“الضحك” في سوريا بعد الأسد!/ مرام فليحان

11.09.2025
لم تكن الكوميديا السورية يوماً خارج السياسة. وبعد سقوط الأسد، لم تتحرر بالكامل، بل دخلت منطقة رمادية: رقابة متعددة المصادر، جمهور طائفي، سلطات محلية، وسرديات متنافسة.
انهار سقف الرقابة في سوريا دفعة واحدة بعد هروب الأسد، ذلك الهروب الذي لم يخلُ من كوميديا “الكيلوتات”. وانفتحت قريحة السوريين على “الضحك” و”السخرية” والانتقاد والتهكّم. فمملكة الصمت انهارت، والكلام أصبح مباحاً للجميع على أقل تقدير!
انهيار الأسد، ووصول السلطة المحلية في إدلب إلى الحكم وتحوّلها إلى إدارة انتقالية، والانقسام الطائفي الحاد الذي شهدته سوريا لاحقاً، كلها عوامل غيّرت سياسات “الضحك” وديناميكياته، سواء على الأرض أو في الفضاء الافتراضي. النكتة السورية لم تعد محكومة فقط برقابة الدولة، بل صارت رهينة معادلات أكثر تعقيداً: رضا وغضب جمهورٍ متقلّب، مشحون، متفوّق ثورياً ودينياً، وأحياناً؛ منتقم. كل طرف في المشهد السوري يحاول فرض تعريفه لـ”الضحك المشروع” واحتكار حق السخرية.
الكوميديا على الأرض
عرفت سوريا فن “الستاند آب كوميدي” قبل سقوط الأسد، وبرز اسم “Styria comedy club” الذي كان يلعب بحذر على الخطوط الحمراء التي فرضها النظام. وبعد السقوط، “فُرجت!” على حد تعبير خالد سالم، أحد أعضاء الفريق، الذي قال لـ”درج”: “بلشنا نتوجه للدور الثقافية بالشام وحلب وحماة، بدنا نصدّر الكوميدي شو بوصفه فن وحاجة، بس الموضوع ما كان بهالسهولة”.
فرقة “ستيريا”، التي بدأت عروضها في مقاهٍ صغيرة، اندفعت بقوة فور سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر، وقدّمت عروضها في دُور ثقافية بارزة مثل “سينما سيتي” بدمشق، و”المركز الثقافي” بحمص، و”دار الكتب” في حلب. هناك، حظيت الفرقة بدعم واضح من الجمهور وحتى من الجهات الرسمية، إذ وصل الأمر إلى توفير دورية أمن عام على مدخل القاعة. يقول خالد: “ما حدا حكا معنا كلمة، بالعكس، فرزولنا دورية وقفت على باب الدار الثقافي لخلص العرض”.
اندفاع الفرقة تزامن مع عودة بعض الكوميديين إلى سوريا، منهم عمار دبا، الذي أقام أول عرض كوميدي له بعد 14 عاماً من الغياب، بعنوان أربطعش، بالتعاون مع “ستيريا”، ساخراً من فكرة اعتقاله بسبب نكتة!
بداية التضييق؟
لكن الانفراجة لم تدم طويلاً. ففي أول محاولة لتقديم عرض على “مسرح الحمرا” بدمشق، اصطدمت الفرقة برفض شفهي قبل يوم من العرض، صادر عن جهة في وزارة الثقافة، من دون تبرير أو كتاب رسمي.
اضطرت الفرقة لنقل العرض إلى “مسرح الخيام”، الأقل تجهيزاً، ومع ذلك شهد حضوراً لافتاً فاق التوقعات (حوالى 400 شخص)، وهو رقم كبير مقارنة بالمعتاد.
المنع أثار تساؤلات كثيرة. نشر شريف المصري، أحد مؤسسي الفرقة، مقطع فيديو استنكر فيه القرار، متسائلاً: لماذا يُمنع العرض في دمشق بينما يُسمح به في محافظات أخرى بالمحتوى ذاته؟
واصلت الفرقة عروضها في حماة وسط تسهيلات واضحة من السلطات، وحتى حضور ممثلين رسميين (نحو 15 شخصاً). لكن دمشق بقيت مترددة، تسمح حيناً وتمنع حيناً آخر، من دون معايير واضحة.
لاحقاً، واجه الأخوان ملص إلغاء عرض مسرحية كل عار وأنتم بخير! بسبب “سوء فهم” من موظف في وزارة الثقافة، قبل أن تتراجع الوزارة وتصحّح الخطأ. ويرى البعض أن مثل هذه القرارات الشفهية ليست سياسية أو أمنية فقط، بل تعكس واقعاً اقتصادياً منهكاً يضغط على المؤسسات الثقافية ويحدّ من قدرتها على الاستمرار.
حتى فرقة “ستيريا” تابعت نشاطها في طرطوس على خشبة المسرح الثقافي العربي، لكن عرضها أثار اعتراض بعض المسؤولين (الشيوخ)، وهو ما انعكس على العرض التالي في اللاذقية، حيث أُلغي بعد الإعلان عنه، فاضطر الفريق لنقله إلى مطعم شهد حضوراً فاق التوقعات.
يقول خالد: “نحنا من زمان عم نسعى نشتغل بشكل شرعي ومرخّص، بس ما في ترخيص لهذا النوع من الفن بسوريا. كل مرة منقرّر نعمل عرض، بيسألونا عن الترخيص، وبصير واجب علينا نعرض تفاصيل كاملة لنحصل على الموافقة”.
بدأت مشكلة التراخيص مع الإدارة الحالية، لكنها لم تكن محددات معلنة بل أشبه بـ”منع ناعم”. فالترخيص تحوّل إلى وسيلة مناورة، يُستعمل لتنظيم الأنشطة شكلياً، لكنه عملياً يُجمّدها أو يقيّدها.
رقابة مرتجلة
“سوء الفهم” و”الموافقات الشفوية” تكررا مراراً. يوضح خالد: “أول ما بلّشنا نتواصل مع ناس من الحكومة بعد سقوط النظام، إجانا تنبيه واضح: ما فيك تذكر لفظ الجلالة بأي سياق كوميدي، ولا تحكي بالدين أو عن شخصيات دينية. السياسة كمان يفضل تحكي عنها كأفكار، مو كأشخاص. وأكيد أي شي جنسي كمان”.
هذه التوجيهات لم تُصدر بصيغة رسمية، بل كتعليمات شفهية ذات طابع ديني وأمني. حتى التلميح الجنسي البسيط كان مرفوضاً. أما الفيديوهات التي تضمنت أحاديث نبوية (ولو في سياق جاد)، فطُلب حذفها بعد النشر.
جمهور لا يحتمل النكات
برزت رقابة موازية لا تقل شدة عن الرقابة الرسمية: رقابة الجمهور عبر وسائل التواصل. يقول أحمد شالاتي، أحد أعضاء الفرقة: “مرة إجاني تهديد لأنو حكيت لفظ الجلالة بمكان بيقدّم مشروبات كحولية! السياسة كمان حاولت بعّد عنها، مو بسبب الحكومة، بس من التهديدات اللي عم توصلني من ناس عالسوشيل ميديا. أنا ماني مضطر روح حالة فردية!”.
هذه الحملات طاولت حتى من يعملون خارج سوريا. الصحافي الساخر ملاذ الزعبي مثلاً تعرّض لكمّ هائل من الشتائم والتهديدات بسبب نكتة في عرض بكوميديا خارج البلاد. كتب حينها في منشور: “بيتحول الموضوع لحفلة شتائم وافتراءات علنية عني وعن أسرتي، وبنفس الوقت بتوصلني رسائل خاصة مليانة شتائم جنسية أو تهديدات بالأذى الجسدي والقتل”.
في الفضاء الرقمي السوري، لا تقتصر الحملات على الكوميديين، بل تمتد الى الصحافيين والسياسيين والناشطين، وحتى الضحايا أنفسهم. إنه مسرح متجهّم، تتحكم فيه جيوش من الموالين والمتعصبين و”المتأسلمين”.
“مجاهدو الأضحكني”: جبهة الاستهزاء
بعد سقوط النظام، انحرفت السخرية عن دورها كوسيلة نقد وتخفيف ألم، لتصبح أداة عقاب وإذلال. في قلب المشهد، ظهر ما يمكن تسميته بـ”مجاهدو الأضحكني”، جيش افتراضي يعيش على وسائل التواصل، يستخدم رمز “أضحكني” للتحقير والإنكار.
هذا “الضحك” لا يعزّي المأساة، بل يسخر منها. مجازر الساحل، حوادث الخطف، حرائق، انتهاكات… كلها صارت مادة لـ”الأضحكني”. هنا لا يُستخدم الضحك لتجاوز الألم، بل لإعادة إنتاجه وإيصاله إلى الضحايا مرة أخرى.
إنها “فكاهة انتقامية”، تعكس كراهية مقنّعة في هيئة نكتة.
“نكات القتلة”
الأقسى حين يوثّق القتلة جرائمهم ويضحكون فوق جثث الضحايا. الضحك هنا لا يهدد نظاماً سياسياً بل يهدد إنسانيتنا ذاتها. أن يضحك قاتل وهو يعزف فوق جسد ضحيته، فهذا يتركنا أمام سؤال مرعب: كيف يمكن لإنسان أن يمارس العنف حدّ الضحك؟
لا براءة للضحك
لم تكن الكوميديا السورية يوماً خارج السياسة. وبعد سقوط الأسد، لم تتحرر بالكامل، بل دخلت منطقة رمادية: رقابة متعددة المصادر، جمهور طائفي، سلطات محلية، وسرديات متنافسة.
تحطم السقف الرقابي التقليدي ليُستبدل بأسقف عدة متشابكة. الكوميديا اليوم في سوريا ليست مجرد فن، بل تجربة غير مسبوقة: ممارسة حرية تعبير وسط فضاء سياسي ما بعد شمولي، محكوم برقابات غير تقليدية، لكنها لا تقل تعقيداً ولا تحدياً.
– صحفية سورية
درج



