الآن، في عامنا هذا الأقرب إلى الإنسانية بـ2025 عاماً، الأجساد التي حبسها إلى كومات عظام من خيبة وقنوط وعيون يسكنها الفراغ.

حكى الجميع في الحرب الراهنة لغة لا قواعد لها ولا أصول. أقدم الطغاة فيها على تفعيل الخرس عند الرعب والسكون في وقت المذابح. الأرقام نفسها لم تعد تفهم الحكي، صارت صرخات: نصف مليون إنسان يعيشون المجاعة، أكثر من خمسة آلاف طفل دخلوا مراكز التغذية في شهر واحد، والأشهر قادمة. آلاف في حالة حداد وجوع أيضاً، وآلاف آخرون ينتظرون نصيبهم من اللاشيء. في غزّة كل ضلع بارز شهادة، كل بطن منتفخ سطر في فضيحة.

ها نحن من جديد نسأل: كم من السنين ونحن نبكي القدس وبيت لحم والضفة الغربية وغزّة. لطالما علّق السوريون أحزانهم على حبال الوجع في فلسطين. لسنوات، كلما أرادوا شتم رئيسهم أو البكاء على ذواتهم أو الدعاء على الظلّام ومن اضطهدهم، خرجوا في مظاهرات لأجل فلسطين، صرخوا حتى تبح حناجرهم، بكوا دموع العين المالحة كمن يبكي على حاله متماهياً مع القتلى قهراً والموتى جوعاً. حملت فلسطين وجهنا الفقير الحزين المضطهد، وها نحن اليوم نرى هذا الوجه يُترك كلقيط على باب العدالة الدولية، بينما يدير مليارات البشر وجوههم بعيداً عن جريمة هذا العصر التي يحضرون فصولها المخزية أولاً بأول.

السوريون الذين هتفوا باسم فلسطين عقوداً ضاعوا اليوم في متاهات جراحهم الداخلية. كانت فلسطين الوجه الذي عكس وجوهنا في مرآة الطغاة. كل حاكم رفع اسمها ليخفي به صورته الحقيقية. استُخدمت فلسطين حتى اهترأت قماشة حكاياتها في البال. عُلقت خريطتها كمشنوق على حوائط المدارس، وزُيّنت بها الخطب الحماسية، فيما كممت الأفواه باسم عذاباتها، وقمعت الحريات. صارت فلسطين وسيلة لشرعنة الطغيان السوري ماضياً وحاضرأ: كل معارض متهم بالتآمر على المقاومة، وكل احتجاج يُخنق بحجة وحدة الصف ضد العدو.

بالرغم من كل هذا الرياء الحكومي، ظلت فلسطين في قلب القلب. لكن، ما الذي يستطيع السوري اليوم أن يقول لأخيه الفلسطيني؟ أيحدثه عن اتفاقية سلام قادمة، أم عن علمٍ لدولة احتلال استجار به سوريون من سوريين؟ أيخبره عن الخيبة، أم يذكر خجلاً أن إسرائيل أظهرت وجهاً يجير الملهوف ويغيث المستجير؟ أيحدثه عن إسرائيل “الحنونة” كما لو أنها لم تذبح الفلسطينيين منذ عقود؟ أيحدثه عن العبث، عن هذا التاريخ الذي يكرّر نفسه حتى صار مرآة لا تعكس سوى الملهاة؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى