تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

اسقاط النظام

لا أعرف ما الذي تعنيه اليوم جملة «إسقاط النظام». لا أصادر حق الناس في رفع أي مطلبٍ تريده، ولكن هذا الشعار غير واضح المعنى والأدوات؛ جملة شعاراتية صرفة وتحتاج الكثير مما يعقبها. هل المقصود إسقاط النظام عسكرياً؟ على يد مَن؟ وهل المطالِبون بـ«إسقاط النظام» مستعدون للانخراط في مشروع أطراف عسكرية سورية أخرى سوف «تُسقِط النظام» بقوة ذراعها؟ هل لدى هذه القوات قبول شعبي أكبر مما لدى السلطة الحالية؟ هل لديها القدرة أصلاً؟

ثم إنّ التهوين من خطر انزلاقنا إلى الحرب الأهلية «بوصفنا نعيش الآن حرباً أهلية» كلام قاصر وغير مسؤول. الحرب الأهلية المُنتظرة من سيناريو «إسقاط النظام» بالبنادق تعني تكراراتٍ كثيرة، وعلى طول البلاد وعرضها، لمأساتَي السويداء والساحل. مَن سوى الأحمق مستعد للقبول بهذا السيناريو؟ ما حصل في آذار وتموز يقتضي المحاسبة وألا يتكرّر بأي شكلٍ من الأشكال، فكيف بتكراره. الحرب السورية بالفعل لم تنتهِ، ولكنها قد تتطور مجدداً لسيناريوهات عنيفة. هل بقاء السلطة الحالية يعني حتماً تكرارها للمجازر التي اقترفتها منذ سقوط النظام؟ ربّما، وهذا ما نخشاه كل يوم في الجزيرة ولا نريده، فكيف ندفع نحوه بـ«إسقاط النظام».      

هل إسقاط النظام يعني تطبيق 2254؟ ولكنّ بنود هذا القرار لا تعني إسقاط أي نظام، لا نظام الأسد أمس ولا السلطة الحالية، بل هي خطة انتقال سياسي ستبقى السلطة الحالية، كما كان يُفترض بالسابقة، أن تكون جزءاً منها. كل البيانات الدولية، وتلك الصادرة عن المبعوث الأممي، التي تُكرّر الحديث عن تطبيق هذا القرار تعيد استحضار كليشيهات قديمة نسمعها ونقرأها منذ اليوم الأول لتمرير هذا القرار في مجلس الأمن، وتعيد معها العطالة عن المضي خطوة واحدة إلى الأمام في تطبيقه. هل يحشد المطالبون بـ«إسقاط النظام» مجدداً للتواصل مع المجتمع الدولي لتطبيق القرار؟ أبداً، لا يوجد أي جهود على أرض الواقع، ولا يبدو أن الدول قد فتحت أبوابها بعد لتبنّي مطالب من هذا النوع. هذا واقع يجب التعامل معه وليس القفز فوقه بالشعارات.

تدخّل دولي؟ هل يلمس رافعو هذا الشعار رغبةً دوليةً في التدخل العسكري لتغيير السلطة الحالية في سوريا؟ يبدو أنّ وحدهم مَن يسمع بذلك.

التحرّك الشعبي؟ كتلة كبيرة من الشعب السوري، العرب السنة على وجه الخصوص، ليس لديهم أي حماس لـ«إسقاط النظام» في الوقت الراهن، وأقصى تحركاتهم ستقتصر في المدى القريب على الأمور المعيشية والخدمية ومواضيع العدالة وجبر الضرر وحقوق العمل والسكن. هل ستتطور لاحقاً للمطالبة بإسقاط النظام؟ ربما، ولكنها ليست كذلك الآن على كل حال.

ومع شعار «إسقاط النظام» يظهر أيضاً الهجوم على الأطراف المدنية والسياسية والأفراد من خارج السلطة، ممن يحاولون البحث عن هوامش للحضور والعمل السياسي في سوريا، ويُصوّر أي نشاط لهم على أنه «تطبيع مع السلطة العنيفة التي ارتكبت المجازر في السويداء والساحل». هذه دعوة إلى العدمية وقطع أي صلة بالناس قبل السلطة، تساوي بين وزير وناشطة تحضر ورشة عمل، ومعها نعود إلى قصووية جرّبناها وخبرناها، حين قطعت الجذرية الشعاراتية بين الأطراف السياسية المناهضة لنظام الأسد وصولاً إلى رمي المختلف بالبيض.

كما هو من حقك رفع شعار إسقاط النظام، فمن حق الآخرين استعمال أدوات مختلفة عن تلك التي ترى فيها «الجذرية الضرورية والمطلوبة والحق والحقيقة العاريتين». نحن أمام سلطة واضحة منذ اليوم الأول، لا تريد أخذ شرعيتها من ناشط سوري، بل من العالم الخارجي، فلا تبعثر خصومتك في كل مكان. ربما يجدر بنا التفكير بخارطة طريق معقولة وعقلانية بدل التخبّط الحالي، ويجدر بنا أيضاً استغلال كل مساحة للحضور في البلد وبالقرب من أهله، جميع أهله وباختلاف سقف مطالبهم وتوقّعاتهم.

مع تغيير طبيعة السلطة الحالية، وضد استئثارها بالبلاد وضد سلطات رئيسها المطلقة، ومع إعادة كتابة الدستور وعقد مؤتمر حوار وطني حقيقي تنتج عنه حكومة جديدة تُمثّل أطياف البلاد جميعها، ومع الدفع سريعاً نحو هذا بالأدوات الممكنة والمتاحة، السياسية وليس العسكرية، وهي ليست قليلة على ما أعتقد، ولكنها تحتاج من معارضة السلطة العمل على امتلاكها.

قاسم البصري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى