إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 12-18 أيلول 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————
تحديث 18 أيلول 2025
———————————–
عن أي كيان انفصالي في السويداء يتحدّثون؟/ عمر كوش
18 سبتمبر 2025
تواترت أخيراً بيانات وتصريحات يطلقها الشيخ حكمت الهجري من السويداء، يكرر فيها مواقفه ومطالباته وشكره لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، مجرم حرب الإبادة الجماعية التي يشنها ضد الفلسطينيين في قطاع غزّة. وأصبح شكر نتنياهو ومدح إسرائيل متلازمة في خطاباته، تتكرّر في جميع المناسبات، لكن بياناً له حمل نفساً طائفياً حين وجه شكره “إلى إخوتنا الأكراد، وإلى إخوتنا العلويين في الساحل السوري الذين عانوا من بطش هذه الحكومة الإرهابية”، في استعداء مقصود للأكثرية، وحتى الذين تعاطفوا مع الضحايا.
قد يكون مفهوماً شكره نتنياهو، لأنه حاول إظهار الدولة العبرية وكأنها تحمي دروز السويداء، بينما هي في الحقيقة تستخدم أبناء السويداء ورقة لضرب وحدة سورية واستقرارها، واتخذت أحداث السويداء ذريعة لتنفيذ أجندتها، فقصفت قوات السلطة الجديدة حين أرسلتها إلى السويداء لفض الاشتباك بين مسلحيها ومسلحي البدو، وقصفت كذلك محيط قصر الشعب ورئاسة الأركان في دمشق. إضافة إلى التنسيق مع إسرائيل الذي يقوم به الشيخ موفق طريف زعيم الدروز فيها. كما أن التواصل الذي يربط الهجري بمسؤولين إسرائيليين لم يتم بعد الانتهاكات التي عرفتها السويداء في يوليو/ تموز الماضي.
وفي إقحام اسم الرئيس ترامب، بل وتقديمه على اسم نتنياهو، شيء من محاولة استدرار الانتباه أو التعاطف الأميركي، والإيحاء الموجه إلى أهل السويداء بأن ترامب يقف مع مطالب الهجري، لذلك استحق الشكر، فيما الحقيقة أن ترامب لم يقدّم شيئاً له، بل إن موقف الولايات المتحدة واضح حيال مسألة انفصال السويداء عن سورية، حيث سبق أن أوضح المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك أن بلاده تدعم استقرار سورية موحدة، ولا تقف مع أي دعوة انفصالية فيها.
تركز خطاب الهجري على “مطلب واضح بكيان مستقل يضمن العيش بكرامة وفق القانون الدولي، مع توثيق الانتهاكات التي ارتُكبت بحق الأهالي”، و”فتح الممرّات الدولية”. وليس معروفاً شكل الكيان المستقل، هل هو دولة أم أمارة أم سلطنة؟ وهل سيلتحق بإسرائيل مثلما يطالب بعض مريديه، أو بالأحرى هل ستقبل إسرائيل بضمه إليها، وذلك في ظل تعذر ذلك، بل وتعذر إنشاء ممر من الجولان المحتل إلى السويداء، بالنظر إلى اعتبارات عديدة، أهمها وجود رفض أميركي وسوري.
اللافت أن الهجري تحدّث في بيانه عن وجود “شعب” في السويداء، “عبّر بإرادته الحرّة عن مطلبه بكيان مستقل في مواجهة الظروف الاستثنائية التي تعصف بسورية”. ولعله أراد محاكاة مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، ورفض كافة أشكال “الحكم الذاتي” و”الفيدرالية” و”اللامركزية”، والتمسّك بمطلب “الاستقلال التام”، ما يعني القطع التام مع الدولة السورية، والمطالبة بالانفصال عنها، وتسويق ذلك على أنه “حق مقدَّس، تكفله جميع المواثيق الدولية، ولن نتراجع عنه مهما كانت التضحيات. سنواصل النضال حتى يتحقق لشعبنا مستقبل آمن، كريم، وعادل”.
إذاً، لا يتحدث الهجري بوصفه زعيماً روحياً لطائفة الموحدين الدروز في سورية، بل بوصفه زعيماً سياسياً لشعب يقطن محافظة السويداء، ويريد أن يقوده إلى إقامة كيانه المستقل، لكن شعبه لا يشمل دروز دمشق وريفها، الذين يعيشون في بلدات جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا وجديدة عرطوس، ولا دروز محافظة القنيطرة، وبالتأكيد لا يشمل أيضاً دروز جبل السماق وحارم في محافظة إدلب. وعليه، يحمل حق تقرير المصير وفق منطق الهجري في طياته نزعة استبعادية لجزء كبير من أبناء الطائفة نفسها التي يدّعي تمثيلها روحياً وسياسياً، ومن غير المعلوم إن كان سيطالب بتهجيرهم قسراً إلى دولته في السويداء، مثلما جرى تهجير آلاف من عشائر البدو قسرياً من مدينة السويداء والقرى والبلدات المحيطة بها على أيدي المليشيات التي تنضوي تحت زعامته.
لم تلق دعوات الانفصال التي يطلقها الهجري آذاناً صاغية، سواء داخل إسرائيل أم خارجها. وقد سبق أن دعا الشيخ موفق طريف الهجري إلى ضرورة العمل من أجل التوصل لحل مع دمشق، بعد لقاء مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف في باريس، كما اعتبر في مقابلة مع قناة “يورونيوز” أن الحل في إشراك جميع المكوّنات السورية في العملية السياسية وصياغة دستور يضمن تمثيلها في البرلمان والحكومة، مؤكداً رفضه دعوات الانفصال أو تقرير المصير التي طرحها بعض الزعماء الدروز مثل حكمت الهجري.
ليس الانفصال عن سورية حلاً، ولا يقدم حلاً سياسياً واقعياً، ويصدر عن نهج عدمي، وقصر نظر، ورؤية مغلقة، ولا يبرّره شعور بالمظلومية وردات فعل غاضبة. كما لا يمكن الحصول عليه بناء على عصبية طائفية سياسية. والأهم أنه لا يعبر عن رغبات كل أبناء السويداء وتطلعاتهم، فقد أعلنت شخصيات من أبناء السويداء رفضها له، مثل الشيخ ليث البلعوس، ابن المرحوم الشيح وحيد البلعوس مؤسس فصيل رجال الكرامة، والشيخ سليمان عبد الباقي قائد فصيل “تجمع أحرار جبل العرب” في السويداء، الذي طالب بإيجاد حلول جذرية وإسعافية ترضي جميع الأطراف، والابتعاد عما وصفه بأوهام دولة مستقلة أو معابر يُروّج لها على حساب مصالح أهالي المحافظة، واعتبر أن “أمراء الحرب” لا يميّزون “بين سوري درزي وسوري سني وسوري مسيحي، وغايتهم هي مصالحهم”.
يكمن طريق الحل في السويداء في تقديم مبادرات سياسية واقعية، تقطع مع استخدام العنف، وتفتح حواراً بين السوريين حول مستقبل بلادهم في مرحلة ما بعد نظام الأسد، ولعل المطلوب هو الخروج من منطق الاستحواذ السلطوي، والقطع مع نزعة العصبيات القاتلة، التي تنتهجها المجموعات المسلحة والفصائل، وتبني نهج يساهم في بناء دولة تشاركية جديدة، وعدم الاستقواء بقوى الخارج لدعم مطالب لا وطنية، وكذلك عدم الاستناد إلى دعمه تحقيق الاستقرار في الداخل.
العربي الجديد
————————-
خريطة طريق السويداء: التطبيق رهن استجابة المجتمع المحلي/ عدنان علي
18 سبتمبر 2025
تتجه سورية ولا سيما جنوبها، نحو تسويات للأوضاع المتطورة فيها منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والتي تتداخل فيها المعطيات الداخلية مع مصالح أطراف إقليمية ودولية. في صدارة هذا المشهد يأتي الوضع في محافظة السويداء، التي لم تستقر أحوالها منذ الأحداث التي شهدتها في يوليو/تموز الماضي وما أفرزته من تعقيدات، ليأتي التطور الجديد بإعلان خريطة طريق لحل الأزمة في المحافظة، خلال لقاء ثلاثي عُقد في دمشق أمس الأول الثلاثاء بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك. وفي حين يرسخ هذا الاتفاق حقيقة رفض انفصال السويداء وتقسيم سورية، ويطرح تصوراً لحل أزمة السويداء ومنع تحولها إلى بؤرة توتر مستمرة، يبقى نجاح هذه التفاهمات مرهوناً بالقدرة على تنفيذ ما أُعلن ميدانياً، واستجابة المجتمع المحلي لمسار المصالحة المقترح، مع بروز رفض سريع من الجهات القريبة من الشيخ حكمت الهجري، وفي ظل ترقّب قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بمنع تخريب الاتفاق ووقف تدخّلها في شؤون المحافظة.
تفاصيل خريطة الطريق لحل أزمة السويداء
وأعلنت وزارتا الخارجية في سورية والأردن تفاصيل خريطة طريق لحل الأزمة في السويداء، أمس الأول الثلاثاء، بعد اجتماع الشيباني والصفدي وبرّاك، والذي جاء استكمالاً لمباحثات سابقة استضافتها عمّان في 19 يوليو و12 أغسطس/آب الماضيين، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء، والتوصل إلى حل مستدام للتوترات التي شهدتها المحافظة في الشهور الأخيرة. ووفق البيان الصادر عن وزارتي الخارجية في سورية والأردن، فقد اعتمد المجتمعون خريطة طريق تؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سورية، وأن أبناءها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. وأشار البيان إلى أن تجاوز فجوة الثقة بين الحكومة والسكان يتطلب خطوات متدرجة لإعادة إدماج المحافظة بالكامل بمؤسسات الدولة.
ونصت خريطة الطريق على جملة من الإجراءات، أبرزها، دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة إلى التحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية والطبية للمحافظة بالتعاون مع الأمم المتحدة ودول أخرى، وإعادة الخدمات الأساسية للمحافظة، بدعم من الأردن والولايات المتحدة لتأمين التمويل الدولي، ونشر قوات مدربة من وزارة الداخلية على طريق السويداء ـ دمشق لضمان حرية الحركة، وسحب المقاتلين المدنيين (مقاتلي العشائر) من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات نظامية، إضافة إلى دعم جهود الصليب الأحمر للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل. كما نص الاتفاق على أن يدعو الأردن بالتنسيق مع الحكومة السورية، وفداً من المجتمعات المحلية في السويداء (الدروز والمسيحيون والسنّة)، ووفداً آخر من ممثلي العشائر البدوية في محافظة السويداء لاجتماعات هدفها تحقيق المصالحة، مع إعلان خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة، بمساعدة أردنية وأميركية. كما تضمّن إنشاء قوة شرطية محلية تضم كل مكونات المجتمع في السويداء، على أن تكون بقيادة شخصية من أبناء المحافظة تعيّنها وزارة الداخلية السورية، إضافة إلى تشكيل مجلس محافظة يمثل مختلف المكونات، يتولى التفاعل مع الحكومة وقيادة جهود المصالحة الوطنية. وأكد البيان ضرورة إنهاء التدخل الخارجي في محافظة السويداء، وحثّ على تسهيل الوصول إلى كل الأدلة التي تدعم عمل لجنة التحقيق، بما في ذلك الجثث وشهادات الشهود وكاميرات المراقبة في المناطق التي شهدت عمليات اقتتال، والتعاون مع الحكومة السورية ولجنة التحقيق المستقلة الدولية بشأن سورية بشكل كامل، مع الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة لمراقبة تطبيق خريطة الطريق، في إطار احترام السيادة السورية. وفي ما يخص إسرائيل، قال البيان إن الولايات المتحدة ستعمل بالتشاور مع الحكومة السورية على التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل بشأن الجنوب السوري، تراعي “الشواغل الأمنية المشروعة للطرفين” مع الحفاظ على سيادة سورية ووحدة أراضيها.
بالتوازي، أعلن قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء، العميد حسام الطحان، مساء الثلاثاء، أنّه “تم اتخاذ قرار بإعادة هيكلة الأمن العام في السويداء وتعيين معاونين”، مؤكداً أنّ المحافظة “تشهد بداية انطلاقة جديدة لحل ملفها”. وأوضح الطحان، في تصريح نقلته قناة “الإخبارية السورية”، أنّ “مشاركة أبناء السويداء في مواقع القيادة تسهم في إعادة السكان إلى القرى التي نزحوا منها”. كما استقبل وزير الداخلية السوري أنس خطاب أعضاء لجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء في مبنى الوزارة بدمشق، وبحث معهم المعوقات التي تعترض عمل اللجنة في السويداء واستعراض السبل الكفيلة بتجاوزها.
وقوبلت خريطة الطريق المعلنة بترحيب عربي وإقليمي كبير. فقد رحبت وزارة الخارجية القطرية في بيان بالخريطة، وعدتها “خطوة مهمة تترجم الإرادة الجماعية لبناء مستقبل سورية الجديدة، وتوطيد الأمن والسلام في المنطقة”. كما أكدت دعم قطر الكامل لكافة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تعزيز الاستقرار في سورية، بما في ذلك ترسيخ السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وتحقيق المساءلة والعدالة، وحماية المدنيين، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وضمان مشاركة كافة أطياف الشعب السوري في رسم مستقبل البلاد. وفي السياق، رحبت الخارجية السعودية بخريطة الطريق المعلنة، وجددت دعم المملكة “لكافة الخطوات التي تتخذها سورية بما يحقق أمنها واستقرارها، ويحافظ على مقدراتها ووحدة أراضيها، ويساهم في بناء مؤسسات الدولة وتطبيق القانون”. كما قال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، في بيان، “إن خريطة الطريق تمثل خطوة مهمة على طريق استقرار الأوضاع في الجنوب السوري”، منوّهاً بما نصت عليه من أن محافظة السويداء جزء أصيل من سورية ولا مستقبل لها خارجها، وأن أبناء المحافظة مواطنون سوريون متساوون في الحقوق والواجبات. وأعربت وزارة الخارجية التركية، في بيان لها، عن ترحيبها بخريطة الطريق، مؤكدة أن تركيا ستواصل دعم الجهود الرامية إلى ضمان عيش جميع مكونات الشعب السوري في سلام وأمن واستقرار، وذلك على أساس مبادئ احترام سلامة الأراضي، والوحدة، والسيادة.
اعتراض محلي
غير أن “اللجنة القانونية العليا في السويداء”، التي شكّلها أخيراً الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الموحدين الدروز في السويداء، رفضت هذا الاتفاق، واعتبرت أن “خريطة الطريق” المعلَنة هي “محاولة لفرض وصاية جديدة على المحافظة، وتجاهل لجرائم موثقة ارتكبتها القوات الحكومية بحق المدنيين”. ووفق اللجنة، فإن الخريطة تحتوي “تناقضاً صارخاً”، إذ دعت إلى تحقيق دولي في الانتهاكات، ثم عادت لتؤكد أن المحاسبة ستتم وفق القانون السوري، وهو ما اعتبرته اللجنة “إفراغاً للتحقيق الدولي من مضمونه، لأن المتهم لا يمكن أن يكون القاضي”. كما اتهمت اللجنة الحكومة السورية بالتنصل من مسؤوليتها عن “المجازر والانتهاكات التي طاولت آلاف المدنيين بين قتلى ومفقودين ومختطفين”، مشيرة إلى أن “إنكار المسؤولية يكرّس سياسة الإفلات من العقاب ولا يفتح طريقاً للمصالحة”. كما شددت على انعدام الثقة بالقضاء الوطني الذي وصفته بأنه “مسيّس وتابع للسلطة التنفيذية”. واعتبرت اللجنة أن الحديث عن تشكيل مجالس محلية وقوات شرطية مشتركة “محاولة لزرع الفتنة بين أبناء السويداء”، مؤكدة أن مثل هذه الإجراءات “لن تفضي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي”. ورأت أن “الجرائم المرتكبة في السويداء، إلى جانب عقود من التهميش والحرمان، تمنح أبناء المحافظة الحق القانوني والأخلاقي في تقرير مصيرهم بحرية واستقلال، سواء عبر الإدارة الذاتية أو حتى الانفصال كخيار أخير لضمان أمنهم وكرامتهم”. ودعت المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي ترتيبات تُفرض قسراً على أهالي السويداء.
وتعليقاً على ذلك، قال الكاتب المنحدر من محافظة السويداء حافظ قرقوط، في حديث مع “العربي الجديد”، إن بعض النقاط الواردة في الاتفاق جيدة ومهمة، واستندت إلى الوقائع في سورية. وحول اعتراض “اللجنة القانونية” في السويداء على خريطة الحل، قال قرقوط إن هذه اللجنة مكونة من قضاة يعرفون تفاصيل تنفيذ الاتفاق، ويجب أخذ ملاحظاتهم بالاعتبار. وأضاف “على سبيل المثال، إذا أدانت لجنة تحقيق دولية أشخاصاً بارتكاب جرائم وانتهاكات في السويداء، فإن نتائج تحقيقاتها ستقدم إلى الحكومة السورية التي ستكون هي القاضي والمتهم في الوقت نفسه. لذلك فإن اللجنة القانونية في السويداء تطالب بقضاء دولي، أو محكمة خاصة بهذه الجرائم، خاصة أن أمامنا التحقيقات التي جرت في أحداث الساحل السوري، وما تزال حتى الآن مجرد مواد إعلامية، لم تترجم على الأرض عبر محاكمات وإجراءات قانونية بحق المرتكبين”.
ولفت قرقوط إلى أنه بالتوازي مع المؤتمر الصحافي الثلاثي، أوقفت حافلة على طريق السويداء وجرى إهانة الركاب على حاجز أمني تابع للدولة. كما أشار إلى أن قائد الأمن في السويداء حسام الطحان اصطحب معه الشيخين ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي (شخصيتان درزيتان مقربتان من الحكومة السورية) في جولته على المحتجزين من أبناء السويداء. وقال “كثير من الأهالي في السويداء يعتبرون وجود الشيخ البلعوس استفزازاً مفاده أن هؤلاء من سنعيّنهم مسؤولين عليكم، خصوصاً أن هناك فيديو قبل ذلك بيوم، أعلن فيه البلعوس بشكل هزيل أنه تم تعيينه كمسؤول للأمن في السويداء”. ورأى قرقوط أن الاتفاق جاء لإرضاء أطراف خارجية، وليس لتنظيم الأمور داخلياً، مشيراً إلى أنه لا توجد ثقة حتى الآن بهذا الاتفاق الذي لم يتم أخذ رأي الفاعليات في السويداء به، و”عليه فإن الرأي السائد في السويداء أن الاتفاق يتضمن مخادعة، بانتظار توضيح بعض التفاصيل أو تعديلها”.
سقوط فكرة الانفصال
من جهته، لاحظ المحلل السياسي أحمد المسالمة أن الاتفاق يعكس توافقاً ثلاثياً على مقاربة متعددة الأبعاد، إنسانية عبر استمرار المساعدات، وخدمية وأمنية عبر إعادة الخدمات ونشر قوات محلية، وسياسية عبر إطلاق مسار للمصالحة. ورأى في حديث مع “العربي الجديد” أن الأردن ينظر إلى الملف من زاوية أمنية مرتبطة مباشرة بحدوده، فيما تكتفي واشنطن بدور الداعم والمراقب، في حين تسعى دمشق لإعادة تثبيت حضورها في السويداء “عبر ترتيبات محلية أقل حساسية”. وقال المسالمة إن الاتفاقات المعلنة تمثل “محاولة لتطويق تداعيات أحداث السويداء ومنع تحولها إلى بؤرة توتر مستمرة. غير أن نجاح هذه التفاهمات سيبقى مرهوناً بقدرة الأطراف الثلاثة على تنفيذ ما أُعلن ميدانياً، واستجابة المجتمع المحلي في السويداء لمسار المصالحة المقترح”.
أما المحلل السياسي بسام أبو عدنان فقد اعتبر أن الاتفاق مهم لأنه يرسخ حقيقة أن “انفصال السويداء وتقسيم سورية، فكرة مرفوضة محلياً وإقليمياً ودولياً”. ولفت في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن الاتفاق ينفي مزاعم (حكمت) الهجري في أوقات سابقة بأن الولايات المتحدة تدعم انفصال السويداء عن سورية، و”هو ما يجب أن يطرح تساؤلات أمام أهلنا في السويداء حول مصداقية الهجري”، وفق قوله. كما أن الاتفاق يؤكد، بحسب أبو عدنان، أن “المجتمع الدولي، ما عدا إسرائيل، يرى أن الدولة السورية هي الإطار الجامع لحل جميع القضايا الداخلية”، معتبراً أن إسرائيل “كانت تتلاعب بالشيخ الهجري، وتستخدمه كورقة ضغط على الحكومة السورية لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى”.
من جهته، لاحظ الصحافي عمار تباب أن الاتفاق لم يتطرق إلى وجود “عناصر استعانت بدول خارجية للتدخّل” ولم يوضح كيفية التعامل معها “سواء بالتجاوز والصفح أو بالمعاقبة وفق القانون السوري”. كما لفت في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى أن الاتفاق يثبت أن الحكومة السورية هي “الراعية للقوى المدنية المقاتلة، باعتبار أنها تلتزم بسحبها وإعادة نشر قوى بديلة، وبذلك تكون الحكومة قد أقرت قبيل التحقيقات بضلوعها بهذه الجرائم المدروسة”. ورأى أن الحكومة السورية “ما زالت تفتقر لخبراء قانونيين دوليين” يلفتون نظرها إلى مثل هذه الثغرات، معتبراً أن إقصاء الخبرات ربما يدعم جهود البعض بتوجيه أصابع الاتهام إليها في بعض الجرائم.
العربي الجديد
—————————-
التحوّلات العملياتية في السلوك العسكري الإسرائيلي داخل سورية: تحليل للخروقات الجوية والبرية بين شهري أيار وتموز 2025/ نوار شعبان
نشر في 17 أيلول/سبتمبر ,2025
تمثّل الفترة الممتدة من أيار/ مايو حتى تموز/ يوليو 2025 مرحلة مفصلية، في مسار التفاعلات الأمنية بين إسرائيل وسورية، في ظلّ ديناميكيات متشابكة فرضتها تحولات القيادة السياسية السورية، وتبدّل أنماط الانتشار العسكري على مستوى الخارطة الوطنية، لا سيّما في المناطق الجنوبية. وقد اتّسم السلوك العسكري الإسرائيلي خلال هذه المرحلة بتكثيف الخروقات عبر مقاربة عملياتية مزدوجة، جمعت بين الضربات الجوية التي استهدفت ما تبقى من قدرات دفاعية سورية، والتحركات البرية الرامية إلى فرض واقع أمني جديد، خصوصًا في محافظتي القنيطرة ودرعا، حيث استغلّت تل أبيب حالة الفراغ الأمني لتعزيز حضورها، على حساب السيادة السورية.
تركّز هذه الورقة على تحليل تلك الانتهاكات خلال الأشهر الثلاثة المذكورة، من خلال إبراز خصائصها الميدانية وتطورها الزمني، وربطها بالسياقَين الإقليمي والداخلي المتغيرين. وتهدف إلى استخلاص أنماط التدخل الإسرائيلي ودلالاتها في ما يتعلق بإعادة رسم حدود الاشتباك، إلى جانب استشراف الخيارات المتاحة أمام الحكومة السورية الانتقالية، سواء عبر أدوات سياسية ودبلوماسية أو من خلال تعزيز آليات التوثيق والمساءلة، في ظلّ محدودية القدرة على المواجهة العسكرية المباشرة.
أولًا: الاستهدافات الجوية
بدأت إسرائيل مرحلة جديدة من العمليات الجوية داخل سورية، مع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024، استهدفت خلالها في الأشهر الأولى من عام 2025 مجموعة واسعة من المواقع العسكرية والمستودعات الدفاعية، ومن ضمنها نقاط كانت تتمركز فيها إيران سابقًا ومواقع تُشكّل بنى تحتية عسكرية تقليدية[1].
عكست هذه الاستهدافات توجّهًا إسرائيليًا لإفراغ المشهد الميداني السوري من أي تهديد كامن أو محتمل، في ظل حالة السيولة الأمنية والسياسية التي رافقت المرحلة الانتقالية. إلا أن شهر أيار/ مايو 2025 مثّل بداية لتحوّل ملموس في نمط هذه الضربات، سواء من حيث التوزع الجغرافي أو نوعية الأهداف؛ إذ توسّعت العمليات لتشمل مناطق جديدة، كالساحل السوري، وتغيّرت طبيعة الأهداف نحو بنى دفاعية أكثر حساسية. ويستعرض هذا القسم تطوّر هذه الضربات، خلال ثلاثة أشهر (أيار/ مايو، حزيران/ يونيو، وتموز/ يوليو)، كمدخل لفهم التغير التدريجي في قواعد الاشتباك التي بدأت إسرائيل بفرضها، في ظل غياب الفاعلين الإقليميين التقليديين وبروز ترتيبات أمنية محلية جديدة.
توسيع جغرافي وتحديث في نوعية الأهداف خلال أيار/ مايو 2025
شهد شهر أيار/ مايو 2025 تحوّلًا ملموسًا في نمط الغارات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية، سواء من حيث التوزع الجغرافي أو نوعية الأهداف المستهدفة. ففي ليلة 2 أيار/ مايو، نُفّذت سلسلة من الضربات الجوية على مواقع عسكرية واسعة الانتشار، وشملت الضربات أربع غارات على محيط مستشفى تشرين العسكري والفوج 41 على طريق برزة–حرستا، وغارات على موقع في ريف حماة الشمالي بالقرب من بلدة شطحة[2]، إضافة إلى مواقع عسكرية في مدينة إزرع ومنطقة موثبين، بمحافظة درعا.
استهدفت الغارات بشكل مباشر منصات صواريخ أرض-جو، ومدافع مضادة للطائرات، وتجمعات للدبابات، ما يشير إلى محاولة تعطيل البنية الدفاعية المرتبطة بقدرات الردع الأرضي في مناطق متعددة. وسقط في الغارات ضحايا مدنيون نتيجة قرب الأهداف العسكرية من مناطق سكنية، مما يعكس استمرار الإشكالية المرتبطة بتداخل الأهداف العسكرية والمدنية في السياق السوري، وفي ليلة 30 أيار/ مايو، عادت إسرائيل لتكثيف نشاطها الجوي مستهدفة مواقع في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث قصفت مستودعات أسلحة، يُعتقد أنها تحتوي على صواريخ أرض-بحر قرب قرى زاما وبرج إسلام، إضافة إلى مناطق قريبة من مرفأ طرطوس وريف جبلة[3].
يُظهر سلوك إسرائيل خلال أيار/ مايو تغيرًا ملحوظًا، مقارنة بالأشهر الأولى من عام 2025، إذ كانت الغارات خلالها أكثر تركيزًا على أهداف مرتبطة بنقل السلاح أو بمراكز عمليات لإيران أو حزب الله، ضمن نطاقات جغرافية محدودة (غالبًا في جنوب دمشق أو على الحدود السورية اللبنانية). في المقابل، شهد أيار/ مايو انتقالًا واضحًا نحو توسيع نطاق العمليات ليشمل الشمال والجنوب والساحل، مع تصعيد في نوعية الأهداف لتشمل بنى تحتية دفاعية ساحلية ومنصات تهدد أمن الملاحة البحرية. يعكس هذا التحوّل سعيًا إسرائيليًا لتوسيع نطاق “الخطوط الحمراء” التقليدية، مع اعتماد مبدأ الاستهداف الاستباقي متعدد الاتجاهات، بوصفه أداة مركزية في إعادة ضبط التوازنات العسكرية داخل سورية بعد تغير المعادلات الداخلية.
تطور نمطي للهجمات الجوية الإسرائيلية خلال حزيران/ يونيو 2025
شهد الجنوب السوري، في مطلع حزيران/ يونيو 2025، سلسلة من الضربات الجوية التي نفذتها إسرائيل، تُعدّ الأولى في المنطقة منذ نحو شهر، كردة فعل على إطلاق قذيفتين من الأراضي السورية سقطتا في مناطق مفتوحة من هضبة الجولان المحتلة، من دون حدوث أضرار ملموسة. تم تنفيذ الهجوم الإسرائيلي في ليلة 3-4 حزيران/ يونيو، واستهدف مواقع عسكرية للحكومة السورية في الجنوب ومحيط دمشق، حيث شملت الضربات مخازن أسلحة ومواقع دفاع جوي، إضافة إلى قصف مدفعي استهدف أراضٍ زراعية في منطقة حوض اليرموك قرب الحدود. وقد فسّرت إسرائيل هذه العمليات بأنها رد تصعيدي لتحييد التهديدات الناجمة عن المقذوفات التي أطلقت من الطرف السوري[4]، محمّلةً الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مسؤولية مباشرة عن أي تهديد ينطلق من الأراضي السورية تجاه إسرائيل. من جانبها، أدانت دمشق الغارات ووصفتها بأنها تسببت في خسائر بشرية ومادية، مشيرة إلى أن الجهات التي أطلقت المقذوفات قد تكون فصائل غير منضبطة ترتبط بإيران[5]، الأمر الذي يُستغلّ للتصعيد في ظل محاولات دبلوماسية رفيعة المستوى خلال الفترة السابقة، مثل اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في أوائل أيار/ مايو 2025، والاتصالات المباشرة بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين بوساطات دولية.
يعكس سلوك إسرائيل في حزيران/ يونيو تحوّلًا من الضربات المسبقة إلى ردود فعل مشروطة بالأحداث الحدودية، مع استثمار هذه اللحظات لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، ولا سيّما مع وجود مسارات دبلوماسية موازية، وتُبرز هذه الوقائع مزيجًا من التقدير الأمني الدقيق والسعي لتوسيع السيطرة العملياتية، من دون المجازفة بتصعيد واسع النطاق.
تكثيف استهداف البنية العسكرية وانتقائية التدخل خلال تموز/ يوليو 2025
نفذت القوات الجوية الإسرائيلية، ابتداءً من 16 تموز/ يوليو 2025، سلسلةً من الضربات استهدفت تشكيلات وآليات عسكرية تابعة للقوات السورية، توزعت على نطاق جغرافي واسع شمل أطراف محافظة السويداء، وريف درعا، وصولًا إلى العاصمة دمشق. تضمّنت الأهداف مواقع ذات طابع استراتيجي، من بينها مبنى هيئة الأركان ومحيط منطقة قطنا، وأسفرت الضربات عن خسائر بشرية موثقة: ثلاثة قتلى مدنيين و34 مصابًا، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة السورية[6]، وتركّزت تلك الضربات على البنية التحتية العسكرية النظامية[7]، حيث مراكز القيادة ومواقع التخزين والتحرك، وهو ما يتسق مع أنماط سابقة من الاستهداف المرتبط بمراقبة وتعطيل تحركات الجيش النظامي أو ما تبقى من هياكله، بعد سقوط السلطة المركزية. في المقابل، غاب التدخل الإسرائيلي خلال أحداث 18 تموز/ يوليو التي شهدت اشتباكات مسلحة بين مجموعات عشائرية وميليشيات محلية داخل محافظة السويداء، في ظل غياب تام للوجود العسكري الحكومي.
يسلّط هذا التباين الضوء على الطابع الانتقائي للتدخلات الإسرائيلية، حيث تُوجَّه الضربات إلى الفاعلين النظاميين أو ذوي البنية العسكرية الرسمية، في حين تُترك النزاعات المحلية لتأخذ مسارها من دون تدخل. ويُفهم من هذا السلوك أن الاعتبارات الإسرائيلية لا تُبنى على معايير متعلقة بحماية المدنيين أو الاستقرار المحلي، بل تستند إلى تقييمات أمنية ترتبط بتموضع القوى المسلحة ومدى ارتباطها بمصادر تهديد محتملة، على المستوى الحدودي أو الإقليمي[8].
ثانيًا: الانتهاكات البرية في الجنوب السوري
برزت الانتهاكات البرية الإسرائيلية كأحد أبرز مظاهر التوتر في جنوب البلاد، في سياق التصعيد الأمني الذي أعقب سقوط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024 [9]، لا سيّما في محافظتي القنيطرة ودرعا. وقد شهدت الفترة الممتدة بين شهري أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2025 سلسلة متصاعدة من الخروقات الميدانية، تمثلت في توغلات عسكرية متكررة، وعمليات اعتقال، وتموضع ميداني في مناطق قريبة من خطوط وقف إطلاق النار، فضلًا عن الأنشطة الهندسية التي غيّرت من طبيعة المشهد الجغرافي الحدودي.
يستعرض هذا القسم طبيعة هذه الانتهاكات، خلال الأشهر الثلاثة المذكورة، من خلال تقسيمها الزمني، وتحليل أنماطها الميدانية، ومدى تأثيرها في الواقع الأمني والاجتماعي في المنطقة، بوصفها مؤشرات على تحوّل متدرج نحو تثبيت واقع ميداني جديد، من قبل الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية[10].
الانتهاكات البرية الإسرائيلية وإشارات التموضع في جنوب سورية خلال أيار/ مايو 2025
شهد شهر أيار/ مايو 2025 تصاعدًا في الأنشطة البرية لقوات الاحتلال الإسرائيلي، داخل الأراضي السورية، ولا سيما في مناطق محافظتي القنيطرة ودرعا. فقد شملت هذه التحركات عمليات توغل ضمن عدد من القرى والبلدات الحدودية، كمدينة السلام، الصمدانية الشرقية، جباتا الخشب، مجدوليا، ومعربة، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا لخطوط وقف إطلاق النار. وقد رافقت هذه التوغلات إجراءات ميدانية مباشرة، تضمنت تفتيش المنازل واستجواب السكان.
واتخذت القوات الإسرائيلية خطوات تُشير إلى نية تموضع في تلك المناطق، مثل إقامة نقطة تفتيش في ريف القنيطرة الشمالي في 1 أيار/ مايو، وإغلاق مداخل بلدة حضر بسواتر ترابية، إضافة إلى تنفيذ توغل في منطقة تلال الحمر بين بيت جن وحضر. ومن جهة أخرى، بدأ في هذا الشهر نشاط هندسي إسرائيلي في مناطق حدودية سورية تمثّل في إزالة الأشجار والعوائق الطبيعية، وتجريف أراضٍ قرب بلدة حضر وتحويلها إلى مناطق مكشوفة، ما يعكس محاولة لتحسين القدرات الميدانية والرؤية العملياتية في المناطق المتاخمة للحدود.
الانتهاكات البرية الإسرائيلية في جنوب سورية خلال حزيران/ يونيو 2025
شهد شهر حزيران/ يونيو 2025 تطورًا نوعيًا في طبيعة الأنشطة البرية الإسرائيلية داخل جنوب سورية، حيث اتخذت الانتهاكات شكلًا أكثر اندماجًا بين الردّ العسكري التكتيكي والعمليات الميدانية الوقائية. ففي أعقاب إطلاق قذيفتين من الأراضي السورية باتجاه مناطق غير مأهولة في هضبة الجولان المحتلة مطلع الشهر، باشرت القوات الإسرائيلية تنفيذ سلسلة من التدخلات العسكرية، شملت غارات جوية وتوغلات برية، تمركزت في محافظة درعا، لا سيما في محيط بلدة تسيل. وأسفرت هذه التحركات عن وقوع اشتباك محدود بين عناصر إسرائيلية ومجموعات من سكان البلدة، في حادثة تُعدّ من الحالات القليلة التي شهدت فيها هذه التوغلات مقاومة مباشرة من السكان.
في موازاة ذلك، واصلت القوات الإسرائيلية نمطها المتكرر في تنفيذ عمليات تجريف هندسية، ضمن المناطق المحاذية للحدود، لا سيما حول ثكنة المريعية العسكرية في منطقة “الهون” بحوض اليرموك، حيث أنشئت سواتر ترابية، وأدخلت تعديلات ميدانية على البنية الطبوغرافية للموقع. وتشير هذه الأنشطة إلى مسعى واضح لإعادة تشكيل البيئة الحدودية باتجاه نموذج أمني مغلق، يحدّ من حرية حركة السكان، ويُسهّل مراقبة التحركات داخل العمق السوري القريب.
وسُجلت خلال منتصف حزيران/ يونيو حوادث اعتقال محدودة، رافقت بعض هذه التوغلات، من بينها توقيف شابين في قرية كودنة في 14 حزيران/ يونيو، أعقبها مداهمة في قرية الحُرية في اليوم التالي، اقتصرت على عمليات تفتيش دون تنفيذ اعتقالات إضافية. وتُظهر هذه الإجراءات استمرار اعتماد إسرائيل على نمطٍ من التدخلات الاستخباراتية الميدانية منخفضة التصعيد، بهدف فرض الوقائع الأمنية من دون انخراط واسع في مواجهة مباشرة، وذلك في ظل غياب قدرة ردع محلية أو إقليمية فعالة ضمن نطاق الجنوب السوري.
