سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

دير الزور مدينة تحاول التحليق مجددا من تحت الدمار/ جانبلات شكاي

14 أيلول 2025

مثل طائر الفينيق تحاول دير الزور النهوض من تحت رماد حرب دمرت نحو 40 في المئة من المدينة، فأبناؤها العائدون في الأشهر الأخيرة، بدؤوا يدبون الحياة في عروقها ثانية، وصار الطريق إلى دمشق يعمل على مدار الساعة بعد أن ظل لسنوات في عهد النظام الساقط، ينام من ساعات ما بعد الظهيرة إلى فجر اليوم التالي.

حول ضفتي نهر الفرات وسط البلاد، قامت دير الزور، والمدينة تفصلها عن العاصمة السورية إلى الجنوب الغربي 450 كيلومترا، وعن مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 185 كيلومترا، وعن الحدود العراقية عند معبر البوكمال 130 كيلومترا.

المدينة الداخلية التي تقع على ارتفاع 210 أمتار عن سطح البحر، هي مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته، ثاني أكبر المحافظات السورية بمساحة تصل إلى 33060 كم2 من أصل 185180 كم2 مساحة البلاد، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب 1.2 مليون نسمة، نصفهم يقيم في المدينة.

وغالبية سكان دير الزور من القبائل العربية، وجزء منهم ينحدر من اليمن والحجاز، وأكبر قبيلة في المحافظة هي البكارة، تليها العكيدات، وفيها عدد من العائلات الكردية والأرمنية والسريانية، أما طائفياً فأكثرية الأهالي من المسلمين السنة، مع وجود أقلية مسيحية.

كثير من الأسماء

تتحدث المكتشفات الأثرية عن سكن الإنسان دير الزور منذ الألفية التاسعة قبل الميلاد، وبالقرب منها قامت مملكة ماري منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، واستوطنها الآموريون والآشوريون وظل أهلها يتحدثون الآرامية حتى 64 قبل الميلاد عندما دخلها الرومان.

ودير الزور من أكثر المدن التي تغير اسمها، وأقدم ما أطلقه عليها السريان «شورا»، واسماها السلجوقيون «ثياكوس»، والأمويون «دير البصير»، وفي عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان أطلقوا عليها «دير حتليف»، ثم «دير الرمان»، والعثمانيون سموها «دير الرحبة»، ثم «دير الشعار»، فيما سماها بعض الرحالة الأوروبيين «دير العصافير» لكثرة طيور البلابل فيها.

واختلف المؤرخون حول تسميتها «دير الزور» وقيل إن الاسم أطلق عليها قبيل نهاية العهد العثماني، ولفظ «الزور» من زيارة أهل الأرياف إليها، وقيل أيضاً إن «الزور» مشتق من «ازورار» أي مال واعوج، نسبة إلى طبيعة نهر الفرات عند المدينة.

ولطالما عرف عن أهلها الكرم والشجاعة والغيرة والنخوة، وعانت كمعظم المدن السورية من جور النظام قبل الثورة فأهملت وأفقرت رغم غناها بالنفط والغاز والقمح والقطن، وفي سنوات الثورة انتفضت ضد الظلم فدمرتها قنابله.

الحرب والدمار

تعرضت أحياء المدينة الداخلية والشمالية الشرقية منها تحديدا، لقصف مدفعي استمر لسبع سنوات من جيش النظام السابق، لتصل نسبة الدمار الكلي فيها إلى 20 في المئة ومساحة مساوية لها من الدمار الجزئي.

وفي شهادته على واقع المدينة قال الفنان والخطاط بديع البطاح لـ«القدس العربي»: ما زالت هذه الأحياء الثمانية غير آمنة وتنتشر فيها عمليات السرقة والنهب وحتى القتل، ما يؤثر على عودة أهلها إلى منازلهم، ومن يترك بيته لساعات قد يسرقه جاره، ولم تتشكل لجان حماية محلية في هذه الأحياء المعتمة ليلا، وانتشر بين شبانها تعاطي المخدرات وحبوب الكبتاغون بنسبة فاقت ما كانت عليه حتى بعهد النظام البائد، ما ترك أثره على إعادة إعمارها من قبل سكانها النازحين.

واعتبر بطاح أنه ورغم كل التحديدات السابقة فإنه وبحسب توقعات الأهالي، قد تحتاج إعادة الإعمار إلى أربع سنوات بحسب الظروف الحالية، أما إذا ما تحسنت الأوضاع مع الضفة الشرقية واستقرت الحالة الأمنية ودخلت استثمارات شركات النفط، فإن عملية إعادة الإعمار لن تستغرق أكثر من سنة أو اثنتين.

وعلى خلاف الأحياء السابقة فإن الأحياء الجنوبية الغربية التي تقع على مدخل المدينة من طريق دمشق مثل حي العرفي، مسكونة بالكامل، ولا منازل فارغة فيها بل ووصلت الأجارات إلى المليوني ليرة للمنازل العادية بسبب الأمان هنا، وقال بطاح إن شارع الانطلاق الذي يصل حتى الجسر المعلق يكاد يفصل المدينة إلى منطقتين غربية بأحيائها الآمنة وشرقية بأحيائها المدمرة التي ينتشر فيها اللصوص.

طريق الشام

مع الأيام الأولى لسقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بدأت الحياة تدب تدريجيا في المدينة وفي الطريق الواصل بينها وبين الشام، فتراجعت أسعار مواد عديدة مثل السكر والدخان وتحسنت الكهرباء وباتت تأتي نحو 10 ساعات يوميا،ً وبحسب بطاح، فإن الأهالي ارتاحوا من الحواجز بعد أن كان الخروج من المدينة يحتاج لأكثر من ساعة من الانتظار.

الطريق إلى دمشق عادت الحركة فيها على مدار الساعة، ومن البوكمال أو الحسكة أو الرقة والقرى الأخرى، باتوا يسافرون ليلاً أكثر من النهار، هرباً من درجات الحرارة، بعد أن ظلت معظم طرق المحافظة شبه ميتة ليلاً لسنوات طويلة في عهد النظام السابق، وبين بطاح أن أجرة النقل من الدير إلى دمشق باتت 50 ألف ليرة للراكب الواحد في البولمان، و100 ألف ليرة في الفان الجديدة، و150 ألف ليرة في سيارات التكسي السياحية.

وحتى مشكلة الاتصالات الهاتفية تم تجاوزها، فالمدينة كانت وما زالت تعاني من أزمة اتصالات غير طبيعية بسبب الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية، وعادة ما تغيب هذه عن كامل المحافظة بحجة انقطاع الخط المغذي لها، وقال بطاح إن ما يعوضنا حاليا هي الشركات الأهلية الخاصة التي بدأت تقديم خدمات الاتصالات عبر الإنترنت الفضائي، ما أعاد فتح باب التواصل مع أبنائنا وأقاربنا المهاجرين في المدن السورية الأخرى أو خارج البلاد.

فنادق المدينة

لم تنجُ معظم فنادق المدينة من الدمار والتعفيش والسرقة، والحال ينطبق على أهم وأكبر فنادقها «فرات الشام»، ذو الخمسة نجوم، ويقع على شط الفرات الغربي شمال المدينة، وإعادته للحياة ربما يحتاج إلى المليارات لحجم الدمار الذي يعاني منه بعد أن اقتحمته داعش أول مرة ومن ثم قامت حواجز جيش النظام المحيطة به بنهبه وتعفيشه حتى من الرخام الذي كان يزين جدرانه.

وإلى جانب فندق «فرات الشام» المدمر، ما زال فندق «بادية الشام» ذو الخمسة نجوم الوحيد المتبقي بهذا التصنيف، ويقع إلى الجنوب من الفندق السابق على شارع الكورنيش في أحياء المدينة الشمالية وإلى الغرب من حويجة قاطع، ويشغل غرفه فرق المنظمات الدولية التي تنشط في إعادة إعمار المدينة، حاله بذلك كحال فندقي البستان والسلامة من تصنيف النجمتين، الواقعين على نهر الفرات، وفندق زياد داخل المدينة على الفرع الصغير لنهر الفرات.

وفي مؤتمر للاستثمار احتضنه قصر الشعب في العاصمة السورية في السادس من آب/أغسطس الماضي، تم الإعلان عن بناء فندق تحت اسم «داما سراي» في دير الزور من دون ذكر أي تفاصيل إضافية.

