“الست زينب”: هل تخرج المقامات من خرائط السياسة والانتقام؟/ بادية فحص

18.09.2025
خليق بزينب أن تبقى بعيدة عن صراعاتنا، أن نترك مقامها للمتضرّعين فقط، أن تظلّ أحقادنا وثاراتنا خارج مقامها، خارج أيّ مقام في سوريا ولبنان والعراق… فكلانا وإن كان قلبه طافحاً بالآلام والخسارات، يملك ذاكرة فيل لا تنسى ولا تسامح… لا ننسى إلا أننا نحن والأبدية سكّان هذين البلدين…
كان سقوط نظام الأسد في سوريا، إيذاناً لنا نحن “شيعة الثورة السورية” للعودة إلى دمشق، بعدما حرمنا “البعث” لعقود طويلة من زيارتها، وزيارة وديعتنا الآمنة فيها السيّدة زينب بنت عليّ، أمان أعادت بثّه روح المكان على ركام زمن “عسكرة المقام”، وضاعفته إجراءات الحماية التي اتّخذتها الحكومة السورية الجديدة.
لكن، على رغم سياسة التسامح هذه، أفلتت بعض الأصوات التي تخطر على حدود الفتنة من عقالها، داعية إلى هدم المقام ونقل حجارته إلى العراق أو إيران! دعوات لم تُؤخذ على محمل الجدّ، لكن تتوارى خلفها غرائز انتقامية، لا ريب أنها تتنافى وعواطف سوريين يشغل المقام مساحة من قلوبهم، ويشكّل جزءاً حميمياً من ذاكرتهم الجمعية.
كلّ مكان يملك ذاكرة جماعية، يصبح مهوى للأفئدة، ومسكناً لعاطفة إنسانية شفيفة، ويزدحم بالرموز والإشارات، وتطوف حوله الأمنيات والرجاءات، وتكمن فيه طاقة تواصل لا تنقطع بين الأرض والسماء، هذا كله كان يتراءى لي مع شعور بالمهابة يملأ قلبي، حين نصبح على مشارف ريف دمشق، في طريقنا لزيارة “العمّة”.
مضى ما يناهز الثلاثين عاماً على آخر مرّة وطأت فيها قدماي مقام السيّدة زينب، أو “الست زينب”، سنوات طويلة مرّت منذ أن شاهدت قبّته ولمست يداي حجارته، وشممت روائح المسك في الداخل، وتأمّلت وجوه المكلومين والمتضرّعين وسمعت همساتهم ورأيت دموعهم، وأوقدت شمعة عند الضريح، بعدما تلوت عليها آيات قرآنية اخترتها بعناية: “مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درّيّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسّه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء…”.
كنت طفلة حين رأيت المقام للمرّة الأولى، وكان شاهقاً ما يكفي لكي أشهق عندما لاحت قبّته ومآذنه في الأفق، لاحقاً صرنا نصل إليه والحماسة تسبقنا، نرتاح على حافّة عند المدخل تحضيراً لبدء طقوس الزيارة، فتسرح عيناي كأني أرى مشهده للمرّة الأولى، وتتزاحم في رأسي الأسئلة والتخيّلات، كم من “الموالين” تعاقبوا على بنائه؟ من أيّ أرض مباركة جاؤوا بحجارته ثم رصفوها وأعلوها؟ متى ركّزوا فوقها القبّة الذهبية؟ كم من الجهد بذلوا ليمدّوا بلاطات صحنه، ويزيّنوا جدرانه بالآيات القرآنية ويزخرفوا أفاريزه بالنقوش؟ وكم من الأقدام دخلت وخرجت من أبوابه؟ وكم من الأيدي مسحت حدائد الضريح في الداخل؟ وكم من الأعين شخصت إلى طيف نوراني يحلّق بين جنباته وبكت تضرعاً ورجاء؟
كان الضريح في الداخل دوماً، كتلة متوهّجة من التوسّلات والدموع، قاموساً يحوي أرقّ ما في لغة الرجاء من مفردات… أمّ تطلب شفاء ابنها من الشلل، وامرأة تشكو ظلم زوجها، وصبية تتمنّى النجاح في الامتحان الرسمي، وأخرى تدعو أن تنتهي قصّة حبّها بالزواج، ورجال يتوسّلون بصمت.
وغالباً ما كان يستغلّ عناصر المخابرات الأسدية حالة الخشوع، ليحرّك أحدهم الثريا الضخمة المثبتة فوق الضريح مباشرة، فينهار المؤمنون والمؤمنات، يظنّون أن النائمة في عتمة الضريح تتفاعل، وأنها سمعتهم وأرسلت إليهم إشارة، فترتفع التهليلات والتسابيح، وترتجف الأجساد من فرط الخشية، وتنهمر الدموع أنهاراً.
زمن طويل مضى والمشهد ثابت أمام عينيّ، أستعيده حيّاً حين تنتابني مشاعر الشوق إلى الأسرة الصغيرة، التي اعتادت أن تستريح في الشام في طريق سفرها إلى العراق أو إلى إيران، على رضا وسعادة في الغدوات والروحات…
لم أرَ مكاناً يبرع في إدارة تناقضاته مثل البلدة الريفية الدمشقية التي تحتضن مقام السيّدة، بفلّاحيها السمر وبيوتهم الفقيرة، بأراضيها الزراعية وحقول قمحها وبرك مائها، بمحلّاتها التجارية المتواضعة التي تعرض كلّ شيء، وزحمتها التي تبقى عالقة في الذروة طوال ساعات النهار، ومع ذلك، تفرد مساحة واسعة للمقام وزوّاره، فيعجّ بـ”الموالين” الزاحفين من أرجائهم البعيدة إلى حضن سيّدتهم، لذلك نما للشام في قلبي حبّ مثل حبّي للكوفة، التي ولدت قرب نهرها الساحر وبساتين نخلها ومنزل إمامها (عليّ) المتواضع، شأني شأن كلّ فرد من العائلات الدينية العلوية الهوى، التي تركت أحبابها وأرزاقها في جبل عامل، وهاجرت نحو مقام إمامها الأوّل، لتنهل من بحر علمه ومعرفته كما زهده وإنسانيته وحبّه لفاطمة.
يقول صديق عائلتي العراقي ممازحاً: “إن الطفل يولد شيعياً إمامياً اثني عشرياً وحين يكبر يختار أن يصبح مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً”، ويضحك ونضحك معه، وأنا مثل كلّ الأطفال في هذا العالم، ولدت على فطرة أن أكون شيعية إمامية اثني عشرية، مع كثير من الافتتان والاعتداد، فطرة تجسّدت أمامي عياناً في مجتمع أقلّوي مسالم، وجد في سيرة أئمّته الاثني عشر ثراء يزخّم ثقافة التسامح والانفتاح والتعقّل والإصلاح، من بلاغة عليّ في نهجه، إلى حكمة الحسن في صلحه وكرامة الحسين في ثورته، وترسّخت في قلبي ووجداني حين كنت أرى جدّي يؤذّن في آذان مواليد العائلة الجدد، وبعد عمر طويل حين أذّن أبي في أذني حفيدتي الأولى، وفتح قلبها وأودعها السرّ: “أشهد أن عليّاً وليّ الله”.
ومع الأيّام، رأيت هذه الفطرة في تمرّد نساء جبل عامل النابع من ارتباطهن العضوي بالسيّدة زينب، التي تحدّت الإسلام الذكوري قبل أن تتحدّى القاتل، بقرارها الجريء بترك زوجها ومدينتها ومساندة أخيها الحسين بعدما تخلّى عنه الرجال، ثم لملمة مأساتها وانطلاقها على رأس موكب من النساء والأطفال، برحلة عاطفية قاسية وشاقّة من كربلاء إلى الشام… مسير يطابق في تراجيديته ورمزيته مشهد العذراء مريم على طريق الجلجلة، الرأس المعلّق على الرمح كالجسد المعلّق على الصليب، مانحة بذلك الحضور النسائي الشيعي معنى التحدّي والاستقلالية.
على بعد المسافة الزمنية اليوم، أراجع ما اقترفه بعض الشيعة في السيّدة زينب، إثر انتشار تهديدات بتفكيك حجارة المقام ورميها أو نقلها خارج المكان، التي عددتها إعلان حرب انتقامية من خطيئة لم يكن المقام ولا الشيعة سبباً فيها ولا طرفاً، وتمنّيت لو تمسّك بعض الشيعة بتلك الفكرة اللطيفة عن الفطرة التي يسعد بذكرها الصديق العراقي، لو أننا أبقيناها على نقائها، ولم نلوّثها بالسياسة، ثم بحرب ملعونة، وأجد أن ردّة الفعل هذه، ربما تكون نتاج تعصّب أصيل في مجتمعاتنا، تعصّب ساعة يكون أقلّوياً وساعة أخرى أكثرياً، تجرّنا فيه غريزة إلى تحديد محيطنا الحيوي وحمايته بشراسة، وافتراس الآخر الذي يشكّل اختلافه تهديداً لتشابهنا.
من جهتي، أقرّ مثل كثيرين غيري من شيعة السيّدة زينب، بأن تدخّل “حزب الله” في سوريا كان إهانة لإرادة السوريين وظلماً لهم، وتؤرقني أسئلة مثل: من أجل ماذا ضحى بعض الشيعة بفطرتهم؟ كيف تركوا أنفسهم ينقادون لجماعة مسلّحة تقتل باسم “زينبهم”؟ قوم أقلّ اعتناء بحساسية هذا المكان وهذا المقام، ويتعاملون معه كورقة تفاوض، كموقع استراتيجي، أو كممرّ لتنفيذ مشروعهم السياسي، فأخسرونا أشياء لا تُستعاد، لا تُعوّض…
ماذا لو سمع من حمل السلاح دفاعاً عن “الأسد” أصوات السوريين وانتصروا لحقّهم في الكرامة والحرّية والحياة، بدلاً من الطموح السياسي والانتفاخ المذهبي؟ لو قُدّر لنا منعهم لما سُفكت تلك الدماء كلّها، ولا فُتح هذا الجرح الإنساني، ولا اصطففنا في طوابير الحقد والكراهية، كما نفعل الآن… غزو شعب ثائر لكرامته من أجل ألّا تُسبى زينب مرّتين، ليس إلا سبياً معنوياً لزينب!
لكن، من المفيد أن نعترف أن هناك تراكماً من العنف المتبادل بيننا، من زمن الوصاية السورية في لبنان إلى زمن حرب المقامات. فزمن الوصاية استنزف لبنان دولة وشعباً، وعاث فيه الأسديون فساداً وتسلّطاً واغتيالاً، وحرب المقامات كانت قاسية جدّاً، دمّرت سوريا ومزّقت نسيجها الاجتماعي، وشرّدت شعبها في أربع جهات الأرض، وكلاهما في طريقه حطّم علاقتنا، وفكّك أواصر التعايش الإنساني بيننا، فلم نعد ننظر إلى بعضنا بعضاً كشعبين شقيقين وجاري رضا وألفة… لكنّ التجارب التاريخية تثبت ألا عدالة تتحقّق على هذه الأرض بين قاتل وقتيل.
على رغم ما حصل ويحصل، يغمرني الفرح بأن سوريا تحرّرت من الأسد، لكنّني أشعر بالحزن يغمرني أيضاً، لأنّها وقعت في ما تشكو منه؛ التعصّب الطائفي والعنف، بخاصّة عندما أقرأ أخباراً وأسمع دعوات إلى هدم المقام، أو السخرية من زوّاره، أو شتم الأسد أمامه، فأحسّ بسكّين تنغرز في قلبي، وأرى زينب تُسبى مرّات ومرّات… هذا ليس شعاراً سياسياً، أو ذريعة لبدء هجمة دينية مرتدّة، إنما تخوّف مما يتهدّد علاقتنا من أحقاد إضافية.
خليق بزينب أن تبقى بعيدة عن صراعاتنا، أن نترك مقامها للمتضرّعين فقط، أن تظلّ أحقادنا وثاراتنا خارج مقامها، خارج أيّ مقام في سوريا ولبنان والعراق… فكلانا وإن كان قلبه طافحاً بالآلام والخسارات، يملك ذاكرة فيل لا تنسى ولا تسامح… لا ننسى إلا أننا نحن والأبدية سكّان هذين البلدين…
– صحافية وكاتبة لبنانية درج