تصاعد وتيرة الخروقات البرية الإسرائيلية في جنوب سورية خلال تموز/ يوليو 2025
شهد شهر تموز/ يوليو 2025 تصعيدًا ملحوظًا في حجم ونطاق الخروقات البرية التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضمن مناطق ريفي القنيطرة ودرعا، حيث سجلت عشرات حالات التوغل، والاعتقال، ونصب الحواجز، وارتكاب اعتداءات بيئية ممنهجة، الأمر الذي يعكس تحولًا مقلقًا في نمط التدخل الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وتراجعًا في ضوابط الالتزام بخطوط وقف إطلاق النار.
على مستوى العمليات البرية، تنوّعت التوغلات بين اقتحام قرى مأهولة بالسكان (رسم الحلبي، بريقة، عين ذكر، الرفيد، وطرنجة..)، وتوغلات نوعية استهدفت مواقع عسكرية سورية سابقة كموقع الكتيبة الرابعة قرب نبع الصخر، والسرية التابعة للواء 112 قرب عين ذكر. وترافقت هذه التوغلات غالبًا مع نصب حواجز مؤقتة، وتفتيش السيارات والمنازل، واستجواب السكان، وتوثيق بياناتهم الشخصية عبر التصوير وجمع بيانات ميدانية، وهو ما يعكس وجود نشاط استخباراتي ميداني مكثف في هذه المناطق.
ونفّذت القوات الإسرائيلية عدة عمليات اعتقال تعسفي، شملت أكثر من 15 شخصًا، بينهم قاصرون، وتركزت هذه العمليات في قرى مثل رويحينة، كودنة، سويسة، والدواية الكبرى. وتمت معظم الاعتقالات من دون أي تهم أو مذكرات قانونية، وغالبًا ما انتهت بإخفاء مؤقت أو الإفراج بعد ساعات، مما يشير إلى استخدامها كأسلوب ترهيبي واستعراضي، أكثر من كونه إجراءً أمنيًا موجّهًا.
إلى جانب العمليات البرية، برزت ظاهرة متكررة تمثلت في إشعال حرائق متعمدة في الأراضي الزراعية والرعوية، كما حدث في مناطق الرفيد، بريقه وبئر عجم، حيث التهمت النيران مساحات شاسعة من المزروعات، في ظل عجز واضح من قبل قوات الأمم المتحدة عن احتواء هذه الحرائق، نظرًا لضعف الإمكانات اللوجستية. ورُصدت تحركات لجرافات إسرائيلية تقوم بأعمال تجريف وحفر سواتر ترابية، قرب قرى مثل رسم الرواضي وبئر عجم، ما يعزز فرضية وجود استعدادات هندسية لتوسيع رقعة التمركز العسكري أو إعادة تشكيل التوازنات الجغرافية في المناطق المحاذية لخط فض الاشتباك. من جهة أخرى، تكررت حالات إطلاق نار مباشر، كما في حادثة إطلاق النار من تل الأحمر الغربي باتجاه نظيره الشرقي، الأمر الذي ولّد حالة من الهلع في أوساط المدنيين، ورفع منسوب التوتر الأمني في القرى المحاذية.
تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى تحوّل نوعي في مستوى النشاط الميداني الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، سواء من حيث الكم أو النوع، بما يتجاوز الأطر التقليدية للمراقبة أو الاستطلاع، إلى نمط تدخل مباشر ومتعدد الأوجه. ويعكس هذا التصعيد محاولة لفرض وقائع أمنية جديدة على الأرض مستفيدة من الفراغات الأمنية الناتجة عن ضعف السلطة المحلية، بعد انهيار النظام السابق، إضافة إلى غياب أي ردع فعّال إقليمي أو دولي يحدّ من هذا السلوك التصعيدي.
ثالثًا: السيناريوهات المتوقعة لتحولات السلوك العسكري الإسرائيلي في سورية بعد تموز/ يوليو 2025
تشير المؤشرات الميدانية والسياسية، بين شهري أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2025، إلى تحوّل نوعي في طبيعة التدخلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، يقوم على الجمع بين التصعيد العسكري المباشر عبر الضربات الجوية والأنشطة البرية، وبين التموضع غير المباشر عبر استغلال الفواعل المحلية في مناطق رخوة أمنيًا. وتكشف هذه التدخلات عن انخراط مرن يتكيّف مع خصائص كل منطقة، حيث تستهدف الضربات الجوية مراكز الثقل العسكري والبنى الدفاعية التقليدية، في حين تتركّز التحركات البرية على محيط خطوط التماس الجنوبية، ضمن أنشطة استطلاع وتجسس وهندسة ميدانية تحمل طابعًا أمنيًا واضحًا.
ويبرز ملف محافظة السويداء في هذا السياق كجزء من هذه المقاربة الجديدة، لا كحالة منفصلة، إذ يجري فيه توظيف أدوات تدخل غير تقليدية، مثل الدعم اللوجستي لشبكات محلية مسلحّة، في إطار سياسة “التأثير عن بعد” التي تمكّن تل أبيب من تكريس نفوذها، من دون تدخل مباشر دائم. وتعكس هذه الأنماط توسعًا في أدوات السيطرة، وتُظهر تهديدًا متزايدًا لبنية السيادة السورية. ومن هنا، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار هذا السلوك في المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول: ترسيخ مقاربة الاحتواء اللامركزي عبر أدوات محلية
قد تستمر إسرائيل في اتباع نهجها الانتقائي عبر الضربات الجوية والأنشطة البرية، مع توسيع الاعتماد على فواعل محلية لضبط الواقع الأمني، خصوصًا في السويداء وبعض قرى القنيطرة، وذلك دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى المجتمعية الكبرى أو مع قوات وزارتي الدفاع والداخلية السورية. ويهدف هذا النمط (من منظور إسرائيلي) إلى تعظيم النفوذ بأقل كلفة عملياتية. إلا أنّ هذه المقاربة تحمل في جوهرها مخاطر على الاستقرار السوري، إذ تُرسّخ التدخل الخارجي، وتضعف فرص بناء منظومة أمنية وطنية مستقلة في مرحلة انتقالية يغلب عليها الغموض السياسي.
السيناريو الثاني: تكثيف العمليات العسكرية الاستباقية ضمن قواعد اشتباك جديدة
في هذا السيناريو، قد تُصعّد إسرائيل من عملياتها عبر توسيع نطاق الضربات جغرافيًا، وتنوع طبيعة الأهداف، بحيث تشمل مواقع قيادية وعسكرية كبرى، إلى جانب استمرار التوغلات البرية وتعزيز النشاط الاستخباراتي في الجنوب. ويستند هذا النمط (من منظور إسرائيلي) إلى قراءة مفادها ضعف الردع السوري، وغياب توافق دولي على خطوط حمراء واضحة، ما يفتح المجال أمام تل أبيب لمحاولة فرض تعريف جديد لحدود تدخلها داخل سورية. غير أن هذا التصعيد، إن تحقق، يكرّس اختلال السيادة السورية، ويضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويحمل مخاطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، تتجاوز الحسابات التكتيكية لإسرائيل.
السيناريو الثالث: ضبط السلوك العسكري ضمن صفقة إقليمية مؤقتة
يفترض هذا السيناريو احتمال دفع ضغوط دولية أو تفاهمات مع الدول الراعية للمرحلة الانتقالية نحو تسوية مؤقتة تُقيّد النشاط العسكري الإسرائيلي، مقابل التزام سوري غير مباشر بعدم السماح بتموضع فصائل يُنظر إليها كتهديد للحدود. وعلى الرغم من أن مثل هذه الترتيبات قد تخفّف من حدة التصعيد العسكري على المدى القصير، فإنها تعكس استمرار التدخلات الخارجية في رسم معادلات الأمن السوري، وتؤجل بناء مقاربة وطنية مستقلة لمعالجة ملف الجنوب. ويبقى هذا المسار هشًّا، إذ إن غياب إطار تفاوضي شامل ومستدام يجعل أي تفاهمات مؤقتة عرضة للانهيار مع أول خرق أو تبدّل في موازين القوى.
خاتمة
يكشف تحليل التدخلات الإسرائيلية في سورية، بين أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2025، عن مسار تصاعدي يتجاوز الأطر التقليدية للردع، من خلال توسيع رقعة الضربات الجوية وتكثيف الأنشطة البرية، خصوصًا في الجنوب، بما يفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا يخدم أولويات تل أبيب على حساب السيادة السورية. ولم يقتصر هذا التدخل على استهداف القدرات العسكرية النظامية، بل تداخل أيضًا مع الترتيبات المحلية الناشئة (كما في السويداء)، عبر أشكال دعم غير مباشر لفواعل مسلحة محلية، ما يزيد من تفكك البنية الأمنية الوطنية.
هذه التحولات تمثّل تحديًا مركّبًا أمام الحكومة السورية الانتقالية، التي تواجه قيودًا عملياتية تمنعها من الرد العسكري المباشر، وتفرض عليها اعتماد مقاربة بديلة متعددة المستويات. ويشمل ذلك تعزيز أدوات التوثيق القانوني لتكوين ملفات محاسبة مستقبلية، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لإدراج هذه الانتهاكات ضمن الأجندات التفاوضية، إضافة إلى دعم المجالس المحلية في المناطق المتأثرة، ومنحها نوعًا من الحماية الرمزية للسيادة الوطنية، في ظل غياب أدوات الردع الصلبة.
[1] العمليات العسكرية الإسرائيلية في سورية بعد سقوط النظام 8-9 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، نشر في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024، https://shorturl.at/GuTbv
[2] Al Jazeera, More Israeli strikes on Syria reported after Damascus warns of escalation, Published on 2 May 2025, https://shorturl.at/wAbn4
[3] سوريا.. قتيل وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف 3 مواقع في اللاذقية وطرطوس، TRT Global، نشر في 30 أيار/ مايو 2025، شوهد في 28 تموز/ يوليو 2025، https://shorturl.at/1qWni
[4] Reuters, Israel strikes Syria after projectiles fired, holds Sharaa responsible, Published on 4 June 2025, https://shorturl.at/YHQVR
[5] الجزيرة، توتر الجنوب السوري.. ماذا وراء القصف المتبادل بين “كتائب محمد الضيف” وإسرائيل؟، نشر في 5 حزيران/ يونيو 2025، شوهد في 29 تموز/ يوليو 2025، https://shorturl.at/sLUsy
[6] عدوان إسرائيلي عنيف على دمشق.. ثلاثة قتلى و34 مصابًا، العربي الجديد، نشر في 16 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 18 تموز/ يوليو 2025، https://shorturl.at/p5NCq
[7] توضح الخريطة (1) تفصيل الضربات الاسرائيلية التي استهدفت العاصمة دمشق وريفها في 16 تموز/ يوليو 2025، فيما توضح الخريطة (2) أبرز الغارات التي استهدفت الجنوب السوري في 16 و17 تموز/ يوليو 2025.
[8] السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، نشر في 20 تموز/ يوليو 2025، https://shorturl.at/JurgX
[9] خريطة تحليلية: التوغل الإسرائيلي في سورية بعد سقوط نظام الأسد، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، نشر في 11 كانون الثاني/ يناير 2025، https://shorturl.at/l6ami
[10] تم إجراء ثلاث مقابلات مع ناشطين ميدانين في منطقة القنيطرة بتاريخ 22 و23 تموز/ يوليو 2025، ومقاطعة معلوماتهم مع ما تم نشره في وسائل الإعلام الموثوقة، فيما يتعلق بالخروقات البرية لقوات الاحتلال الإسرائيلي.
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————
سوريا الجديدة.. في رفض الممر الإسرائيلي إلى جبل العرب/ ماجد عزام
2025.09.18
ترفض القيادة في سوريا الجديدة، كما المزاجُ الشعبي العام، وعن حق، فكرةَ – أو للدقة أكذوبة ووهم – ما يُوصَف بالممر الإسرائيلي الإنساني إلى جبل العرب، كونها جدّ خطيرة مرحليًا واستراتيجيًا.
علمًا أن مصطلح “إنساني” هنا ليس سوى اسمٍ حركي لفرض الدولة العبرية نفسها لاعبًا مركزيًا ومؤثرًا في سوريا الجديدة، والتدخلِ سلبًا بطبيعة الحال في سيرورة بنائها ونهوضها، وكذلك تشجيعِ الخطط والمشاريع الانفصالية ليس فقط في الجبل، وإنما في عموم البلاد. ناهيك عن التناقض المبدئي والمنهجي الصارخ بحد ذاته بين إسرائيل والإنسانية قياسًا بممارساتها وعدوانيتها وإجرامها ودمويتها في سوريا نفسها، كما في فلسطين ولبنان والدول العربية بشكل عام.
إذًا، طرحت إسرائيل – ولا تزال – عبر الوسيط الأميركي المبعوث إلى سوريا توم باراك، كما في اللقاءات الأمنية المباشرة مع الوفد السوري – السياسي الأمني – المفاوض، فكرةَ إقامة ما وصفته بالممر الإنساني من الجانب المحتل في هضبة الجولان إلى جبل العرب ومحافظة السويداء تحديدًا.
مبدئيًا ومنهجيًا، أولًا: فالاحتلال بالضرورة غيرُ إنساني بحد ذاته، وبالتالي فالفكرةُ نفسها مرفوضة، إذ ما بُني على باطلٍ فهو باطل. وإسرائيل التي تحتل أجزاء واسعة من هضبة الجولان بشكل غير إنساني وغير شرعي، مع فصلها القسري بالقوة القهرية الغاشمة بين العائلات السورية في الهضبة، وسعيها دون كلل لفرض الهوية الإسرائيلية – وبالتأكيد بشكل غير إنساني وغير قانوني – على المواطنين السوريين في الجانب المحتل، معتمدةً على قرار ضمٍّ أقره الكنيست عام 1980، وهو أيضًا غير شرعي وفق قرارات مجلس الأمن الدولي ومواثيق وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي السياق المبدئي المنهجي كذلك، فالتناقض صارخ بين إسرائيل والإنسانية؛ فهي لا تحتل الجولان فقط، بل استغلّت سقوط النظام السابق وسحب قوات الفرقة الخامسة لانتهاك اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974 واحتلالِ المنطقة العازلة الحدودية وجبل الشيخ، ولا تتوقف عن هجماتها العدوانية والدموية ضد سوريا الجديدة ومواطنيها ومقدّراتها. وفي فلسطين نفسها، وعلى بُعد كيلومترات معدودة من الجولان والحدود، ارتكبت – ولا تزال – جرائمَ حرب وإبادة جماعية وصولًا إلى المجاعة، واستخدمت الغذاء سلاحًا ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في قطاع غزة، مع التذكير الضروري بتأسيسها نظامَ فصلٍ عنصري في الضفة الغربية، وتمييزًا عنصريًا ضد عرب 48؛ وهي وقائع تتناقض بالضرورة وجذريًا مع الإنسانية وتجلياتها، كما مع الشرعية والقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة.
أما فيما يخصّ الفكرةَ الخبيثة نفسها وحيثياتِها وتفاصيلَها، فهي مستحيلة من الزاوية السياسية والجغرافية والجيوسياسية؛ إذ تلحظ إقامة ممرٍّ من الجولان المحتل مرورًا بمحافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق إلى جبل العرب، في ظلّ الرفض الرسمي والشعبي، والصعوباتِ والعوائقِ الأمنية واللوجستية والفنية، وصعوبةِ – بل استحالةِ – إقامة ممرٍّ يمتد عشرات الكيلومترات بمواجهة الرفض الرسمي، وكذلك من البيئة الشعبية في المحافظات المعنية.
سيخلق الممر، في جانبٍ منه، شكلًا من الوصاية الإسرائيلية، وسيمثّل احتلالًا موصوفًا، ولو بذرائع إنسانية. ومن هنا، تاريخيًا، يُشبه التجارب سيّئة الصيت والفاشلة لتدخّل الغزاة تحت ذرائع مماثلة، كما حصل في الصومال مثلًا مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومصيرُها الفشلُ الحتمي.
إلى ذلك، ومن الناحية السياسية والأمنية، سيكرّس الممرّ السطوةَ والتأثيرَ والنفوذَ الإسرائيلي في سوريا الجديدة بشكل عام، وكذلك تجاه المواطنين العرب السوريين الدروز في جبل العرب، حتى مع تعرّض إخوانهم للتمييز العنصري في أراضي 48، والفصلِ العنصري في الضفة، والقتلِ والإبادة في غزة. إذ يفرض الممرّ الإنساني المزعوم واقعًا يربطهم بإسرائيل حتى من دون كيان مستقلّ وانفصالٍ رسمي، ويخلقُ واقعَ حكمٍ ذاتيّ ما. مع الإشارة إلى أن إسرائيل تتعاطى مع الدروز من عرب 48 بشكل تمييزي، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية وخدمًا للمشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين؛ وهو ما ينطبق حتمًا على تعاملهم مع الدروز في سوريا.
إضافةً إلى ما سبق، سيخلق الممرّ قوةً دافعةً للنزعات الانفصالية ليس فقط في الجبل، وإنما في باقي المحافظات، ومع الوقت سيخلق كيانًا مرتبطًا بإسرائيل، ما يُشجّع الأفكارَ والخططَ والمشاريعَ الانفصالية في سوريا الجديدة، بعدما اضطرت الدولة العبرية – وتحت ضغوط أمريكية ومظلّة حماية عربية وتركية وأوروبية ودولية – إلى التوقّف، أقله علنًا، عن خطابها الانفصالي والدعوةِ إلى تقسيم سوريا إلى أربعة أو خمسة كيانات تحت وصاية دولية بذريعة حماية الأقليات.
بناءً على المعطيات السابقة، فلا جدال في أن الرفضَ الرسميَّ والشعبيَّ في سوريا الجديدة مبرَّرٌ تاريخيًا وسياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وقبل ذلك وطنيًا واستراتيجيًا. ولا حقَّ لإسرائيل في التحدّث عن الإنسانية وهي التي تستخدم الغذاء سلاحًا أوصل غزة إلى المجاعة فعلًا – كما تقول الأمم المتحدة – كما لا يحقّ لها أخلاقيًا وسياسيًا ادّعاءُ امتلاكها الحقَّ في التحوّل إلى لاعبٍ مركزي ومؤثر في سوريا الجديدة ومستقبلها.
وبالعموم، فلا شكّ في حتمية إجهاض المشاريع الانفصالية، بما فيها الممرّ الإسرائيلي غير الإنساني، مع التذكير بحقيقة أن الممرّ الطبيعي والتاريخي والوطني والاستراتيجي لجبل العرب هو مع دمشق. ومن هنا فالمسؤوليةُ مُلقاة – ومضاعفة – على عاتق القيادة في سوريا الجديدة، المدعومةِ شعبيًا على نطاق واسع وعميق وجدّي، لرفض الممرّ والتنبهِ للمخططات الإسرائيلية الخبيثة، والسعيِ الجاد والعنيد والحكيم لإجهاضها، مع الانتباه إلى رفع تل أبيب السقف تجاه القيادة السورية عبر فكرة الممر غير الإنساني وممارساتٍ أخرى لِلفت الانتباه عن انتهاكها الفظّ لاتفاق 1974، وعن احتلالها للجولان. وببساطة: من يتحدّث أو يتشدّق بممرٍّ إنساني لا يتوسّع في المنطقة العازلة وجبل الشيخ ويماطل في العودة إلى اتفاق 1974، بعدما كان يرفض حتى مجرد مناقشة الأمر قبل أن يقبل بذلك تحت ضغط عربي ودولي.
إذًا، وباختصار، فأكذوبةُ الممرّ الإنساني مجردُ ابتزازٍ للقيادة السورية، ناهيك عن أنه مرفوض وطنيًا وعربيًا ودوليًا، وحتى أمريكيًا؛ إذ لا تتبنّى واشنطن الخطة وتعتبرها مستحيلة، ومن هذه الزاوية فقد وُلدت ميتةً لأجل تبييض صفحة إسرائيل واستمرارِ إغراء بعض المواطنين للتعلّق بها، مع التذكير بأن المستترَ بها عاريًا أيضًا، كما رأينا في تجارب أنطوان لحد في لبنان وروابطِ القرى في فلسطين، وحتى نظامِ بشار الأسد نفسه الذي ظنّ أن دعم تل أبيب والغزاة الأجانب سيحميه من الثورة والغضب السوري.
وبالعموم، تكمن الشرعية – ولا تزال – في الداخل والشعب، بعقلِه الجمعي الذي كان ولا يزال مستودعَها وخزانَها، مع ضرورة مواصلة الدولة القيام بواجباتها تجاه جبل العرب ومواطنيه، واتباعِ سياسة الصبر والنَّفَس الطويل، ووضعِ خارطةِ طريق وطنية وواقعية وقابلةٍ للتطبيق ومدعومةٍ عربيًا وإقليميًا ودوليًا، والثقةِ – بل القناعة الراسخة – بحتمية إجهاض المشاريع والخطط، بل الأوهام الانفصالية، أمام حقائق الوحدة التاريخية الراسخة؛ وهي موضوع القراءة القادمة بإذن الله.
تلفزيون سوريا
————————-
المخاض السوري توليفة أميركية جديدة/ علي العبدالله
17 سبتمبر 2025
لم يتردّد رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في الإجابة عن سؤال صحافي قناة “آي 24″ الصهيونية إن كان يؤمن بـ”إسرائيل الكبرى” بالقول نعم؛ وانطلق بالحديث عن شعوره بأنه في مهمة تاريخية وروحية، وعن أجيال ستقيم هذا الكيان، الجيل الأول أقام الدولة والأجيال القائمة والقادمة ستكمل المهمة. “إسرائيل الكبرى” المشار إليها تشمل سورية ولبنان والعراق والأردن والكويت وأجزاء من مصر والسعودية وتركيا بالإضافة إلى القلب: فلسطين.
ليس الحديث عن إقامة “إسرائيل الكبرى” بجديد، فقد سبق وقال به مسؤولون في الكيان وطبعت خريطتها في ثمانينيات القرن الماضي على أحد وجهي قطعة نقدية صهيونية من فئة العشرة أغورا، لكن الخطير في جواب نتنياهو توقيته، فهو يأتي في ظل وجود إدارة أميركية تتبنى كل مواقف اليمين الصهيوني الحاكم، لا تغض النظر عن اعتداءاته خارج كيانه فقط بل وتمده بالسلاح والمال والغطاء السياسي، وهو ما أكده وجود وزير خارجية الإدارة ماركو روبيو في الكيان في يوم عقد القمة العربية الإسلامية للتضامن مع قطر ضد العدوان الصهيوني وحديثه عن متانة العلاقة مع الكيان وثبات الدعم، وقد تكررت تصريحات مسؤولين في هذه الإدارة تشكك في منطقية الحدود القائمة بين دول المشرق العربي والقول بحق الكيان في توسيع حدوده؛ جاء أولها على لسان رئيس هذه الإدارة دونالد ترامب، الذي قال: “مساحة إسرائيل تبدو صغيرة على الخريطة، ولطالما فكّرت كيف يمكن توسيعها”، قبل أن تتتالى تصريحات المسؤولين من قول سفير الإدارة لدى الكيان الصهيوني مايك هاكابي، في مقابلة مع بي بي سي يوم 11 يونيو/ حزيران الماضي: “إن الدول الإسلامية تمتلك أراضي تفوق مساحتها ما تسيطر عليه إسرائيل بـ644 مرة”، واقتراحه “أن تتخلى دول إسلامية عن بعض أراضيها لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية”، مرورا بسفيرها في تركيا ومبعوثها الخاص إلى سورية، ولبنان لاحقا، توماس برّاك، الذي اعتبر في رده على سؤال الناشر الأميركي ماريو نوفل حول حدود سايكس – بيكو احتلال الكيان أراض عربية أمرا طبيعيا، حيث قال: “هذه الخطوط التي رُسمت كحدود سايكس – بيكو لا معنى لها، سيذهبون حيثما يشاؤون، وقتما يشاؤون، ويفعلون ما يشاؤون لحماية الإسرائيليين وحدودهم”، إلى قول مسؤول في الإدارة، وصفته صحيفة الهيل الأميركية، التي نقلت قوله يوم الأول من يوليو/ تموز الماضي، بـ”الكبير”: “إن الحدود الحديثة لإسرائيل رُسمت على أسس وهمية”، و”إن القيمة ليست للحدود، القيمة لمن على جانبيها”. المشكلة الأخطر ليس تأييد الإدارة الأميركية لسياسات الكيان وغضها النظر عما يقوم به في الأراضي التي اعتبرها قرار التقسيم رقم 181، الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947، أرض الدولة الفلسطينية، مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات، توسّع الكيان منذ قيامه قبل 77 عاماً بنحو 95 كيلومتراً مربعاً سنوياً، واعتداءاته على دول الجوار العربي والإقليمي، بل في عدم وضوح موقفها من مستقبل الصراع والخرائط النهائية للإقليم التي تعمل على تكريسها تحت شعار تحويله إلى إقليم قائم على الشراكات والتعاون، إقليم مستقر ومزدهر، حيث تعددت الإعلانات والتصورات التي طرحها أركانها، كان توماس برّاك قد أثار حيرة المعلقين والمراقبين في الإقليم حين هاجم اتفاقية سايكس – بيكو واعتبر هدفها “ليس السلام بل المكاسب الإمبريالية”، و”إن زمن التدخلات الغربية قد ولى، المستقبل للدبلوماسية القائمة على الحلول الإقليمية، والشراكات، والاحترام المتبادل”، مضيفا “لقد وُلدت مأساة سورية من رحم الانقسام. ولا يمكن أن تولد من جديد إلا عبر الكرامة والوحدة والاستثمار في شعبها. وهذا يبدأ بالحقيقة والمساءلة والتعاون مع أبناء المنطقة، لا بتجاوز المشكلة دون حلها”، وختم “نحن، إلى جانب تركيا ودول الخليج وأوروبا، لا بالجنود والخطب والحدود الوهمية، بل إلى جانب الشعب السوري ذاته”. ما دفع المعلق التركي النابه نديم شنر إلى التساؤل حول هذا الإفراط في “الود والغموض”، والكاتب السوري بشار الحاج علي إلى اعتبار عباراته “ثقيلة ومراوغة”. وقد زاد غموض موقف الإدارة وهدفها في الإقليم اتهام مسؤول في الإدارة القوى الغربية بـ”تشويه” المنطقة عبر اتفاقيات سايكس – بيكو ومشاريع التقسيم، وانتقاده مفهوم الدولة القومية في الشرق الأوسط، لم تثبت نجاحها، والمستقبل قد يتطلب نموذجاً جديداً، وإشادته بنموذج الحكم في الإمبراطورية العثمانية، لم تكن تتشكل من دول قومية، بل سمحت لكل منطقة بإدارة شؤونها ضمن نظام قضائي مركزي، تقرير صحيفة الهيل الأميركية المذكور أعلاه.
نظر محللون سياسيون سوريون وأتراك وعرب إلى التصريحات الأميركية السابقة بعين الريبة والقلق لما تنطوي عليه من غموض والتباسات وما تحتمله من تفسيرات وتخمينات أبسطها التبشير بمشروع إقليمي أميركي جديد بصيغة تُخالف النموذج الأوروبي القديم، صيغة تقوم على تقاسم النفوذ وفق تقاطع المصالح لا وفق خرائط وحدود جديدة، صيغة ترتكز على مفاهيم جديدة مثل أولوية التنمية الاقتصادية والشراكات الإقليمية من دون ربطها بالعدالة والمساواة والتغيير الديمقراطي والسيادة الوطنية، عكس برّاك هذا التوجه بقوله لصحيفة نيويورك تايمز “إن التقدم في مساري الديمقراطية والحكم الشامل لن يتحققا في سورية بسرعة”، مشدداً على “أنهما ليسا جزءاً من المعايير الأميركية”.
تعكس تصريحات مسؤولي الإدارة الأميركية ملامح مشروع لنظام إقليمي متكامل، بما في ذلك إعادة صياغة سورية ولبنان بعد خروجهما من تحت النفوذ الإيراني وإدماجهما فيه، تعمل على صياغته لتحقيق ثلاثة أهداف: حفظ أمن الكيان الصهيوني ودمجه في الإقليم، منع بروز قوى سياسية محلية معارضة لهذا التوجه، منح الولايات المتحدة أفضلية في العمل والحركة في الإقليم على حساب خصومها الدوليين: روسيا والصين، وذلك باعتماد سياسة “السلام بالقوة” الذي أعلنت عن تبنيها له من خلال إعادة تسمية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوزارة الحرب، قال وزير الدفاع الأميركي بيتر بيريان هيغسيث خلال مراسم توقيع الأمر التنفيذي بهذا الخصوص: “إن التغيير ليس مجرد إعادة تسمية، بل هو استعادة لهوية الوزارة”، شدّد على أهمية الكلمات وتأثيرها، وأضاف “سوف نهاجم، لا ندافع فقط. فاعلية قتالية قصوى، لا قانونية فاترة. تأثير عنيف، لا تصحيح سياسياً. سنُربي محاربين، لا مجرد مدافعين”، وأكد “أن تحقيق السلام لا يكون إلا عبر القوة”، وهو ما يتطابق مع توجه نتنياهو في تعاطيه مع الفلسطينيين والدول العربية والإقليمية، لعل هذا يفسر صمت الإدارة عن احتلال الكيان مساحة شاسعة من الأرض السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا وقصفه المتكرر لمواقع عسكرية في طول الأرض السورية وعرضها، رغم ما تظهره هذه الإدارة من حرص على استقرار السلطة السورية الجديدة واحتضانها لها، فالعدوان والضغط العسكري هما الوسيلة العملية لتنفيذ سياسة السلام بالقوة، حيث لم يعد هدف حفظ أمن الكيان يقتصر على حمايته عبر ضمان تفوقه عسكرياً على كل الدول العربية فقط بل وعلى لعبه دوراً مهيمناً في الإقليم عبر قيامه بدور رئيس في هندسته جيوسياسياً. وهذا يستدعي من وجهة نظر الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني ترتيبات للسيطرة على الممرات المائية وعلى خطوط سير أنابيب النفط والغاز والاستحواذ على حصة وازنة من موارد الإقليم وثرواته.
لا تستهدف سياسة فرض السلام بالقوة إعادة رسم الحدود السياسية بشكل رئيس بقدر ما تقوم على الدفع نحو سيادة نمط من الدول والأنظمة السياسية قائمة على التوازنات المجتمعية أكثر منه على المؤسسات الوطنية وإدماجها وظيفياً في منظومات أمنية واقتصادية تجعل من الخريطة السياسية امتداداً لخرائط المصالح وتوجيهات الخارج، وهو ما يحاول المبعوث الأميركي توماس برّاك الترويج له في سورية وتمريره بهدوء وبالتدريج، بحيث تُنتج فيها دولة ونظام سياسي بشروط الاندماج الوظيفي في شبكة علاقات إقليمية ودولية دون اعتبار للسيادة الوطنية وحق الشعب في صياغة عقده الاجتماعي ووضع دستور أساسه المواطنة والعدالة والمساواة والحريات العامة والخاصة. ما يعني تحويل الخرائط السياسية إلى خرائط أمنية واقتصادية، وإعادة صياغة وظيفة الدولة لتكون جزءاً من نسق إقليمي مفتوح يستجيب لتوازنات خارجية، أي دولة بسيادة شكلية.
السؤال الآن: هل تعي السلطة السورية الجديدة طبيعة المرحلة وحقيقة السياق الذي تستدرج إليه وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج خطيرة أم تسير مغمضة العينيين يحدوها أمل البقاء، والبقاء فقط، كما تعكسه زيارات برّاك والاستقبالات الحميمة بالأحضان والقُبل.
العربي الجديد
——————————–
بانتظار “خطاب نيويورك”.. تسارع المفاوضات السورية – الإسرائيلية برعاية أميركية/ سامر القطريب
2025.09.18 صل رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، الأربعاء، إلى العاصمة السورية دمشق في إطار زيارة رسمية. وذكرت مصادر أمنية تركية لوكالة (الأناضول) التركية أن كالن سيعقد خلال الزيارة لقاءات، أبرزها مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وأشارت المصادر إلى أن الجانبين سيناقشان “قضايا أمنية ثنائية وإقليمية، إضافة إلى التطورات الراهنة في المنطقة”
دخلت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل مرحلة حساسة، بعد لقاء جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في لندن، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك أمس الأربعاء.
وبحسب موقع أكسيوس العبري، امتدت الجلسة التفاوضية لخمس ساعات متواصلة، في محاولة لصياغة اتفاق أمني جديد يضع حدا للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية جنوب البلاد، قد يُعلن عنه خلال زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بين 21 و25 أيلول/سبتمبر الجاري.
إسرائيل.. مطالب أمنية وممر إلى طهران
وفق مصادر دبلوماسية نقل عنها موقع أكسيوس، فقد قدمت إسرائيل مقترحاً خطياً عبر باراك، رفضت فيه العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، كما رفضت العودة إلى خطوط 8 من من كانون الأول، عقب سقوط نظام الأسد المخلوع.
تسعى إسرائيل إلى ضمانات أمنية تشمل البقاء في مرصد جبل الشيخ ومحيطه وتوسيع المنطقة العازلة جنوب سوريا وإقامة ثلاث مناطق منزوعة أو مخففة السلاح، وإنجاز ترتيبات أمنية تصل إلى مشارف العاصمة دمشق، إضافة لسيطرة جوية في الجنوب السوري، فيما يتيح لها إنشاء ممر جوي لضرب إيران مستقبلا إذا دعت الحاجة.
وكانت القوات السورية قد سحبت أسلحتها الثقيلة من جنوب البلاد الذي تطالب إسرائيل بجعله منزوع السلاح، بحسب ما أفاد مسؤول عسكري سوري وكالة فرانس برس الثلاثاء.
وقال المسؤول الذي فضّل عدم كشف هويته “القوات السورية سحبت سلاحها الثقيل من الجنوب السوري”.
وأوضح أن العملية “بدأت منذ شهرين”، أي عقب الأحداث الدموية التي شهدتها السويداء، وقامت خلالها إسرائيل باستهداف مقرات رسمية في دمشق وآليات للقوات الحكومية بعد انتشارها في المحافظة ذات الغالبية الدرزية.
من جهته، أفاد مصدر دبلوماسي في دمشق فرانس برس بأن عملية سحب السلاح الثقيل شملت منطقة جنوب البلاد “وصولا إلى نحو 10 كلم جنوب دمشق”.
دمشق تطالب بتفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974
من جهتها، طالبت سوريا بتفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974، والانسحاب من المناطق التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول. كما أعربت عن استعدادها لتوقيع اتفاق أمني جديد يضمن أمن الحدود الجنوبية مقابل احترام السيادة السورية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية.
وتشمل المطالب السورية احترام الأجواء السورية وإعادة تفعيل دور قوات الأمم المتحدة “أندوف” لمراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني.
وأعلنت الخارجية السورية الثلاثاء أن دمشق تعمل مع واشنطن على التوصل لتفاهمات أمنية مع إسرائيل حول جنوبي سوريا، في إطار خريطة طريق اعتمدتها سوريا بدعم من الولايات المتحدة والأردن حول محافظة السويداء.
وقالت الخارجية في بيان إن من بين الخطوات التي تنصّ عليها الخريطة هي أن “تعمل الولايات المتحدة، وبالتشاور مع الحكومة السورية، على التوصل لتفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري تعالج الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل، مع التأكيد على سيادة سوريا وسلامة أراضيها”. ولاقت خريطة الطريق ترحيبا عربيا ودوليا لإنهاء الأزمة في المحافظة الجنوبية.
أنقرة على خط الحل جنوبا
مع تسارع الأحداث واقتراب اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وصل رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن، الأربعاء، إلى العاصمة السورية دمشق في إطار زيارة رسمية.
وذكرت مصادر أمنية تركية لوكالة (الأناضول) التركية أن كالن سيعقد خلال الزيارة لقاءات، أبرزها مع الرئيس السوري أحمد الشرع لمناقشة “قضايا أمنية ثنائية وإقليمية، إضافة إلى التطورات الراهنة في المنطقة”.
وأشارت صحيفة (يني شفق) في تقرير سابق، إلى أن رئيس الاستخبارات التركي إبراهيم كالن تولى قيادة تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد في محافظة السويداء.
وشملت هذه التحركات اتصالات مع الممثل الأميركي الخاص في سوريا وسفير واشنطن لدى أنقرة توم باراك، إلى جانب تنسيق مع الرئيس السوري أحمد الشرع.
الشرع يلمّح لنتائج قريبة
في تصريحات أدلى بها مساء الأربعاء في دمشق، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن المفاوضات مع إسرائيل “قد تؤدي إلى نتائج في الأيام المقبلة”، مشيرًا إلى أن إسرائيل نفذت أكثر من ألف غارة على سوريا منذ سقوط النظام السابق، إضافة إلى 400 توغل بري.
وأضاف أنه إذا نجح الاتفاق الأمني مع إسرائيل قد نتوصل إلى “اتفاقيات أخرى”، مشيرا إلى أن “السلام والتطبيع” مع إسرائيل ليسا على الطاولة الآن، موضحا أن واشنطن لا تضغط على دمشق للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل.
وأضاف الشرع أن سوريا وإسرائيل كانتا على بعد أيام فقط من التوصل لاتفاق أمني في تموز الماضي، إلا أن تطورات السويداء عرقلت التوصل إلى اتفاق.
وأكد الرئيس السوري أنه من السابق لأوانه مناقشة مصير هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، مشيراً إلى أن أفعال إسرائيل تتناقض مع السياسة الأميركية المطالبة بسوريا مستقرة وموحدة.
وأكد مصدر في الخارجية السورية لوكالة “فرانس برس” أن هناك “تقدما” في المحادثات الجارية، موضحا أن الاتفاقات المرتقبة قبل نهاية العام ستكون “بالدرجة الأولى اتفاقات أمنية وعسكرية”.
وجاء العدوان الإسرائيلي على الدوحة في التاسع من الشهر الجاري، ليعيد تقييم السياسات ورسم التفاهمات في المنطقة، ويصل الخليج العربي بدمشق، لمواجهة العدوان الإسرائيلي الذي بدا واضحا أنه لن يتوانى عن استهداف العواصم العربية.
ليندسي غراهام يطرح “اتفاقا” جديدا
عرضت الإدارة الأميركية، من خلال توم باراك، استمرار المفاوضات وإطلاق ترتيبات أمنية جديدة تنطلق من اتفاق فك الاشتباك، إضافة إلى توفير ضمانات أمنية وإجراءات إنذار مبكر.
كما اقترحت واشنطن أن تقدم دول غربية دعما مباشرا للجيش السوري وعناصر الأمن في الجنوب، لتحسين جاهزيتهم وضمان احتواء النفوذ الإيراني والفوضى الأمنية.
في واشنطن، يستعد وزير الخارجية السوري للقاء أعضاء في الكونغرس يوم الخميس، في أول زيارة لمسؤول سوري بهذا المستوى منذ 25 سنة. ومن المقرر أن يلتقي السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي يطرح اتفاقا يتضمن رفع عقوبات قانون “قيصر” مقابل توقيع اتفاق مع إسرائيل وانضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد “تنظيم الدولة” وفق وكالة رويترز.
وتأتي الزيارة في وقت جرى فيه تسريح بعض من أكبر الدبلوماسيين الأميركيين المعنيين بسوريا في إسطنبول بشكل مفاجئ، فيما تسعى واشنطن إلى دمج حلفائها الأكراد في سوريا مع الإدارة المركزية في دمشق تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع.
هل يعلن ترامب عن انفراجة في سوريا؟
إذا فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق أمني شامل خلال زيارة الشرع إلى نيويورك -التي وصفها الرئيس التركي بأنها ستكون “تاريخية”-، فقد تسعى الأطراف الراعية إلى إعلان “وثيقة مبادئ” تمهد لاتفاقات لاحقة. وسيكون خطاب الشرع أمام الجمعية العامة يوم 24 من أيلول منصة مهمة للإشارة إلى نوايا دمشق، خصوصا أن اللقاءات المقررة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ترسم الخطوط العريضة لهذه التفاهمات.
وقالت أربعة مصادر لرويترز إن واشنطن تضغط من أجل إحراز تقدم كافٍ بحلول الوقت الذي يجتمع فيه زعماء العالم في نيويورك في نهاية الشهر لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو ما سيتيح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعلان عن تحقيق انفراجة، قد تقوم على أساس “الردع المتبادل” للحفاظ على أمن المنطقة بدلا من من الاكتفاء بالفصل بين الطرفين.
تلفزيون سوريا
———————————–
الشرع: هناك حاجة لاتفاق أمني مع إسرائيل والتطبيع ليس مطروحاً حالياً
18 سبتمبر 2025
الشرع يرجح التوصل لاتفاق أمني مع إسرائيل خلال الأيام المقبلة
أزمة السويداء عرقلت اتفاقاً أمنياً بين سورية وإسرائيل في يوليو
مصدر بالخارجية السورية: اتفاقات متتالية مع إسرائيل قبل نهاية 2025
نقلت وكالة رويترز عن الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء قوله إن المفاوضات الجارية مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قد تؤدي إلى نتائج “في الأيام المقبلة”، مشدداً في الوقت نفسه على أن اتفاق السلام أو التطبيع ليس مطروحاً حالياً. وشدد الشرع، في حديث مع صحافيين في دمشق قبل سفره المتوقع إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أنّ هناك “حاجة” إلى الاتفاق الأمني، مؤكداً أنه سيتطلب احترام مجال سورية الجوي ووحدة أراضيها، وأن يكون خاضعاً لمراقبة الأمم المتحدة.
وقال الشرع إنّ إسرائيل نفذت أكثر من ألف غارة على سورية وما يزيد على 400 توغل بري منذ إطاحة نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي. وأضاف أن أفعال إسرائيل تتناقض مع السياسة الأميركية المعلنة بأن تكون سورية مستقرة وموحدة، ووصف تلك الأفعال بأنها خطيرة جداً، مشيراً إلى أن دمشق تسعى إلى إبرام اتفاق مشابه لاتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وسورية لعام 1974 والتي أنشأت منطقة منزوعة السلاح بين البلدين.
وأوضح الرئيس السوري أن بلاده تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية، لكن إسرائيل تريد أن تبقى في مواقع استراتيجية سيطرت عليها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي بما في ذلك جبل الشيخ. وفي هذا الإطار، يُذكر أن وزراء إسرائيليين أكدوا علناً، أكثر من مرة، أن تل أبيب تعتزم الاحتفاظ بالسيطرة على تلك المواقع.
كما رجح الشرع التوصل إلى اتفاقات أخرى “إذا نجح الاتفاق الأمني”، دون أن يقدم تفاصيل أخرى، غير أنه شدد على أن اتفاقاً للسلام أو التطبيع، مثل اتفاقيات أبراهام التي توسطت فيها الولايات المتحدة ووافقت بموجبها عدة دول عربية على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ليس مطروحاً حالياً.
وبخصوص الجولان، اعتبر الشرع أن من السابق لأوانه مناقشة مصير الهضبة التي تحتلها إسرائيل لأنها “قصة كبيرة”. يُشار في هذا السياق إلى تعبير الحكومة الإسرائيلية في وقت سابق عن رفضها أي انسحاب من الجولان المحتل منذ عقود. وكانت وكالة رويترز قد ذكرت هذا الأسبوع أن إسرائيل استبعدت تسليم المنطقة التي اعترف بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جانب واحد منطقةً إسرائيلية خلال فترة ولايته الأولى. وقال الشرع للصحافيين مبتسماً: “هي حالة صعبة أن تكون مفاوضات بين شامي ويهودي”.
مصدر بالخارجية السورية: اتفاقات متتالية ستبرم مع إسرائيل قبل نهاية العام
وفي السياق، أفاد مصدر في وزارة الخارجية السورية في دمشق، اليوم الخميس، بأنّ سورية وإسرائيل ستُبرمان “اتفاقيات متتالية” قبل نهاية العام الحالي. وقال المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، لوكالة فرانس برس، إن “هناك تقدّماً في المحادثات مع إسرائيل وستكون هناك اتفاقات متتالية قبل نهاية العام الجاري مع الجانب الإسرائيلي”، مشيراً إلى أنّها “بالدرجة الأولى اتفاقات أمنية وعسكرية”.
وأوضح المصدر أنّ الجانبين يريدان التوصل إلى اتفاق “يوقف الأعمال العسكرية داخل سورية، ولاحقاً اتفاقات تعود بالنفع على السوريين”.
وتجري سورية وإسرائيل محادثات للتوصل إلى اتفاق، تأمل دمشق أن يضمن وقف الغارات الجوية الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي توغلت فيها في جنوب سورية. وكانت وكالة رويترز قد أفادت في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن واشنطن تضغط على سورية للتوصل إلى اتفاق قبل أن يجتمع زعماء العالم الأسبوع المقبل لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. لكن الشرع نفى ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على سورية، وقال بدلاً من ذلك إنّها تلعب دور الوسيط.
أزمة السويداء عرقلت اتفاقاً أمنياً بين سورية وإسرائيل في يوليو
إلى ذلك، وحول أزمة السويداء، كشف الشرع أيضاً أن سورية وإسرائيل كانتا على بعد “أربعة أو خمسة أيام” فقط من التوصل إلى أساس اتفاق أمني في يوليو/تموز الماضي، لكن التطورات في محافظة السويداء الجنوبية عرقلت تلك المناقشات. وانتشرت القوات السورية في السويداء في يوليو لوقف القتال بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو. لكن أعمال العنف تفاقمت وسط اتهامات للقوات السورية بتنفيذ عمليات قتل شبيهة بالإعدام، إضافة إلى قصف إسرائيل جنوب سورية ووزارة الدفاع في دمشق وموقعاً قريباً من القصر الرئاسي. ووصف الشرع الضربات قرب القصر الرئاسي بأنها “ليست رسالة بل إعلان حرب”، مؤكداً أن دمشق امتنعت عن الرد عسكرياً حفاظاً على المفاوضات.
(رويترز، فرانس برس، العربي الجديد)
العربي الجديد
———————-
ما وراء المفاوضات السورية الإسرائيلية.. أمن بلا سيادة
18 سبتمبر 2025
شهدت الساعات الأخيرة تسارعًا غير مسبوق في مسار المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، مع تسريبات متناقضة بين التفاؤل الحذر والتشكيك العميق. فمن لقاء مطوّل في لندن، إلى زيارة مرتقبة لوزير الخارجية السوري إلى واشنطن، وصولًا إلى تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، يبدو أن الأطراف تدخل مرحلة جديدة من التفاهمات الأمنية، أقرب إلى إعادة إنتاج اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، منها إلى تسوية سياسية شاملة.
لقاء لندن وبوابة واشنطن
كشف موقع” أكسيوس” الأميركي أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، عقد لقاءً مطولًا في لندن مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك. وُصف الاجتماع، الذي استمر خمس ساعات، بأنه حقق تقدّمًا نحو اتفاق محتمل، من دون الكشف عن تفاصيل.
بالتزامن، يستعد الشيباني لزيارة واشنطن، في أول زيارة لمسؤول سوري رفيع منذ أكثر من ربع قرن، حيث يلتقي أعضاء في الكونغرس لمناقشة رفع عقوبات قانون قيصر.
وأوضح السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، أنه سيدعم هذه الخطوة بشرطين: انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف ضد “داعش”، وإحراز تقدم في الاتفاق الأمني مع إسرائيل.
كما أشارت “أكسيوس” إلى احتمال لقاء الشيباني وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يوم الجمعة.
الموقف السوري.. تفاؤل وتحفظ
في تصريحات لوكالة “رويترز”، وصف الرئيس أحمد الشرع الاتفاقية الأمنية بأنها “ضرورة” قد تفتح الباب أمام تفاهمات أخرى، لكنه شدد على أن ملف التطبيع “غير مطروح”. وأكد أن واشنطن تلعب دور “الوسيط لا الضاغط”، في رد على تقارير تحدثت عن ضغوط أميركية.
الشرع لم يُخفِ التحديات الميدانية، مذكّرًا بأن إسرائيل نفذت أكثر من ألف غارة و400 توغل بري منذ سقوط النظام السابق، واصفًا الضربات القريبة من القصر الرئاسي بأنها “إعلان حرب”. لكنه ربط إمكان نجاح الاتفاق بوقف التصعيد على الأرض.
أما ملف الجولان فوصفه بـ”القضية الكبرى”، مؤكدًا تأجيله إلى أجل غير مسمى. ما يعني أن أي اتفاق مرتقب سيقتصر على ترتيبات أمنية مرحلية، لا على تسوية سياسية شاملة.
الموقف الإسرائيلي: صمت علني وتسريبات
في الإعلام الإسرائيلي، غابت التصريحات الرسمية، لكن القناة 12 كشفت عن لقاء لندن وأشارت إلى أن المقترح الإسرائيلي يتضمن “خريطة طريق” تمتد من جنوب غرب دمشق إلى أقصى الجنوب السوري المحاذي للجولان، في صيغة تشبه اتفاقية كامب ديفيد من حيث الطابع الأمني.
أما الرسالة الضمنية من ذلك فهي أن إسرائيل تريد تقنين مكاسبها الميدانية بعد كانون الأول/ديسمبر، من دون فتح ملف الجولان أو الدخول في مفاوضات سياسية أوسع.
واشنطن: إنجاز سياسي سريع
في الحسابات الأميركية، لا يُنظر إلى المفاوضات كفرصة لتسوية جذرية، بل كملف يمكن تحويله إلى “إنجاز دبلوماسي سريع” قبيل الجمعية العامة للأمم المتحدة. من هنا، تُستخدم العقوبات كعصا وجزرة في آن واحد: إبقاء “قيصر” قائمًا للضغط، والتلويح برفعه جزئيًا كحافز. لكن هذا المنطق يختزل الأزمة السورية في مجرد ورقة سياسية قابلة للتسويق، ويُخفي مفارقة جوهرية: واشنطن تريد استقرارًا هشًا يُظهر قدرتها على إدارة الصراعات، لا حلًا عميقًا يتطلب التزامًا طويل الأمد.
الدوران التركي والأردني
زار رئيس المخابرات التركية، إبراهيم قالن، دمشق، في ثالث زيارة له منذ سقوط النظام السابق، وذلك بعد يوم واحد من الإعلان عن خارطة طريق ثلاثية بين سوريا والأردن والولايات المتحدة لحل أزمة السويداء.
بحسب الصحف التركية، لعب قالن دورًا في تهدئة أحداث السويداء، وحافظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن وتل أبيب. الزيارة ناقشت أيضًا ملف “قوات سوريا الديمقراطية”، حيث تضغط أنقرة لتنفيذ اتفاق آذار/مارس، مهددة بعمل عسكري إذا لم يتحقق ذلك بحلول نهاية العام.
هذا يوضح أن المفاوضات السورية–الإسرائيلية ليست معزولة، بل جزء من شبكة تفاهمات إقليمية تشمل ملف السويداء، المعابر، و”قسد”.
إدارة أزمة لا تسوية
تبدو المفاوضات وكأنها تمرين في إدارة أزمة أكثر منها بحثًا عن تسوية حقيقية. فإسرائيل تحاول قبل كل شيء تثبيت ما كسبته ميدانيًا، وصياغته في صورة منطقة أمنية جديدة تستعيد روح ترتيبات 1974، مع حرصها الواضح على إبقاء ملف الجولان بعيدًا عن الطاولة. في المقابل، تسعى دمشق إلى تقليل الخسائر قدر المستطاع؛ تعود إلى مرجعية 1974 لتطالب بوقف الغارات وانسحاب إسرائيلي من توغلاتها الأخيرة، وهي تعلم أن سقفها لن يتجاوز مكاسب رمزية. أما واشنطن، فتتعامل مع المسار بمنطق الإنجاز السريع القابل للتسويق السياسي، لا بوصفه مدخلًا لمعالجة جذرية.
وبين هذه الأطراف، تتحرك أنقرة وعمّان كوسطاء محمّلين بأجندات خاصة، فتركيا تربط أي تفاهم بمصير قوات سوريا الديمقراطية وتهديدها بعمل عسكري إذا لم يُنفَّذ اتفاق آذار/مارس، فيما يركّز الأردن على ملف السويداء وضبط الحدود والمعابر.
لهذا فإن ما يُصاغ اليوم لا يرتقي إلى مستوى اتفاق سلام، بل يظل مجرد هدنة أمنية مؤقتة، مرهونة بتوازنات هشة، وقابلة للانهيار عند أول تصعيد ميداني أو خلاف سياسي.
هدوء بلا سلام
تكشف التسريبات الأخيرة، ومعها الخرائط المسربة، أن الأطراف لا تتجه إلى تسوية شاملة بل إلى ترتيب أمني مرحلي، يعيد إنتاج منطق 1974 لكن بصيغة موسعة: منطقة عازلة موسّعة، مناطق منزوعة السلاح، وحظر طيران يمتد جنوب دمشق. أي أنّ إسرائيل تدفع باتجاه نقل خطوط التماس إلى عمق الأراضي السورية، مع إبقاء الجولان خارج النقاش.
وتم تأجيل ملفات الجولان والتطبيع وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين إلى أجل غير مسمّى.
تبدو واشنطن مستعجلة لتسويق إنجاز سياسي سريع، في حين أن إسرائيل حريصة على تقنين مكاسبها الميدانية وتحويلها إلى حدود أمنية جديدة، فيما لا تملك دمشق سوى المساومة على الحد الأدنى: وقف الغارات وانسحاب جزئي من توغلات حديثة.
ما يعني أن الطريق الحالي يقود إلى نموذج إقليمي جديد لإدارة الصراعات، يقوم على تثبيت وقائع ميدانية مقابل مكاسب جزئية. تخرج إسرائيل فيها أكثر رسوخًا في الجنوب، ودمشق أقل سيادة، أما واشنطن فأكثر حضورًا في إدارة التفاصيل. لكن من دون معالجة القضايا الجوهرية، المشار إليها سابقًا، سيبقى الاتفاق هشًّا، ومجرد محطة في مسار أطول من إعادة تشكيل المشرق لا نهاية واضحة له.
الترا سوريا
——————————–
اتفاقات سورية- إسرائيلية متتالية مقبلة.. قبل نهاية 2025
الخميس 2025/09/18
كشف مصدر في وزارة الخارجية السورية عن تقدم في المحادثات بين سوريا وإسرائيل، موضحاً أن الجانبين سيوقّعان “اتفاقيات متتالية” قبل نهاية العام الجاري 2025.
اتفاقات أمنية
وأضاف المصدر لوكالة “فرانس برس”، أن الاتفاقيات المزمع إبرامها بين الجانبين، هي اتفاقات أمنية وعسكرية بالدرجة الأولى، موضحاً أنّ الجانبين يريدان التوصل إلى اتفاق “يوقف الأعمال العسكرية داخل سوريا، ولاحقاً اتفاقات تعود بالنفع على السوريين”.
وأمس الأربعاء، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن المحادثات الأمنية مع إسرائيل قد تؤدي إلى نتائج “في الأيام المقبلة”، مضيفاً أن “إسرائيل يجب أن تحترم مجال سوريا الجوي ووحدة أراضيها”.
وأكد أن “السلام والتطبيع” مع إسرائيل ليسا على الطاولة الآن، مشيراً إلى أن دمشق تسعى إلى إبرام اتفاق مشابه لاتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا لعام 1974، والتي أنشأت منطقة منزوعة السلاح بين البلدين.
الاقتراح الإسرائيلي
في غضون ذلك، نشر معهد دراسات الحرب الأميركية خريطة توضح المقترح الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، لإبرام اتفاقية أمنية مع دمشق.
وينص الاقتراح الإسرائيلي على تشكيل منطقة منزوعة السلاح شرق المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل، يحظر فيها تواجد القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة، من دون أن يحدد حجم المنطقة. كما يتضمن توسيع المنطقة العازلة في منطقة القنيطرة، بمقادر 2 كيلومتر داخل الأراضي السورية، على أن تبقى تحت إشراف قوة “الإندوف” الأممية.
خريطة معهد الحرب الأميركي
كما يتضمن الاقتراح استمرار السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة منذ العام 1967، وكذلك على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية التي تحتلها القوات الإسرائيلية منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
وكذلك، ينص المقترح الإسرائيلي على إنشاء منطقة يحظر على الطيران السوري التحليق في أجواءها، تشمل الجنوب السوري بما في ذلك محافظة السويداء بالكامل مع اقتراح بتوسيعها لتشمل مناطق في جنوب العاصمة دمشق.
ويظهر من خلال الخريطة أن المنطقة منزوعة السلاح، لتشمل نحو محافظة درعا، مع كامل محافظة القنيطرة، جنوبي البلاد.
————————–
لجنة قانونية معينة من الهجري ترفض «خريطة الحل» في السويداء
هبة محمد
18 أيلول 2025
أعلنت «اللجنة القانونية العليا في السويداء»، التي عينها الزعيم الروحي للطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، رفضها لبيان وزارة الخارجية السورية الأخير حول «خريطة الطريق لحل أزمة السويداء»،بعدما حظيت المبادرة نفسها بترحيب إقليمي ودولي واسع.
ووقع وزيرا خارجية سوريا والأردن، أسعد الشيباني وأيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الإثنين اتفاقا حول محافظة السويداء يتضمن خريطة طريق مدعومة من عمّان وواشنطن، عقب ثالث اجتماع بين الأطراف الثلاثة منذ يوليو/ تموز الماضي.
ووفق الشيباني، تتألف خريطة طريق من 6 خطوات للحل في محافظة السويداء جنوب البلاد تكفل الحقوق وتدعم العدالة وتعزز الصلح المجتمعي وتفتح الطريق أمام تضميد الجراح، وتقوم على خطوات عملية بدعم الأردن والولايات المتحدة أولها محاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم وبالتنسيق الكامل مع المنظومة الأممية للتحقيق والتقصي».
ورفضت اللجنة القانونية العليا في السويداء بيان الخارجية حول «خارطة الطريق لحل أزمة السويداء»، معتبرة أن مضمون بيان الخارجية السورية فيه تناقض صارخ حيث «أشار البيان إلى دعوة لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، لكنه عاد ليؤكد أن المحاسبة ستتم وفق القانون السوري. نحن نرى أن هذا التناقض يُفرغ التحقيق الدولي من مضمونه، إذ لا يُعقل أن يكون المتهم هو ذاته القاضي. فالعدالة الدولية تستند إلى مبدأ الاستقلالية والحياد، ولا يمكن القبول باختزالها في قنوات محلية فقدت منذ زمن بعيد أي شرعية أو ثقة».
واعتبرت أن «البيان صوّر الحكومة السورية كطرف محايد يسعى إلى المصالحة، في حين أن الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية كانت شريكا مباشرا في المجازر والانتهاكات التي طالت آلاف المدنيين بين قتلى ومفقودين ومختطفين. إن إنكار المسؤولية لا يفتح طريقا للمصالحة، بل يكرّس سياسة الإفلات من العقاب».
وبرأي اللجنة فإن البيان أكد على انعدام الثقة بالقضاء الوطني، حيث «أثبتت التجربة أن الأجهزة القضائية السورية مسيّسة وتابعة للسلطة التنفيذية، وغير قادرة على توفير أي ضمانات لمحاكمات عادلة. وعليه، فإن أي حديث عن محاسبة عبر القانون السوري لا يُعدو كونه واجهة شكلية لتبييض الجرائم».
ولفتت إلى ما وصفتها بـ «محاولات التفتيت الداخلي من خلال الحديث عن مجالس محلية وقوات شرطية مشتركة، وهو ما نفسره على أنه محاولة فرض وصاية جديدة على السويداء وزرع الفتنة بين أبنائها عبر الدفع بأسماء فقدت الشرعية المجتمعية وخانت قضايا أهلها. ونؤكد في هذا السياق أن هذا النهج المفضوح لن يُفضي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي».
كما أكدت على «الحق في تقرير المصير، إذ أن الجرائم المرتكبة في السويداء، وما سبقها من عقود من التهميش والحرمان والإقصاء، تشكل أسباباً وجيهة للمطالبة بالحق في تقرير المصير. وبناءً عليه، فإن لأبناء السويداء الحق القانوني والأخلاقي في تقرير مصيرهم بحرية واستقلال، سواء عبر الإدارة الذاتية أو الانفصال، باعتباره الخيار الأخير المتاح لضمان أمنهم وكرامتهم ووجودهم».
ودعت المجتمع الدولي وكافة الأطراف الدولية إلى:» عدم الاعتراف بأي ترتيبات تُفرض قسراً على أهالي السويداء، وضمان تحقيق مستقل وآليات محاسبة دولية بعيداً عن هيمنة الحكومة السورية، ودعم حق أبناء السويداء في تقرير مصيرهم، وفقاً للمواثيق الدولية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب»، مشددة على أن «مستقبل السويداء يقرره أبناؤها وحدهم، لا عبر بيانات تُصاغ في دمشق أو تفاهمات خارجية».
واختتمت اللجنة القانونية بيانها بإعلان الرفض «بشكل قاطع لبيان وزارة الخارجية السورية»، مؤكدة أن «ما جرى في تموز/يوليو 2025 لم يكن أحداثاً مؤسفة كما ورد في البيان، بل جرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان. وأن مواجهة هذه الجرائم لا تكون عبر مسرحيات قضائية محلية، بل عبر مسار دولي شفاف يفضي إلى محاسبة الجناة وضمان حق شعب السويداء في الحرية وتقرير المصير».
وأكدّ براك، الأربعاء، أهمية خريطة طريق حل الأزمة في السويداء، في بناء مستقبل سوريا بما يضمن المساواة بين جميع السّوريين.
وقال في تدوينة على منصة «إكس»: «المصالحة تبدأ بخطوة واحدة، وخارطة الطريق لا ترسم مساراً للتعافي فحسب، بل مسارا يمكن للأجيال القادمة من السوريين أن تسلكه، وهم يبنون وطناً يتمتع بالمساواة في الحقوق والواجبات بين الجميع».
وحضر ملف السويداء على ما يبدو خلال لقاء جمع براك مع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط في بيروت.
وكتب عقب لقاء جنبلاط مرفقا صورته مع الزعيم الدرزي: «جزيل الشكر لوليد جنبلاط على حكمته ومكانته الاستثنائية في توحيد الرؤى المشتركة لزعماء الطائفة الدرزية الكرام، الذين يعيشون ضمن حدود وخطوط من صنع الإنسان، لكنهم مع ذلك متمسكون بإله لا تحدّه حدود ولا قيود. إنّ المجتمع الدرزي قادر على الازدهار كجزء من سوريا واحدة، وفي إطار من التسامح والتعاون مع أشقائه الدروز في المنطقة، الذين يعيشون بدورهم ضمن دولهم الوطنية لكنهم يتقاسمون الإيمان بإله واحد، وهذا هدف مشترك لجميع الأطراف المعنية».
كما كتب نجل جنبلاط، النائب تيمور جنبلاط عبر حسابه على منصة «إكس»، أنّه وفريقه «مستمرون في القيام بواجبنا دون ضجيج، لأجل المصالحة الوطنية صوناً لكرامة أهلنا في جبل العرب». وتحظى خريطة الطريق الحكومية، بدعم عربي وإقليمي، إذ رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط باعتماد خريطة الطريق لحل الأزمة في محافظة السويداء على أساس وحدة الأراضي السورية، مؤكداً أنها تمثل خطوة مهمة على طريق استقرار الأوضاع في جنوب سوريا. وشدد جمال رشدي المتحدث باسم أبو الغيط في بيان، على أهمية ما جاء في خريطة الطريق، من أن محافظة السويداء جزء أصيل من سوريا ولا مستقبل لها خارجها، وأن كل المواطنين السوريين متساوون في الحقوق والواجبات في دولتهم.
كذلك، رحبت دولة قطر بخريطة الطريق لحل الأزمة في السويداء وتعزيز الاستقرار في جنوب سوريا.
وأشارت وزارة الخارجية القطرية في بيان نشرته الأربعاء، عبر منصة إكس، إلى أن دولة قطر تعد خريطة الطريق، خطوة مهمة تترجم الإرادة الجماعية لبناء مستقبل سوريا الجديدة وتوطيد الأمن والسلم في المنطقة.
وأكدت في بيانها، دعم دولة قطر الكامل لكل الجهود الإقليمية والدولية الرامية الى تعزيز الاستقرار في سوريا، بما في ذلك ترسيخ السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وتحقيق المساءلة والعدالة وحماية المدنيين، وبناء دولة المؤسسات والقانون وضمان مشاركة كل أطياف الشعب السوري في رسم مستقبل البلاد.
وجدد البيان، موقف دولة قطر الداعم لسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها وتطلعات شعبها في التنمية والازدهار.
وأيضا، رحبت المملكة العربية السعودية بإعلان سوريا اعتماد خريطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء، مؤكدة دعمها لكل ما يحقق أمنها واستقرارها ويحافظ على مقدراتها ووحدة أراضيها.
وجاء في بيان لوزارة الخارجية السعودية على حسابها في منصة إكس: تجدد المملكة العربية السعودية، دعمها لكل الخطوات التي تتخذها سوريا بما يحقق أمنها واستقرارها، ويحافظ على مقدراتها ووحدة أراضيها، ويساهم في بناء مؤسسات الدولة وتطبيق القانون، بما يلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق نحو سوريا أكثر استقراراً وازدهاراً.
وأعربت دولة الكويت عن ترحيبها باعتماد خريطة الطريق، وقالت وزارة الخارجية الكويتية في بيان: نتطلع لأن تسهم هذه الخطوة الهامة في دعم مستقبل سوريا الجديدة وتلبية تطلعات شعبها الشقيق.
وجددت الخارجية موقف دولة الكويت الداعم لكل الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إرساء الأمن والاستقرار في سوريا، والحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها.
القدس العربي
—————————–
قافلة مساعدات جديدة تصل إلى السويداء ومراكز إيواء مؤقتة في درعا
حسام رستم
18 سبتمبر 2025
انطلقت، اليوم الخميس، قافلة مساعدات إنسانية جديدة إلى محافظة السويداء جنوبي سورية، في ظل استمرار المعاناة التي تعيشها المحافظة منذ اندلاع الأعمال القتالية قبل حوالى شهرين. وذكرت الوكالة السورية للأنباء (سانا) أن هذه هي القافلة الثالثة والثلاثون من المساعدات، وتضم 10 شاحنات محملة بـ83 ألف لتر من المازوت و6250 سلة غذائية، إضافة إلى مواد إغاثية أخرى.
وفي السياق، قالت ميساء العبدالله، وهي من سكان السويداء، واصفة الوضع الحالي: “بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها، فالشعب السوري تعوّد خلال 14 عاماً تدبير أموره والتعايش مع الأزمات”. وأضافت: “تحسّن توزيع المحروقات وأصبحت الآلية منطقية أكثر، حيث بدأ الناس يشترون كميات من البنزين والمازوت”.
وأشارت العبدالله في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن الأهالي تسلّموا مساعدات مرة واحدة من الهلال الأحمر في بداية الشهر، لكن كثيرين لم يتمكنوا من الاستفادة منها بسبب نقص الكميات. وأوضحت أن مراكز الإيواء تعتمد حالياً على المبادرات الفردية من الشباب المحلي والمغتربين الذين يرسلون أموالاً لدعمها.
وحول الوضع الصحي، لفتت إلى وجود “نقص يومي في المستلزمات الطبية”، حيث “تُوجه مناشدات مستمرة لتوفير مواد التحاليل والأدوية”. وأكدت العبدالله أن أهم ما يشغل الناس حالياً، رغبتهم في العودة إلى منازلهم قبل فصل الشتاء وبدء الدراسة، معتبرة أن هذه القضية أولوية أهالي السويداء الذين لم يعتادوا النزوح في تاريخهم.
من جانبه، قال كمال السعدي (60 عاماً) من أهالي السويداء: “هناك نقص في كميات الطعام والمساعدات، فالمدينة تستضيف آلاف النازحين والمنازل مكتظة، وهناك نقص في الأدوية والخضراوات، والأسعار باهظة جداً والأهالي يبحثون عن الأساسيات فقط”.
وكانت قافلة مساعدات مكونة من 84 شاحنة قد دخلت المحافظة في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، وتوزعت بين مساعدات إنسانية وأخرى تجارية، عبر طريق دمشق – السويداء.
مراكز إيواء في درعا
وفي سياق متصل، أعلن محافظ السويداء مصطفى البكور، اليوم الخميس، أنه تم تأمين مراكز إيواء مؤقتة، مع تجهيزها لاستقبال المهجرين من السويداء والمقيمين في بعض مدارس درعا، وذلك مع قرب بدء العام الدراسي، وحرصاً من المحافظة على توفير مأوى مناسب لهم، ريثما يتمكن الأهالي من العودة إلى منازلهم في السويداء. ويقيم آلاف المهجرين من السويداء في مدارس محافظة درعا ومراكز مؤقتة. وجاء إعلان المحافظة بالتزامن مع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي في سورية يوم الأحد المقبل.
———————–
====================
تحديث 16 أيلول 2025
—————————–
خرائط تبتلع المشرق: إسرائيل تنفذ والشام ورقة ابتزاز/ سوسن مهنا
المنطقة ليست أمام مشروعين قوميين يتصارعان على شكل الحدود، بل أمام مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض
الأحد 14 سبتمبر 2025
تعيش المنطقة اليوم اختباراً مزدوجاً “إسرائيل الكبرى” كمنظومة توسعية وظيفية تترجم إلى قرارات وخرائط ميدانية مقابل “بلاد الشام الكبرى” التي تبقى لغة تحذير وضغط أكثر منها مشروعاً قابلاً للتنفيذ. وإذا لم تتبلور مظلة تسوية ملزمة، أي اعتراف واضح بدولة فلسطين وترتيبات أمنية قابلة للقياس وضمانات حدودية، فسيتقدم المشروع الإسرائيلي الوظيفي افتراضياً لأنه يعمل بمنطق قضم الأرض والوقت، لا بمنطق صفقة نهائية متكاملة.
في لحظة يتقاطع فيها انهيار الصيغ القديمة للسيادة مع اندفاعة خرائط جديدة للأمن والممرات في الإقليم خرج إلى السطح مستويان غير متناظرين من التصريحات، المستوى الأول قد يكون رسمياً مباشراً مدروساً ومقصوداً، مثل خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى”، والمستوى الثاني قد يكون عفوياً أو ارتجالياً أو “زلة لسان”، مثل كلام المبعوث الأميركي إلى المنطقة توم براك “عن بلاد الشام الكبرى”. وأحدهما يحمل ثقلاً استراتيجياً، والآخر يحمل بعداً تنفيذياً واضحاً.
فماذا قال الرجلان؟
في يوليو (تموز) الماضي، وخلال حديث إعلامي، قال براك إن لبنان يواجه تهديداً وجودياً، وإذا لم يتحرك فقد يعود إلى “بلاد الشام” مرة أخرى. وحذر من أن “لبنان يواجه خطر الوقوع في قبضة القوى الإقليمية ما لم تتحرك بيروت لمعالجة مسألة سلاح (حزب الله)”. واعتبر المبعوث الأميركي أن “لبنان في حاجة إلى حل هذه القضية، وإلا فقد يواجه تهديداً وجوديا”، مضيفاً “لديك إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والآن لديك سوريا التي تتجلى بسرعة كبيرة، لدرجة أنه إذا لم يتحرك لبنان، فسيصبح مرة أخرى ضمن بلاد الشام”.
في المقابل أكد بنيامين نتنياهو في مقابلة إعلامية خلال أغسطس (آب) الماضي أنه في “مهمة تاريخية وروحية” مرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، متحدثاً عن “الحلم الإسرائيلي” بوصفه “مهمة أجيال” يسلمها جيل إلى جيل، وكيف أنه يشعر بأنه في مهمة “روحية وتاريخية” من أجل الشعب اليهودي. فما كان من المحاور شارون غال، وهو بالمناسبة نائب يميني سابق، أن أهداه علبة بها فيها خريطة “إسرائيل الكبرى”، وقال غال “لا أهديها لك، فلا أريد توريطك (وذلك بسبب قضية الهدايا التي تلاحق نتنياهو)، بل هذه هدية لزوجتك سارة”، وفقاً لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.
الهدية… خريطة
سلطت هذه “الهدية الخريطة” الأضواء على معانيها، وكانت محوراً لتحليلات عديدة حول النية والغاية من ورائها، واحتمالات التوسع الإسرائيلي وممر النفوذ الإقليمي.
وبالعودة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً في يوليو الماضي، وخلال الاجتماع الذي عقد بمقر إقامة كبار ضيوف الولايات المتحدة، وحضره نتنياهو إلى جانب وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم ووزير الطاقة كريس رايت والسفير مايك هاكابي أعلن رسمياً عن توقيع اتفاقات في مجالي الطاقة والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك ركزت عدسات الكاميرات على الخريطة التي حملت تظليلاً برتقالياً يغطي مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وخطاً أسود يمتد من قطاع غزة حتى مدينة مكة، وإشارات نصية فوق هذه البلدان. وفتح وجود خريطة سياسية بهذه التفاصيل على الطاولة الباب أمام تساؤلات حول الأجندة الحقيقية خلف اللقاء الذي من المفترض أن يكون اقتصادياً وتكنولوجياً وليس سياسياً.
“إسرائيل الكبرى”
أين وُلد المفهوم، وكيف تغير مع الوقت، وكيف يترجم اليوم على الأرض وعلى الخرائط والخطاب؟
من البديهي الإشارة بداية إلى أن المصطلح ليس واحداً وبمعنى واحد، إذ تستعمل في اللغة العبرية عبارة “أرض إسرائيل الكاملة/ المتكاملة” (إرتس يسرائيل هشليماه)، وهو ليس اصطلاحاً جغرافياً، وإنما يشير إلى أرض بني إسرائيل، ويقصد بها عند تيارات يمينية – قومية السيطرة على كامل “أرض إسرائيل” كما تعرفها تلك التيارات. في حين يترجم تعبير” إسرائيل الكبرى” في اللغة السياسية، لوصف تصورات توسعية متفاوتة أكثر منه تسمية قانونية رسمية.
أي يبقى الأمر في ظل “المفهوم”، ولا يعني خريطة واحدة ملزمة للدولة.
خطة آلون عام 1967
تاريخياً، تشابك هذا المفهوم مع الصهيونية التصحيحية، ثم مع حركات ما بعد 1967، وبعد حرب يونيو (حزيران) من هذا العام، أو الحرب العربية – الإسرائيلية الثالثة، نشأت “حركة أرض إسرائيل الكاملة”، وتوسعت المستوطنات كأداة لصناعة وقائع على الأرض.
وبالتوازي طُرحت خطط مثل “خطة آلون” التي قدمها الوزير الإسرائيلي السابق إيغال آلون لتأمين شريط أمني في الأغوار وإحكام السيطرة شرق الضفة الغربية، وهي التي ظلت تلهم هندسة السيطرة حتى اليوم. وقضت الخطة بتقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن وإقامة دولة درزية في هضبة الجولان جنوب سوريا الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي وإعادة غالبية شبه جزيرة سيناء إلى السيطرة العربية.
وكان الهدف العام للخطة هو ضم معظم غور الأردن من النهر إلى المنحدرات الشرقية لحافة تلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وكتلة “جوش عتصيون” (أكبر التكتلات الاستيطانية في الضفة الغربية) إلى إسرائيل. أما الأجزاء المتبقية من الضفة الغربية التي يقطنها فلسطينيون، فكانت ستصبح أراضي تحت الحكم الذاتي الفلسطيني، أو ستعود إلى الأردن، على أن تتضمن الخطة ممراً من الضفة إلى الأردن من خلال أريحا، لكن الملك الأردني حينها الحسين بن طلال رفضها. وتوفي آلون عام 1980، وفي العام التالي صدقت الحكومة الإسرائيلية على قانون هضبة الجولان، لتضم فعلياً غالبية المحافظة.
خرائط لا تتطابق
بالعودة إلى فكرة “إسرائيل الكبرى” يمكن تفسير ثلاث صيغ لهذا المفهوم:
أولاً، الصيغة الضيقة، وهي الصيغة السياسية، أي تعبير “من البحر إلى النهر”، واعتبار الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة ضمن أرض إسرائيل الخاضعة للسيادة الفعلية أو المرغوبة، وهي التي ظهرت بوضوح في خرائط نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023، والتي أزالت الكيان الفلسطيني عن الخريطة، وفي خريطة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بباريس في العام ذاته، والتي ضمت الأردن بصفته “إسرائيل التاريخية” بحسب الطرح اليميني المتشدد.
ثانياً، الصيغة الوظيفية، وتعني سيطرة بلا إعلان ضم شامل، أي إدارة المجال الحيوي عبر استيطان مفاصل ومناطق عازلة وممرات وضم وزحف بدلاً من ترسيم حدود نهائية. والمثال الأبرز اليوم هو إقرار مشروع E1 (أغسطس 2025) الذي يقطع تواصل الضفة فعلياً، وممر “نتساريم”، أي الأحزمة داخل غزة، والتي تشطر القطاع وتنشئ منطقة عازلة واسعة.
ثالثاً، الصيغة القصوى، وهي صيغة أقرب إلى الإنشاء، أي عبارة “أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، وتتداول في خطاب ديني – أيديولوجي وإعلام جدلي، أكثر من كونها سياسة دولة معتمدة، كما أن أسطورة خطي علم إسرائيل، النيل والفرات، منفية في المصادر اليهودية والرسمية.
“بلاد الشام الكبرى”
لكن على المقلب الآخر، ماذا تعني عبارة “بلاد الشام الكبرى”؟
عملياً، المصطلح ليس مصطلحاً جديداً في الذاكرة السياسية للمشرق، لكنه اليوم يعود بلباس مختلف وأقرب إلى لغة الضغط والتهويل منها إلى مشروع اندماجي متماسك، فيما نادى مؤسس “الحزب السوري القومي الاجتماعي” أنطون سعادة عام 1932 بـ”الأمة السورية” أو “سوريا الكبرى”، ورفع شعار “سوريا للسوريين، والسوريون أمة تامة”.
تاريخياً، ارتبطت “الشام الكبرى” بفكرة وحدة جغرافية – حضارية تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وهي مساحة صاغت هويتها المشتركة عوامل دينية ولغوية وتجارية قبل أن تفصلها حدود “سايكس – بيكو “مطلع القرن الـ20، وهذه الحدود رسمت دولاً حديثة هشة حملت تناقضات طائفية واقتصادية، ووقعت لاحقاً في أسر النزاعات العربية – الإسرائيلية.
لكن في السياق الراهن، عودة التعبير عبر تصريحات توم براك لم تقصد لإحياء مشروع مشرقي وحدوي بقدر ما جاءت كأداة تحذير سياسي، أي التلويح بأن انهيار الدولة اللبنانية وعجزها عن ضبط السلاح غير الشرعي قد يفتحان الباب أمام إعادة هندسة الحدود نفسها، وربطها بإطار فوق – قطري يذكر بمفهوم “الشام الكبرى”. بمعنى آخر، إن “الشام الكبرى” هنا ليست حلماً قومياً، بل فزعة جيوسياسية تستثمر في رهاب انهيار “سايكس – بيكو”.
في المقابل تستمد العبارة زخمها من ثلاثة عناصر متقاطعة:
أولاً، هشاشة الدولة الوطنية، حيث تسود أزمات سيادية عميقة في لبنان وسوريا، ويقع الأردن تحت ضغط جيوسياسي واقتصادي، في حين أن فلسطين تخضع لهندسة إسرائيلية أمنية بطبيعة الحال.
ثانياً، التبدل في خطاب القوى الدولية، بحيث يُوحي الاستخدام الأميركي لتعبير “الشام” بأن البديل عن الترتيبات الأممية (1701 في لبنان) قد يكون إطاراً فوق – قطري، يعيد ترتيب الأمن والاقتصاد.
وثالثاً، وفي البعد السيكولوجي الرمزي، فإن التعبير عابر للذاكرة الجماعية، وعبر استدعاء “بلاد الشام” يعيد إلى الأذهان فكرة وحدة الأرض والمصير، لكن توظيفها اليوم يتم على نحو مغاير، أي كأداة ابتزاز سياسي، وليس مشروعاً نهضوياً.
إذاً، “بلاد الشام الكبرى” في خطاب اليوم ليست برنامجاً قابلاً للتنفيذ، بل ورقة ضغط على الطاولة، وتستخدم للتذكير بأن الدول المشرقية إذا فشلت في صيانة سيادتها، فسيتحول الفراغ إلى مشاريع هندسة حدودية عابرة للدولة الوطنية.
المنطقة بين مشروعين
هل المنطقة فعلاً تتأرجح بين مشروعين، “إسرائيل الكبرى” و”بلاد الشام الكبرى”؟
من الثابت أنه ليست هناك حركة متذبذبة بين مشروعين متكافئين. وما يجري عملياً هو مسار إسرائيلي وظيفي يتقدم بأدوات تنفيذ ميدانية كالاستيطان وأحزمة أمنية وممرات الضبط، والترتيبات التي يحكى عنها عن خطوط تماسٍ جديدة، وهو امتداد عملي لأفكار “أرض إسرائيل الكاملة – الكبرى” منذ ما بعد 1967.
في المقابل تعود “الشام الكبرى” اليوم غالباً كـ”لغة ضغط” أكثر منها مشروع اندماجي جاهز، وتمتلك جذورها الفكرية القديمة من فكرة “سوريا – الشام الكبرى” عند أنطون سعادة المفكر القومي السياسي اللبناني، وتجربة “المملكة العربية السورية” (1918-1920)، لكن بلا رافعات مؤسسية واقعية في الراهن، بالتالي لا تتأرجح المنطقة بين مشروعين متساويين، بل تتجه افتراضياً نحو ترسيم وظيفي تراكمي تقوده إسرائيل، بينما تستخدم “الشام الكبرى” كرافعة خطابية وردعية لإكراه اللاعبين في المنطقة على تنازلات داخل الحدود القائمة.
السيناريوهات المتوقعة
تمتلك إسرائيل أدوات صلبة تتضمن قرارات تخطيطية وأمنية وقدرة على إدارة الحوكمة داخل المناطق التي تسيطر عليها، وهذا ظهر في خطاب نتنياهو و”خريطته” عام 2023، والتي أزالت فلسطين من الصورة تحت عنوان “شرق أوسط جديد” قائم على توسيع التطبيع ومشاريع البنى التحتية الإقليمية.
شرعية القانون الدولي
في المقابل يضع إطار قرارات مجلس الأمن ما بعد عام 1967، وتحديداً القرار رقم 242، ومن القرار رقم 2334 عام 2016، سقفاً قانونياً ضد الضم والاستيطان، ويؤكد “حدوداً آمنة ومعترفاً بها”، عبر التفاوض، لا بفرض الأمر الواقع، لكنه سقف لا يملك آلية تنفيذية، من هنا يصطدم هذا المسار بهذا السقف، من دون أن يتوقف تلقائياً، وبقوة القانون.
فما السيناريوهات المتوقعة وبحسب المعطيات خلال الـ12 والـ18 شهراً المقبلين؟
“الوظيفية الأمنية” الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية
في لبنان يتجه الوضع نحو تشديد الرقابة على السلاح جنوب الليطاني وتوسيع نطاق المراقبة البرية والجوية، كما أن هناك مطلباً أميركياً بضرورة نزع سلاح الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية، وبخاصة سلاح “حزب الله”. هذا المسار يؤدي عملياً إلى تقليص قدرة الفعل العسكري للحزب مقابل تمدد تدريجي لترتيبات إسرائيلية – دولية تضبط حركة الأفراد والسلاح، لكن اندلاع جولات القتال المتكررة، وبخاصة ما بعد “حرب الإسناد”، سيفرض واقعاً جديداً يتمثل في منطقة عازلة متغيرة العمق مع إخلاءات مدنية في القرى الحدودية، وهذا يعزز منطق “الوظيفية الأمنية” الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية.
جنوب سوريا (القنيطرة – درعا – السويداء)
في المقابل تبدو المنطقة في الجنوب السوري وكأنها ذاهبة نحو تثبيت وضع قائم منخفض التوتر عبر ضربات إسرائيلية مركزة على أهداف محددة، بهدف تقليص ما تعده تهديداً لأمنها قرب الحدود والإبقاء على الجنوب السوري كـ”منطقة تماس مرنة”. وهذا ما أشار إليه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي تعهد بقاء قوات الجيش الإسرائيلي في سوريا للدفاع عن الشمال الإسرائيلي، وكان أشار بصورة واضحة إلى تسعة مواقع ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، ويقع معظمها ضمن المنطقة العازلة التي توجد فيها الأمم المتحدة بين البلدين، وتصل في بعض نقاطها إلى عمق 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية. وتحدثت تقارير إعلامية وأمنية عن الترتيبات الأمنية التي يجري الحديث في شأنها بين البلدين، وحول “نزع السلاح” السوري بصورة كاملة من جنوب دمشق حتى السويداء ذات الغالبية الدرزية. وتحت عنوان “ممر إنساني” يمتد من إسرائيل وصولاً إلى جبل العرب بالسويداء، تسعى إسرائيل إلى الإبقاء على حرية توغلها بين الحين والآخر، واستخدام هذا الممر في دوريات أمن وأعمال استخبارات للتأكد من عدم وجود تهديدات مستقبلية.
كيف ينظر القانون الدولي إلى هذه المسارات؟
الضم الرسمي الإسرائيلي للقدس الشرقية عبر قانون 1980 وقانون الجولان عام 1981، كلاهما غير معترف به دولياً، بحسب قرار مجلس الأمن رقم (497)، وهذه سوابق تبين قابلية توسيع السيادة أحادياً عندما تتوفر نافذة سياسية داخلية، حتى لو بقيت قرارات متنازع عليها دولياً. وفي الترجمة الواقعية الراهنة تثبتت إسرائيل سيطرة أمنية – لوجيستية طويلة الأمد من دون تصريح بحدود نهائية، وذلك عبر دمج الاستيطان بخطط ربط و”أمن دائم” في الضفة (E1) وهندسة الطرق والممرات في غزة وأحزمة تمتد إلى 700–1100 متر، وذلك بحسب تقارير أممية ومنظمات دولية.
لماذا يتقدم مشروع “إسرائيل الكبرى” في المنطقة؟
يقوم المشروع الإسرائيلي على أدوات تنفيذية ملموسة يمكن تسميتها “الوظيفية التوسعية”، في حين أن استعمال مصطلح “بلاد الشام الكبرى” يبقى في إطار التلويح لفرض سلوكيات أمنية داخل الحدود القائمة، كما أن “إسرائيل الكبرى” ليست قانوناً نافذاً ولا خريطة رسمية موحدة، بل هي طيف من التصورات، تبدأ من قراءة دينية متشددة، مروراً ببرنامج سياسي – استيطاني تبلور بعد حرب 1967، وصولاً إلى نموذج راهن يقوم على السيطرة التدريجية بين عامي 2023 و2025. وهذا النموذج يدمج الاستيطان مع الأحزمة والممرات، ويتحكم في حركة السكان والموارد من دون إعلان حدود نهائية. والجديد ليس في الخطاب فحسب، كما ظهر في خرائط نتنياهو وسموتريتش، بل في أدوات التنفيذ، كالقرارات الاستيطانية، والمناطق العازلة في غزة، وتلك التي يحكى عنها على الحدود الجنوبية للبنان وسوريا، والتي تعيد تعريف الحدود كآلية ضبط متحركة، أي إن جوهر النسخة الحالية من “إسرائيل الكبرى” هو توسع بلا إعلان رسمي، يراكم الوقائع على الأرض، ثم يفاوض عليها.
هذه النسخة ليست استدعاءً توراتياً ولا خطة ضم شامل تقليدية، إنها هندسة أمنية – اقتصادية لإدارة المجال الحيوي المحيط بإسرائيل عبر طبقات متداخلة، وممرات تفصل وتتحكم كما في غزة، كتل استيطان، وتقطيع أوصال التواصل، كما في الضفة، وترتيبات تماس شمالاً وجنوباً تحول الحدود من خط سياسي إلى وسيلة ضبط متحركة. وهنا تُستبدل بلغة الخرائط لغة الحدود، وتصبح السيادة درجات متفاوتة، مناطق منزوعة من المدنيين، ومراقبة صارمة للحركة، وسيطرة غير مباشرة على الموارد والطاقة والمعابر.
مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض
لذا تبرز فرضية هذا التحليل، أي إن المنطقة ليست أمام مشروعين قوميين يتصارعان على شكل المشرق، بل أمام مشروع إسرائيلي يعمل بأدواته على الأرض، في مواجهة إطار لغوي – سياسي يستخدم كرافعة ضغط. الصراع الحقيقي ليس بين “إسرائيل الكبرى” و”الشام الكبرى”، بل بين سيادة كلاسيكية تتآكل ووظيفية عابرة للحدود تتمدد.
ويعزز هذا الاتجاه اجتماع أربعة محركات أساسية هي هشاشة الدول الوطنية في جوار إسرائيل وتحويل الطاقة والممرات إلى قضية أمن قومي وإنهاك الأطر الأممية والقانونية وتفريغها تدريجاً واتساع اقتصاد الحرب والميليشيات بما يفرض خرائط أمن بديلة.
هكذا يميل الميزان لمصلحة المشروع الذي يمتلك أدوات التنفيذ ولو بلا خريطة نهائية، في مواجهة رؤية فوق – قطرية تستخدم كأداة تفاوض وتخويف أكثر منها خطة اندماج مشرقي حقيقية.
في المحصلة، تعيش المنطقة اليوم اختباراً مزدوجاً، “إسرائيل الكبرى” كمنظومة توسعية وظيفية تترجم إلى قرارات وخرائط ميدانية، مقابل “بلاد الشام الكبرى” التي تبقى لغة تحذير وضغط، وإذا لم تتبلور مظلة تسوية ملزمة، أي اعتراف واضح بدولة فلسطين وترتيبات أمنية قابلة للقياس وضمانات حدودية، فسيتقدم المشروع الإسرائيلي الوظيفي لأنه يعمل بمنطق قضم الأرض والوقت، لا بمنطق صفقة نهائية متكاملة.
—————————-
المنطقة بين التأهّب للحرب ومحاولات كسب الوقت/ محمد فواز
2025.09.16
لا تستريح إسرائيل في المنطقة ولا تستكين، فهي ترى اللحظة بعينين متناقضتين. فمن جهة، تعتبر هذه اللحظة فرصة ذهبية للهيمنة الإقليمية ولتكريس نفسها كـ«إسرائيل الكبرى»، إن لم يكن عبر التوسع الجغرافي المباشر، فعبر النفوذ والسيطرة على القرار في المحيط، وربط دول المنطقة جيوسياسيًا بها، ناهيك عن تقطيع أوصال المنطقة. هذه الرؤية المتحفّزة تدفعها إلى تكثيف جهودها السياسية والعسكرية، خاصة في ظل عقلية بنيامين نتنياهو الذي لا يخفي أهدافه ومخططاته، بل كتب عنها صراحة في مؤلفاته التي تضع التوسع الإسرائيلي في قلب الاستراتيجية.
لكن من الجهة الأخرى، تنظر إسرائيل إلى اللحظة باعتبارها تهديدًا وجوديًا غير مسبوق. فمنذ 7 أكتوبر، تعرضت بنيتها النفسية لصدمة كبرى، واهتزت صورة المؤسسة العسكرية، كما اهتزت ثقة المجتمع الإسرائيلي بقدرة دولته على الاستمرار. تكررت الأزمات الداخلية والخارجية، وأُثيرت أسئلة وجودية حول مستقبل إسرائيل. هذه النظرة الإسرائيلية المتناقضة تترافق في الوقت نفسه مع تغيرات جوهرية بتراجع النفوذ الإيراني مقابل تحفّز أمريكي وخليجي في المنطقة، بما يحمله ذلك من انعكاسات ديمغرافية وسياسية. إلى جانب ذلك، ترى إسرائيل بانقلاب النظام في سوريا نفوذًا تركيًا على حدودها، في حين يُعاد تشكيل سوريا الجديدة من مجموعات وقيادات أعلنت منذ بداية حياتها أن هدفها النهائي هو تحرير فلسطين، وهي تمتلك القدرة على الحشد المفتوح في المنطقة. هذه العوامل تجعل اللحظة بالنسبة إلى إسرائيل لحظة خوفٍ وجودي، وهو ما يدفعها إلى التصلّب والجنون في التعامل مع الملفات الإقليمية.
وإذا بدت النظرتان متناقضتين، إلا أن النتيجة واحدة: تحفّز دائم، محاولات توسّع، ورفض قاطع لكل حلول التهدئة قبل سحق الخصوم أو إخضاعهم بالكامل. بل إن إسرائيل حوّلت معركتها إلى معركة ديمغرافية تهدف إلى طرد سكان غزة والمناطق المحاذية أو إجبارهم على الولاء التام، مع فرض مراقبة لصيقة على من يبقون ليس في فلسطين فحسب، بل في المنطقة ككل.
في غزة، تتكرر المبادرات السياسية، وتبدي حماس مرونة بالموافقة على عددٍ منها، لكن إسرائيل ترفضها جميعًا وتطلق عملية عسكرية جديدة تلو الأخرى. الحرب تبدو مفتوحة لا هدف لها سوى التهجير، ولو على مراحل، مع سحقٍ للبنية الحياتية في القطاع ليكون مكانًا مستحيل العيش فيه ولو انتهت الحرب.
في لبنان، ترفض إسرائيل تقديم أي تنازل. بل إنها تطالب، مع الأميركي، بمنطقة عازلة في الجنوب تكون خالية من السكان مع حضورٍ أميركي فيها، وتسعى لإنهاء القدرات العسكرية لحزب الله من دون تقديم أي مقابل سياسي أو أمني. بل أكثر من ذلك، تعمل إسرائيل على تقويض دور قوات اليونيفيل، وإضعاف الجيش اللبناني ومنعه من أن يكون شريكًا حقيقيًا على خطوط التماس. كل ذلك يعكس أن إسرائيل لا تبحث عن تسوية بقدر ما تبحث عن فرض واقع جديد بالقوة.
في اليمن، صعّدت إسرائيل عملياتها بشكلٍ ملحوظ. ففي 28 أغسطس نفّذت غارة جوية في قلب العاصمة صنعاء، استهدفت مواقع قيادية، وأدّت إلى اغتيال رئيس حكومة الحوثيين أحمد الرهوي وعددٍ من الوزراء والمسؤولين. هذه الضربة مثّلت تصعيدًا إسرائيليًا غير مسبوق في الساحة اليمنية وإنذارًا يطال البيئات الحاضنة والأجنحة السياسية لمجموعات إيران في المنطقة مهما بَعُدت جغرافيًا.
أما في سوريا، فيتسارع المشهد؛ فمن قصفٍ كان يستهدف أطراف دمشق بين الحين والآخر، انتقلت إسرائيل في 16 تموز/يوليو 2025 إلى ضرب قلب العاصمة نفسها، مستهدِفةً مدخل مقر وزارة الدفاع وموقعًا قرب القصر الجمهوري، بذريعة حماية الدروز في خضم أحداث السويداء.
لم تتوقف العمليات عند هذا الحد. فبعد أيام، وُثّقت ضربات مركّزة داخل السويداء طالت مناطق ولغا والمزرعة ونجران والثعلة، تبعتها غارات بمسيّرات على مواقع في الكسوة أودت بحياة جنودٍ سوريين. وعلى الأرض، ظهرت سابقة جديدة: توغّلات برية إسرائيلية أوسع.
دمشق ردّت بلهجة غير معهودة، إذ وصفت الهجمات بأنها «تصعيدٌ خطير» وأكدت «حق الدفاع الشرعي». في هذا المناخ المتوتر، خرج الرئيس السوري أحمد الشرع بخطابٍ مسجّل مساء 17 تموز/يوليو، هاجم فيه إسرائيل، متهمًا إياها بالسعي إلى خلق الفوضى ودفع بلاده إلى حربٍ أهلية. قال الشرع: «لن نمنحهم فرصة توريط شعبنا في الحرب التي يريدون إشعالها على أرضنا. حربٌ هدفها تفكيك وطننا وإحداث الفوضى والدمار».
أكدت تصريحات الشرع وعيَ الإدارة السورية للرؤية الإسرائيلية، مقابل تصريح نتنياهو اللافت عن سوريا بأنه: ليس «شخصًا ساذجًا وأفهم تمامًا مع من نتعامل في سوريا، ولهذا السبب استخدمنا القوة»، على حدّ تعبيره، وهو ما يُظهر ما تُضمره إسرائيل تجاه سوريا الجديدة.
ولو أن التواصل بين سوريا وإسرائيل أصبح علنيًا، إلا أنه لم يستطع أن يمنع توتّر العلاقة التي تستمر فيها إسرائيل في محاولة التقدّم ورسم خطوطٍ حمراء جديدة.
تركيا، التي رأت في هذه الخطوط الحمراء تهديدًا مباشرًا لها، بدأت بالتحرّك الاستراتيجي. فتركيا كثّفت تحركاتها العسكرية الاستراتيجية في الآونة الأخيرة، فأعلنت عن خطواتٍ عملية مثل تعزيز مشاريع تطوير الصناعات الدفاعية، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، وإعلان خططٍ لتوسيع شبكة الملاجئ المدنية في عددٍ من المدن الكبرى لمواجهة أي سيناريو حربٍ محتملة، وتسريع برامج تحديث الجيش وإعادة هيكلته لمواجهة تهديداتٍ غير تقليدية.
هذه الإجراءات عكست إدراك تركيا بأن الخطر لم يعد نظريًا، بل صار ملموسًا يستدعي التحضير العسكري والمدني على حدٍّ سواء.
أما إيران، فهي لم تُغلق بعد صفحة الصراع مع إسرائيل رغم انتهاء حرب 12 يومًا. صحيحٌ أن هناك مفاوضاتٍ قادمة مع الولايات المتحدة، لكن مقدماتها لا توحي بإيجابية. حتى الآن، يبدو التوجّه الإيراني هو التمسّك بالواقع الحالي، ومحاولة كسب الوقت بانتظار استعادة شيء من القوة لمعركةٍ قادمة. إيران تعرف أن ميزان القوة مختل، لكنها في الوقت نفسه ترى الحلول أمامها بين الاستسلام والمواجهة الحتمية، فتختار تأخيرها.
لقد كانت استراتيجية الجميع في السنوات الماضية هي تجاهل «الفيل في الغرفة»، فكانت الاستراتيجيات هي محاولة إبعاده عبر التفاوض وادّعاء القوة وبناء شيءٍ منها، لكن من دون استشعار خطرٍ قريب. لكن الأحداث الأخيرة أكدت حقيقتين متناقضتين: أن إسرائيل فرعون المنطقة بقوة الولايات المتحدة، وأن التفاوض وحده لم ولن يكون كافيًا لمنع إسرائيل من التهام المنطقة.
من هنا، أصبحت استراتيجيات المنطقة، من إيران وتركيا إلى سوريا الجديدة وحزب الله، قائمةً على كسب الوقت والإعداد لصراعٍ قادم مع إسرائيل. الجميع يدرك اختلال ميزان القوى، ويحاول تأجيل الصدام قدر الإمكان، لكنهم في الوقت نفسه يستعدّون له.
هذا الإدراك العميق هو ما منع القوى المذكورة من الانخراط في اقتتالٍ داخلي واسعٍ بينها، رغم حجم الثارات السابقة والدوافع المستمرة لذلك. الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بوجود إسرائيل ـ الوحش الذي يحاول التهام المنطقة ـ دفعت الجميع إلى التروي وإلى التعامل مع صراعاتهم كملفات لا تقود لإفناء بعضهم، بانتظار المعركة الأكبر التي تبدو، في نظر الجميع، مسألة وقتٍ لا أكثر.
تلفزيون سوريا
—————————–
خارطة طريق سورية – أميركية – أردنية لمعالجة تداعيات أحداث السويداء
تتضمن خارطة الطريق عدة خطوات تنفذ تباعاً في السويداء
2025-09-16
أعلنت السلطات السورية المؤقتة والأردن والولايات المتحدة، اليوم الثلاثاء، عن التوصل إلى خارطة طريق مشتركة لمعالجة تداعيات أحداث محافظة السويداء جنوبي البلاد.
وجاء إعلان خارطة الطريق خلال مؤتمر صحفي عقد في دمشق بمشاركة وزير الخارجية لدى السلطات السورية المؤقتة أسعد الشيباني، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك.
وقال الشيباني، إن “خارطة طريق وضعت للعمل كي تكفل الحقوق وتدعم العدالة وتعزز الصلح المجتمعي، وتفتح الطريق أمام تضميد الجراح التي آن لها أن تلتئم”، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأوضح، أن هذه الخارطة تقوم على خطوات عملية بدعم الأردن والولايات المتحدة، أولها محاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم بالتنسيق الكامل مع المنظومة الأممية للتحقيق والتقصي.
وبيّن، أن الخطوة الثانية تتعلق بضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية دون انقطاع، فيما تركز الخطوة الثالثة على تعويض المتضررين وترميم القرى والبلدات وتسهيل عودة النازحين.
وأشار، إلى أن الخطوة الرابعة تشمل إعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية، والخامسة نشر قوات محلية من وزارة الداخلية لحماية الطرق وتأمين حركة الناس والتجارة.
وتابع، أن الخطوة السادسة تتمثل في العمل على كشف مصير المفقودين وإعادة المحتجزين والمخطوفين إلى عائلاتهم من جميع الأطراف، وأخيراً إطلاق مسار للمصالحة الداخلية يشارك فيه أبناء السويداء بجميع مكوناتهم.
من جهته، شدد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك على التزام بلاده بمساعدة السلطات السورية المؤقتة ودعم جهودها لتحقيق الأمن والاستقرار.
وقال: “تعاونّا مع سوريا والأردن في التوصل إلى خارطة طريق حول السويداء، والحكومة السورية اتخذت خطوات عملية تاريخية وتضمن السلم الأهلي”.
وأضاف باراك أن الاستقرار في سوريا “يتم بالتعاون والتنسيق بين أبناء الوطن وهذا يتحقق ببناء الثقة والأمل والتسامح”، مؤكداً أن خارطة الطريق التي تم التوصل إليها بشأن السويداء “مثال على الالتزام الأميركي بدعم سوريا”.
وذكر المبعوث الأميركي: “نحن حريصون على دعم سوريا، وفي أيار/ مايو الماضي اتخذ الرئيس ترامب قراراً برفع العقوبات عن سوريا، ونحن نريد مساعدتها لتستغل مواردها الخاصة لتتمكن من إعادة البناء اعتماداً على ذاتها”.
بدوره، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن “وحدة سوريا وأمنها واستقرارها ركيزة أساسية من أمن واستقرار المنطقة”، مضيفاً: “نريد لسوريا أن تستقر وتنهض وتعيد البناء بعد سنوات من الدمار والمعاناة التي عاشها الشعب السوري، والبدء بخطوات عملية نحو مستقبل مشرق لكل السوريين”.
ووصف الصفدي “أحداث السويداء بالمأساوية التي لا بد من تجاوزها”، مشدداً على ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات الإنسانية وإيصال المساعدات للمتضررين.
وأكد، أن “أمن جنوب سوريا هو امتداد لأمن الأردن واستقراره ضرورة لاستقرارنا”، لافتاً إلى أن “الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية مدانة ومرفوضة ويجب أن تتوقف فوراً”.
وأوضح الصفدي، أن “إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي تريد تقسيم سوريا لأنها لا تريد لها أن تستقر”، مؤكداً أن “رفض تقسيم سوريا ليس موقف الأردن وحده بل موقف عربي ودولي جامع”.
يشار، إلى أن محافظة السويداء شهدت منتصف تموز/ يوليو الماضي، عمليات عسكرية وأعمال عنف، أعقبت دخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية لدى السلطات السورية المؤقتة إلى المحافظة، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى، وأضرار كبيرة بالممتلكات، ونزوح مئات الآلاف من منازلهم.
————————
واشنطن تضغط.. محادثات سورية – إسرائيلية تتسارع نحو اتفاق أمني محدود
2025.09.16
قالت مصادر مطلعة لوكالة “رويترز” إن سوريا تكثف، تحت ضغط أميركي، محادثاتها مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني تأمل دمشق أن يؤدي إلى استعادة الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل مؤخراً، رغم أن الاتفاق سيظل بعيداً عن معاهدة سلام كاملة.
وأضافت المصادر أن واشنطن تدفع باتجاه تحقيق تقدم ملموس بحلول نهاية الشهر الجاري، تزامناً مع اجتماع قادة العالم في نيويورك لحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يتيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعلان عن اختراق دبلوماسي بارز.
وأوضحت أربعة مصادر لـ”رويترز” أن مجرد التوصل إلى اتفاق محدود سيُعد إنجازاً، في ظل موقف إسرائيل المتشدد خلال أشهر من المحادثات، وفي وقت تواجه فيه سوريا وضعاً أضعف بعد “الصراع الطائفي” في الجنوب الذي أجج الدعوات إلى التقسيم.
ما تفاصيل المفاوضات؟
أجرت الوكالة مقابلات مع تسعة مصادر مطلعة على مسار النقاشات والعمليات الإسرائيلية في جنوبي سوريا، من بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون سوريون، ومصدران استخباريان، ومسؤول إسرائيلي.
وبحسب هذه المصادر، فإن المقترح السوري يركز على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها في الأشهر الأخيرة، وإعادة العمل بمنطقة عازلة منزوعة السلاح تم الاتفاق عليها بموجب هدنة عام 1974، إضافة إلى وقف الغارات الجوية والتوغلات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
وأكدت المصادر أن المحادثات لم تتطرق إلى وضع مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967. وقال مصدر سوري مطلع على موقف دمشق إن الملف “تُرك للمستقبل”.
وأشارت المصادر إلى أن إسرائيل أبدت تحفظاً شديداً خلال المحادثات السرية حيال التراجع عن مكاسبها الميدانية.
وقال مصدر أمني إسرائيلي: “الولايات المتحدة تضغط على سوريا للإسراع في إبرام اتفاق أمني – الأمر شخصي بالنسبة لترامب”، موضحاً أن الرئيس الأميركي يسعى لتقديم نفسه مهندساً لاختراق دبلوماسي كبير في الشرق الأوسط.
لكن المصدر ذاته أضاف: “إسرائيل لا تقدم الكثير”.
وامتنعت مكاتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، الذي يقود المفاوضات، عن التعليق على أسئلة الوكالة.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن “تواصل دعم أي جهود من شأنها أن تجلب الاستقرار والسلام الدائم بين إسرائيل وسوريا وجيرانهما”، لكنه لم يوضح ما إذا كانت الإدارة الأميركية تسعى لإعلان اختراق خلال اجتماعات الجمعية العامة.
عجز في الثقة
وأشارت المصادر إلى أن إسرائيل تبدي عداءً للحكومة السورية، متذرعة بخلفية الرئيس أحمد الشرع وعلاقاته السابقة بجماعات جهادية، كما ضغطت على واشنطن لإبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة.
غير أن الولايات المتحدة شجعت على المضي في المحادثات، في إطار سعيها لتوسيع دائرة الدول المنضمة إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، على غرار “اتفاقات أبراهام” التي أُبرمت خلال الولاية الأولى لترامب.
اتصالات استكشافية بين دمشق وتل أبيب
بدأت الاتصالات الاستكشافية بين سوريا وإسرائيل في أبوظبي عقب زيارة الرئيس أحمد الشرع للإمارات في نيسان الماضي، والتي تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل. وبعدها، اجتمع الطرفان في العاصمة الأذربيجانية باكو في تموز.
لكن النقاشات سرعان ما دخلت في حالة ارتباك، عندما نشرت القوات السورية وحدات عسكرية في منطقة السويداء جنوب غربي البلاد، واعتبرت إسرائيل ذلك خرقاً لتطبيق “المنطقة منزوعة السلاح”، لترد بقصف وزارة الدفاع في دمشق.
وبوساطة أميركية، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار أنهى العنف، لتستأنف بعد شهر المفاوضات الثنائية في باريس، في أول اعتراف علني من دمشق بوجود محادثات مباشرة مع خصمها التاريخي. غير أن أجواء اللقاء اتسمت بالتوتر وانعدام الثقة، بحسب مصدرين سوريين ودبلوماسي غربي.
محادثات على خطى “كامب ديفيد” بلا أفق للجولان
يتبع المفاوضون مساراً تدريجياً شبيهاً باتفاقات إسرائيل مع مصر التي مهّدت لتطبيع تاريخي عام 1980 وأعادت سيناء للقاهرة.
غير أن ستة مصادر مطلعة أكدت أن إسرائيل غير مستعدة حتى على المدى الطويل لإعادة الجولان، الذي اعترف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بسيادتها عليه في ولايته الأولى.
واقترحت إسرائيل على المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، الانسحاب من جنوب سوريا مقابل تخلّي الشرع عن الجولان، وفق مسؤول إسرائيلي، لكن الأخير أقر بأن المؤشرات الأميركية أوضحت أن الطرح “غير قابل للنقاش”.
وأكد مسؤول سوري أن الشرع أوضح لباراك أن أي تنازل عن الجولان يعني نهاية حكمه، مشدداً على أن أي اتفاق أمني يجب أن يستند إلى خطوط 1974.
توجس سوري وضغط أميركي
رغم استعداد الشرع لتسريع المحادثات لإرضاء واشنطن، فإنه لا يزال حذراً، بحسب ضابط استخبارات غربي ومسؤول إسرائيلي ومصدر سوري.
وقد أبلغ باراك بأن الظروف “غير ناضجة بعد” لاتفاق سلام شامل، معتبراً أن “عناصر الثقة الأساسية غائبة تماماً”.
وقال مسؤول أميركي كبير إن ترامب كان واضحاً خلال لقائه الشرع في أيار بالرياض بأن واشنطن تتوقع من سوريا العمل من أجل السلام والتطبيع مع إسرائيل وجيرانها.
واقع معقد في الجنوب السوري
المعادلة الميدانية حدّت من خيارات الشرع؛ فتوغلات إسرائيل ودعمها للدروز عززا الرأي العام المعادي لأي اتفاق، في وقت تشكل عمليات الاستيلاء على الأراضي تهديداً مباشراً لدمشق، ما يجعل اتفاق خفض التصعيد أولوية ملحة، وفق “رويترز”.
وقال ضابط سوري متمركز قرب الحدود إن دوريات الجيش تتجنب مواجهة القوات الإسرائيلية، التي تداهم القرى بانتظام لجمع بيانات السكان وتفتيش المنازل بحثاً عن أسلحة.
الورقة الدرزية تعزز الموقف الإسرائيلي
ازداد قوة موقف إسرائيل بفعل أحداث السويداء، حيث اتهمت القوات السورية بتنفيذ إعدامات ميدانية بحق مدنيين دروز، وبدأ قادة الطائفة بالمطالبة بالاستقلال وممر إنساني يربط الجولان بالسويداء، في تحدٍ لتعهد الشرع بإعادة مركزية السيطرة على الأراضي السورية.
وأكد زعيمان درزيان كبيران، فضلا عدم ذكر اسميهما، أن إسرائيل ساعدت في توحيد الفصائل المتفرقة وقدمت لها أسلحة وذخائر. وأشارا مع مصدر استخباري غربي إلى أن إسرائيل تدفع رواتب لعدد كبير من نحو 3 آلاف مقاتل درزي.
ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من هذه الإمدادات أو المدفوعات، فيما رفض مكتبا نتنياهو ودرمر التعليق.
وخلال محادثات باريس، رفض وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني فكرة الممر الإنساني، معتبراً أنها تنتهك سيادة سوريا.
واتفق الجانبان على أن استقرار الجنوب السوري ضروري لمنع عودة خلايا مرتبطة بإيران أو “حزب الله” أو جماعات فلسطينية مسلحة، وبالمقابل سمحت إسرائيل بنشر حواجز تابعة لوزارة الداخلية السورية في السويداء.
—————————–
سوريا والأردن وأميركا يوقعون اتفاقاً يرسم خريطة طريق لمعالجة ملف السويداء
2025.09.16
وقّع وزيرا خارجية سوريا والأردن، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، اتفاقاً حول محافظة السويداء يتضمن خريطة طريق مدعومة من عمان وواشنطن.
وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن الحكومة وضعت خريطة طريق واضحة للعمل تكفل الحقوق وتدعم العدالة وتعزز الصلح المجتمعي، بما يفتح الطريق أمام تضميد الجراح.
تفاصيل خريطة الطريق
وأوضح الشيباني أن الخطة تقوم على خطوات عملية، أولها محاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم بالتنسيق مع المنظومة الأممية، يليها ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، ثم تعويض المتضررين وترميم القرى وتسهيل عودة النازحين.
وأضاف أن الخطوات تشمل إعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية، ونشر قوات محلية من وزارة الداخلية لحماية الطرق وتأمين حركة الناس والتجارة، إضافة إلى كشف مصير المفقودين وإعادة المحتجزين والمخطوفين إلى عائلاتهم، وصولاً إلى إطلاق مسار للمصالحة الداخلية يشارك فيه جميع أبناء السويداء.
الأردن يدعم موقف سوريا
من جهته، شدد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي على أن وحدة سوريا وأمنها واستقرارها ركيزة أساسية لأمن المنطقة، مشيراً إلى أن ما شهدته السويداء كان مأساوياً ويستوجب تجاوز آثاره مع محاسبة مرتكبي الانتهاكات الإنسانية وضمان استمرار إيصال المساعدات.
وأكد الصفدي أن “أمن جنوبي سوريا هو امتداد لأمن الأردن”، مضيفاً أن الخطة السورية الأردنية الأميركية لتجاوز أحداث السويداء تستند إلى الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، مجدداً إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
الموقف الأميركي
بدوره، قال المبعوث الأميركي توماس باراك إن الولايات المتحدة ملتزمة بمساعدة الحكومة السورية ودعم جهودها لتحقيق الأمن والاستقرار، مؤكداً أن التعاون مع سوريا والأردن أفضى إلى خريطة طريق تضمن السلم الأهلي وتعيد بناء الثقة والتسامح.
وأضاف باراك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتخذ في أيار الماضي قراراً برفع العقوبات عن سوريا لتمكينها من استغلال مواردها الخاصة وإعادة البناء اعتماداً على ذاتها، مشدداً على أن خريطة الطريق بشأن السويداء تمثل مثالاً على التزام واشنطن بدعم دمشق.
—————————–
دمشق: الإعلان عن خريطة طريق لحل أزمة السويداء..بدعم أميركي
الثلاثاء 2025/09/16
أعلن وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، التوصل إلى خريطة طريق للحل في السويداء، تقوم على خطوات مدعومة من الولايات المتحدة والأردن، فيما أكد نظيره الأردني أيمن الصفدي، وقوف بلاده المطلق مع سوريا ووحدتها، في حين شدد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، على التزام الإدارة الأميركية بمساعدة الحكومة السورية.
جاء ذلك في مؤتمر صحافي مشترك للمسؤولين الثلاثة، في العاصمة السورية دمشق، اليوم الثلاثاء، وذلك عقب اجتماع ثلاثي بشأن الأوضاع في السويداء.
خطوات الخريطة
وقال الشيباني إن الحكومة السورية وضعت خريطة طريق واضحة للعمل في السويداء، تكفل الحقوق وتدعم العدالة وتعزز الصلح المجتمعي وتفتح الطريق أمام تضميد الجراح، مشيراً إلى أن الخريطة تقوم على عدد من الخطوات بدعم من الولايات المتحدة والأردن.
وأضاف أن أول الخطوات تقوم على محاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم، وذلك بالتنسيق الكامل مع المنظومة الأممية للتحقيق والتقصي، فيما ثاني الخطوات هي ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية دون انقطاع، وثالثها تعويض المتضررين وترميم القرى والبلدات وتسهيل عودة النازحين.
وأكد الوزير السوري، الالتزام بإعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية ضمن الخطوة الرابعة، بينما الخطوة الخامسة هي نشر قوات محلية من وزارة الداخلية لحماية الطرق وتأمين حركة الناس والتجارة.
وبشأن الخطوة السادسة، أوضح الشيباني أنها تنص على كشف مصير المفقودين وإعادة المحتجزين والمخطوفين إلى عائلاتهم من جميع الأطراف، مضيفاً أن الخطوة الأخيرة هي إطلاق مسار للمصالحة الداخلية يشارك فيه أبناء السويداء بجميع مكوناتهم.
التزام أميركي
من جانبه، قال باراك خلال المؤتمر، إن خريطة الطريق التي تم التوصل إليها بشأن السويداء، مثال على الالتزام الأميركي بدعم سوريا، مؤكداً حرص الولايات المتحدة على دعم سوريا، مشيراً إلى أنه في أيار/مايو الماضي، اتخذ الرئيس دونالد ترامب قراراً برفع العقوبات عن سوريا، “ونحن نريد مساعدتها لتستغل مواردها الخاصة لتتمكن من إعادة البناء اعتماداً على ذاته”.
وأضاف باراك “تعاونا مع سوريا والأردن في التوصل إلى خريطة طريق حول السويداء. الحكومة السورية اتخذت خطوات عملية تاريخية وتضمن السلم الأهلي”. وقال إن الاستقرار في سوريا يتم بالتعاون والتنسيق بين أبناء الوطن وذلك يتحقق ببناء الثقة والأمل والتسامح.
الفشل ليس خياراً
من جانبه، قال الصفدي إن الأردن يقف بالمطلق مع سوريا في جهود إعادة البناء التي تضمن أمن سوريا ووحدتها واستقرارها، مؤكداً على ضرورة تجاوز الأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة السويداء، كما شدد أن الأردن لا يقبل أي تدخل في الشأن السوري.
وأضاف أن وحدة واستقرار وأمن سوريا، هو ركيزة لأمن المنطقة واستقرارها، مؤكداً أن “سوريا يجب أن تنجح والفشل ليس خياراً”.
امن الجنوب السوري
وفيما يتعلق بجنوب سوريا، أكد الصفدي أن أمن الجنوب السوري هو امتداد لأمن الأردن، واستقرار الجنوب السوري ضرورة لاستقرار المملكة، لافتاً إلى “أننا نعمل بكل الإمكانيات من أجل دعم عملية المصالحة فيها على أسس تحفظ أمن ووحدة وسيادة سوريا، وتحفظ أهل المنطقة الجنوبية”.
وأكد أن الأحداث المأساوية التي شهدتها محافظة السويداء، لا بد من تجاوزها على قاعدة أن سوريا دولة واحدة، موضحاً أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية، يجب أن تسهم في لملمة الجرح، وإعادة البناء بالشكل الذي يضمن أمن ووحدة سوريا ويضمن أمن الأردن.
كما شدد على أن الأردن لا يقبل أي تدخل في الشأن السوري، وتحديداً بالجنوب السوري، “لأن ذلك تهديد لنا أيضاً”، كما أكد رفض المملكة وإدانتها الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، كما رفض العبث “الفتنوي” الذي يستهدف زعزعة أمن سوريا واستقرارها.
ولفت إلى أن جزء من الخريطة التي وُضعت اليوم، هي آلية مشتركة سورية-أردنية-أميركية، من أجل ضمان تطبيق كل ما أعلن من قبل وزير الخارجية السورية لحل المشكلة.
المدن
———————————-
مسؤول سوري: سحبنا سلاحنا الثقيل من الجنوب
الشيباني أعلن وضع خارطة طريق واضحة حول محافظة السويداء الجنوبية
الرياض – العربية.نت
16 سبتمبر ,2025
بعدما أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني من العاصمة الأردنية عمان الثلاثاء، عن وضع خارطة طريق واضحة حول محافظة السويداء الجنوبية، تكشفت تفاصيل جديدة.
لجنة الانتخابات السورية للعربية: استبعدنا الرقة والحسكة والسويداء بسبب الوضع الأمني
سوريا سوريا والشرع لجنة الانتخابات السورية للعربية: استبعدنا الرقة والحسكة والسويداء بسبب الوضع الأمني
سحب الآليات الثقيلة
فقد أفاد مسؤول عسكري سوري بأن القوات السورية سحبت أسلحتها الثقيلة من جنوب البلاد الذي تطالب إسرائيل بجعله منزوع السلاح.
وقال مفضّلاً عدم كشف هويته لوكالة فرانس برس، إن القوات السورية سحبت سلاحها الثقيل من الجنوب السوري، موضحا أن العملية بدأت منذ شهرين، أي عقب أعمال العنف التي شهدتها السويداء، وقامت خلالها إسرائيل باستهداف مقرات رسمية في دمشق وآليات للقوات الحكومية بعد انتشارها في المحافظة ذات الغالبية الدرزية.
أتى ذلك بعدما أوضح الشيباني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، اليوم الثلاثاء، أن توقيع الاتفاق جاء بدعم من الأردن وأميركا.
كما شدد على أن الحكومة تريد إعادة الاستقرار إلى الجنوب السوري. وأضاف أن السلطات السورية تعمل على محاسبة جميع مرتكبي الجرائم والانتهاكات وإعادة الخدمات لمحافظة السويداء.
إلى ذلك، أشار إلى إطلاق مسار لتحقيق المصالحة الوطنية واستعادة الهدوء جنوب البلاد. وأكد أن هذا الاتفاق سيضمن إعادة النازحين إلى المحافظة، وإعادة الحياة إلى طبيعتها.
“خطوات تاريخية”
من جهته، شدد المبعوث الأميركي على أن واشنطن ملتزمة برعاية ودعم ومساعدة الحكومة السورية.
كما اعتبر أن الحكومة السورية تتخذ اليوم خطوات تاريخية، وفق تعبيره. وقال: “ساعدنا سوريا والأردن في الاتفاق على خارطة الطريق بشأن السويداء”. وثمن الدور الأردني “الكبير” في دعم دمشق.
في حين اتهم وزير الخارجية الأردني إسرائيل بالسعي إلى تقسيم سوريا، وقال “إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي تريد تقسيم الأراضي السورية”.
إلا أن الصفدي أوضح في الوقت عينه أن خارطة الطريق هذه تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية أيضاً.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أواخر الشهر الماضي (أغسطس) أن حكومته تجري اتصالات لجعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح.
كما زعم أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية أن تل أبيب ستدافع عن “الموحدين الدروز” في السويداء.
فيما ندد الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، بأي محاولات تمس وحدة البلاد، مؤكداً أن إسرائيل كانت تخطط لتقسيم سوريا. وكشف أن المفاوضات مستمرة مع الجانب الإسرائيلي حول المنطقة العازلة في الجنوب.
كما أشار سابقا إلى أن “أطرافاً تستقوي بإسرائيل لكنها لن تتمكن من تحقيق أهدافها”، في إشارة إلى بعض الدعوات التي صدرت قبل أشهر قليلة من قيادات درزية في السويداء.
وكانت السويداء شهدت اشتباكات عنيفة استمرت أسبوعاً في 13 يوليو الماضي بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية، فتدخلت قوات الأمن الحكومية لوقف المواجهات، بينما نزح نحو 200 ألف جراء النزاع، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
لكن منذ 19 يوليو الماضي، تشهد المحافظة وقفا لإطلاق النار عقب الاشتباكات الدامية التي خلفت مئات القتلى، مع بدء عودة خجولة للنازحين.
———————————-
وساطة أميركية في السويداء لإطلاق المحتجزين
الثلاثاء 2025/09/16
أفادت مصادر متابعة لـ”المدن”، بأن الولايات المتحدة نجحت في رعاية اتفاق حول السويداء، ينص على إطلاق سراح عدد من المخطوفين، مقابل عودة سكان من عشائر البدو إلى منازلهم وقراهم، موضحاً الاتفاق سيُطبق قريباً.
معوقات تواجه الاتفاق
وقال مصدر مطلع من السويداء لـ”المدن”، إن الولايات المتحدة والأردن تعمل بشكل مكثّف على تذليل العقبات التي تواجه الاتفاق وتطبيقه، مؤكداً أن لا موعد محدداً حتى الآن لتطبيقه بسبب تلك المعوقات.
وأوضح أن العائق الرئيسي يتمثل بـ”عدم اعتراف” الحكومة السورية بعدد المخطوفين الحقيقي لديها، إذ تقول الحكومة إن في سجونها 85 شخصاً من أبناء السويداء، في حين أن العدد الموثق لدى الفصائل المحلية في المحافظة أكبر بكثير من ذلك.
إلى جانب ذلك، “لا تعترف” الحكومة السورية بوجود مختطفات من نساء مدينة السويداء وقراها، وهن اللاتي تم خطفهن خلال الأحداث التي شهدتها المحافظة في تموز/يوليو الماضي، حسب المصدر الذي أكد وجود قوائم للمختطفات لدى الجهات المحلية في المحافظة. وأشار إلى وجود معلومات متضاربة لدى الجهات المحلية في السويداء، حول مكان المختطفات.
ووفق المصدر، فإن الفصائل المحلية في السويداء، تصر على إطلاق سراح الأسرى من المدنيين من أبناء السويداء، دون قيد أو شرط، وأن يتم التبادل فقط على المختطفين خلال المعارك من المقاتلين لدى الطرفين، فيما تصر الحكومة السورية أن جميع من لديها هم عسكريون.
وأكد أن لدى الفصائل المحلية في السويداء، عدد كبير من المقاتلين أسروا خلال معارك المحافظة، وهم من أبناء العشائر والقوات الحكومية السورية، في حين تنفي الفصائل وجود أي مدنيين لديها، وأن جميع من كانوا بحوزتهم جرى إطلاق سراحهم.
اجتماع ثلاثي
يأتي ذلك بالتزامن مع اجتماع ثلاثي، أميركي- أردني- سوري في العاصمة السورية دمشق، اليوم الثلاثاء، لبحث الأوضاع في سوريا.
وقالت الخارجية الأردنية في بيان، إن وزير الخارجية أيمن الصفدي وصل إلى دمشق، للاجتماع مع نظيره السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك.
وأوضح البيان أن الاجتماع يأتي استكمالاً للمباحثات التي كانت استضافتها عمّان بتاريخ 19 تموز/ يوليو و12 أب/ أغسطس الماضيين، لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء في جنوب سوريا وحل الأزمة هناك.
اجتماع أب/أغسطس
وخلال اجتماع أب/أغسطس، الذي جمع الشخصيات الثلاث، تم الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل سورية-أردنية-أميركية، لدعم جهود الحكومة السورية في تعزيز وقف إطلاق النار في السويداء.
وصدر عن الاجتماع بيان ثلاثي مشترك، أكّد أن محافظة السويداء بكل مجتمعاتها المحلية هي جزء أصيل من سوريا، وأن حقوق أبنائها محمية ومحفوظة في مسيرة إعادة بناء سوريا الجديدة نحو مستقبل منجز آمن لكل مواطني الدولة السورية، وبما يضمن تمثيلهم وإشراكهم في بناء مستقبل سوريا.
وقال البيان، إن الأردن والولايات المتحدة رحّبا بخطوات الحكومة السورية، بما فيها إجراء التحقيقات الكاملة ومحاسبة كافة مرتكبي الجرائم والانتهاكات في محافظة السويداء، واستعدادها التعاون مع هيئات الأمم المتحدة المعنية وإشراكها بمسار التحقيق بالجرائم والانتهاكات التي ارتُكِبت.
—————————-
اتفاق لإطلاق سراح مختطفات السويداء بمسعى من جنبلاط
الثلاثاء 2025/09/16
كشفت مصادر متابعة لـ”المدن” أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط يواصل تحركه لأجل الوصول إلى اتفاق بشأن السويداء. وفي السياق تفيد مصادر متابعة بأن جنبلاط قد أجرى قبل أيام زيارة ثانية إلى تركيا وكان على تواصل مع المسؤولين الأميركيين ومع المملكة العربية السعودية لأجل ضمان انضاج الاتفاق في السويداء وتطبيقه. وبحسب المعلومات فقد تم الوصول إلى اتفاق حول إطلاق سراح مختطفات السويداء، والعمل على إطلاق سراح المزيد من المخطوفين من الدروز أو من البدو. كما أن مسعى جنبلاط تكلل بالوصول إلى تفاهم حول إدخال لجنة تحقيق دولية إلى السويداء للتحقيق في ما حصل ومحاسبة المرتكبين من البدو أو من القوات الدرزية.
وبحسب معلومات “المدن” فإن جنبلاط يحضر لإرسال دفعة جديدة من المساعدات الطبية إلى السويداء، إلى جانب مساعدات أخرى. علماً أن التواصل قائم بين جنبلاط ودمشق لأجل الوصول إلى اتفاق شامل حول السويداء بما يحفظ وحدة الأراضي السورية ويقطع الطريق على أي محاولة لتجدد الصراع أو الاقتتال الداخلي
————————-
خطّاب يكلّف عبد الباقي بإدارة الأمن الداخلي في السويداء
الثلاثاء 2025/09/16
أعلن قائد “تجمع أحرار جبل العرب” الشيخ سليمان عبد الباقي تكليفه من قبل وزير الداخلية السوري أنس خطاب بإدارة مديرية الأمن الداخلي في السويداء.
ضبط الأمن
وقال عبد الباقي في تسجيل مصور، إن التكليف جاء من أجل إعادة ضبط الأمن في المحافظة وإعادة جميع أهالي السويداء من الدروز والبدو إلى قراهم التي شهدت معارك في تموز/يوليو الماضي، لافتاً إلى أن العمل جارِ من أجل إعادة المختطفات بالتعاون مع شيوخ عشائر البدو، على الرغم من المعلومات التي تشير إلى عدم وجود مختطفات.
وأكد أن الدولة السورية ستحاسب جميع من تورطوا في الانتهاكات خلال أحداث السويداء الأخيرة، لافتاً إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، أصدروا أوامر بعدم اعتقال أي امرأة تحت أي ظرف.
وحمّل عبد الباقي في حديثه، الزعيم الروحي للدروز في السويداء حكمت الهجري، مسؤولية الدماء التي سالت في المحافظة، بعدما انقلب على جميع الاتفاقات مع الدولة السورية، مشيراً إلى أن الهجري أصبح محاطاً اليوم بمجموعة من قادة عصابات الخطف والمخدرات.
إعادة هيكلة
في غضون ذلك، قال خطاب في تغريدة على منصة “إكس”، إن وزارة الداخلية أجرت جملة تعيينات جديدة في محافظة السويداء، “بمشاركة فاعلة من أبناء المحافظة ومن مختلف المكونات”.
وأوضح الوزير السوري أن التعيينات تأتي “ضمن إطار خطة شاملة لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والشرطية، وفق ما تتطلبه المرحلة، وبداية لمسار أكثر استقراراً في المحافظة”.
وظهر عبد الباقي خلال الاجتماع الذي عرضته وزارة الداخلية إلى جانب الوزير خطاب وعدد من الشخصيات بينها قائد الأمن الداخلي في السويداء العميد حسام الطحان، وقائد قوات شيخ الكرامة الشيخ ليث البلعوس.
وكان خطاب قد كلف في وقت سابق، الطحان بقيادة الأمن الداخلي في السويداء، بدلاً من العميد أحمد الدالاتي، في أعقاب ما شهدته المحافظة من أحداث دامية.
ويُعتبر عبد الباقي من أبرز الشخصيات التي أعلنت معارضتها صراحة للأسد خلال سنوات الثورة السورية، ولمع نجمه خلال انتفاضة السويداء في العامين 2023 و2024، كما قام الفصيل الذي يقوده باحتجاز ضباط وعناصر من جيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، للضغط حينها على الأجهزة الأمنية من أجل إطلاق سراح معتقلين من المحافظة.
وأكد في أكثر من مرة بأنه كان على معرفة بالرئيس السوري منذ زمن طويل، وكان على تنسيق دائم معه، كما أوضح بأنه نسّق مع إدارة العمليات العسكرية، التي قادت معارك إسقاط نظام الأسد، وذلك عبر التحرك العسكري انطلاقاً من المحافظة.
—————————
سوريا تستحدث منصب قائد الأمن الداخلي في السويداء… وتعيّن سليمان عبد الباقي
دمشق: «الشرق الأوسط»
16 سبتمبر 2025 م
أعلنت السلطات السورية، الثلاثاء، استحداث منصب قائد الأمن الداخلي في مدينة السويداء، وعيّنت فيه قائداً محلياً درزياً، في خطوة تأتي في إطار المساعي لتهدئة التوتر في المحافظة التي شهدت أعمال عنف دامية في يوليو (تموز)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».
وجاءت التعيينات بينما من المقرر أن يُعقد اجتماع في دمشق يجمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك؛ لبحث أوضاع المحافظة.
وأفاد التلفزيون الرسمي نقلاً عن مصدر في وزارة الداخلية عن تعيين سليمان عبد الباقي مديراً لمديرية الأمن في مدينة السويداء.
وعُرف عبد الباقي الذي تزعّم فصيل «أحرار جبل العرب» بموقفه القريب من السلطة الانتقالية في دمشق بعدما كان أحد أبرز القيادات الدرزية المعارضة للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
وقال وزير الداخلية أنس خطاب في منشور على «إكس» إن التعيينات الجديدة جرت «بمشاركة فاعلة من أبناء المحافظة ومن مختلف المكونات»، وعدّها بداية لمسار «أكثر استقراراً» في المحافظة.
وقال عبد الباقي في تسجيل مصور نشره في «فيسبوك»، إن وزير الداخلية كلفه إدارة الملف الأمني داخل السويداء، مؤكداً متابعته ملف المختطفين من أبناء المدينة.
وطالب قائد الأمن الداخلي الجديد أهالي السويداء بإرسال قوائم تضم أسماء المختطفين أو المفقودين لمتابعة الملف.
في غضون ذلك، استقبل وزير الداخلية أنس خطاب، الثلاثاء، أعضاء لجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء، وبحث «أبرز المعوقات التي تعترض عمل اللجنة… والسبل الكفيلة بتجاوزها».
وشهدت محافظة السويداء لمدة أسبوع، بدءاً من 13 يوليو، اشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين بدو، قبل أن تتحول مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر إلى جانب البدو.
وأسفرت أعمال العنف عن مقتل أكثر من ألفي شخص بينهم 789 مدنياً درزياً.
وأفاد سكّان في الأسابيع الأخيرة عن تردّي الأوضاع الإنسانية في السويداء.
———————————
=====================
تحديث 15 أيلول 2025
—————————-
بين التطبيع مع الاحتلال والتطبيع مع المجزرة/ مجمد علي الأتاسي
هناك خيار ثالث
12 أيلول 2025
بعد كلّ ذلك
بعد أكثر من مئة عام على انطلاقة الثورة العربية الكبرى وما تخلّلها من اتّفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور وما تلاها من دخول القوّات الفرنسية إلى دمشق في أعقاب معركة ميسلون واستشهاد وزير الدفاع يوسف العظمة دفاعاّ عن بلده، وإسقاط قوّات الانتداب الفرنسي للحكم الفيصلي والحكومة المنبثقة عن المؤتمر السوري الأول؛
وبعد مئة عام بالتمام والكمال على انطلاقة الثورة السورية الكبرى في العام 1925 من جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش والدكتور عبد الرحمن الشهبندر في مواجهة الانتداب الفرنسي وطلبًا لاستقلال سوريا ورفضًا لتقسيم البلاد إلى دويلات طائفية؛
وبعد أكثر من سبعين عامًا على استقلال الجمهورية السورية والذي ناله الشعب السوري بالقتال والنضال والمفاوضات ودفع من أجله أفدح الأثمان، من سجون وتشريد وقصف وتدمير للمدن والقرى؛
وبعد سلسلة الانقلابات العسكرية ومصادرة الدولة الوطنية وخروج الجيش من ثكناته ورفضه المزمن في العودة إليها، وبعد تغوّل حزب البعث على الحياة السياسية، ومن ثم تغوّل آل الأسد على الحزب والدولة والمجتمع؛
وبعد 15 سنةً على قيام الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة، ثورة الربيع العربي والتنسيقيات والتظاهر السلمي، التي واجهها النظام الأسدي بالجيوش والطائرات والبراميل المتفجّرة والسلاح الكيميائي واستدعاء التدخّل الأجنبي، وقتل فيها مئات الألوف وهجّر الملايين وارتكب أبشع المجازر؛
وبعد تحوّل الثورة السورية إلى حرب أهلية تخوضها قوّات النظام إلى جانب فصائل عسكرية طائفية مدعومة إيرانيًا وروسيًا في مواجهة قوى إسلامية وسلفية جهادية متمركزة في الشمال والشمال الشرقي ومدعومة من تركيا، وصولًا إلى عملية «ردع العدوان» وانهيار الجيش الأسدي وحلفائه وسحب الغطاء الروسي عنه ودخول قوّات هيئة تحرير الشام إلى العاصمة دمشق من دون قتال وتنصيب أحمد الشرع من قبل الفصائل العسكرية رئيسًا للمرحلة الانتقالية؛
بعد كلّ هذا وذاك، يرتفع اليوم العلم الإسرائيلي في بعض المَسيرات الشعبية في محافظة السويداء الثكلى اليوم بدماء أبنائها، الذين قتلتهم غيلة وظلمًا قوّات الأمن العام والفصائل العسكرية المكوّنة للجيش السوري الجديد وفزعة العشائر. وتعلو الأصوات المطالِبة بالانفصال التام عن الدولة السورية وفتح معابر دولية إلى المحافظة، في الوقت الذي يشكر فيه الشيخ الهجري، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، لوقوف دولته إلى جانب دروز السويداء وإيقاف الأعمال العدائية بحقّهم نتيجة قصفها للأرتال العسكرية المتقدّمة باتّجاه المحافظة وتدميرها لمقرّ وزارة الدفاع في قلب العاصمة السورية دمشق.
مسؤولية الحاكم
كيف ولماذا وصلت بنا الأمور إلى أن يستعين بعض دروز سوريا بإسرائيل في مواجهة من يُفترض أنّهم يتقاسمون معهم ذات الانتماء الوطني؟
وماذا يعني حقيقة هذا الانتماء وبماذا يفيد عندما تكون حياتك وحياة أولادك وأحفادك مستباحة من بعض «شركائك» بالوطن وبدعم وتسهيل من السلطة الممسكة بزمام الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد، والمنحدرة من السلفية الجهادية.
هذه ليست أسئلة فلسفية ومقاربات منطقية وأخلاقية تنتظر من يتأمّل فيها ويجيب عليها، ولكنها مسائل سياسية ووجودية، ملحة ومصيرية، تُخاض وتُقرَّر على أرض الواقع، وتخصّ انتماءات الناس وهوية أوطانهم، تخصّ حياة البشر وأرزاقهم، تخصّ مستقبل البلاد وسلامة أراضيها، وتخصّ شكل سوريا القادمة وإمكانية بقائها.
لقد أسقطت عمليّة «ردع العدوان» العسكرية نظام الأسد وأتت بهيئة تحرير الشام إلى سدّة الحكم ونصّبت السيّد أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا للبلاد. ومن هنا فإنّ المسؤول الأول عن هذا الوضع هو الحكم المسيطر على قرار الدولة والقائم بفعل «إعلان النصر». الحكم الذي عمد إلى الاستئثار بالسلطة وحل الأحزاب والكيانات السياسية والمدنية ووزّع المناصب والغنائم على رجالاته وتورّط في قرارات سيادية خاطئة وفرّط بإمكانية الوفاق الوطني وأدار ظهره لكل المطالب والبيانات التي دعت إلى المشاركة الشعبية وإعادة العمل بدستور 1950 وترسيخ دولة القانون وفصل السلطات، وتقصير الفترة الانتقالية وتكريسها بانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستورًا دائمًا للبلاد.
الدور الإسرائيلي
لم تمضِ ساعات قليلة على سقوط نظام الأسد المدوّي في 8 كانون الأوّل 2024، حتى نفّذت إسرائيل ضربات جوية واسعة، تعتبر الأكبر في تاريخها، تمّ على أثرها تدمير 80 بالمئة من قدرات الدولة السورية العسكرية. برّرت إسرائيل هذه الهجمات بأنّها تهدف إلى تعزيز أمنها ومنع وقوع الأسلحة المتقدّمة في أيدي من وصفتهم بـ«جماعات إرهابية»، في إشارة ضمنية إلى أن هذه الأسلحة كانت من وجهة نظرها في أيدي أمينة أثناء حكم بشار الأسد.
وسارع الجيش الإسرائيلي بعد سقوط الأسد إلى إعلان نشر قوّاته العسكرية في المنطقة العازلة على الحدود السورية وصولًا إلى قمّة جبل الشيخ الاستراتيجية، فيما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلغاء «اتّفاق فك الارتباط» بين البلدين الموقَّع عام 1974.
ولم تمضِ أسابيع قليلة حتى خرج علينا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بتصريحات أشار فيها إلى أنّ التفكير في دولة سورية واحدة مع سيطرة فعّالة وسيادة على كل مساحتها أمر غير واقعي، معتبرًا أن المنطق هو السعي لحكم ذاتي للأقليات في سوريا وربما مع حكم فيدرالي. كما تمّت عدّة زيارات لرجال دين دروز سوريين إلى إسرائيل للمشاركة في احتفالات دينية في مقام النبي شعيب وبموافقة السلطات الإسرائيلية.
أما نتنياهو، فعاد وأعلن بوضوح في 23 شباط 2025 خلال أحداث أشرفية صحنايا أن منطقة جنوب دمشق وصولًا إلى محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء مناطق منزوعة السلاح وأنّ الدولة العبرية لن تتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية في جنوب سوريا. أما وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، فقالها بوضوح في 29 نيسان 2025: سننهي هذه المعركة بينما تكون سوريا قد تفككت […]، ومئات الآلاف من سكان غزة في طريقهم إلى دول أخرى، والمختطفون قد عادوا.
في مواجهة هذه النوايا الإسرائيلية، المعلنة منها والمبيّتة، لم تجد الحكومة السورية أفضل من أن تدير ظهرها لمطالب الكثير من أهالي السويداء وفعالياتها السياسية والدينية التي كانت تطالب بإشراك أهل المحافظة في إدارة شؤونهم الداخلية وفي تعيين محافظ وقائد للأمن العام من أهالي المحافظة، إضافة طبعًا إلى المطالب الوطنية التي تخص المشاركة السياسية ودولة المواطنة وصياغة دستور وطني جامع من قبل مجلس تأسيسي منبثق من الإرادة الشعبية.
لا بل أنّ الحكومة السورية وبدلًا من أن تتفاوض مع أبناء شعبها في كل المناطق وتعيد النظر بمخرجات ما سُمّي بمؤتمر الحوار الوطني و بالإعلان الدستوري وبأُسس المرحلة الانتقالية التي تركّز كل السلطات بيد الرئيس خلال مرحلة انتقالية تمتدّ لخمس سنوات، فضّلت التفاوض مع الإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو من خلال لقاء جمعَ، في 12 تموز، كلًّا من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر.
أما الطامة الكبرى بعد هذا اللقاء والتطمينات الإسرائيلية الكاذبة التي أُعطيت خلاله، هو أنّ هذه الخدعة انطَلت على السلطات السورية التي قرّرت بدء الهجوم العسكري في منتصف تمّوز في محاولة لإدخال قوّات الجيش والأمن العام إلى السويداء بحجّة فضّ الاشتباكات التي اندلعت بين البدو والمجموعات الدرزية المسلّحة، ليتوقّف بعدها الهجوم والمجازر بحق أهل السويداء، بفعل القصف الإسرائيلي لوزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الجمهوري وانسحاب ما سُمّي بفزعة العشائر وتهجير عشرات الألوف من البدو من قرى السويداء، وتعالي الدعوات التي تطالب بالانفصال والقطيعة مع دمشق، وغياب أي سياسة وطنية جامعة تجاه أهل السويداء، كما كان الحال تجاه أهل الساحل، تَجبر الضرر وتضمد الجراح وتدفع باتّجاه مسار واضح للمشاركة السياسية وللعدالة الانتقالية ولمحاسبة المجرمين ولبناء الدولة الديموقراطية بالاستناد إلى الوطنية السورية الجامعة والمنفتحة.
مسؤولية السلطة الحاكمة عن المآل الذي وصلنا إليه اليوم، لا ينفي عن بقية السوريين، فرادى وجماعات، تحمّل قسطهم من المسؤولية في محاولة إخراج البلاد من المأزق الذي وضعت فيه ودفعت إليه في الاختيار بين التطبيع مع الاحتلال والتقسيم والحروب الأهلية المزمنة، وبين التطبيع مع المجزرة والإقصاء والتطرّف الديني. فبين سيّئَين لا يكفي أن نرفض الاختيار بين الأسوأ والأقل سوءًا، ولا يعني أن نسكت عن مسؤولية السلطة ونتساهل مع ما ارتكبته من قتل وانتهاك الحرمات واستباحة البيوت، ولا يعني أن نبرّر ونقبل لمن لوّح بعلم دولة الإبادة الجماعية وشكَر رئيس وزرائها، بل علينا اجتراح الحلول والبحث عن المخارج التي تؤسّس من جديد للعيش المشترك وللمشاركة الشعبية والتحوّل الديموقراطي نحو دولة المواطنة والمساواة.
ميغافون
—————————
“لماذا تُعد سوريا مفتاح خطة دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط“،
نشر موقع مجلة “ناشيونال إنترست” مقالاً للكاتب أور يسسخار، المدير التنفيذي لمعهد ديفيد للسياسة الأمنية في إسرائيل، رسم خلاله صورة مختلفة لما قد يشهده الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، حيث تبرز سوريا كعنصر رئيس في خطط التطبيع والتهدئة، التي تقودها واشنطن.
ورأى الكاتب أن أي تفاهم إسرائيلي–سوري قد يشكّل قاعدة جديدة للأمن الإقليمي، ويضع حداً لعقود من العداء.
سوريا في حسابات واشنطن وتل أبيب
وأوضح أن إدارة ترامب وحكومة نتانياهو تعتبران دمشق نقطة الانطلاق لإعادة ترتيب المنطقة.
وقال أور يسسخار إن دعوة ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم محمد الجولاني، للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لم تكن خطوة عابرة، وأضاف أن لقاءات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس كشفت عن تقدم في المحادثات، بينما أكد الشرع أنه مستعد لاتخاذ أي خطوة، تضع “مصلحة سوريا أولاً”.
وتابع أن هذا التحول في صورة الشرع من قائد متشدد إلى رجل دولة براغماتي، يعكس توجهاً جديداً لدى بعض القادة العرب الشباب، الذين يفضلون الشرعية الدولية والاستقرار على الشعارات الأيديولوجية.
معضلة الدروز وضغوط إسرائيل
وأوضح الكاتب أن أبرز العقبات أمام الشرع تتعلق بالأقليات، وعلى رأسها الطائفة الدرزية. وأضاف أن مواجهات دامية في جرمانا والسويداء، إلى جانب فيديوهات صادمة لجنوده وهم يهينون شيوخاً دروزاً، فجرت أزمة ثقة.
وقال إن إسرائيل لم تقف مكتوفة الأيدي، إذ سارعت لتقديم مساعدات إنسانية وشنّت ضربات محدودة، بل وهددت بفرض “خطوط حمراء” لحماية الدروز. وأكد أن تل أبيب اشترطت إنشاء “ممر إنساني” للأقليات كجزء من أي اتفاق، لتضمن مكانتها كحامية لهم وتثبّت نفوذها الإقليمي.
الجولان ورسم النفوذ الجديد
وأشار الكاتب إلى أن إسرائيل تتمسك باعتبار الجولان خارج أي تفاوض، لكنه أوضح أن هناك إمكانية لإدارة مشتركة للجانب السوري، بالاستناد إلى خطوط فصل القوات لعام 1974، ما يمنح إسرائيل منطقة عازلة استراتيجية.
وأضاف أن هذه الخطوة قد تفتح لإسرائيل الباب للتوسع شرقاً نحو العراق، لتقويض “الهلال الشيعي” الذي نسجته إيران، وبهذا تتحول سوريا – من ساحة حرب – إلى ورقة استراتيجية في يد واشنطن وتل أبيب.
واقعية ترامب ومحركات التغيير
أوضح الكاتب أن مسار سوريا–إسرائيل، إن تحقق، سيكون نتيجة ثلاثة عوامل: رغبة الحكام العرب الجدد في الشرعية عبر الاستقرار والتنمية. وقوة إسرائيل بعد هجمات أكتوبر (تشرين الأول) وقدرتها على مواجهة إيران وأذرعها. وبراغماتية إدارة ترامب التي تركز على المصالح المباشرة، بدلاً من التمسك بشعار “حل الدولتين”.
وخلص الماتب إلى أن ما يجري قد يكون بداية انتقال المنطقة من بؤرة صراعات أيديولوجية إلى فضاء قائم على المصالح المتبادلة والارتباطات الاقتصادية.
ورغم هشاشة هذه الترتيبات وكثرة العقبات، يرى الكاتب أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة اختبار حاسمة: إما العودة إلى دوامة الحروب الطائفية، أو الانخراط في منظومة جديدة من البراغماتية والاستقرار، تبدأ – على نحو غير متوقع – من البوابة السورية.
————————————
مصادر لتلفزيون سوريا: واشنطن ودمشق تتفقان على تبادل الأسرى بين البدو والدروز
2025.09.15
كشفت مصادر خاصة لتلفزيون سوريا، أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بتبادل أسرى بين البدو والدروز.
وبحسب المصادر، فإن الاتفاق ينص على إطلاق سراح بعض الموقوفين من محافظة السويداء لدى الحكومة السورية، في إطار تسوية تتعلق بملف الأسرى بين الطرفين.
وأوضحت المصادر أن الشيخ حكمت الهجري يواجه صعوبة في تنفيذ الاتفاق، وذلك نتيجة معارضة بعض الفصائل المحلية التي لا تبدي استعداداً للتجاوب مع هذه الخطوة.
عودة النازحين البدو إلى السويداء
وشهدت محافظة السويداء جنوبي سوريا خلال الأشهر الماضية اشتباكات مسلحة استمرت أسبوعاً بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، تسببت في نزوح مئات السكان.
وبحسب وكالة “الأناضول”، عاد نحو 600 من أبناء البدو العرب إلى منازلهم في قرية القصر بعد نحو شهرين من النزوح، عقب استتباب الأمن في المنطقة.
وقال محمد زوريك (58 عاماً) إنهم اضطروا إلى مغادرة قريتهم بسبب القصف والاشتباكات، موضحاً أن مجموعات مسلحة تابعة لحكمت الهجري كانت تستهدف مناطقهم بشكل يومي، بالتوازي مع حوادث اختطاف طالت الأهالي.
وأضاف زوريك أن حالة الغموض ما زالت تخيم على مستقبلهم رغم عودتهم، وسط قلق من تكرار الأحداث.
—————————
=====================
تحديث 14 أيلول 2025
——————————–
النقاش السوري بين الصواب والخطأ/ بشير البكر
13 سبتمبر 2025
الشأن الداخلي هو موضوع النقاش الوحيد في سورية. سال حبرٌ بلا حساب، وعلت أصواتٌ كثيرة، منذ سقوط نظام بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي. راياتٌ وشعاراتٌ ومشاريعُ ومطالبُ من الاتجاهات كافة، الكلّ يبحث عن دور وحصّة في الوطن الجديد، وبدلاً من أن يتراجع منسوب الاصطفاف، فإنه في تفاقم مستمرّ، يتغذّى من المصاعب الكثيرة التي تواجه العهد الجديد، من جرّاء التركة الثقيلة، التي خلفها نظام عائلة الأسد لجهة التفريط بسيادة البلد، وتفكيك أواصر وحدته الداخلية، وإغراقه في فوضى عارمة، وفقر، وتدهور شامل.
نقاش بعضُه محقٌّ ينطلق من أساسياتٍ لا خلاف عليها، ويصدُر من موقع بناء ناصح، غير هدّام، والبعض الآخر انتقائي متخندق، لا يرى من الواقع غير الصفحة السوداء. لا مانع أن يتحدّث السوريون عن آرائهم بصراحة، بعد نصف قرنٍ من كمّ الأفواه، ومصادرة حقّ الكلام. ولحسن الحظ أن الإدارة الجديدة تركت المجال مفتوحاً، ولم تتدخّل، أو تمنع، وتعتقل أحداً، مع أن كلاماً كثيراً خرج عن حدود اللياقة.
ورغم أن عملية النقاش ضرورية، وتعكس حيوية كبيرة، يتمتّع بها المجتمع السوري، الذي ينهض من تحت الركام، إلا أنها، في قسطٍ منها، ليست ديمقراطية على الإطلاق، حتى أن بعض المسائل استغرقت في الجدل والتنظير كل الوقت، وحجبت حقّ الإضاءة والنقاش عن قضايا أخرى لا تقلّ أهمية، ومنها ما يتقدّم في الأولويات، لأنه يتعلق بالأمن الوطني، والسيادة، والدفاع عن الحدود، ووحدة البلد، بوجه الاعتداءات الإسرائيلية التي تهدف إلى تحويل سورية إلى دولةٍ فاشلةٍ مشلولةٍ مجزّأة، تلعب بها كما تشاء. ومؤسفٌ أن التدخّلات الإسرائيلية في الشأن الداخلي السوري لم تحظ بأي قدر جادٍّ من النقاش، بل يسود صمتٌ يبلغ حدود التواطؤ، الأقلام والحناجر التي ترتفع للدفاع عن السويداء بوجه هجوم الجيش والأمن الرسميين وقوات العشائر، لا تنظر بعين الخطورة إلى استدراج التدخّل الإسرائيلي، وطلب مساعدة الخارج لإقامة كيانٍ درزيٍّ مستقل، وترى هذا النوع من رد الفعل، الذي لا وصف له سوى الخيانة الوطنية، نتيجة للأول. وكي يصدق التضامن مع السويداء بوجه ما تعرّضت له، يجب ألا يمر التدخّل الإسرائيلي وكأنه تفصيل عادي، وأن تبقى المسألة داخل البيت السوري، وتحريم الاستعانة بالأجنبي لتسوية خلاف داخلي مهما بلغ حدّةً.
كان الأوْلى بأصحاب هذا الموقف، أن يصرفوا قسما من وقتهم في صناعة رأي عام ضد الاعتداءات والتدخّلات الإسرائيلية، يتناول الضغط على السلطة من أجل تصليب موقفها، وعدم الدخول في مفاوضاتٍ عبثيةٍ مع حكومة إبادة الشعب الفلسطيني، وتخصيص جزءٍ من جهدهم للاتصال بالقوى الأجنبية، الولايات المتحدة وأوروبا، من أجل الضغط على إسرائيل، كي توقف اعتداءاتها، وتحترم السيادة السورية. واللافت أن بعض هؤلاء لا يخجل من أن يعتبر إضعاف السلطة الحالية يساعد في إجبارها على تقديم تنازلاتٍ في القضايا الداخلية، وهو بذلك لا يتورّع عن الاستنجاد بإسرائيل وإيران، تحت ذريعة حماية الذات، وكأن الأطراف الخارجية منظمات مجتمع مدني، تقدّم مساعداتها بلا مقابل، واستجابة لحاجات إنسانية.
وهناك مثال فاضح على نفاق كتّاب وسياسيين وناشطين، حينما يتعلق الأمر بطروحات المؤتمرات التي تعقدها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الحسكة والرقّة، ومن بين هؤلاء من يمنحها الحقّ في المطالبة بحكم فيدرالي في الجزيرة، من دون تسليط الضوء على تجربتها الفاشلة في الإدارة الذاتية للمنطقة، على جميع المستويات. ويكفي تسليط الضوء على انعدام الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، حتى يتكشف حجم الفساد، ونهب ثروات المنطقة إلى خارج الحدود، وترك الأهالي يعانون من تدهور قطاعات الصحة والتعليم، وحتى توفير الماء الصالح للشراب.
العربي الجديد،
—————————-
مصطلحات جذابة لمشاريع مفضوحة/ محمد خالد الرهاوي
2025.09.14
منذ أن حققت الثورة السورية انتصارها العظيم وأسقطت النظام البائد ما فتئ حكمت الهجري ومن لف لفه من الفلول وتجار المخدرات وحزب اللواء المتصهين وبعض المتربصين كيل الاتهامات للحكومة السورية التي حاولت جاهدة إلى كسبه تجنبا للصدام، فوافقت على كل متطلباته، لكن لما كان أمره بيد الخارج المعادي كان ينقض كل اتفاق يوقع قبل أن يجف حبره، إلى أن وصل الأمر إلى الصدام العسكري مع البدو ثم تدخل الحكومة لفك الاشتباك ثم الغدر بالأمن وتدخل إسرائيل وقصف دمشق بناء على طلب ميليشيات السويداء.
المهم أن هذا الحراك الذي بدأ بالمطالب الخدمية والاقتصادية والسياسية قد تجاوزها إلى صدامات عسكرية دامية أعقبها مطالبات بالفيدرالية والحكم الذاتي والانفصال عن سوريا وإقامة دولة الدروز المستقلة، والحديث يطول في مناقشة جميع جوانبه، لكن سأتوقف في هذه المقالة على محاولة حكمة الهجري وعصاباته السيرَ على منهج قسد في التخفي وراء المصطلحات الجذابة لتمرير مشاريع ليست مشبوهة بل مفضوحة انفضاحا لا لبس فيه ولا يخفى على أحد، وسأتوقف هنا عند أبرز تلك المصطلحات، ولعل أبرز تلك المصطلحات التي يُروَّج لها في السويداء مؤخرا هو (الحرس الوطني) الذي يوحي بوجود كيان عسكري منضبط ومؤسساتي ومنتمٍ إلى الوطن وهدفه وطني خالص، وأسس تشكيله وطنية، إلا أن الواقع الواضح وضوح الشمس يكشف عن حقيقة مغايرة تماما، فهذا التجمع ما هو إلا خليط غير متجانس من العصابات المحلية وفلول النظام السابق الذين غيروا ولاءاتهم وميليشيات مسلحة وتجار مخدرات. وإطلاق هذا الاسم الفخم على مثل هذا التجمع يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة عليه، وتقديمه للمجتمع المحلي والدولي على أنه قوة عسكرية معتدلة ومنظمة يمكن التعامل معها، بينما هو في حقيقته أداة لفرض نفوذ قوى الأمر الواقع وخدمة مصالحها الضيقة ومصالح إسرائيل، فلا هو حرس، ولا هو وطني، بل لا علاقة له بالوطنية من قريب أو بعيد، إذ كيف يكون وطنيا وهو ينادي جهارا نهارا بالانفصال؟ كيف يكون وطنيا ومؤسسه الهجري يقول إن هذا الحرس يتلقى الدعم من إسرائيل؟ كيف يكون وطنيا وهو قبل ذلك من طلب من إسرائيل قصف دمشق والجيش العربي السوري وقوى الأمن؟ كيف يكون وطنيا وهو لا يتوقف عن التحريض على سوريا؟ كيف يكون وطنيا ومطالبه السياسية تترافق مع دعوات لفتح ممر إنساني؟ هذا المصطلح (ممر إنساني) الذي ترفعه للتأثير في الداخل والخارج أيضا واستثارة إنسانيتهم والذي تبدو المطالبة به في ظاهرها للوهلة الأولى محقةً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة إلا أن ما يُكذِّب هذه الدعوة ويفسد النتائج المتوقعة من هذا هو تحديد اتجاه الممر بشكل حصري نحو إسرائيل أو مناطق سيطرة قسد، مع رفض قاطع لفتحه باتجاه العاصمة دمشق أو ريف دمشق أو محافظة درعا المجاورة للسويداء، وهو ما يثير شكوكا بل يفضح النوايا الحقيقية والمشاريع الخبيثة وراءه، فما هذا الممر المزعوم إلا غطاء لمشروع ممر داود الذي تحلم إسرائيل بتنفيذه من حدودها حتى نهر الفرات ومناطق سيطرة قسد ليقطع الطريق بين سوريا والعراق وبين سوريا والأردن، بل يقطع سوريا عن امتداداها العربي قطعا تاما ويحاصرها ويفتتها، ولا أدري كيف تفتح إسرائيل ممرا إنسانيا أو كيف تكون إنسانية في الوقت الذي تبيد فيه قطاع غزة بالقصف والتدمير والتجويع والحرمان من أبسط مقومات الحياة بحصار خانق لا مثيل له! ولا أعتقد أن رفع هذا المصطلح (ممر إنساني) والدعوة إليه كانا عن سذاجة سياسية أو رغبة في المحافظة على الطائفة الدرزية كما تزعم ميليشيات الهجري، بل هو مقصود ووراءه أجندات لا تخفى على أي متابع فضلا أن تخفى عمن يرفعه وينفذه ويستغل معاناة الناس ويثير الفتن ويرفض أي صيغة توافق مع الوطن ورضي أن يكون أداة تنفيذ قذرة لأهداف استراتيجية لإسرائيل لا علاقة لها بالإنسانية من قريب أو بعيد بدلا من أن يكون مواطنا شريكا في حكم الدولة السورية يتمتع بكامل حقوق المواطنة.
وما يؤكد ذلك أيضا المصطلحات والشعارات التي ترفع في ساحات السويداء مثل الكرامة التي صدعوا رؤوس الناس بها وكأن لا أحد يعرف الكرامة سواهم وكذلك مصطلح الوطنية والوطني وما إلى ذلك، كل ذلك في الوقت الذي تُرفع فيه أعلام إسرائيلية علنا في تلك الساحات وترتفع الأصوات مطالبة بالانضمام إلى إسرائيل، والتناقض المؤلم هو تسمية الساحة الرئيسية في المدينة بـساحة الكرامة ورفع أعلام إسرائيل فيها! ولا أدري كيف تستقيم الكرامة والوطنية مع رفع تلك الأعلام؟ أليس هذا تناقضا مفضوحا يكشف زيف تلك المصطلحات والشعارات؟
من جانب آخر يدرك المراقب للأوضاع السورية أنه في الوقت الذي تتبنى فيه الحكومة السورية خطابا يركز على المصالحة الوطنية والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها، وتعمل جاهدة على إعادة بسط سلطة الدولة، وتستعمل مصطلحات لطيفة إلى حد ما مثل (الجماعات الخارجة عن القانون)، تذهب ميليشيات الهجري في اتجاه معاكس تماما، وتطالب بالانفصال التام وإقامة دولة درزية مستقلة، أو في أحسن الأحوال حكم ذاتي له على السويداء وإخلاء غير الدروز منها وكذلك الدروز الذين لا يسيرون في ركبه ويهللون له، مع أن هذه المطالب الانفصالية تتجاهل حقيقة أن المحافظة لا تملك أي مقومات حقيقية للدولة، فهي تفتقر إلى الموارد الطبيعية الكافية، وليس لديها منفذ بحري ولا بري، وتعتمد بشكل شبه كلي على الحكومة المركزية في دمشق لتأمين الخدمات الأساسية كالكهرباء والوقود والرواتب، ولو تأملها طفل صغير بله خبراء لأدرك أنها لا تعدو أن تكون أحلاما سياسية مبنية على وعود خارجية أكثر من كونها مشروعا واقعيا قابلا للحياة، فضلا عن أنها تهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية في سوريا.
ولتسويق هذه الدعوات وتسويغها وتسويغ التمرد المسلح والخروج على سلطة الدولة، تلجأ هذه الميليشيات الخارجة عن القانون إلى استخدام مصطلح خطير يتمثل في وصم كل من يعارضها -سواء أكانت الحكومة السورية أم الجيش أم المواطنين العاديين- بتهمة الدواعش، سيرا على منهج قسد في ذلك لكسب مشروعية التمرد المسلح والتغطية على الجرائم المرتكبة واستجلاب الدعم والتأييد من الخارج. وبهذا المصطلح تسوّغ تلك العصابات هجماتها على نقاط الجيش وقوات الأمن، والغدر بعناصرهم وقتلهم، وتقديم هذا الإجرام على أنه محاربة للإرهاب، وهو تضليل خطير يهدف إلى قلب الحقائق وتصوير الميليشيات المتمردة على أنها “قوى ثورية تحارب نظاما إرهابيا.
من جانب آخر توظف تلك العصابات المتمردة مصطلح (الدفاع عن حقوق الأقليات) ولا سيما الأقلية الدرزية، وهو ادّعاء لا يصمد أمام الممارسات الفعلية على الأرض، فهذه العصابات تمارس أشد أنواع الظلم والقمع بحق كل من يخالفها الرأي، حتى من داخل الطائفة الدرزية نفسها كما هو الحال مع ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي وغيرهم، كما تمارس سياسات إقصائية ممنهجة بحق المكونات الأخرى في المحافظة، من مسيحيين ومسلمين بدو، مع أنهم أهل الأرض الأصليون الذي استقبلوا الدروز أيام حربهم مع المسيحيين الموارنة في لبنان، ويتعرض البدو بشكل خاص للتضييق والاضطهاد والقتل والتنكيل على أيدي تلك العصابات على نحوٍ يكشف الوجه الحقيقي لهذه العصابات التي تستخدم خطاب حقوق الأقليات غطاء لمشروعها الطائفي الإقصائي والهيمنة.
إن هذه المصطلحات التي تكشف ممارسات لا تهدف إلى استفزاز الحكومة السورية فقط، وإنما هي مطالبات علنية مفضوحة ورسائل واضحة موجهة للخارج ولا سيما إسرائيل، ومفادها أن هذه العصابات مستعدة أن تكون مرتزقة بيد إسرائيل لتحقيق مشاريعها مقابل الحصول على بعض الفتات من الدعم السياسي والمادي.
إن ما يجري في السويداء محاولة واضحة لاستنساخ تجربة قسد في التلاعب بالمصطلحات واستغلال معاناة الناس والارتماء في أحضان قوى خارجية معادية، لتحقيق مشاريع لا تخدم إلا أعداء سوريا. ويبقى الرهان على سياسة الحكومة في احتواء تلك المحاولات وعلى وعي الغالبية الصامتة من أهالي السويداء المعروفين بوطنيتهم وعروبتهم لتعرية هذه المصطلحات وكشف زيفها لإفشال هذه المخططات والحفاظ على السويداء بوصفها جزءا لا يتجزأ من سوريا الموحدة.
——————–
عداء مع موسكو وحرب مع تل أبيب.. هل هذا ما يريده خصوم الإدارة الجديدة؟/ عبد القادر المنلا
2025.09.13
بعد الإطاحة بنظام الأسد، أعلن قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع، وقبل أن يستلم رئاسة الجمهورية، أنه يتطلع إلى علاقات طبيعية مع كل دول الجوار بما فيها إسرائيل، وأيضًا مع روسيا. ومنذ ذلك الحين تشكّل سؤال مفتوح لدى السوريين تجاوز شكل العلاقة مع إسرائيل، التي يمكن إجراء مفاوضات معها والوصول إلى صيغة قد تحقق السلام أو على الأقل تحييدها عن المشهد السوري. لكنه –السؤال– ركز على طبيعة العلاقة المفترضة مع روسيا وطرق التعامل معها؛ فنقمة السوريين على روسيا كانت أكبر بما لا يقاس من نقمتهم حتى على إسرائيل، وربما كانت رغبتهم بالانتقام من روسيا لا تقل عن رغبتهم بالانتقام من الأسد.
ومع تطور العلاقات بين دمشق وموسكو في الأيام الأخيرة إلى درجة زيارة وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق، ومن ثم الإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس الشرع إلى موسكو، ثارت عاصفة من الاحتجاجات والانتقادات تتناول القيادة السورية الجديدة في موقفها من إعادة فتح قنوات اتصال واسعة وعميقة مع روسيا. ولا سيما أن القيادة الروسية هي ذاتها التي كانت رأس حربة في الدفاع عن نظام الأسد، وأن مشاركتها في قتل السوريين وإبادتهم وتهجيرهم لا يمكن محوها من الذاكرة القريبة أو نسيانها بهذه السهولة. لم يتغير النظام في موسكو، ولم تتغير القيادات التي كانت تشرف على قتل السوريين، فكيف للإدارة السورية الحالية أن تقيم علاقات ودية معها؟ وهل يحق لهذه الإدارة أن تتناسى الجرائم التي ارتكبتها موسكو بحق السوريين أو تعفو عنها بقرار منفرد ودون الرجوع إلى الشعب، أي إلى ضحايا الآلة العسكرية الروسية والماكينة الدبلوماسية الخشنة التي لعبت دورًا كبيرًا في الدفاع عن الأسد في المحافل الدولية الكبرى، وتحديدًا في مجلس الأمن، حيث قامت روسيا أكثر من خمس عشرة مرة باستخدام الفيتو ضد أي قرار أممي يفضي إلى رحيل الأسد؟
إنها روسيا ذاتها، بطاقمها الدبلوماسي والسياسي والعسكري الذي قاتل لسنوات دفاعًا عن الأسد، تعود اليوم لتضع يدها في يد خصوم حليفها القديم، بل وخصومها القدماء ذاتهم الذين طالما وصفتهم بالإرهابيين، وشنت ضدهم وضد كل معارضي الأسد آلاف الغارات الجوية.
الاعتراضات على العلاقة الجديدة مع موسكو من قبل كثيرين تركزت أيضًا على نقطة إشكالية تتعلق بالحماية التي قدمتها موسكو ولا تزال تقدمها لبشار الأسد وللآلاف من ضباطه الذين فروا إليها، وعدم المبادرة بتسليم الرئيس المخلوع المدان بآلاف المجازر والمطلوب رقم واحد للشعب السوري.
وفي الواقع، فإن كل تلك الاحتجاجات والانتقادات تبدو مبرّرة ومنطقية، فالعلاقة الودية والعميقة التي يتم الترويج لإيجابياتها بين روسيا وسوريا بعد سقوط نظام الأسد تسبب وجعًا حقيقيًا وعميقًا للشعب السوري. لكن إدراك تناقضات الواقع السياسي المختلف كثيرًا عن العواطف من شأنه أن يسهم في تخفيف ذلك الوجع.
غير أن خصوم الرئيس أحمد الشرع يجدون في العلاقة الجديدة مع روسيا مأخذًا كبيرًا على الرئيس، الذي يتربصون له ويستثمرون كل الفرص لتحويل انتقاداتهم إلى ركيزة يمكن الاعتماد عليها للطعن فيه واتهامه بالتفريط بحقوق الشعب السوري لصالح استمراره وبقائه في السلطة.
وبصرف النظر عن رغبة هذا وذاك وطريقة تقييمهما للموقف، فإن السؤال الملح والحيادي في هذا السياق هو: هل على الإدارة الجديدة أن تؤسس لعلاقة عداء مع الروس؟ وهل عليها أن تواجه روسيا وتفرض شروطًا محددة لاستئناف العلاقة معها مثل تسليم الأسد والضباط المتورطين معه للحكومة السورية، وتعويض السوريين ماليًا ومعنويًا، وتقديم الاعتذار عما فعلته موسكو بحق السوريين؟ وما الفائدة التي يمكن تحقيقها في حين لو تعاملت الإدارة السورية بعدائية مع موسكو؟
واقعيًا لا يمكن لطائر كسير الجناح أن يقارع الدب الروسي. وحينما تستطيع سوريا الضعيفة اليوم أن تكسر صلف موسكو وتجرها للتعامل معها كدولة لا كتابع كما كانت أيام الأسد، فذلك بحد ذاته إنجاز مرحلي قد يتطور إلى حالة تصب في مصلحة السوريين في النهاية، مهما كانت تبعاته النفسية والوطنية صعبة. ذلك طبعًا ليس تبريرًا للحكومة أو نوعًا من الطبطبة على كتفها، ولكن إعلان حالة العداء لروسيا سيكون له تبعات لا يمكن لبلد يخرج من تحت الأنقاض أن يحتملها.
وإذا ارتكزنا إلى المعايير الأخلاقية، ستبدو موسكو هي الخاسر الأكبر، فهي من غيّرت مبادئها التي طالما أعلنتها وكأنها موقف أخلاقي لا يمكن أن يتغير، ومع ذلك فهي تتعامل مع أعداء الأمس الضعفاء بنوع من الندية.
إن ضعف سوريا اليوم يمكن أن يكون مبررًا لفتح صفحة علاقات جديدة مع الدول القوية التي ارتكبت جرائم ضد السوريين، في حين يبدو التنازل الروسي للإدارة السورية الجديدة هو التصرف الفاقد للمصداقية والمخالف للمبادئ الروسية التي ادعتها خلال سنوات طويلة، ولا سيما أن روسيا ليست في وضع ضعيف يجبرها على تلك العلاقة.
في الوقت ذاته، تتعرض الإدارة السورية الجديدة لحملة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول صمتها عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسوريا واختراق سيادتها، وتسخر من مفهوم السيادة ذاته. فكيف لمن يطرح نفسه كدولة أن يصمت تمامًا عن عربدة الطيران الإسرائيلي في سماء العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية؟ وكيف لقوات إسرائيل البرية أن تسرح وتمرح على الحدود الجنوبية، وأن تدخل دوريات عسكرية إلى مناطق لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن العاصمة دمشق؟ وكيف لها أن تقصف مواقع في حمص واللاذقية وطرطوس وغيرها من المحافظات السورية من دون أن ترد القيادة السورية إلا من خلال التصريحات والإدانات؟
وفيما يبدو مناصرو الإدارة الجديدة صامتين عن الانتهاكات الإسرائيلية، تتحول الانتقادات التي يوجهها خصومها إلى سخرية لاذعة متهكمة. فهؤلاء يجدون أن ردة فعل سوريا الجديدة تشابه ما كان يفعله الأسد، وأن تصريحاتها لا تصل حتى إلى مستوى التصريحات التي كان الأسد يطلقها إثر كل انتهاك إسرائيلي للأرض السورية. وتلك الانتقادات تتشابه إلى حدود التطابق مع الانتقادات التي كانت توجه للنظام البائد، حتى فيما يتعلق بالسخرية، والهدف من كل ذلك ترويج صورة مفادها أنه لا فرق بين سوريا الأمس وسوريا اليوم، ولا فرق بين الأسد والشرع. وهذه مقولة يحاول كثيرون ترويجها ويبحثون عن أي وقائع يمكن أن تدعم مزاعمهم.
ربما تجدر الإشارة هنا إلى أن هؤلاء المنتقدين الساخرين كانوا سيوجهون ذات الانتقادات وبنفس الطريقة الساخرة في حين لو أعلنت الحكومة الجديدة حالة العداء التام مع روسيا أو الحرب على إسرائيل. ولا بد للمنتقدين من مراعاة الواقع الذي يفرض على سوريا كثيراً من الشروط القاسية. ولو أن أحدًا من هؤلاء المنتقدين كان على رأس هرم السلطة في سوريا في هذا الوقت، وبذات الإمكانات التي تمتلكها سوريا والظروف التي تمر بها، فهل سيكون أمامه خيارات أخرى؟ هل سيسعى إلى علاقات عدائية مع روسيا؟ وهل سيواجه إسرائيل عسكريًا؟
كانت السخرية على نظام الأسد فيما يتعلق بموقفه من الضربات الإسرائيلية مشروعة ومبررة؛ ذلك أن النظام البائد هو من جعل من نفسه مجالًا للسخرية من خلال الصيغة المضحكة التي اعتمدها وكررها لسنوات طويلة: “الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين”، مع معرفته بأن الزمان والمكان لن يأتيا أبدًا. فضلًا عن أن تكرار هذا التصريح كرد فعل وحيد من قبل الأسد على كل ضربة إسرائيلية حوّله إلى جملة كوميدية ترسخت في أذهان السوريين كمرجعية كافية لإثارة السخرية. فالنظام كان يعي جيدًا عجزه عن الرد، ويعي أيضًا وعي السوريين بهذا العجز، ومع ذلك كان يردد الجملة كنموذج ثابت وصيغة جاهزة إثر كل قصف وكل اعتداء.
لقد ابتدأت الضربات الإسرائيلية على سوريا منذ زمن طويل، يمتد إلى ما قبل الثورة السورية بسنوات. وربما كانت قضية “الاحتفاظ بحق الرد” حينها صيغة سياسية دبلوماسية مقبولة، تواسي السوريين –ولو كذبًا– في الإهانات التي يشعرون بها من جراء القصف، وتحمل صيغة تهديد لإسرائيل توحي بأن الجيش السوري يجهز نفسه لخوض مواجهة معها. حيث كان جيش النظام في أحسن حالاته حينها –أو هكذا كان يبدو–، وكان لديه كل الإمكانات كجيش نظامي متكامل الوحدات والفرق على مستوى التشكيلات البرية والجوية والبحرية. فضلًا عن أن نظام الأسد كان جزءًا من الحلف الذي ادعى المقاومة والممانعة، وكان لديه إلى جانب جيشه المتكامل حلفاؤه من حزب الله إلى إيران إلى روسيا، وكان يحاول أن يستمد شرعيته من المتاجرة بهذا كله. ومن هنا فإننا لا يمكن أن نجد مجالًا للمقارنة بين موقف النظام البائد وموقف الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالضربات الإسرائيلية.
لا ندافع عن الإدارة الجديدة هنا، ولكن سوريا اليوم مكبلة اليدين، وتلك حقيقة لا تقبل الجدل. وعلى السوريين جميعًا، بمن فيهم معارضو الإدارة الجديدة، أن يسهموا في فك تلك الأغلال عن سوريا أولًا. فثمة خريطة توازنات بالغة الدقة والخطورة، وتحريك أي حجر بشكل خاطئ في رقعة الشطرنج السياسية سيؤدي إلى نتائج كارثية. ولو سُلّمت سوريا اليوم بحالة الضعف والهشاشة التي هي عليها لأي قيادة أخرى، لما كان أمامها أن تفعل شيئًا مخالفًا لما تفعله الإدارة الجديدة.
ليس أمام سوريا اليوم إلا أن تمارس سياسة على قدر الأوراق التي تمتلكها، وأن تبحث عن أوراق قوة جديدة بعد أن تغلق جرحها المفتوح، وتتمكن من إيقاف نزيفها الاقتصادي والسياسي الذي يحتاج معجزة للسيطرة عليه.
تلفزيون سوريا
——————————
نيولاينز: اللامركزية إنقاذ لسوريا أم وصفة للتفكك؟
ربى خدام الجامع
2025.09.12
في حين تطوي سوريا صفحة الأسد وتدخل مرحلة سياسية انتقالية مضطربة، يطفو على السطح سؤال مصيري سيحدد شكل الدولة لعقود مقبلة: هل ستبقى البلاد أسيرة المركزية الصارمة التي طُبعت بها منذ نصف قرن، أم ستنفتح على نظام لامركزي يوزّع السلطة ويستوعب تنوعها العرقي والطائفي والمناطقي؟
في تقرير موسع نشرته مجلة نيو لاينز، يتضح كيف تحولت قضية اللامركزية إلى ساحة صراع خفي بين من يتمسكون بقبضة الدولة المركزية ومن يرون فيها فرصة لبناء سوريا جديدة، أكثر عدلاً واستقراراً، في حين تجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار دبلوماسي حساس: هل تكتفي بالمراقبة أم تستثمر نفوذها لدعم نموذج يضمن مشاركة أوسع ويمنع عودة الاستبداد؟
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الحوكمة في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة تلفزيون سوريا لهذه المادة:
منذ انهيار نظام بشار الأسد، أضحت طبيعة الحكومة السورية الجديدة ونظام الحكم في البلد من أكثر المواضيع إثارة للجدل والنقاش في سوريا، والسؤال المحوري هنا هو هل يتعين على سوريا أن تتبنى اللامركزية في الحكومة أم لا، فقد كانت السلطات المؤقتة في دمشق راسخة في اعتناقها لشكل مركزي موسع في الحكم، ولكن ظهر عدد أكبر من أصحاب المصلحة في البلد الذين صاروا يطالبون بمزيد من المشاركة وبإقامة بنية سياسية محلية تتمتع بسلطات واسعة تمنحها استقلالاً ذاتياً في مناطق معينة من البلد، وهكذا أصبح هذا الجدل يعبر عن الديناميات المحلية والطائفية والعرقية المعقدة في سوريا، وخلال هذه المرحلة الانتقالية المضطربة، يكشف ذلك عن مؤشرات لوجود صراع طويل الأمد بين الفرقاء السياسيين في البلد بالنسبة لرسم شكل الدولة مستقبلاً.
مع دخول سوريا هذه المرحلة السياسية الجديدة، أضحت الولايات المتحدة أمام فرصة حساسة للإسهام في رسم شكل مستقبل سوريا بحيث يصبح أكثر استقراراً ويقوم على مشاركة أوسع. ومن خلال رفع سائر العقوبات أصبحت أمام الولايات المتحدة فرصة فريدة يمكنها من خلالها أن تفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، لذا فإن طرح سياسة تؤيد اللامركزية، من خلال المساعدات المقدمة لمؤسسات محلية، لا يعتبر السبيل الوحيد الناجع لتحقيق ذلك، بل إنه ضروري على المستوى الاستراتيجي، إذ يمكن لذلك أن يسهل عملية تشكيل حكومة شاملة ونظام سياسي تشاركي في سوريا، أي ذلك النظام القائم على الأهداف التي بقيت مركزية بالنسبة للسياسة الأميركية، خاصة بعد سقوط الأسد. وهذا النموذج يفتح الطريق أمام تخفيف وطأة النزاع، ومنع الحكم الاستبدادي من العودة، مع التشجيع على تحقيق تمثيل عادل للشعب. وعبر الاستثمار في أسس الدولة السورية المرنة، يمكن لواشنطن أن تحول نفوذها الحالي إلى نفوذ دائم مستمر، أي ذلك النفوذ الذي يمكن السوريين من خلاله إعادة بناء بلدهم من دون أن يجر ذلك الولايات المتحدة إلى تدخل ليس له نهاية.
حقبة المركزية
قبل كانون الأول من عام 2024، كانت سوريا تُحكم بنظام شديد المركزية تحت هيمنة حزب البعث التي امتدت لخمسة عقود، فعند وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1971، طبق تحولات بعيدة المدى شملت سائر بنية الحكم وغيرها من المجالات الحساسة في الدولة، وكان هدفه من كل ذلك ترسيخ سيطرته على البلد.
وبعد شهور قليلة من توليه السلطة، أصدر مجلس الشعب الذي دعمه الأسد مرسوماً يقضي بتنظيم انتخابات المجالس على مستوى البلديات والمناطق والمدن، إلا أن إمكانية قيام حكم محلي فعال سرعان ما أجهضها الدستور الذي أقر في عام 1973 والذي حصر سلطات واسعة بيد مقام الرئاسة، بما يضمن استئثار الحكومة المركزية في دمشق بالسيطرة على كل مناحي إدارة الدولة مع تحويل المجالس المحلية إلى عناصر تابعة وظيفياً وتهميشها سياسياً. وفي حين أورد الدستور الجديد مادتين مقتضبتين ورد فيها ذكر المجالس الشعبية المحلية، لم يعرّف أي دور فعلي لتلك المجالس في الحكم المحلي. وخلال فترة حكمه، لم يبد الأسد كبير اهتمام حتى بالحكم الذاتي المحلي، فقد اتسم حكمه الذي امتد لثلاثة عقود بالمركزية الشديدة التي تسيطر على كل منحى من مناحي الحكومة، فعلى سبيل المثال، كان الأسد هو من يعين المحافظ من دون الرجوع إلى أي معلومات من الدوائر المحلية، كما كانت ميزانيات المحافظات الأربع عشرة بيد الحكومة المركزية في دمشق، ونتيجة لذلك، تحولت المجالس المحلية ومجالس المحافظات إلى أذرع للسلطة بشكل أساسي، بعد أن كُلفت بتطبيق السياسات التي تقررها الحكومة المركزية.
من حافظ إلى بشار
عندما تولى بشار، نجل حافظ، الرئاسة بعد وفاة أبيه في عام 2000، كانت أسس النظام المركزي المكثف قد ترسخت إلى أبعد حد، وعلى الرغم من محاولاته الأولى في مجال الإصلاح الاقتصادي وتحديث بعض قطاعات الدولة، لم يحافظ بشار على جهاز الحكم المركزي فحسب بل عمقه ورسخه في بعض الحالات، وذلك عندما ضمن بقاء عملية اتخاذ القرار بيد دمشق، مع بقاء بنى الحكم المحلية في مختلف أنحاء البلد مجرد أجهزة رمزية وغير فاعلة.
لعبت تلك المركزية المكثفة للسلطة دوراً مهماً في إشعال الانتفاضة التي قامت في عام 2011، فمن المظالم الخفية التي أسهمت في اندلاع النزاع السوري نذكر الغياب الكامل لوجود أي سلطة محلية، إذ على سبيل المثال، كان المحافظون يشغلون مناصبهم بالتعيين، ومعظم المسؤولين في البلديات تصادق عليهم دمشق، من دون أن يقدموا سوى أشياء ضئيلة للمجتمعات التي يخدمونها، بل إن بعضهم لم يقدم لتلك المجتمعات أي شيء على الإطلاق. ولقد تسبب هذا النهج الاستبدادي الذي ترافق مع فساد ممنهج وانعدام للمساواة في التوظيف، في تهميش المجتمعات المحلية، وهذا ما أدى إلى انتشار حالة استياء عميقة بين شريحة واسعة من أبناء وبنات المجتمع السوري.
وعندما أدرك نظام الأسد إمكانية تقويض السيطرة المركزية المباشرة على حكمه لمناطق معينة من البلد عندما وصلت الانتفاضة الشعبية لذروتها، تقدم بدستور أدخل عليه تعديلات كثيرة في عام 2012. وعلى الرغم من أن هذا الدستور الجديد كان مجرد إجراء شكلي وتجميلي، فإنه منح إدارات المحافظات ولو بصورة إسمية سلطات موسعة تحت مسمى: “مبدأ لامركزية السلطات والمسؤوليات”، وقبل تلك التعديلات الدستورية، كان مجلس الشعب السوري قد أقر قانون الإدارة المحلية رقم 107 الذي طرح رؤية النظام للامركزية الإدارة، ولكن تلك البادرات أتت متأخرة وبدت قليلة بنظر معظم السوريين.
الأبعاد التاريخية والعملية للامركزية
تظهر أطر العمل الدستورية السابقة والتطورات التي ظهرت مؤخراً بأن هيكل الحكم اللامركزي ليس مجدياً فحسب، بل إن له أساس في سابقة تاريخية وفي الشرعية السياسية.
تعود أوائل نماذج ذلك النموذج إلى المملكة العربية السورية التي لم تدم إلا لفترة قصيرة، والتي تأسست عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية وقبل بداية الانتداب الفرنسي. إذ في عام 1920، تبنى المجلس الوطني السوري دستوراً صادق بكل صراحة على نظام حكم لامركزي، إذ قسم هذا الدستور البلد إلى مقاطعات تتمتع باستقلال ذاتي، لكل منها برلمانه وسلطته الإدارية، كما تكفل ذلك الدستور بتمثيل الأقليات عبر نظام المحاصصة (الكوتا)، فكان محاولة جريئة لاستيعاب التنوع العرقي والديني في سوريا مع ضمان التعددية السياسية بدرجة ما، ولذلك اعتبر هذا الدستور الذي كان تقدمياً في زمانه دستوراً عصرياً منذ أن استحدث قبل أكثر من قرن من الزمان.
في مطلع عام 1920، وعندما أصبحت سوريا تحت الانتداب الفرنسي، قسمت إلى ست كيانات تتمتع باستقلال ذاتي، ثلاث منها شكلت الاتحاد السوري، ولقد أسمهت هذه السياسة الفرنسية القائمة على إقامة مناطق مستقلة ذاتياً ضمن الحدود الطائفية في زيادة التوتر بين مختلف الطوائف السورية، وبما أن طموح فرنسا كان يقوم على إبقاء سيطرتها المباشرة على سوريا، لذا سرعان ما حل محل هذا الاتحاد السوري هيكل لدولة واحدة، وهذا التحول وضع أساس نموذج الحكم شديد المركزية الذي تبنته حكومات وطنية متعاقبة، إلى أن وصل البعث إلى السلطة عبر انقلاب عام 1963.
مع تحول انتفاضة عام 2011 إلى نزاع مسلح شامل بدأت الدولة المركزية تفقد السيطرة على أجزاء من البلد، وهكذا ظهرت مجالس محلية وهياكل حكم شعبية في مناطق سيطرة الثوار ومناطق حكم الكرد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضرورة دفعت المجتمعات السورية إلى حكم نفسها بنفسها، أضف لذلك قدرتها على تحقيق الأمر ورغبتها فيه.
استأثرت هيئة تحرير الشام، وهي تلك الجماعة الثورية التي ترأست الهجوم الذي أسقط نظام الأسد، بالسلطة على الجيب الذي تمتع باستقلال ذاتي في شمال غربي سوريا، والذي بقي خارج سيطرة سلطة دمشق لبضع سنين. وعلى الرغم من خبرة الهيئة في ممارسة الحكم المحلي، ظهرت قيادة هيئة تحرير الشام التي تهيمن اليوم على الحكومة المركزية كأحد أشد المعارضين الصريحين للامركزية في سوريا، إذ يرى مناصرو المركزية بأن تبني هذا النموذج بسهم في تعزيز مسألة وحدة التراب السوري، وتدعيم مؤسسات الدولة، مع الحد من خطر التقسيم بحسب العرق والطائفة.
اللامركزية كمطلب كردي
يعتبر الكرد الذي يشكلون 15% من سكان سوريا من أبرز المؤيدين لفكرة اللامركزية، وقد بنوا موقفهم هذا على أساس تمسك راسخ بالنظام اللامركزي بوصفه الرد الأمثل على التهميش العرقي الذي عانوا منه على مر التاريخ كما يعتبر ذلك رداً على التحديات البنيوية الأوسع التي تعتري جسد الدولة السورية، ويؤكدون تلك الفرضية عبر الاستشهاد بفترة امتدت لأكثر من عقد من الحكم الذاتي الذي فرض بحكم الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا.
تشكلت الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا في عام 2014، وتطورت لتصبح هيئة حكم معقدة، وأصبحت تدير اليوم نحو ثلث الأراضي السورية، ومن بينها المناطق التي كان تنظيم الدولة يسيطر عليها في السابق. وفي مقابلة أجريت منذ فترة قريبة مع أحد كبار المسؤولين الكرد في شمال شرقي سوريا، قال: “إن بقيت تجربتنا في الحكم الذاتي قائمة على الرغم من كل المصاعب خلال زمن الحرب، فإنها وبكل تأكيد تستحق أن تعمم خلال زمن السلم، ليس فقط في منطقتها، بل في بقية أنحاء سوريا”.
في نيسان الماضي، اجتمعت الفصائل الكردية السورية التي كانت مقسمة على مر الأزمان لتعلن عن رؤية موحدة لحل القضية الكردية في سوريا بعد الأسد، ولذلك طالبت باللامركزية كإطار حكم ناجع، وذكر ممثلو الكرد بأن اللامركزية ضرورية ليس فقط لمنع الحكم الاستبدادي من الظهور مجدداً، بل أيضاً من أجل تعزيز المصالحة الوطنية، وعملية التوظيف العادلة، والاستقرار على المدى البعيد، بما أن هذه الأمور الثلاثة تعتبر عماد أي نظام سياسي مستدام بعد النزاع.
أبدت الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا أهمية إقامة نموذج حكم شبه ذاتي متعدد الأعراق والأديان، وذلك لأن هياكل الحكم لديها أسست لتلبي احتياجات المجتمعات المحلية بشكل فاعل، فعلى سبيل المثال، يتيح نظام الرئاسة المشتركة تمثيل المجتمعات غير الكردية على مستوى القيادة، حيث يتقاسم كل منصب حكومي رفيع رجل وامرأة، وغالباً ما ينتمي كل منهما لمجموعة عرقية مختلفة عن الآخر، وهذا ما يضمن المشاركة الجندرية والعرقية في آن معاً.
وهنالك مبادرة مهمة أخرى تمثلت في طرح سياسة اللغات الثلاث وذلك لتمكين المجتمعات في مختلف أنحاء شمال شرقي سوريا من الحصول على التعليم بلغاتها الأصلية، وهي الكردية والعربية والسريانية. إذ في المناطق ذات الغالبية العربية أو المسيحية مثلاً، يكون أساس التدريس باللغة العربية أو السريانية، وتظهر هذه التجربة من الحكم الذاتي بأنه يمكن تطبيق الحكم اللامركزي هذا على مناطق أوسع من البلد، بعد إدخال تعديلات عليه، بيد أنه لن يكتب لهذا النموذج النجاح من دون إجماع موسع عليه من سائر فئات الشعب السوري، ونظراً للظروف الحالية التي تعيشها البلد بسبب العملية الانتقالية والانقسام الحاصل، تواجه سوريا ظروفاً تجعل من قضية اللامركزية أمراً لابد من البحث فيه بوصفه أولوية وطنية.
تزايد الدعوات المطالبة باللامركزية
إن عدم وضوح الوجهة على المستوى السياسي بعد سقوط الأسد وما تلا ذلك من ظهور لقائد هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، في دمشق، شجع عدداً متزايداً من المجتمعات على المطالبة بحكم لامركزي في مناطقها، وكان أبرز تلك المجتمعات المجتمع الدرزي الذي يشكل نحو 3% من سكان سوريا، والذي أعلن وبشكل صريح عن هذا المطلب عبر قيادته الروحية بعد أيام قليلة من رحيل الأسد.
أصبح لتلك المطالبات زخم وقوة عقب الأحداث العنيفة التي استهدفت الطائفة العلوية في آذار الماضي، وارتفع صوت تلك المطالبات أكثر في أيار الماضي بعد وقوع اشتباكات دموية بين ميليشيات درزية وفصائل تابعة للسلطات المؤقتة في جنوبي سوريا. وهذه المطالبات تعبر عن تصور يرى بأنه يمكن للحكم الذاتي المحلي أن يحمي الأقليات، بما أن معظمها بات يخشى من تنامي نفوذ القوات الإسلامية التي تهيمن على الحكومة في دمشق اليوم، والأهم من كل ذلك هو أن قضية اللامركزية لا تقتصر على حماية مصالح الأقليات في سوريا، بل إن الأغلبية العربية السورية ستكون من أكبر المستفيدين من هيكل الحكم اللامركزي الذي يعتبر وسيلة لتخفيف التوتر الداخلي الذي امتد لزمن طويل بين أبناء وبنات الشعب السوري المتنوع أيديولوجياً وثقافياً ومناطقياً.
إطار عمل متوازن
أسهمت سنوات طويلة من سوء التفاهم بين الطوائف المختلفة وانعدام الثقة بين المجتمعات السورية المتنوعة والذي تعمق كثيراً بينها، في انتشار تصور يرى بأن اللامركزية أو أي شكل من أشكال الفيدرالية يستلزم بالضرورة تفكك البلد وتقسيمه، ولقد عزز هذه السردية الرفض الصريح للمركزية الذي أبدته النخبة الدمشقية وغيرها من النخب المدينية والسواد الأعظم من الإعلام السوري، وشرائح من الشارع السوري، وقد أتى ذلك كنتاج لسنوات من الرسائل السياسية التي بثت ضد هذا الأمر. ويظهر هذا التصور بشكل واضح عندما تبدر المطالبة باللامركزية من الأقليات، وهذا ما يغذي الخوف من الانقسام بدلاً من أن يُنظر إليه على أنه دعوة لإقامة حكم جامع قائم على المشاركة.
ولكن، يمكن تبديد كل تلك المخاوف عبر تحديد آلية انتقال السلطة الإدارية والمالية والسياسية من الحكومة المركزية إلى هيئات الحكم المنتخبة محلياً، فهذا النموذج يعمل على تمكين السلطات المحلية من إدارة الخدمات العامة الأساسية، إلى جانب التخطيط الاقتصادي، وأداء وظائف الحوكمة بما يتماشى مع احتياجات المجتمع وهويته، كما ينطوي ذلك على توزيع عادل للثروات والموارد الوطنية، بما يضمن حصول كل المناطق على فرص تنموية عادلة، بصرف النظر عن خصائصها الديمغرافية والجغرافية. وفي الوقت ذاته، يمكن للحكومة المركزية في دمشق أن تضطلع بمسؤولية المهام الأساسية التي تعبر عن سيادة البلد وعلى رأسها السياسة الخارجية والمالية والدفاع.
بوسع إطار العمل المتوازن هذا أن يعزز المحاسبة على المستوى المحلي مع الحفاظ على وحدة البلد، لذا فإن المحادثات المستمرة بين دمشق وممثلي قسد والإدارة الذاتية تفتح نافذة أمام فرصة التفاوض على مستقبل الحكم الذاتي ليس فقط في شمال شرقي سوريا، بل في كامل البلد، ويمكن لتلك النقاشات أن تمهد الطريق أمام مزيد من العمل الإطاري السياسي الشامل الذي تضم رموز اللامركزية والتشارك في السلطة.
بيد أن إنشاء هيكل حكم متماسك قد يحتاج إلى إعادة تقييم للتقسيمات الإدارية القائمة في سوريا حالياً، بما أن الحرب خلفت واقعاً جديداً على المستوى السياسي وعلى الأرض في مختلف أنحاء سوريا في وقت طفت على السطح من جديد المظالم القديمة التي قُمعت منذ أمد بعيد خلال عقود حكم البعث المركزي، فعلى سبيل المثال، طالب الكرد منذ زمن طويل في شمال وشمال شرقي سوريا بالاعتراف بثقافتهم، إلى جانب الاعتراف حقوقهم اللغوية وإنهاء السياسات التي تقصيهم، كما طالبوا بمنحهم حكماً ذاتياً على المستوى السياسي. وفي الجنوب، أعربت الطائفة الدرزية عن سخطها بسبب تهميشها سياسياً وإهمالها اقتصادياً، في حين تنشد الطائفة المسيحية في عموم البلد الحرية في ممارسة شعائرها الدينية من دون أي تدخل للدولة في ذلك مع الاحتفاظ بمشاركة كاملة في السياسات الوطنية. وبالطريقة نفسها، تعرضت المناطق ذات الغالبية العربية السنية لمستويات أعلى من العنف والتدمير الذي طال بناها التحتية، ولذلك فإنها اليوم ستضغط باتجاه سيطرة محلية أكبر ومساواة في مجال إعادة الإعمار، ولذلك من الضروري معالجة تلك المظام عبر هيكل إداري شامل وجديد وذلك لضمان نشر الاستقرار على المدى البعيد مع الحفاظ على تماسك البلد.
خاتمة
بعد 14 عاماً من النزاع والتقسيم وانهيار المؤسسات، بات من الواجب التفكير بنماذج حكم بديلة تنأى بعيداً عن تركة المركزية في سوريا. فلقد قدم انهيار نظام الأسد فرصة حساسة ونادرة لإعادة تصور أسس الدولة السورية بما يضمن التمثيل الشامل مع وجود حكم يسعى للاستجابة للطلبات والطموحات على كل المستويات.
ولذلك، يجب ألا ننظر لهذه المرحلة على أنها مجرد فرصة للقيادة بل بداية لعملية بناء الدولة، وذلك لأنها تقدم فرصة لتشكيل نظام حكم يمكن من خلاله لجميع مكونات المجتمع السوري المتنوع أن تشارك بصورة فعالة في رسم ملامح مستقبل البلد.
وحتى يغدو هذا التحول ممكناً، من الضروري العودة من جديد لدراسة الإعلان الدستوري بشكل دقيق والذي أقر في آذار الماضي، بما أنه لم يتطرق للحديث عن تحديات الحكم الهيكلية التي تعترض سبيل سوريا، حتى من حيث المبدأ، فبما أن هذا الإعلان مؤقت وخرج علينا من دون إجماع وطني، لذا يرجح له أن يتحول إلى مرجع يبنى عليه الدستور النهائي الدائم، لذا من الضروري أن يعبر هذا النص التأسيسي عن مبدأ المشاركة وخاصة فيما يتصل باللامركزية إلى جانب مبدأ المشاركة في السلطة، وذلك لبناء نظام سياسي شرعي ودائم بعد النزاع. ولذلك فإن مراجعة الدساتير السابقة، وخاصة تلك التي أقرت في حقبة البعث، يمكن أن توفر أساساً مهماً لبناء هيكل سياسي مستقر وشامل وتمثيلي، إذ مثلاً، يمكن عند تبني نموذج لامركزي تتمتع فيه كل منطقة ببرلمان وحكومة بما يشبه الإطار الذي تأسس في دستور عام 1920، تقديم نهج متوازن للحكم، مع فتح المجال أمام حالة استقلال ذاتي محلية على نطاق أكبر إلى جانب الحفاظ على وحدة البلد.
وعلى دمشق أن تقاوم ضغط القوى الإقليمية، ويجب على الحكومة المؤقتة أن تؤكد بأن الحكم في سوريا مستقبلاً يعتبر مسألة متعلقة بسيادتها ولهذا لا يمكن لأحد أن يقر ذلك إلا السوريون أنفسهم عبر عملية وطنية جامعة. إذ من الضروري ألا تخضع الأولويات الداخلية لسوريا للأجندات الجيوسياسية التي تتبناها دول الجوار، وذلك من أجل إقامة تسوية سياسية شرعية في سوريا.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الانفتاح الذي حدث مؤخراً على السلطات السورية الجديدة يجب أن يترافق مع تدخل حقيقي يعمل على مساعدة السوريين في بناء مؤسساتهم، ويجب على واشنطن أن تعطي الأولوية لنموذج الحكم اللامركزي وأن تعمل على مناصرته بوصفه جزءاً من استراتيجيتها الدبلوماسية والساعية لنشر الاستقرار. ومع مواصلة أميركا عملية رفع العقوبات، ينبغي عليها أن تستعين بنفوذها لضمان عدم النظر إلى اللامركزية على أنها السبيل الذي يفضي إلى التقسيم، بل على أنها آلية لتحقيق تمثيل عادل، ولتخفيف حدة النزاع، ولتحقيق مرونة في الدولة على المدى الطويل، ولابد لهذا النهج أن يترافق مع دعم تقني ومالي لهياكل الحكم المحلية مع تشجيع الحوار حول الدستور خلال الفترة الانتقالية. غير أن إدارة الرئيس دونالد ترمب أعربت وبكل صراحة عن كرهها لفكرة بناء الدول الأخرى، ولكن دعم الحكم اللامركزي في سوريا لا يعتبر عملية انتقالية لبناء الدولة، بل إنه استثمار استراتيجي في الاستقرار على المدى البعيد بما ينسجم مع المصالح الأساسية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ككل.
لذا إن كانت أمام سوريا فرصة لمنع انهيار الدولة وللمحافظة على وحدة أراضيها، فعليها أن تفكر بجدية ببناء نظام لامركزي يعبر عن التنوع العرقي والديني والطائفي في البلد ويتبناه بشكل صريح.
المصدر: The New Lines Institute
تلفزيون سوريا
——————————
فورين بوليسي: معضلة أنقرة مع الصداع الجديد القادم من سوريا
ربى خدام الجامع
2025.09.12
في تقرير مطوّل، ترسم مجلة فورين بوليسي صورة قاتمة لما سمته “مأزق أنقرة في سوريا الجديدة”: فبعد أن تنفّست تركيا الصعداء إثر سقوط بشار الأسد، سرعان ما اكتشفت أن ما اعتبرته فرصة تاريخية انقلب إلى صداع مضاعف. فالمشهد لم يفرز حكومة صديقة كما توقّعت أنقرة، بل أطلق سباق نفوذ إقليمي تقوده إسرائيل بقوة ناعمة وصلبة معاً، فيما رفعت بعض الأقليات السورية لواء الحكم الذاتي متحدّية مركزية الشرع، لتجد أنقرة نفسها بين مطرقة حليف أميركي متردّد وسندان شريك روسي متقلّب. وبدلاً من أن تكون سوريا ورقة رابحة في يد تركيا، تحوّلت إلى حقل ألغام استراتيجي.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
عند الإطاحة بالديكتاتور بشار الأسد في أواخر العام الماضي، لاحت فرصة ذهبية أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ على امتداد فترة تجاوزت العقد من الزمان، أثقلت الحرب في تلك الدولة الجارة كاهل أنقرة بمشكلات ناء كاهلها عن حلها، وأولها ملايين اللاجئين السوريين الذين خلقوا ضغطاً على سياستها الداخلية، والميليشيات الكردية المدعومة أميركياً والتي تمترس على الحدود مع تركيا، وساحة معركة هيمن عليها النفوذ الروسي والإيراني مما جعل أنقرة عرضة لنزوات موسكو وطهران.
حمل سقوط الأسد معه إحساساً بالارتياح على كل الجبهات، وخاصة بعد أن حدث سقوطه على يد قوات مقربة من تركيا، وأتى توقيت سقوطه ملائماً، إذ كان الرئيس أردوغان وحلفاؤه القوميون قد فتحوا من جديد الباب للحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، وذلك بهدف الحصول على تأييد أحد الأحزاب الموالية للكرد في البرلمان، في مناورة هدفها فتح الطريق أمام إعادة انتخاب أردوغان في عام 2028، لذا كان لابد لفكرة تقويض الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني أن تحسن فرص أنقرة في تحقيق تقدم من خلال الحوار مع أوجلان.
رسمت أنقرة حساباتها على أساس وجود حكومة صديقة لها في دمشق، وبذلك بات بوسع تركيا إعادة تشكيل سوريا كما تحب وتشتهي. ولكن بعد مرور ثمانية أشهر على ذلك، لم يفرز مشهد ما بعد الأسد سوى نقيض ذلك، بعد أن أصبحت سوريا تمثل بالنسبة لأنقرة صداعاً أكبر من الصداع الذي سببه لها الأسد في الماضي.
“إيران الجديدة”
وسرعان ما ظهرت إسرائيل على الخط فأصبحت أكبر تحد يواجه أنقرة في سوريا بعد الأسد، إذ بما أن إسرائيل لا تثق بالرئيس المؤقت أحمد الشرع بسبب ماضيه الجهادي، لذا لم تضع أي وقت، بل شرعت بتوسيع نفوذها بمجرد أن انهار النظام البائد، إذ بعد مرور أقل من يوم على سقوط الأسد، اندفعت القوات الإسرائيلية عبر مرتفعات الجولان التي تسيطر عليها منذ النكسة في عام 1967، فسيطرت على التحصينات التي خلفها جيش النظام البائد، وفي غضون عشر أيام، دك سلاح الجو الإسرائيلي مئات المواقع العسكرية في مختلف أنحاء سوريا. وعلى الأرض، زحف الجيش الإسرائيلي متوسعاً ضمن أراض لا يقل عمقها عن 12 كيلومتراً ضمن التراب السوري، وأقام لنفسه تسع نقاط عسكرية، كما مهد الطرق، وزرع الحقول بالألغام.
وصفت إسرائيل تحركاتها تلك بالدفاعية وبأنها ضرورية لمنع وصول خطر الجهاديين إليها ولحماية الأقليات المستضعفة في سوريا، فيما رأت أنقرة في تلك التحركات شيئاً آخر، ألا وهو تقدم إسرائيلي هدفه زعزعة استقرار سوريا الجديدة الهشة وتقويض عملية السلام التي بدأها أردوغان من حزب العمال الكردستاني.
غير أن القلق التركي تجاه التحركات الإسرائيلية في سوريا يعبر عن قلق أعمق تجاه ظهور إسرائيل بمظهر القوة العسكرية المهيمنة إقليمياً، إذ منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول عام 2023، وسعت إسرائيل رقعة نفوذها، حيث هاجمت إيران وأذرعها، وعززت وجودها في دول الجوار، وضربت البارحة قطر، تلك الدولة التي تعتبر أحد حلفاء تركيا في المنطقة، وتعتبر عملية إضعاف طهران تطوراً يحظى بترحيب كبير لدى أنقرة، إلا أن الموقف الإسرائيلي الذي لم يعد يكبح جماحه أي شيء لا يسعى لتحقيق ذلك، إذ اليوم، ومع خروج بعض المحللين الإسرائيليين علينا ليحذروا تركيا ويصفوها بأنها: “إيران الجديدة” ومع توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمنع عملية إحياء الإمبراطورية العثمانية، تحول ذلك التهديد لتهديد شخصي.
تحول بنيوي في العلاقات
يرتبط القلق التركي بتحول بنيوي، إذ بخلاف ما حدث في تسعينيات القرن الماضي، لم تعد إسرائيل بحاجة لتركيا كما كانت في السابق، إذ في الماضي، دخل البلدان في شراكة استراتيجية ضد أعدائهما المشتركين، أي إيران وسوريا، ووصلت تلك الشراكة لذروتها في اتفاق التعاون العسكري التاريخي الذي أبرم بينهما في عام 1996. ثم عملت إسرائيل على تحديث الأسطول الجوي التركي، ونقلت إلى تركيا أحدث التقانة في مجال الصواريخ، وشاركتها بالمعلومات الاستخبارية، في حين قدمت تركيا لإسرائيل شرعية نادراً ما حظيت بها ضمن محيط إسلامي يعاديها، إلى جانب تزويد إسرائيل بغطاء عبر حلف شمال الأطلسي، ناهيك عن أنها أصبحت جسراً لإسرائيل يربطها بأوروبا.
ولكن إسرائيل اليوم أخذت تقلص اعتمادها على أنقرة بالتدريج، سواء في مجال الدفاع أو الدبلوماسية أو الطاقة، فاستبدلت أنقرة بنيقوسيا وأثينا، عندما أقامت علاقات عسكرية ودبلوماسية وطيدة مع قبرص واليونان، فداخل الاتحاد الأوروبي، صارت هاتان الدولتان تدافعان عن إسرائيل في وقت الشدة، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أما على الصعيد العسكري، فقد أجرت إسرائيل تدريبات بحرية وجوية مشتركة مع اليونان وقبرص وهذا ما ملأ الفراغ الذي ترتب على انهيار التعاون الدفاعي المشترك بين إسرائيل وتركيا.
عمقت الاتفاقيات الإبراهيمية هذا التحول، كونها أضعفت أهمية أنقرة بالنسبة لمكانة إسرائيل على الصعيد الدولي، بعد أن منحت تركيا اعترافها لإسرائيل وجعلتها تحظى بشرعية قل نظيرها في العالم الإسلامي، ناهيك عن السلم الذي مهدته لها مع عدد من الدول العربية.
غير أن النتيجة أتت صادمة، بعد أن أضحت إسرائيل اليوم أقوى على المستوى العسكري، وهذا ما شجعها على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، كما قل اعتمادها على تركيا إلى حد بعيد، وبالنسبة للسياسيين الأتراك، فإن ذلك ما جعل من إسرائيل خطراً مباشراً يهدد سياسة أنقرة في سوريا.
أزمة السويداء تقضي على مطامح أنقرة
أكدت المقتلة التي وقعت في السويداء أسوأ مخاوف أنقرة، إذ ما بدأ بعملية خطف لتاجر خضار درزي على يد عصابة من البدو، سرعان ما تحول إلى سعار طائفي تخللته انتقامات وإعدامات وعنف طال الطائفة بأكملها في منطقة اجتاحتها منافسات الدروز مع البدو منذ أمد طويل. ولذلك نشرت حكومة الشرع المؤقتة قواتها في تلك المنطقة لبسط الأمن من جديد، بيد أن هذا التدخل انهار على الجبهتين التكتيكية والسياسية، وذلك لأن قوات الحكومة لم تفشل في احتواء الاقتتال فحسب، بل وجهت إليها أصابع الاتهام بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين الدروز.
وسرعان ما استثمرت إسرائيل في الفوضى الحاصلة، فتصرفت بناء على ما تعهدت به في شباط الماضي وهو أن تبقي الجنوب السوري منزوعاً من السلاح وبأن تحمي الدروز، وهكذا قصف الطيران الحربي الإسرائيلي مقرات لوزارة الدفاع السورية بدمشق، بل حتى استهدف منطقة قريبة من القصر الجمهوري، وفي غضون أيام قلائل، انسحبت القوات السورية من السويداء.
كانت تداعيات ذلك مدمرة بالنسبة لدمشق، وذلك لأن العنف كشف ضعف حكومة الشرع المؤقتة كما أوضح قوة إسرائيل وتصميمها على ضبط الأمن في الجنوب السوري.
إلا أن أشد ما أثار قلق أنقرة هو تدمير أزمة السويداء لمخططاتها، أي لذلك الجهد الذي دعمته تركيا سعياً لدمج القوات الكردية ضمن هياكل الدولة الجديدة والذي بات معرضاً اليوم لأعنف مقاومة. إذ عقب المقتلة في السويداء، انقلبت بعض الأقليات في سوريا، وعلى رأسها الكرد، على رؤية الشرع المركزية للحكم، وشددت على المطالبة بالحكم الذاتي.
يخشى العدالة والتنمية وحليفه القومي دولت باهتشلي الذي يعتبر من كبار مهندسي المحادثات مع أوجلان، من احتمال مضاعفة كرد سوريا لمطالبتهم بالحكم الذاتي وذلك بعد تأكدهم من التزام إسرائيل بالوعد الذي قطعته بالنسبة لحماية الأقليات في سوريا، وذلك لأن هذا الاحتمال يقوض السردية الأساسية التي تتبناها أنقرة وهي “هزيمتها” لحزب العمال الكردستاني، حتى في الوقت الذي بقيت ميليشيا تابعة لهذا الحزب تتمركز على الحدود الجنوبية لتركيا وتحكم مساحات شاسعة من التراب السوري.
مناورات خطرة
عولت أنقرة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعلى مبعوثه، السفير الأميركي إلى تركيا، توم باراك، وذلك في نزع فتيل الأزمة مع كل من إسرائيل والكرد، فقد كرر باراك النقاط التي أوردتها أنقرة في المحادثات، وأصر على أن الحل لا يمكن في الفيدرالية، كما ضغط على كرد سوريا ليبرموا اتفاقاً مع دمشق، بل حتى طالبهم بكبح جماح العمليات الإسرائيلية، بيد أن كل تلك المساعي لم تتمخض عن شيء مهم، بعد أن أضحت السويداء أجلى رمز لذاك الفشل، ومع تصاعد التحديات في سوريا الجديدة، عاد أردوغان للاستعانة بدليل العمل القديم، أي التدخل العسكري وطلب المساعدة من روسيا.
بكل صراحة، هدد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بعمل عسكري يستهدف القوات الكردية السورية في حال سعيها لتقسيم سوريا، في الوقت الذي أبرم اتفاقاً مع دمشق لمدها بالسلاح والتدريب. كما حثت أنقرة دمشق على تعميق علاقاتها مع موسكو التي ظهرت بمظهر الطرف المهمش في سوريا بعد الأسد، لكنها بدأت تتفاوض مع القيادة السورية الجديدة على الاحتفاظ بقواعدها في ذلك البلد. إذ بالنسبة لأنقرة، يمكن للنفوذ الروسي أن يحفظ التوازن وأن يتصدى للوجود الإسرائيلي التوسعي، إلى جانب تعزيزه للمساعي التي تعمل على منع استقلال الكرد. بيد أن تلك المناورات تحمل بين طياتها محاذير خطرة بالنسبة لكل من تركيا ودمشق.
إن أي حملة عسكرية جديدة تستهدف كرد سوريا يمكن أن تهدي انتصاراً للمتشددين داخل حزب العمال الكردستاني الذين لم يضعوا أي ثقة بحوار أوجلان مع أردوغان، ووقفوا ضد الدعوات التي طالبت الحزب بإلقاء سلاحه، كما يمكن لذلك أن يهدد بالمقابل عملية مهمة بالنسبة لمخطط أردوغان الذي يسعى من خلاله لإعادة كتابة قواعد الحكم من جديد في عام 2028. إذ منذ سقوط الأسد، حرصت أنقرة على عدم الظهور بمظهر من يسعى للهيمنة على سوريا بعد الأسد، وكان هدفها من اتخاذ هذا الموقف تطمين دول الخليج والعواصم الغربية على حد سواء. إذ حتى لو نفذت القوات السورية عملية بدعم تركي، من دون أن تتدخل القوات التركية بشكل مباشر، فإن ذلك لابد أن يحطم تلك الصورة التي رسمتها تركيا لنفسها بكل عناية.
كما أن أي عملية عسكرية تستهدف كرد سوريا الذين مايزالون يحظون بتعاطف معظم العواصم الغربية التي تهم الشرع في سعيه لتحصيل استثمارات أجنبية ومساعدات بالنسبة لإعادة الإعمار، لابد أن تدمر الشرع الذي سعى جاهداً لإقناع الغرب بأنه عازم على احترام حقوق الأقليات والتعامل معها بحسن نية.
روسيا لم تعد شريكاً موثوقاً
بيد أنه لم يتضح كثيراً إن كان بوسع النفوذ الروسي المحدود في قواعد روسيا المقامة في سوريا، أو تقارب دمشق مع موسكو، أن يكبح جماح إسرائيل أو الكرد، إذ في حزيران الماضي، وقفت روسيا موقف المتفرج عندما ضربت إسرائيل مواقع نووية إيرانية، على الرغم من “الشراكة الاستراتيجية” التي وقعت عليها موسكو مع طهران قبل أشهر قليلة. أي أن الواقع يقول بإن روسيا تقدر علاقاتها مع إسرائيل، وذلك لأن جيش كل البلدين يعمل في سوريا، ويحرص كل منهما على تجنب وقوع أي اشتباك مباشر بينهما، كما أن إسرائيل بقيت من جانبها محايدة إلى أبعد حد بالنسبة لأوكرانيا، وذلك خوفاً من معاداة روسيا نظراً لوجود جالية يهودية كبيرة في ذلك البلد.
كما لا يمكن الوثوق بروسيا كدولة شريكة في القضية الكردية، إذ بخلاف تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم يدرج الكرملين حزب العمال الكردستاني ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، بل سمح لكرد سوريا بفتح مكتب تمثيلي لهم في موسكو عام 2016. لذا، وعلى أية حال، فإن الضغط الذي تمارسه تركيا من أجل تقريب دمشق من موسكو قد يتمخض عن نتائج عكسية، أولها استبعاد الولايات المتحدة وأوروبا بعد أن رحبتا بتقلص النفوذ الروسي بعد سقوط الأسد، أما بالنسبة للشرع، فإن تقاربه مع موسكو لن يفسد علاقاته مع الغرب فحسب، بل لابد أن يثير أيضاً حفيظة القاعدة الشعبية المحلية التي تكره روسيا بسبب دعمها للنظام البائد.
ليس ثمة حل فوري لمشكلات أنقرة المتزايدة في سوريا، كما لن ينفعها نفض الغبار عن دليل العمل القديم وتبنيه من جديد، لأن ما تحتاج إليه أنقرة هو رؤية مختلفة كلياً، بما أن تمسك أنقرة بنموذج الدولة المركزية على غرار الدولة التركية يغض الطرف عن الحقيقة القائلة بإن هذا النموذج لن ينتج الاستقرار الذي باتت أنقرة بأمس الحاجة إليه.
وهنا قد لا يتمثل البديل بفيدرالية صريحة، بل بسوريا تتمتع الأقليات فيها، ومن بينها الكرد، بحكم ذاتي حقيقي بالنسبة للشؤون المحلية مع ضمان حقوقهم في الدستور، ولا وقت أفضل من اليوم للخوض في هذا المسار، بعد أن دخلت أنقرة في محادثات مع حزب العمال الكردستاني في الداخل، ومع تعويم مسؤولين أتراك لفكرة صياغة دستور جديد بهدف تحقيق بعض مطالب الكرد الأتراك، إذ لعل مستقبل سوريا والمكاسب السياسية التي يأمل أردوغان بتحقيقها في الداخل والخارج معلقة بتبني هذا التحول الكبير.
المصدر: The Foreign Policy
تلفزيون سوريا
—————————–
إسرائيل تتمسك بجبل الشيخ: عملية عسكرية بعمق 38 كلم بسوريا
السبت 2025/09/13
كشفت تقرير لصحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية، عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية بعمق 38 كيلو متراً داخل الأراضي السورية، تمكن خلالها من جلب 3 أطنان ونصف الطن من المواد المتفجرة والوسائل القتالية.
استهداف قاعدتين كبيرتين
وقال التقرير إن العملية التي وصفت باسم “أخضر- أبيض”، استمرت نحو 14 ساعة، وجرت بمشاركة قوات احتياط من “الفرقة- 210” ووحدات أخرى بينها كتيبة الدرزية (حيرف- 299)، موضحاً أنها استهدفت “قاعدتين سوريتين كبيرتين خلت من الجنود لكن بقيت ممتلئة بالأسلحة الثقيلة والذخائر”
وأضاف أن قوات الاحتياط التابعة للفرقة جلبت إلى إسرائيل نحو 3 أطنان ونص الطن من المواد المتفجرة ووسائل القتال من عتاد الجيش السوري السابق، وذلك من أصل 7 أطنان كان “لواء الجبال” قد جمعها من داخل الأراضي السورية خلال الأشهر الماضية.
ووفق التقرير، فقد بدأ التخطيط للعملية مع إدراك أن مستوى الخطر سيكون أعلى هذه المرة، لافتاً إلى أن الغاية لا تقتصر على “تنظيف” المنطقة من السلاح، إنما تشمل أيضاً تعطيل المزيد من شحنات التهريب إلى حزب الله.
وزعم تقرير الصحيفة العبرية، أن الوجود الإسرائيلي المتكرر “يصعّب على أطراف معادية ملء الفراغ الذي خلّفه” جيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
الدروز طلبوا المساعدة
وزعم التقرير أن القوات الإسرائيلية التقت خلال تقدمها لتنفيذ العملية، بمجموعات من السكان الدروز في قرية رخلة (احدى قرى جبل الشيخ التابعة لناحية قطنا)، على مشارف دمشق، وأنهم “استقبلوا القوات وطلبوا مساعدتها” بعد أن تعرضت أحياء درزية لهجمات من فصائل مسلحة.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي قدّم “مساعدات إنسانية” لهؤلاء السكان مقابل حصوله على معلومات حول مخازن أسلحة تركها الجيش السوري السابق في المنطقة.
وادعى الجيش أن عملياته داخل سوريا تستهدف “منع تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان”، وأن بعض الشحنات كانت في طريقها إلى تجار سلاح في شبعا ومناطق حدودية أخرى.
وزعم أحد ضباط الجيش بمصادرة “قافلة شاحنات محمّلة بقذائف وصواريخ مضادة للدروع، كانت في طريقها شمالاً”. وأن “المصادرة تمت بمحض الصدفة خلال العملية الليلية”.
وكذلك، زعم تقرير الصحيفة أن بعض الأسلحة التي تُركت في المنطقة استخدمتها مجموعات مسلحة لمهاجمة القرى الدرزية جنوب سوريا، وأن الجيش الإسرائيلي يخشى من أن تتحول تلك المخازن إلى “مصدر تسليح لفصائل معادية”.
البقاء في جبل الشيخ
ونقلت الصحيفة عن ضباط إسرائيليين، قولهم إن السيطرة على قمة جبل الشيخ السوري أتاحت لهم مجال رؤية مباشر نحو مواقع عسكرية حساسة داخل الأراضي السورية.
وزعم أحد الضباط أنه تفاجأ حين تمكن من “الرؤية بوضوح مقر قيادة الفرقة العسكرية المسؤولة عن منطقة الجولان المحتل في قاعدة نفح”، لافتاً إلى أن هذا الموقع كان هدفاً للقوات السورية في حرب تشرين العام 1973.
وقال التقرير إن الجيش الإسرائيلي يعتبر أن القمة التي سيطر عليها قبل نحو عشرة أشهر تشكل موقعاً إستراتيجياً “لا يمكن التنازل عنه”، لأنها تمنح القدرة على مراقبة “طرق التهريب” الممتدة نحو الجنوب اللبناني، كما تكشف خطوط إمداد تشكّل “شرياناً لوجستياً لحزب الله”.
وأكد أن “الجيش أقام منذ ذلك الحين ثمانية مواقع عسكرية على امتداد شريط بعمق 5 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية”، لافتاً إلى وجود قوات الاحتلال في هذه المواقع يتيح أيضاً مراقبة طريق دمشق– بيروت الحيوي، والإشراف على البقاع اللبناني الذي يعتبره الجيش “مركزاً خلفياً لوجستياً لحزب الله”.
————————
بين دمشق ونيويورك والتوازن المستحيل.. سوريا إلى أين؟/ أنيس المهنا
السبت 2025/09/13
الشرق الأوسط يعجّ بالتناقضات، وفي المشهد المعقد اليوم يبرز حدثان متشابكان قد يعيدان رسم خريطة التوازنات في المنطقة: الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والحديث عن اتفاقية أمنية محتملة بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية. هذان الحدثان ليسا منفصلين، بل يعكسان تحولات عميقة في السياسات الإقليمية والدولية، ويطرحان سؤالاً مصيرياً: إلى أين تتجه سوريا؟
الشرع في نيويورك والشرعية الجديدة
تمثلّ زيارة الشرع إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول زيارة لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ ستة عقود، نقطة تحوّل في العلاقات السورية-الأميركية، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر /كانون الأول 2024.
وفقاً لمصادر دبلوماسيّة رسمية، من المتوقع أن يلقي الشرع خطاباً أمام الجمعية العامة في 24 أيلول/سبتمبر، كما سيعقد لقاءات مع مسؤولين أميركيين ودوليين. هذه الخطوة تأتي في إطار مساعي سوريا الجديدة لإعادة الاندماج في المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة، لكن المعضلة تكمن في قدرة الشرع على الموازنة بين البحث عن شرعية ما زالت هشة، والضغوط المتعلقة بالتطبيع مع إسرائيل، التي ما زال السوريون غير معتادين حتى على سماع بعض مصطلحاتها.
وتشير تسريبات إلى مفاوضات مكثفة بين دمشق وتل أبيب حول اتفاقية أمنية محتملة تركز على ترتيبات أمنية محدودة، مثل إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 ونزع السلاح في جنوب سوريا. وقد أكد الرئيس الشرع أن هذه المفاوضات تهدف إلى “إعادة إسرائيل إلى ما كانت عليه قبل 8 كانون الأول/ديسمبر” وإعادة الهدوء إلى العلاقات مع دول العالم. لكن هذه المفاوضات تواجه عقبات كبيرة، أبرزها رفض إسرائيل التنازل عن الجولان أو السماح بوجود عسكري سوري قوي في الجنوب. كما تواجه مطالب إسرائيلية بتأمين ممر آمن بين الجولان والسويداء والحفاظ على نفوذها في مناطق محسوبة على الأقليات.
إشكالية الداخل: السويداء نموذجاً
الوضع في محافظة السويداء يظل أحد التحديات الداخلية التي تؤثر على أي اتفاق خارجي. فبعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، والتي تدخلت فيها إسرائيل بشكل مباشر، أكد الشرع أن “السويداء جزء أصيل من البلاد” وأن سوريا “لا تقبل القسمة”. وقد واجهت الدولة الجديدة وضعاً معقداً في السويداء، حيث قاد حكمت الهجري، أحد شيوخ الدروز، توجهاً نحو إدارة ذاتية بدعم إسرائيلي، مما منع الجيش السوري من بسط سلطته بشكل كامل. هذا الوضع يزيد من هشاشة الموقف التفاوضي للسوريين، خصوصاً مع عدم ثقة الأقليات بالسلطة الجديدة في دمشق.
في خضم هذه التعقيدات، تسعى سوريا الجديدة إلى تبني سياسة خارجية متوازنة تقوم حسب الشرع على “السيادة المتوازنة” ورفض التبعية لأي محور. كما أكد الشرع أن دمشق “تبحث عن الهدوء التام في العلاقات مع كل دول العالم”، مع الإشارة إلى أن لا قطيعة دائمة مع إيران، وأن العلاقات مع روسيا تاريخية “ورثنا روابط وثيقة يجب الحفاظ عليها”. هذا النهج يعكس محاولة سوريا الخروج من دائرة الاستهداف والعزلة، لكنه يضعها في موقف صعب بين الضغوط الأميركية والمصالح الروسية والإيرانية.
في هذا السياق، يبرز سؤال الهوية والإرث السياسي لسوريا. فمن ناحية، هناك حاجة ماسة لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار بعد سنوات من الحرب المدمرة. ومن ناحية أخرى، فإن أي تفاوض مع إسرائيل من دون ضمانات حقيقية بإنهاء الاحتلال، سيعيد إنتاج أزمات عتيقة ومعقدة. هنا يحضر تحذير المفكر د. عزمي بشارة عندما اعتبر أن “الثوري الذي ينفي كل ما هو قائم، وينتهي إلى أيديولوجيا شمولية، يستبدلُ استبداداً بآخر”. السوريون اليوم يخشون من أن يكون التطبيع مع إسرائيل بدون ضمانات واضحة، سيرسم وجهاً لدمشق لن يكون أبهى من الاستبداد الأسدي على مدى عقود.
مستقبل غامض وسيناريوهات مفتوحة
سوريا اليوم تواجه منعطفاً وجودياً. السيناريوهات المطروحة متعددة: أحدها يحتمل نجاح المفاوضات الأمنية، ويؤدي إلى هدنة مؤقتة، لكنه يؤجل حلّ القضايا الجوهرية مثل الجولان. أما السيناريو الثاني فيفترض فشل المفاوضات مما يعيد المنطقة إلى المربع الملتهب، خصوصاً مع استمرار التعقيدات الداخلية واستمرار الحرب في غزة. أما السيناريو الثالث فيحوّل سوريا إلى ساحة صراع جديدة بين القوى الإقليمية(تركيا واسرائيل)، إذا لم يحسن الرئيس الشرع إدارة البلاد بين توازنات داخلية وخارجية.
ونختم بالعودة أيضاً إلى مقولة للمفكر د. عزمي بشارة: “لا تتطابق الأكثرية والأقلية في الدولة الديمقراطية مع الهوية الإثنية، بل تبقى مسألة رأي ومصلحة”. الدرس المستخلص هو أن الخروج من الأزمة يتطلب أكثر من اتفاقيات أمنية أو زيارة دبلوماسية؛ بل يتطلّب بناء عقد اجتماعي جديد، يعبّر عن مصالح الشعب السوري بمختلف مكوناته، ولا يخضع لشروط القوى الخارجية. فقط حينها يمكن لسوريا أن تجيب عن سؤال صعب: إلى أين؟
المدن
————————-
إسرائيل تبلغ سوريا تمسكها بقمم جبل الشيخ ودمشق ترفض احتلالها
تل أبيب تزعم أنها موقع استراتيجي «لا يمكن التنازل عنه» يساعد في الكشف عن «عمليات عدائية» من الجانب الآخر
تل أبيب: نظير مجلي
14 سبتمبر 2025 م
كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن إسرائيل أبلغت سوريا، خلال المحادثات الرسمية الجارية بينهما، تمسكها بالسيطرة على قمم جبل الشيخ السوري، الواقعة على مثلث الحدود مع لبنان، بوصفها «موقعاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه»؛ لما توفره من قدرة على مراقبة الجولان وخطوط الإمداد نحو لبنان. وقد رفضت سوريا هذا المطلب وعدّت الوجود الإسرائيلي في الأرض السورية «احتلالاً يجب أن ينتهي».
ونقلت هذه المصادر عن مسؤول كبير، تحدث إلى «القناة12» بالتلفزيون الإسرائيلي، أن الجيش الإسرائيلي، الذي احتل هذه القمم في مطلع السنة، يعدّها «كنزاً استراتيجياً؛ فمن خلالها يكشف عن تحركات الجهات المعادية التي تخطط لتنفيذ هجمات على إسرائيل شبيهة بهجوم (حماس) في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، على بلدات غلاف غزة».
وأكد أن قواته «صادرت أطناناً من الأسلحة خلال الأشهر الـ8 الماضية، بالاعتماد على إطلالات جبل الشيخ. وفي الأسبوع الماضي، نفذت قواته عملية داخل العمق السوري، على مسافة وصلت حتى 38 كيلومتراً من المنطقة الحدودية، تقع قرب العاصمة دمشق، استولت خلالها على كميات هائلة من الأسلحة».
وقال ضباط بالجيش الإسرائيلي، في تصريحات أوردتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» ضمن تقرير، الأحد، إن السيطرة على قمة جبل الشيخ السوري أتاحت لهم مجال رؤية مباشرة نحو مواقع عسكرية حساسة داخل الأراضي السورية. وذكر أحد الضباط أنه فوجئ حين تمكن من «الرؤية بوضوح مقر قيادة الفرقة العسكرية المسؤولة عن منطقة الجولان (المحتل) في (محاني يتسحاك – قاعدة نفح)»، مشيراً إلى أن هذا الموقع كان هدفاً للقوات السورية في حرب أكتوبر عام 1973.
ومع أنه في عهد الصواريخ والأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة، لم تعد هناك قيمة مضافة للمرتفعات الجبلية، فإن الجيش الإسرائيلي يدعي أن القمم السورية التي يسيطر عليها تمنحه القدرة على مراقبة «طرق التهريب» الممتدة نحو جنوب لبنان، كما تكشف عن خطوط إمداد يصفها الجيش الإسرائيلي بأنها «شريان لوجيستي لـ(حزب الله)».
ووفق المصدر العسكري، فإن «الجيش أقام منذ ذلك الحين 8 مواقع عسكرية على امتداد شريط بعمق بين 5 و10 كيلومترات داخل الأراضي السورية لخدمة الهدف».
وأشار التقرير إلى أن عملية باسم «أخضر – أبيض» نُفذت مؤخراً على مسافة 38 كيلومتراً داخل سوريا، واستمرت 14 ساعة بمشاركة قوات احتياط من «الفرقة 210» ووحدات أخرى، بينها كتيبة الاحتياط الدرزية «حيرف 299». وقال ضباط شاركوا في العملية إنها استهدفت «قاعدتين سوريتين كبيرتين خلتا من الجنود لكن بقيتا ممتلئتين بالأسلحة الثقيلة والذخائر».
ووفق التقرير، فإن قوات الاحتياط التابعة لـ«الفرقة 210» جلبت إلى إسرائيل نحو 3.5 طن من المواد المتفجرة ووسائل القتال من عتاد الجيش السوري في عهد نظام الأسد، وذلك من أصل 7 أطنان كان «لواء الجبال» قد جمعها من داخل الأراضي السورية خلال الأشهر الماضية.
وأفاد بأنّ التخطيط لعملية تالية قد بدأ بالفعل مع إدراك أنّ مستوى الخطر سيكون أعلى هذه المرة، مشيراً إلى أنّ الغاية لا تقتصر على «تنظيف» المنطقة من السلاح، بل تشمل تعطيل مزيد من شحنات التهريب إلى «حزب الله»، وأنّ الوجود الإسرائيلي المتكرر «يصعّب على أطراف معادية ملء الفراغ الذي خلّفه جيش النظام السوري» السابق.
واستغل الجيش الإسرائيلي هذه القضية لتغذية سياسة «دق الأسافين» التي يستخدمها في الجنوب السوري تحت لافتة الدفاع عن الدروز، فادعى أن قواته التقت خلال تقدمها نحو تلك القواعد مجموعات من السكان الدروز في قرية رخلة، على مشارف دمشق، الذين «استقبلوا القوات وطلبوا مساعدتها» بعد أن تعرضت أحياء درزية لهجمات من فصائل مسلحة. ووفق التقرير، فقد قدّم الجيش الإسرائيلي «مساعدات إنسانية» لهؤلاء السكان مقابل حصوله على معلومات عن مخازن أسلحة تركها الجيش السوري في المنطقة.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن عملياته في الجانب السوري تستهدف «منع تهريب السلاح إلى (حزب الله) في لبنان»، مدعياً أن بعض الشحنات كانت في طريقها إلى تجار سلاح في شبعا ومناطق حدودية أخرى. وقال أحد الضباط: «صودرت قافلة شاحنات محمّلة بقذائف وصواريخ مضادة للدروع، كانت في طريقها شمالاً». وأضاف أن «المصادرة جاءت بمحض الصدفة خلال العملية الليلية».
كما ادعى التقرير أن بعض الأسلحة التي تُركت في المنطقة استخدمتها مجموعات مسلحة لمهاجمة القرى الدرزية جنوب سوريا، فيما يخشى الجيش الإسرائيلي أن تتحول تلك المخازن إلى «مصدر تسليح لفصائل معادية». وفي المقابل، أوضح ضباط من قيادة المنطقة الشمالية أن جزءاً من هذه الأسلحة استولى عليه السكان المحليون لاستخدامه في «الدفاع عن أنفسهم».
وأشار التقرير إلى أن وجود قوات الاحتلال في هذه المواقع «يتيح أيضاً مراقبة طريق دمشق – بيروت الحيوي، والإشراف على البقاع اللبناني» الذي يعدّه الجيش «مركزاً خلفياً لوجيستياً لـ(حزب الله)». وخلص الضباط إلى أن «الوجود المستمر داخل العمق السوري يعقّد على أي طرف معادٍ محاولة ملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الجيش السوري في المنطقة».
—————————–
======================
تحديث 12 أيلول 2025
——————————
إسرائيل ورهانات التفوق الإقليمي.. من قطر إلى سوريا/ عدي محمد الضاهر
2025.09.12
منذ تأسيسها، سعت إسرائيل إلى تكريس مكانتها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، لا تكتفي بمجرد حماية حدودها، بل تتجاوزها إلى التحكم بمسار الأحداث في الإقليم بأسره.
المنطق الذي يحكم سلوكها مؤخراً هو ما يمكن تسميته بـ”أمن العقاب”، أي أن أي طرف، دولة كان أو جماعة، يحاول تهديد إسرائيل أو حتى احتضان قوة قد تتحول إلى تهديد مستقبلي، فإنه سيُعاقب فوراً وبلا تردد. هذا المبدأ جعل من إسرائيل دولة تتحرك بسرعة وفق المتغيرات، ولا تؤسس سياستها على تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد، بقدر ما تبنيها على الردع اللحظي والرسائل الصارمة، من دون الالتفات إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول، وغير مكترثة بعواقب اعتداءاتها المستمرة.
من قطر إلى المعادلة الإقليمية
الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قطر تحت ذريعة ضرب “حماس” لا يمكن قراءتها فقط في بعدها العسكري المباشر، بل تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن إسرائيل مستعدة لتوسيع نطاق ردعها إلى خارج حدودها التقليدية، وأن أي دولة تسمح لقوى مقاومة أو معارضة بالعمل من أراضيها ستصبح جزءاً من دائرة الاستهداف. بكلمات أخرى: لم يعد الخطر المباشر شرطاً للضربة الإسرائيلية، بل يكفي وجود احتمال لتهديد سياسي أو عسكري حتى تتحرك.
هذه الرسالة ليست موجهة إلى قطر وحدها، بل هي موجهة إلى دول المنطقة جميعاً: إسرائيل ترى نفسها صاحبة اليد العليا، وقادرة على معاقبة أي طرف يتجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها هي، لا المجتمع الدولي ولا التوازنات الإقليمية.
سوريا.. الساحة الأكثر وضوحاً
يتجلى هذا السلوك بشكل أوضح في الساحة السورية. فمنذ أن بدأ اسم الرئيس السوري أحمد الشرع يتصدر المشهد السياسي، بدا واضحاً أن التوازنات الإقليمية تتجه نحو مرحلة جديدة. إسرائيل، التي ترى في سوريا تاريخياً خطراً استراتيجياً على حدودها، لم تكن يوماً راغبة في وجود دولة سورية قوية قادرة على إعادة بناء جيشها وصياغة تحالفاتها الإقليمية بشكل مستقل.
الضربات المتكررة التي تشنها إسرائيل على الأراضي السورية لم تعد مجرد عمليات عسكرية محدودة كما كانت سابقاً تستهدف شحنات أسلحة أو قواعد إيرانية، بل تحولت إلى أداة سياسية تحمل رسائل متعددة: أولاً، أن أي تغيير سياسي أو عسكري في سوريا لا يمكن أن يتم من دون حسابات إسرائيل الأمنية. وثانياً، أن إسرائيل ستظل الحاجز أمام أي محاولة لإعادة بناء سوريا قوية، سواء بدعم عربي أو تركي.
إسرائيل تدرك جيداً أن سوريا إذا استعادت جيشها وبنت مؤسساتها على أسس متماسكة، فستتحول إلى رقم صعب في معادلات المنطقة. ولهذا فهي تسعى إلى إبقاء الدولة السورية في حالة إنهاك دائم، بين ضربات عسكرية متواصلة وضغوط سياسية مستمرة.
تركيا وإسرائيل: صدام غير مباشر على الأرض السورية
تنظر تركيا إلى الملف السوري باعتباره جزءاً أساسياً من أمنها القومي. فهي تسعى إلى دعم القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع من أجل خلق نظام سياسي يوازن بين إبعاد إيران والانفتاح على الشراكات الاقتصادية والاستثمارية الإقليمية العربية، مع العمل على منح أنقرة نفوذاً أوسع سياسياً في دمشق.
غير أن إسرائيل ترى أن استبدال محور دمشق–طهران بمحور دمشق–أنقرة لا يلغي جوهر التهديد، بل يخلق قوة جديدة ربما تكون أكثر صعوبة في الاحتواء من سابقتها، بحكم طبيعة الأيديولوجيا أو بحكم حقيقة الرغبة الكامنة وغير المعلنة للحكومة السورية الجديدة برئاسة الشرع، التي ترى أن العداء مع إسرائيل حتمي وأزلي، لكن في غير أوانه في ظل الدولة الوليدة. ولهذا تكثف إسرائيل ضرباتها لإضعاف مؤسسات الدولة السورية ومنع أي مشروع لإعادة بناء الجيش. وإذا فشلت هذه الاستراتيجية، لا تخفي إسرائيل استعدادها للذهاب نحو خيار التقسيم حتى، إذ إن سوريا المفككة والمجزأة أهون بالنسبة لها من سوريا موحدة تملك قراراً سيادياً مستقلاً.
في المقابل، تعتبر تركيا أن أي مشروع لتفكيك سوريا يشكل تهديداً مباشراً لحدودها الجنوبية ولمستقبلها الإقليمي. ولذلك فهي تدفع بكل ثقلها باتجاه تسوية سياسية تحفظ نفوذها وتمنع انهيار الدولة السورية بالكامل. هذا التضارب في المصالح يجعل من سوريا ساحة مواجهة غير مباشرة بين أنقرة وتل أبيب، تتخللها ضربات عسكرية ورسائل سياسية متبادلة، وتفتح الباب أمام تصعيد طويل الأمد.
من منظور العلاقات الدولية
إذا نظرنا إلى هذا المشهد من زاوية النظريات السياسية في العلاقات الدولية، يمكننا أن نقرأ السلوك الإسرائيلي عبر ثلاث عدسات:
نظرية توازن القوى: حيث تحاول إسرائيل منع أي قوة إقليمية، سواء تركيا أو دولة عربية، من تحقيق تفوق داخل سوريا على حسابها.
نظرية الأمن الإقليمي: التي تفترض أن الدول في بيئة مضطربة تسعى دوماً لإضعاف جيرانها لضمان عدم تحولهم إلى تهديد في المستقبل.
المعضلة الأمنية: حيث إن كل خطوة إسرائيلية لتعزيز أمنها تُقرأ من تركيا ودول إقليمية أخرى كتهديد، والعكس صحيح، ما يدخل الجميع في دائرة لا نهائية من التصعيد والردع المتبادل.
ومع هذا المشهد الواضح لدور القوة العسكرية، تفرض النظرية الواقعية في العلاقات الدولية نفسها، وتثبت –وفقاً لعالم السياسة جون ميرشايمر– أن الدول القوية عسكرياً تفرض أسلوبها في الإقليم، ولا تكترث بالمنظمات أو مؤسسات النظام الدولي، ولا حتى بقواعد القانون الدولي.
نحو حرب كبرى وأحلاف جديدة؟
في ضوء هذا النمط من التفكير، يمكن القول إن إسرائيل ليست دولة يمكن صياغة سياسة طويلة الأمد معها. فهي تتحرك وفق المتغيرات السريعة، وتبني قراراتها على منطق الردع الفوري لا على تفاهمات ثابتة. هذا ما يجعلها لاعباً يصعب التنبؤ بخطواته، لكنه في الوقت نفسه لاعب قد يدفع المنطقة إلى حافة حرب كبرى إذا ما تراكمت التوترات وتشكلت أحلاف جديدة مضادة.
إسرائيل تراهن على التفوق العسكري المطلق لضمان هيمنتها، لكن هذا النهج بالذات قد يقود إلى نتائج عكسية، حيث يمكن أن يدفع أطرافاً متضررة مثل تركيا وإيران وربما أطرافاً عربية إلى التنسيق فيما بينها لمواجهة هذا السلوك العدواني. عندها، لن تكون إسرائيل أمام مجرد “ردع منفرد”، بل أمام جبهة أوسع قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق.
تلفزيون سوريا
————————-
الفشل والهروب.. القصف على سوريا وقطر/ بشار الحاج علي
2025.09.12
فجر يوم التاسع من الشهر الجاري، شهدت المنطقة تصعيدًا غير مسبوق تمثّل في قصف إسرائيلي على مدن سورية عدة، تلاه استهداف العاصمة القطرية الدوحة، حيث حاولت إسرائيل اغتيال قيادات فلسطينية مشاركة في مسار المفاوضات. الأعمدة الدخانية التي ارتفعت فوق حي سكني في الدوحة لم تكن مجرد صور على شاشات الأخبار، بل صرخة صادمة على سيادة دولة عربية شقيقة ووجودها السياسي والدبلوماسي في المنطقة. وعلى ما يبدو، دخلت ظاهرة “الترند” إلى السياسة أيضًا، حيث أصبح ما يُعرف بـ”الشو” جزءًا من إدارة النزاعات، واستعراض القوة الإعلامي أحد أدوات الهروب من الاستحقاقات الداخلية.
استهداف دولة تضم أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، وتعد مركزًا للوساطة السياسية الإقليمية، يطرح تساؤلات استراتيجية حول طبيعة العملية: هل هي مجرد عمل عسكري تقليدي، أم خطوة إعلامية استراتيجية تهدف إلى تفجير الوضع وصرف الأنظار عن أزمات داخلية إسرائيلية؟
الارتباط بين التصعيد وما يحدث داخل إسرائيل واضح للعيان. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يواجه سلسلة من التحديات الداخلية: أزمات سياسية متصاعدة، ملفات فساد معقدة، وضغوطًا شعبية متنامية. في الوقت نفسه، فشل الجيش الإسرائيلي في غزة يُظهر حدود القوة التدميرية، إذ لم تُترجم الضربات المدمرة إلى انتصار ملموس على الشعب الفلسطيني، ولم يتمكن الجيش حتى من إعادة أي أسير من دون الدخول في مفاوضات طويلة ومضنية.
هذا الفشل العسكري والسياسي داخليًا يفسر جزئيًا سبب اللجوء إلى خطوات استفزازية خارجية، في محاولة لإظهار القوة والتماسك أمام الرأي العام المحلي والدولي، لكن من دون تحقيق أهداف استراتيجية حقيقية على الأرض.
وفي هذا السياق، تأتي الدوحة في موقع حساس للغاية، كونها مركزًا للوساطة الإقليمية وتستضيف أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا للرسائل الإعلامية والسياسية.
العملية الإسرائيلية الأخيرة تبدو متعمدة لإحداث تأثير نفسي وسياسي أكثر من كونها مجرد ضربة عسكرية محددة. الهدف، على ما يبدو، هو تفجير الوضع الإقليمي واستعراض القوة الإعلامية لإسرائيل أمام شعوب المنطقة والدول الغربية، لإعادة تشكيل صورة رئيس الحكومة الضعيفة داخليًا، وإخفاء إخفاقاته العسكرية في غزة.
الاستهداف المزدوج – سوريا وقطر – يحمل رسالة مزدوجة: استمرار الضغط العسكري على الفلسطينيين، واختبار حدود الرد العربي. الغارات على حلب وحمص، على الرغم من قدرتها التدميرية، لم تحقق أي مكاسب سياسية ملموسة، لكنها تثير التساؤلات حول نوايا إسرائيل الاستراتيجية في المرحلة المقبلة. وفي الوقت نفسه، يشكل القصف على قطر تحديًا صارخًا للسيادة العربية، ويضع الدول العربية أمام اختبار حقيقي: هل ستكتفي بالإدانة الرمزية، أم ستتخذ موقفًا رادعًا يفرض احترام السيادة العربية؟
غياب الردع العربي حتى الآن واضح ويطرح خطرًا حقيقيًا. فالتصعيد الإسرائيلي اليوم، مع فشل نتنياهو في غزة، يُظهر بوضوح أنه يسعى للهروب من الاستحقاقات الداخلية عبر خطوات استفزازية خارجية.
كل يوم يمر من دون موقف عربي حازم يضاعف احتمالية استمرار هذه العمليات العدوانية، ويمنح إسرائيل مساحة أكبر لاستعراض القوة من دون تحمل أي ثمن حقيقي على الأرض. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف عربي موحد يحوّل الدعم السياسي والدبلوماسي إلى قوة رادعة حقيقية، ليستعيد الردع العربي مكانته ويُظهر أن السيادة والكرامة العربية ليستا قابلتين للتجاوز.
أما على المستوى الدولي، فإن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعم حلّ الدولتين المتنامي، يشكلان ضغطًا سياسيًا إضافيًا على حكومة الاحتلال. فهذه الاجتماعات تتيح تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية، وتعزز الشرعية السياسية للموقف الفلسطيني والدولي، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تترافق مع موقف عربي موحد وحازم على الأرض.
الحلول الدبلوماسية، مهما كانت قوية، تحتاج الآن إلى ترجمة فعلية من خلال الردع العربي، لمنع إسرائيل من الاستمرار في استخدام القوة كأداة للهروب من أزماتها الداخلية.
الأسئلة الاستراتيجية الكبرى التي يطرحها التصعيد الأخير عديدة: هل تسعى إسرائيل لفتح مواجهة إقليمية واسعة تشمل تركيا والدول العربية، أم أن الهدف محصور في اختبار ردود الفعل وتحقيق مكاسب إعلامية على خلفية الفشل الداخلي؟ هل هذه الضربات محاولة لتغطية إخفاقاتها في غزة وإظهار نفسها دولة قوية، رغم العجز عن إعادة أي أسير أو تحقيق أي نصر ملموس على الأرض؟ وما مدى تأثير هذه الخطوة على المواقف العربية والدولية تجاه اتفاقيات التطبيع والسياسات الإقليمية لإسرائيل؟
في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن الهروب من الاستحقاقات الداخلية يشكل المحرك الرئيس وراء هذه العمليات. فـ”إسرائيل”، رغم القوة التدميرية الهائلة التي تمتلكها، عاجزة عن فرض سيطرة حقيقية على إرادة الشعوب.
فشلها في غزة وتصعيدها على سوريا وقطر يكشفان أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهداف سياسية أو عملية ملموسة، وأن الاعتماد على وسائل الإعلام لتضخيم الانتصارات الوهمية أصبح جزءًا من استراتيجية الهروب من الاستحقاقات.
الاستنتاج النهائي واضح: التصعيد الإسرائيلي الأخير يشكل اختبارًا مزدوجًا – داخليًا لإسرائيل وخارجيًا للعالم العربي.
الفشل الداخلي لنتنياهو، الهروب من استحقاقات غزة، والاستعراض الإعلامي على حساب الدوحة وسيادة الدول العربية، كلها عوامل تجعل من الردع العربي الموحد أمرًا حيويًا وملحًا. وقد آن الأوان لإظهار قوة حقيقية لردع الغطرسة الإسرائيلية، وضمان أن السيادة والكرامة العربية ليستا قابلتين للتجاوز أو الابتزاز الإعلامي، وأن أي محاولة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة ستواجه ردًا حاسمًا وفعالًا. فإذا لم يكن بالسلاح فبالمواجهة السياسية، لكن لا بد من أن تدفع إسرائيل الثمن.
تلفزيون سوريا
—————————–
مساع ديبلوماسية لحل سياسي في السويداء… للتفرّغ للأكراد؟
مستوى التمثيل سيكون إشكالية.
جاد ح. فياض
لم تغب السويداء عن المشهد لتعود إلى صدارته، وإن كانت زاوية الخبر هذه المرّة مغايرة. وبعد الاشتباكات الدامية والخروقات التي تبعتها طوال الأسابيع الماضية، تتحدث تقارير عن مساعٍ دولية لعقد لقاء بين الحكومة السورية وقيادة السويداء في العاصمة الأردنية. وأكّدت مصادر درزية من السويداء لـ”النهار” هذا الأمر.
المعلومات المتوافرة حول اللقاء المفترض قليلة. لكن تقارير تؤكد أن هذه الجهود يقودها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، بمشاركة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، بالإضافة إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومعهم وزراء خارجية عرب، والهدف منها محاولة ردم الفجوة بين السويداء والسلطات السورية، والتي تتعمّق أكثر فأكثر.
المساعي الديبلوماسية الأميركية – التركية – العربية تعكس زخماً دولياً لإصلاح العلاقة بين السويداء والسلطات السورية، والتي ما عادت تصطلح بمساعٍ داخلية، إذ يقول مصدر متابع في المحافظة الدرزية الجنوبية لـ”النهار” إن “الطلاق وقع” جراء الاشتباكات الأخيرة ومساعي المصالحة “شبه مستحيلة” بعد الارتكابات التي حصلت.
الشرخ الواقع يتعمّق، والخروقات اليومية تسجّلها السويداء من الريف الغربي المحاذي لدرعا؛ وتتهم المحافظة عشائر البدو بالقيام بها تحت غطاء القوات الأمنية، في الوقت الذي أصدر أحد مشايخ العقل في السويداء، حكمت الهجري، بياناً مصوراً شكر فيه إسرائيل مباشرةً لتدخلها، وهو ما يعد تصعيداً وتعميقاً للشرخ، تقرأه دمشق على أنه “استقواء بالخارج”.
حضور اللقاء لم يتأكد، والمباحثات جارية في هذا الشأن، لكن تقارير تشير إلى أن دمشق قد لا تتمثّل بوزير الخارجية أسعد الشيباني، بل بمسؤولين إداريين وأمنيين في السويداء ودرعا؛ وبالتالي فإن السويداء لن تتمثّل بمشايخ العقل، مما يعني تدني مستوى التمثيل السياسي. وتعلّق مصادر أدرنية لـ”النهار” على هذه النقطة بالقول إن الوسطاء يحاولون تأمين أعلى مستوى تمثيل من الجهتين لضمان الالتزام بأي اتفاق يتم التوصّل إليه.
مستوى التمثيل سيكون إشكالية، وثمّة محاولات حثيثة لإقناع الهجري بالمشاركة، مقابل إقناع الحكومة السورية برفع مستوى التمثيل؛ واللقاء أمام ثلاثة سيناريوات: الأول يقتضي رفع مستوى التمثيل من الجهتين، والثاني يقترح عقد الاجتماع بمستوى تمثيل منخفض ويحضّر لمفاوضات ولقاءات أخرى يُرفع فيها مستوى التمثيل، فيما يتلخّص السيناريو الثالث بفشل مساعي عقد اللقاء.
اللقاء المفترض استبق بتقريب المواقف في السويداء بين مشايخ العقل الثلاثة، حكمت الهجري ويوسف الجربوع وحمود الحناوي، وإن بتفاوت لجهة الموقف من إسرائيل؛ فبالتزامن مع بيان الهجري، صدر عن الشيخين الجربوع والحناوي بيانين شديدَي اللهجة ضد السلطات السورية، بعدما كان الشيخان يدعوان لحلّ سياسيّ، مما قد يعتبر محاولات لتوحيد موقف السويداء قبل المفاوضات، مع ضرورة الإشارة إلى أن بياني الجربوع والحناوي لم يتطرقا إلى إسرائيل.
هذا المسعى الديبلوماسي يترافق مع مسعى آخر موازٍ يقوده الأردن أيضاً لبحث الأوضاع في سوريا، وسبل دعم عملية إعادة البناء، واستكمال المباحثات التي كانت استضافتها عمّان لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء وحل الأزمة. وسيعقد اجتماع بهذا الخصوص يحضره الصفدي وبراك والشيباني وممثلون عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث في العاصمة الأردنية، الثلاثاء.
ثمّة ضغوط ديبلوماسية من أجل إقفال ملف السويداء وإنهاء الأزمة، يقودها براك مع فاعلين على الخط السوري؛ وذلك لأن تحدّيات كثيرة تنتظر السلطات السورية للتفرّغ لها، أبرزها عند الجهة الشرقية من الشطر الكردي من سوريا، وتحرّكات قطع عسكرية من ثكنات حلب باتجاه المحاور مع “قسد”، يوم الأحد.
في المحصلة، جهود ديبلوماسية حثيثة تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الأزمة في السويداء على أساس الحلّ السياسي بين الدروز والسلطات السورية، لكن نجاحها غير مضمون بعدُ بانتظار مستجدات هذه المساعي وشكل الاتفاق المرتقب، لكون الاتفاقات السابقة قد انفرط عقدها، والمواجهات تجدّدت، والغد لناظره قريب.
—————————-
=====================