الترابي أو الحربي

وتقاسُم النفوذ وخريطة السيطرة على المدينة بين شطريها، شرقي نهر الفرات الواقع تحت سيطرة قوات قسد، وغربي النهر الذي كان تحت سيطرة النظام السابق، تعمق عبر تدمير جميع الجسور القائمة على الفرات، وليس في الخدمة اليوم إلا الجسر الترابي أو الحربي الذي أقامته سابقا قوات الفرقة الرابعة التي كانت تتبع لماهر الأسد، وعبر هذا الجسر الذي تم إعادة ترميميه وافتتاحه في آذار/مارس الماضي، يأتي سكان أحياء دير الزور الشرقية إلى وظائفهم وأعمالهم في الشطر الغربي من المدينة ويغادرونها يوميا إما سيرا على الأقدام أو عبر الدراجات النارية، كما يستطيع الجسر تحمل سيارات متوسطة الحجم ولكن بحركة بطيئة ومتباعدة.

وتعيش دير الزور على ما يأتيها من الضفة الشرقية من الخضروات والمواد الغذائية والمحروقات والدخان وغيرها من المواد سواء عبر الجسر الترابي أو عبر العبارات الناشطة بين ضفتي النهر.

وقبل 2011 كان ما يعرف بجسر السياسية هو الشريان الرئيس الواصل بين ضفتي الفرات، وتم بناؤه إلى الجنوب من الجسر المعلق وظل في الخدمة حتى عام 2014 حين دُمر وقطعت بذلك المدينة عن منطقة الجزيرة بالكامل، بعد أن كان الجسر المعلق قد لاقى المصير ذاته في أيار/مايو 2013.

الجسر المعلق

شكل الجسر المعلق فوق نهر الفرات لدى جميع السوريين الصورة النمطية لمدينة دير الزور، أما بالنسبة لسكانها فكان ذاكرتهم الحية أكثر من أنه مجرد هيكل حديدي خرساني يمتد فوق نهر الفرات، ولا يتحدث واحدهم إلا ويسرد عشرات القصص عن الجسر المعلق، فكان شاهدا على الحياة وعلى الحب، ومكانا للقاء العشاق.

وتربع الجسر المعلق نحو تسعة عقود على نهر الفرات، وبدأ بناؤه عام 1927 عندما كانت البلاد تخضع لسلطة الانتداب الفرنسي، وأشرف على بنائه المهندس الفرنسي مسيو فيفو، فيما تعهدت بناءه الشركة الفرنسية للبناء والتعهدات واستمر العمل فيه حتى العام 1931.

يبلغ طول الجسر 450 متراً وعرضه أربعة أمتار، ويصل ارتفاع كل دعامة خرسانية حتى 36 متراً وأنير بالكهرباء عام 1947، ومنع سير السيارات عليه منذ العام 1980 بسبب الخوف من انهياره بسبب الحمولة الزائدة.

تعرض الجسر خلال سنوات الثورة، لعدة ضربات عسكرية نتيجة المعارك بين قوات النظام السابق وفصائل معارضة، كان أقواها في أيار/مايو عام 2013، عندما أصيبت الدعامة الثالثة للجسر بقذائف مدفعية، حسب سكان محليين، وتسببت القذائف بانهياره بشكل كامل، بعد انقطاع الأسلاك المعدنية التي تحمل جسم الجسر وتصل بين الدعامات الخرسانية.

المتحف الوطني

ومثل باقي المدن السورية يروي المتحف الوطني في دير الزور حكاية تمتد لآلاف السنوات، ويقع بين دواري السبع بحرات وحمود العبد في الشطر الغربي للمدينة، ويعد أحد أهم المتاحف الأثرية السورية الإقليمية التي تختص بآثار وحضارة منطقة الجزيرة السورية والفرات، وتأسس لأول مرة عام 1974، واتخذ من صالة عرض في أحد المراكز التجارية مقراً له، وفي الفترة ما بين عامي 1983 و1996، شغل المتحف مبنى المحكمة القديم الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1930، وفي عام 1996 انتقل إلى مقره الحالي، وهو مبنى صمم خصيصاً ليؤدي هذه الوظيفة.

عند انطلاقته، لم تتجاوز مقتنيات المتحف 140 قطعة أثرية شكلت نواة مجموعته الأولى، وهي هبة من متحفي دمشق وحلب الوطنيين ليصل عدد المجموعة الأثرية إلى ما يناهز الخمس وعشرين ألف قطعة في عام 2011، شكلت غالبيتها الرقم الكتابية الطينية المكتشفة في مملكة ماري، حسب منشورات مديرية الثقافة، كما احتضن المتحف بين جنباته مكتشفات البعثات الأثرية الدولية في مواقع هامة من حوض الخابور الأعلى كتلال بيدر وبراك وليلان وموزان، ليكتمل السرد التاريخي بآثار من موقع دورا أوروبوس، تلك المدينة التي شكلت يوما حصناً حدودياً ومركزاً دينياً وتجارياً بارزاً على ضفاف الفرات الأوسط.

تمتد قاعات العرض على مساحة 1600 متر مربع، وتنتظم في تصميم معماري فريد حول فناء مركزي فسيح يتوزع العرض المتحفي منه على خمسة أجنحة رئيسية تتبع تسلسلاً زمنياً مدروساً.

وفي جناح عصور ما قبل التاريخ، يبرز تجسيد بالحجم الكامل لمنزل من موقع بقرص، يعود للعصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري، ليقدم نافذة حية على فجر الاستقرار البشري في وادي الفرات.

وفي جناح تاريخ سوريا القديم، تشاهد بوابة مدينة أثرية من تل بديري على نهر الخابور، فضلاً عن الواجهة الجنوبية المهيبة بما تحمله من رسوم جدارية من باحة النخيل الشهيرة بقصر زمري ليم في مملكة ماري.

أما الجناح الكلاسيكي فيحتوي على مجموعة أثرية استثنائية من موقع دورا أوروبوس، يتصدرها نموذج معاد بناؤه للوحة جدارية من معبد بل الشهير، تعكس التمازج الحضاري الفريد في تلك الحقبة.

وفي جناح الحقبة الإسلامية تتوسط بوابة قصر الحير الشرقي الأثرية، كشاهد على عظمة الفن المعماري الإسلامي وروعته، وفي جناح التراث الشعبي والإثنوغرافيا تم تخصيص مساحة لتوثيق وعرض التقاليد والتراث المادي واللامادي لمنطقة الجزيرة السورية، احتفاء بالهوية المحلية وثقافتها الأصيلة.

وفي شهادته يقول الخطاط بديع بطاح لـ«القدس العربي» إن البناء قائم وسليم ولكنه شبه مغلق لأن لا أحد يفكر بزيارته رغم وجود كادر يديره، والمتحف لم يتعرض للنهب باعتبار أنه كان ضمن الأحياء التي ظلت تحت سيطرة النظام السابق، ومع بداية الثورة نقلت مقتنياته الهامة إلى دمشق فبات مبنى شبه خال إلا من الأزياء التراثية القديمة لسكان المدينة.

وحتى في سنوات ما قبل 2011 فإن معظم سكان المدينة لم يفكروا بزيارة متحفهم وكان الأمر مقتصرا على تنظيم الرحل إليه من طلاب المدارس.

وبين بطاح أن الآثار على امتداد المحافظة وخصوصاً على الطريق الواصل إلى البوكمال تم نهبها من عناصر تنظيم داعش الإرهابي بما فيها مملكة ماري وغيرها حيث تم التنقيب فيها ليس فقط بالمعاول وإنما حتى بالجرافات.

السوق المقبى

ولطالما اشتهرت دير الزور بأسواقها المسقوفة لكافة المهن من القماش والألبسة والمواد المختلفة والحدادين والنجارين وبمئات المحال، وكانت تقع وسط المدينة، وعرفت بـ«سوق الظلام» لأنها كانت مغطاة إما بألواح الزنك أو بالقبب الحجرية، لكنها اليوم، وحسب ما قاله بطاح، فقد باتت مدمرة وخالية من أي مهنة، وكل ما تم حتى اللحظة هو إزالة الركام والأتربة من معظم شوارعها، أما عمليات الترميم فتحتاج إلى خبراء في بناء الحجر من الذين تشتهر بهم مدينة حلب.

وهذه الأسواق كانت مقصدا للسياح الذين عادة ما كانوا يبتاعون منها الألبسة الزاهية بأقمشتها الملونة، وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «الفرات» في كانون الثاني/يناير الماضي، فإن رائحة التوابل والسمن العربي والسمسم، وأصوات محال الحدادة والنجارة والصوف لا تزال في ذاكرة أبناء المدينة وريفها رغم حجم الدمار الذي طال السوق المقبى.

وبنيت الأسواق القديمة أواخر الفترة العثمانية سنة 1865، عندما عين خليل بك ثاقب الأورفلي قائم مقام لدير الزور، فأنشأ السرايا القديمة التي تضم حالياً مبنى قيادة الشرطة ومتحف التقاليد الشعبية القديمة والبوابة العثمانية ومقهى السرايا.

وتتميز شبكة الأسواق القديمة بتخطيطها الشطرنجي في الجهة الشرقية للدير العتيق قديماً، وشكلت جزءاً هاماً من الحياة التجارية في المدينة فهي العصب التجاري ونقطة التقاء أبناء الريف، وتشغل الأسواق إضافة إلى الخانات مساحة 11250 متراً مربعاً أي ما يعادل 10 في المئة من مساحة المركز التجاري لمدينة دير الزور.

والطابع العمراني للسوق المقبي، غاية في الدقة والتكامل والتنظيم، وتمتد الأسواق باتجاه شرق- غرب، وشمال- جنوب، يحدها شرقا حي عبد العزيز، وشمالا السرايا القديمة، وغربا شارع الجسر الذي يؤدي إلى حي الحويقة، وجنوبا الشارع العام.

وتعود ملكية الأسواق القديمة إلى مجلس مدينة دير الزور، بعد أن صدر قانون استملاك الأسواق عام 1980، وبقيت المحلات بيد أصحابها الأصليين كونها المورد الأساسي الذي يعتمدون عليه في رزقهم، وأصبح لكل سوق اسم خاص به، فمنها ما حمل اسم بعض المدن التي كانت تصل منها البضائع إلى الدير لوجود علاقات تجارية قوية معها مثل: سوق بيره جيك، سوق حلب، سوق بغداد، سوق بيروت، ومنهم من أطلق على السوق اسم المهن التي يعمل بها أصحاب المحال مثل سوق التجار، سوق الحدادة، سوق النحاسين، سوق الخشابين، سوق العطارين، سوق خلوف، سوق عكاظ‏، سوق الحبال، سوق الحدادة، سوق القصابين، كما حملت بعض الأسواق اسماً موسمياً من خلال المادة الأكثر شهرة التي تباع فيها مثل سوق الصوف، وسوق الحبوب، والكمأة، وسوق السمن، كما ضمت الأسواق عدداً من الخانات الأثرية مثل خان براجيك وخان الترك وخان الخشب.‏

وتعرض كل هذا التاريخ من الفترة العثمانية، إلى التشويه أولاً عبر فساد النظام البائد تحت مسمى التحديث والترميم، ثم تم الانتقام من التاريخ عبر جيش المخلوع فألحق أضراراً لا توصف بأسواق المدينة التاريخية.

تكايا النقشبندية

ومما اشتهرت به دير الزور تكاياها، حتى بات فيها شارع يحمل اسمها، والتكية بالتركية تعني الاتكاء والاستناد إلى شيء للراحة، وعادت ما كان يلجأ اليها عابرو السبيل والمسافرون من القرى المجاورة، وأبناء السبيل يحطون أمتعتهم ويأكلون ويشربون وينامون.

واشتهرت المدينة، بتكيتين الأولى حملت اسم الشيخ ويس، والثانية اسم الشيخ عبدالله أحرار النقشبندي، وعرفت الأولى أيضا باسم تكية النقشبندي الكبير وتقع وسط المدينة وسُمّيت على اسم الشيخ محمد أويس النقشبندي ابن الشيخ أحمد العزي الأعرجي الحسيني، الملقب بالشيخ أحمد الكبير، الذي بنى التكية عام 1885، وخلفه من بعده في خدمة تكيته، ولده عبد الجليل، ثم حفيده إياد العزي الذي شارك في نشاطات اجتماعية عديدة وأصبح مفتي المدينة ومدير أوقافها.

تقع تكية الشيخ ويس في شارع التكايا، أو شارع منطقة الحميديّة الرّئيس، وتعتبر أقدم تكية في المدينة وعندما بناها الشيخ أحمد العزي الذي ربطته علاقة مع السلطان العثماني عبد الحميد، أهداه هذا فرش التكية والثريات.

تحتل تكية الشيخ ويس مساحة 562 متراً مربعاً، وتم بناء جدرانها من الحجر الكلسي مع الجص الأسود، أما القباب فبنيت من حجر السهل المتساوي، والأعمدة على شكل أميال رخامية تعلوها تيجان منحوتة على شكل وريقات شكل جميلة.

ودمرت عمليات قصف النظام للمدينة، المسجد المعروف أيضا باسم الحميدي، وقال بطاح إن عائلة مزيد عادت اليوم ورممته على حسابها الخاص ليكون الوحيد الذي أعيد إلى وضعه بين المساجد والتكايا الأثرية المدمرة في قلب المدينة.

وبحسب معلومات نشرتها صحيفة «الفرات»، فإن التكية الثانية المشهورة، تحمل اسم الشيخ عبد الله أحرار ابن الشيخ أحمد العزي النقشبندي الملقب بالشيخ أحمد النقشبندي الصغير، وتقع في شارع التكايا ذاته وتبعد 300 متر عن تكية الشيخ ويس.

بنيت تكية عبد الله أحرار عام 1906 وهي تشابه سابقتها من حيث نموذج القباب والأعمدة والغرف والصالة، وبناؤها من الحجر الكلسي والسهل مع الجص البلدي، ويحتوي الحرم على محراب ومنبر وتضم ثلاث غرف.

ولطالما لعبت التكايا دوراً بارزاً في تربية الأطفال من خلال حلقات علم تدرس العقيدة الإسلامي، كما كان لها دور بارز في تقوية وتمتين الروابط الاجتماعية بين أهل المدينة وخصوصا في شهر رمضان، وظلت أبوابها مفتوحة دوماً بفضل أهل الخير والقائمين عليها تقدم الطعام يومياً خلال وجبتي الإفطار والسحور.

المرافق السياحية

تفتقد المدينة اليوم الكثير من المرافق السياحية والترفيهية، وفي المقدمة منها صالات السينما، فبعد أن كانت تعج هذه الصالات بروادها، حتى من العائلات، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته، باتت الصالات الأربع الأكثر شهرة وفي المقدمة منها فؤاد والكندي، خرائب مثل قلب المدينة المدمر، وحال مسرحها الوحيد في دار الثقافة، ليس بأحسن مما سبق.

والشقق المفروشة المرفقة بالمسابح، كما في باقي المحافظات السورية، ليست المدينة بحاجة لها لأنها تنام وتصحى على نهر الفرات، ونادراً ما تجد مساحة من الشط خاليا من المصطافين، وهذه مجانية، حتى باتت السباحة العائلية على كورنيش النهر من تراث المدينة، ولم تتأثر رغم تراجع مستوى تدفق المياه القادمة من تركيا، أما الحدائق الكبيرة العامة داخل أحياء المدينة الآمنة فتمت إنارتها وتزويدها بألعاب للأطفال وعرضت للاستثمار من القطاع الخاص.

وتشتهر دير الزور بمقاهيها التي تفتح أبوابها لروادها إلى ساعات ما بعد منتصف الليل ومن أشهرها مقهى «السرايا» الذي يعود للحقبة العثمانية، أما المطاعم فمنتشرة ومنها بذات مستويات جيدة مثل مطعم التعليلة وغيرها، وبين بديع بطاح أن المطاعم الشعبية والوجبات والساندويش، ارتفع عددها بشكل مهول معتمدة على عودة النازحين من إدلب وحلب أو تركيا، وعلى العاملين في ترميم المنازل، وعلى القادمين من ريف المحافظة الشرقي الذي يقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية- قسد بعد أن ألغت هذه التدريس وفق المناهج العربية المعتمدة من الحكومة السورية.

الفرق الشعبية

وحال فرق الفنون الشعبية والتراثية والمطربين المحليين والملاهي الليلية كحال المدينة بل أسوأ، وقال البطاح: لم تعد هناك أي فرق فنية وحتى يمكن القول إنها انقرضت، على الرغم من ازدهارها قبل2011، بل إن منطقة الجزيرة السورية بما فيها محافظة دير الزور، كانت مصدرة لمثل هذه الأنواع من النشاطات إلى المحافظات الأخرى وخصوصا إلى ملاهي العاصمة والمدن الأخرى، ومن كان يعيش على مثل هذه النشاطات، نزح من دير الزور باتجاه المدن الكبيرة غرب البلاد، أو هاجر خارجها، مشيراً إلى أن قسما هاماً من واردات عائلات عاشت على مواسم الحصاد صرفت مداخيلها على مثل هذه النشاطات، داخل ملاهي ليلية كنت تشاهدها على مداخل المدينة واختفت اليوم تماماً.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى