العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العلاقات السورية الأميركية.. مد وجزر على مدى عقود

16 أيلول 2025

شكلت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وسوريا واحدا من أكثر الملفات السياسية تعقيدا في الشرق الأوسط، فقد مرت بتقلبات حادة على مدى عقود، واتسمت بتحولات سياسية وصراعات إقليمية ودولية.

تأرجحت علاقات البلدين بين التعاون والتوتر، متأثرة بتحولات كبرى كانت المنطقة مسرحا لها، بدءا بالحرب الباردة، مرورا بالحروب العربية الإسرائيلية ونشأة حركات القومية العربية، وصولا إلى الثورة السورية وما صاحبها من تغيرات جوهرية لامست الوضع السياسي والأمني محليا وإقليميا.

مرت العلاقات الأميركية السورية بمحطات تاريخية، تميزت بالتعاون تارة وبالصراع أخرى، إذ دعمت الولايات المتحدة السوريين قبيل الاستقلال، وتعاونت مع الدولة الوليدة في الفترة التي تلت استقلالها من الاحتلال الفرنسي والبريطاني، وقد شهدت فترات أخرى تعارضا وصراعات أدت إلى فرض عقوبات اقتصادية أثرت بشكل واضح على البلاد وعطلت عجلة اقتصادها سنوات.

بداية العلاقات قبيل الاستقلال

تعود جذور العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة إلى ما قبل تأسيس الدولة السورية الحديثة، حين أقامت أميركا تمثيلا دبلوماسيا في مدينة دمشق إبان فترة الدولة العثمانية.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وانسحاب العثمانيين من بلاد الشام، برز الدور الأميركي في مرحلة إعادة تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة.

في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1918، أعلن الملك فيصل الأول استقلال سوريا، رغم اعتراض القوتين الاستعماريتين الرئيسيتين آنذاك فرنسا وبريطانيا.

وسعى العرب إلى الاستفادة من دعم الرئيس الأميركي حينئذ وودرو ويلسون، مستندين إلى مبادئه المعلنة حول حق الشعوب في تقرير مصيرها وتكريس النماذج الديمقراطية، فبعث إليه الملك فيصل رسالة مباشرة، تلقى على إثرها ردا شخصيا أعرب فيه الرئيس الأميركي عن اهتمامه بالقضية العربية.

لكن تطورات الأوضاع الدولية، وتدهور صحة ويلسون ووفاته لاحقا، حالت دون تحقيق الدعم الأميركي الكامل لاستقلال سوريا، التي خضعت في النهاية للانتداب الفرنسي بموجب ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

وفي الحرب العالمية الثانية، انحاز العديد من القادة السوريين، ومنهم الرئيس شكري القوتلي، إلى جانب دول الحلفاء، إذ أعلنت سوريا ولبنان عام 1945 الحرب على دول المحور، مما أتاح لهما حضور مؤتمر سان فرانسيسكو والمشاركة في تأسيس منظمة الأمم المتحدة.

دعمت الولايات المتحدة في تلك المرحلة مطالب السوريين بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي والبريطاني، ووقف الرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان بوضوح ضد المساعي الفرنسية لاستمرار الانتداب على سوريا، مما أسهم في استقلالها الكامل عام 1946، والمضي قدما في بناء علاقاتها الدولية، بعدما أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع الولايات المتحدة قبل ذلك عبر تعيين أول مفوض سوري في العاصمة واشنطن في 30 يناير/كانون الثاني 1945.

التوترات والانقلابات في ظل الحرب الباردة

بعد نيل سوريا استقلالها، اتخذ الرئيس شكري القوتلي مواقف حاسمة تجاه قضايا محورية في المنطقة، إذ رفض “اتفاقية التابلاين”، التي كانت تسمح بمرور النفط السعودي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط لصالح شركة أرامكو، كما رفض تقسيم فلسطين وقرار الهدنة الذي أصدرته الأمم المتحدة بين الدول العربية وإسرائيل.

وكانت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترومان، تعتبر سوريا نقطة رئيسية في إستراتيجيتها الإقليمية، إذ اعتبرتها “قلب الشرق الأوسط” لما تتمتع به من أهمية جيوسياسية، لكن هذه المرحلة شهدت تصاعدا في التوتر بين البلدين، خصوصا مع تصاعد الحرب الباردة التي امتدت إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث تصارع النفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكانت سوريا مسرحا لهذا الصراع.

في عام 1949 دعمت واشنطن عبر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) انقلابا عسكريا قاده حسني الزعيم، وأطاح بالرئيس المنتخب شكري القوتلي، ونصبته رئيسا لسوريا.

استجاب الزعيم لمطالب الولايات المتحدة، إذ وقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، وألغى الحياة البرلمانية الديمقراطية، ووافق على شروط شركة أرامكو، كما قبل بتلقي المساعدات الأميركية التي كان القوتلي قد رفضها، وسعى إلى إبرام اتفاقيات مع واشنطن، وأبدى استعدادا لقبول السلام مع إسرائيل وتوطين اللاجئين الفلسطينيين داخل سوريا، إضافة إلى التفاوض على اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا.

لم يستمر حكم الزعيم طويلا، إذ أطاح به زميله سامي الحناوي في 14 أغسطس/آب 1949، واتخذ بدوره مواقف اعتبرتها الولايات المتحدة معادية لها، مما عجل بالإطاحة به، إذ عملت على دعم انقلاب أديب الشيشكلي في 19 ديسمبر/كانون الأول 1949.

تصاعدت حدة التوتر عندما كلف الرئيس هاشم الأتاسي السياسي معروف الدواليبي بتشكيل حكومة جديدة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1951، في خطوة لم يستسغها الأميركيون، إذ كانوا يعتبرون الدواليبي أحد أبرز القادة العرب المناهضين للولايات المتحدة، فاعترضوا على تعيينه عبر قائد الجيش آنذاك الشيشكلي.

عندما اكتشف الأميركيون أن ضغطهم لم يؤت أكله، سارعوا إلى دعم انقلاب الشيشكلي مجددا في 31 نوفمبر/تشرين الثاني 1951، غير أنه وعلى عكس المرة الأولى سرعان ما اتخذ موقفا مستقلا عن الغرب، مطالبا بتعاون عادل ومتوازن مع الولايات المتحدة، ورافضا مشروع الدفاع الشرق أوسطي، وهو مشروع حاولت عبره الولايات المتحدة فرض نفوذها على المنطقة إبان الحرب الباردة.

بعد انتخاب شكري القوتلي مجددا في 1955، اتجه إلى التقارب مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر، حليف الاتحاد السوفياتي، مما أدى إلى تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، التي حاولت مجددا الإطاحة بالقوتلي عام 1957، لكن محاولتها باءت بالفشل، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

في يناير/كانون الثاني 1957، أعلن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور مشروعا عسكريا لمواجهة التوسع السوفياتي في المنطقة، مؤكدا أن الولايات المتحدة يجب أن تتدخل بذريعة ضمان استقلال الدول النامية ووقف المد الشيوعي، وجاءت إستراتيجية واشنطن حيال سوريا في تلك المرحلة بهدف احتواء النفوذ السوفياتي عبر دعم حلفاء إقليميين، خصوصا مصر، التي تلقت بدورها مساعدات أميركية.

الوحدة السورية المصرية وأثرها على العلاقات مع أميركا

بعد قيام الوحدة السورية المصرية في فبراير/شباط 1958، قدمت الولايات المتحدة مساعدات إلى سوريا بلغت 20 مليون دولار، إضافة إلى 20 مليون دولار أخرى على شكل مساعدات عسكرية، غير أن الولايات المتحدة شاركت لاحقا في دعم انقلاب الانفصال بالاعتماد على ضباط من حزب البعث كانوا على علاقة بها.

وعقب سقوط الوحدة، ساد نظام معاد للسياسة الأميركية، مما دفع الولايات المتحدة وإسرائيل للعمل على إسقاطه، كما ظهر في عصيان جاسم علوان في حلب عام 1962، كما لعب عدم رضا واشنطن عن حكم ناظم القدسي دورا في تمهيد الطريق لانقلاب حزب البعث في 8 مارس/آذار 1963.

بعد انقلاب حزب البعث، أبرمت سوريا اتفاقيتان مع الشركات الأميركية النفطية، كما اعتبر السفير الأميركي في بيروت آنذاك أرمان ماير أن حكومتي سوريا والعراق بقيادة حزب البعث تستحقان الدعم الأميركي “لمواجهتهما الشجاعة للشيوعية”.

تصاعد التوترات بعد حرب 1967 وفرض العقوبات

بعد حرب 1967 شهدت العلاقات الأميركية السورية فتورا ملحوظا، وزادت حدة التوتر وتطورت إلى ما يشبه القطيعة مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970، رغم زيارة مفاجئة للرئيس ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر إلى دمشق في 15 يونيو/حزيران 1974، في محاولة لإحياء العلاقات بعد قطيعة دامت حوالي 7 سنوات.

تفاقم التوتر بعد إدراج الولايات المتحدة سوريا في “قائمة الدول الراعية للإرهاب” عام 1979، بسبب دعم دمشق لفصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت تصنفها واشنطن “إرهابية”، مما أدى إلى فرض أولى العقوبات الاقتصادية والعسكرية على سوريا، شملت حظر بيع الأسلحة والتقنيات المتقدمة، وقيودا مالية وتجارية، وحظرا على المساعدات الأميركية.

تعاون هش في عهد كلينتون

ورغم مشاركة القوات السورية في التحالف الدولي أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991، لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية عن دمشق.

بعدها شهدت العلاقات في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون أثناء الفترة الممتدة بين 1993 و2001 تطورا طفيفا تمثل في تعاون هش، عندما حاول كلينتون دفع عملية السلام بين العرب وإسرائيل عبر اتفاق أوسلو، ونجح في إشراك سوريا ولبنان والأردن في المفاوضات، لكنه فشل في التوصل إلى اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل.

متظاهرون أمام البيت الأبيض يرفعون علم “الثورة السورية” إبان انطلاقتها عام 2011 (أسوشيتد برس)

تصعيد العقوبات في عهد بوش

بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001  شهدت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تغيرا جوهريا، ورغم انخراط نظام بشار الأسد في التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة في فترة رئاسة جورج بوش الابن، فإن العلاقة بين البلدين عرفت في الوقت ذاته مواجهة حادة.

فقد وصف الرئيس الأميركي سوريا بأنها جزء من “محور الشر” المعادي للولايات المتحدة، وعمل على عزلها وممارسة ضغوط مستمرة من أجل تغيير مواقف النظام.

بلغت العلاقات أدنى مستوياتها قبل الغزو الأميركي للعراق في مارس/آذار 2003، إذ عارض النظام السوري الغزو واتهمته واشنطن بفتح حدوده أمام مقاتلين أجانب للقتال ضد قوات التحالف، مما دفع الكونغرس الأميركي إلى إقرار قانون “محاسبة سوريا” عام 2003.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية على سوريا شملت قيودا مالية وبنكية، قبل أن يصدر بوش الابن في مايو/أيار 2004 الأمر التنفيذي رقم 13338، معلنا حالة الطوارئ الوطنية وبدء برنامج عقوبات شامل على سوريا.

ازدادت حدة التوتر بعد اتهام النظام السوري آنذاك بالضلوع في اغتيال زعيم حزب تيار المستقبل اللبناني رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، ودعمه لحزب الله في حرب يوليو/تموز 2006.

مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، حاول الانفتاح على سوريا رغم إدراكه عمق التدهور في العلاقات والمخاطر الكبيرة الناجمة عن اتهامات إدارة بوش لنظام بشار الأسد برعاية الإرهاب والتدخل في العراق.

الثورة وعقوبات قيصر وقوانين الكبتاغون

شكل اندلاع الثورة السورية في منتصف مارس/آذار 2011 نقطة تحول حاسمة في تاريخ سوريا والعلاقات الدولية معها.

وأدى القمع الذي مارسه نظام الأسد ضد المتظاهرين السلميين إلى استنفار الولايات المتحدة وأوروبا، ودفعهما إلى فرض عقوبات واسعة وخانقة على سوريا، شملت حظر التعامل مع البنك المركزي السوري، وفرض قيود صارمة على صادرات النفط والمنتجات السورية.

علاوة على ذلك، أصدرت الإدارة الأميركية سلسلة من الأوامر التنفيذية التي استهدفت نظام الأسد بشكل مباشر. وفي عام 2020، أقر الكونغرس الأميركي “قانون قيصر”، الذي شكل إطارا لفرض عقوبات على كل من يتعامل مع النظام اقتصاديا أو عسكريا، إضافة إلى الشركات السورية والدولية التي تدعم الحرب أو تشارك في إعادة إعمار البلاد، مع استهداف موسع لدولتي روسيا وإيران الداعمتين للنظام.

وفي نهاية عام 2022، وقع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قانون “الكبتاغون 1″، الذي فرض عقوبات على كيانات وأفراد مرتبطين بنظام الأسد بسبب تورطهم في تجارة المخدرات، تلاه في 24 أبريل/نيسان 2024 توقيعه على قانون “الكبتاغون 2″، الذي وسع نطاق العقوبات نفسها في محاولة للحد من التمويل غير المشروع للنظام السوري عبر هذه التجارة.

ما بعد سقوط نظام بشار الأسد

شهدت العلاقات الأميركية السورية تطورات لافتة بعد سقوط نظام الأسد، إذ وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 30 يونيو/حزيران 2025 أمرا تنفيذيا ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سوريا، في خطوة فاجأت الكثيرين، حتى من دائرته المقربة.

وجاء هذا القرار عقب لقاء في مايو/أيار من العام نفسه، جمعه بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع على هامش منتدى الاستثمار السعودي الأميركي في الرياض، تعهد فيه ترامب برفع العقوبات مساهمة منه في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا و”منح الشعب السوري فرصة جديدة” بعد انهيار نظام الأسد.

ويقضي الأمر التنفيذي برفع معظم العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، بما في ذلك فك القيود على التعامل مع البنك المركزي السوري، وإعادة سوريا إلى النظام المالي الدولي.

وأبقى ترامب العقوبات سارية على الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وأفراد نظامه، والكيانات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية وتلك المتهمة بالإرهاب والمخدرات، وكذلك المليشيات المرتبطة بإيران، كما ظل “قانون قيصر” ساريا، مع إشارة الإدارة الأميركية إلى عزمها البدء في مراجعة بعض جوانبه.

وتمثل هذه الخطوة تحولا جذريا في السياسة الأميركية تجاه سوريا، وقد فتحت الباب أمام استثمارات إقليمية ودولية في عملية إعادة الإعمار، خاصة من تركيا والدول الخليجية.

المصدر: مواقع إلكترونية

الجزيرة،

————————

العلاقات الأميركية – السورية: مد وجزر وتشابك مصالح جيوسياسية/ طارق علي

يوم رحل الأسد الأب وُصف بأنه الرئيس الذي لم تطأ قدماه أرض الولايات المتحدة

الثلاثاء 16 سبتمبر 2025

في عام 1964 تقلد ليونيد بريجنيف زعامة الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي وبقي في المنصب حتى عام 1984، وكان حليفاً وشريكاً موثوقاً لحافظ الأسد في مرحلة كانت تمر فيها سوريا بأسوأ ظروفها الميدانية والسياسية والعسكرية والصراع مع “الإخوان المسلمين”، وظل الأسد متمسكاً بهذا التحالف القوي الذي كان يؤمن له حاجاته الدولية والعسكرية والمالية أحياناً في نزعة واضحة نحو المعسكر الشرقي.

من المتوقع أن يزور رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر (أيلول) الجاري ليلقي كلمة سوريا أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وبذلك يكون الرئيس السوري الأول الذي يلقي كلمة في أميركا عموماً، وأمام هذا المحفل خصوصاً منذ نحو 60 عاماً، بعدما كانت آخر كلمة للرئاسة السورية هناك عام 1967 على لسان رئيس سوريا في حينها نور الدين الأتاسي، وهو الرئيس الائتلافي الذي جاء به تيار صلاح جديد، حافظ الأسد واللجنة العسكرية البعثية عقب الانقلاب الدموي على الرئيس الذي سبقه أمين الحافظ، في ما عرف بت “حركة فبراير (شباط)” عام 1966.

الأتاسي نفسه لم يستمر في حكم سوريا طويلاً، فما إن استتبت الأمور للأسد حتى أعاد الكرة وأطاح من بقي من رفاق درب نضاله ومشروعه السياسي، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الأتاسي والقائد الفذ الجنرال صلاح جديد مدير مكتب شؤون الضباط والأمين القطري لحزب البعث، مودعاً إياهما سجن المزة العسكري في ما عرف بـ”الحركة التصحيحية” في الـ16 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، ليجيء بعدها الأسد بشخص يدعى أحمد حسن الخطيب مولياً إياه مهمة الرئاسة من دون خلفية عسكرية أو سياسية لمدة ثلاثة أشهر قبل أن يجري استفتاءً لا منافسين فيه، ويفوز به الأسد بنسبة تخطت 99 في المئة عام 1971.

الرئيس الذي لم يزُر أميركا

يوم رحل الأسد الأب في يونيو (حزيران) عام 2000 وُصف بأنه الرئيس الذي رحل بعد 30 سنة في الحكم ولم تطأ قدماه أرض أميركا التي حج منها إلى دمشق كبار الرؤساء والمسؤولين لحل القضايا الإشكالية العالقة. وعلى نهج حافظ سار بشار (الرئيس المخلوع بشار الأسد)، ولم تطأ قدماه أرض أميركا.

الأسد الأب صاحب ثورة مارس (آذار) الانقلابية عام 1963 و”التصحيح” عام 1970، كان يحاول، على الدوام، الاستلهام من مثله السياسي في حياته المبكرة فلاديمير لينين (أول رئيس لحكومة روسيا السوفياتية) في ثورته البلشفية عام 1917، وأن يقطف منها ثمار الماركسية، وقد يكون نجح أحياناً، وكذلك حاول أن يكون للعرب خليفة للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، ومثالاً مناظراً لإرنستو تشي غيفارا (الثوري الماركسي الأرجنتيني) وفيديل كاسترو (رئيس كوبا الراحل) وهوغو شافيز (رئيس فنزويلا الراحل)، لكنه فشل أيضاً، وأسباب الفشل هنا كثيرة ولا حصر لها، وحتى حين حاول أن يستلهم عقداً اجتماعياً محمولاً من أفكار جاك جان روسو (فيلسوف فرنسي) والنابليونية الثورية، فبدلاً من تحطيم أسوار “الباستيل” (حصن فرنسي أصبح رمزاً للطغيان خلال الثورة الفرنسية) شرع ببناء أسوار سجن صيدنايا.

ولأجل كل ذلك كان يسعى إلى أن يموت ويقال إن قدميه لم تطأ أرض أميركا، بينما كان من قصره على سفح جبل قاسيون يدير خيوط اللعبة في المنطقة، وتلك كانت حقيقة ناصعة البياض، خلاف ولده بشار الذي لم يكن من الأساس معداً ليكون رئيساً لولا وفاة أخيه الأكبر باسل بحادثة سيارة مفاجئة على طريق مطار دمشق الدولي عام 1994.

الخطاب الأخير

اطلعت “اندبندنت عربية” على تسجيل نادر لآخر ظهور لرئيس سوري في الأمم المتحدة، وهو الأتاسي، وكان ذلك في أعقاب هزيمة يونيو عام 1967، وقد قال في كلمته المقتضبة، “هناك غزو إسرائيلي استعماري لأجزاء جديدة من وطننا العربي، ولإدانة هذا العدوان، وإزالة آثاره كاملة من دون قيد أو شرط، إننا هنا لنعبر عن ثقتنا بالضمير العالمي، الذي يتمثل اليوم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كل الشعوب العربية والمحبة للسلام تتطلع إلى هذا الاجتماع”. ووصف سياسيون وسفراء لاحقون كلمته بأنها كتبت بالحبر البعثي ذاته الذي سيطر على البلاد عقوداً.

السوفيات

في عام 1964 تقلد ليونيد بريجنيف زعامة الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي، وبقي في المنصب حتى عام 1984، وكان حليفاً وشريكاً موثوقاً لحافظ الأسد في مرحلة كانت تمر فيها سوريا بأسوأ ظروفها الميدانية والسياسية والعسكرية والصراع مع “الإخوان المسلمين”، وظل الأسد متمسكاً بهذا التحالف القوي الذي كان يؤمن له حاجاته الدولية والعسكرية والمالية أحياناً في نزعة واضحة نحو المعسكر الشرقي، وكان يمكن الاستدلال على قوة العلاقة بين الطرفين من كمية الزيارات المتبادلة، فضلاً عن دعم بريجنيف قوى التحرر الوطني، وضمناً سوريا التي دعمها اقتصادياً وطور بناها التحتية بصورة أو بأخرى، وصولاً إلى مبادرة القائد الروسي لتسوية النزاع العربي – الإسرائيلي وفق دعم حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره.

استمرت هذه الصورة من التعاون الوثيق حتى وصل ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم في الاتحاد السوفياتي، وهي الفترة التي شهدت انهياره لعوامل عدة منها مشاريع الإصلاح الداخلية والخارجية، والتي أدت لخفض مستوى التعاون لأدنى الحدود مع الحليفة سوريا ونظام حافظ الأسد ضمن ما عُرف بسياسة “الغلاسنوست” (الانفتاح) و”البيريسترويكا” (إعادة الهيكلة)، وتلك السياستان أدتا لانهيار الاتحاد السوفياتي، بالتالي إلحاق ضرر جسيم بمشروع سوريا الاستراتيجي شرقاً.

مرحلة التعقيد

منذ وصول حافظ الأسد إلى حكم سوريا بصورة مباشرة عام 1971 دخلت العلاقات السورية – الأميركية مرحلة من التشابك والتعقيد وثنائية المعايير، وكثيراً ما اصطدمت مصالح البلدين في ملفات حساسة كثيرة على رأسها قضايا صراع الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والصراع العربي – الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية، والثورة الإيرانية، وحرب الخليج الأولى والثانية، وملف “الإخوان المسلمين”، وأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، والوجود السوري في لبنان، وغزو العراق، والثورة السورية عام 2011.

في عام 1974 قام الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون وزوجته بات ووزير خارجيته هنري كيسنجر بزيارة إلى دمشق بعد قطيعة دامت منذ حرب عام 1967. كان الهدف من تلك الزيارة محاولة إعادة إحياء العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وكادت الأمور أن تسير على ما يرام لولا أن عادت الولايات المتحدة لتفرض عقوبات عام 1979 على سوريا بوصفها دولة داعمة للإرهاب، مما أفضى لمنع بيع الأسلحة والمعدات التقنية المتقدمة لنظام دمشق مع قيود مالية وتجارية.

بعد ذلك وقفت سوريا مع إيران في حربها ضد العراق بخلاف رغبة الأميركيين في الثمانينيات، لكنها حاولت إصلاح موقفها بالوقوف مع الكويت ضد الغزو العراقي في التسعينيات بناءً على رغبة أميركية، لكن ذلك لم يغير شيئاً من الموقف الغربي على رغم مشاركة سوريا برياً في التحالف الدولي منذ عام 1991 في مواجهة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ظلت الأمور كذلك حتى عام 1993 مع وصول بيل كلينتون إلى رئاسة أميركا حتى عام 2001، حيث حاول خلالها دفع عجلة السلام مع الإسرائيليين، ونجح حيناً فيما فشل أحياناً أخرى بسبب تعنت حافظ الأسد على ما تذكره وثائق ترتبط بتلك المرحلة.

وبعد تفجيرات برجي التجارة العالميين في نيويورك عام 2001 فقد تغيرت السياسة الأميركية تماماً في الشرق الأوسط، وعلى رغم محاولة بشار الأسد التواصل استخبارياً مع أميركا، فإن ذلك لم يشفع له على رغم دور أميركا في توريثه الحكم إثر اجتماعه المطول والمغلق مع مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية عقب وفاة والده مباشرة عام 2000.

في مرحلة تداعيات التفجيرات العالمية كان جورج دبليو بوش وصل إلى الحكم في أميركا، وقد اعتبر بشار الأسد ركيزة في “محور الشر” المتطرف، وطوال فترة حكمه التي امتدت، ثماني سنوات، عمل على محاصرة وعزل سوريا عن محيطها تماماً، وكانت ذروة الصدام عشية غزو العراق عام 2003، حيث أمن الأسد معبراً آمناً للإرهابيين من سوريا إلى العراق. وعلى أثر ذلك تلقت سوريا حزمة عقوبات جديدة، وتلت تلك الخطوة عقوبات تتعلق بالوجود السوري في لبنان، ومن ثم اتهام سوريا باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري في فبراير عام 2005.

ومع وصول باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة جرب فتح صفحة جديدة مع سوريا، فأرسل عام 2010 الدبلوماسي المخضرم روبرت فورد ليكون سفيراً لدى سوريا، لكن سرعان ما اندلعت الثورة السورية أواسط مارس 2011، وأدى تعامل قوات النظام المخلوع مع المتظاهرين السلميين لسيل من العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية وغيرها. وطاولت تلك العقوبات روسيا وإيران وكل دولة أو كيان أو مؤسسة أو فرد يتعامل مع الحكومة السورية آنذاك برئاسة الأسد، واستمرت الحال على ما هي عليه حتى وصلت محصلة ما تلقته سوريا أكثر من 2500 عقوبة دولية، إلى أن تمكن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من التدخل، بثقله ووزنه الدولي والإقليمي، لإصلاح ذات البين بين دمشق وواشنطن بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، والرئيس أحمد الشرع إلى الحكم في سوريا مطيحاً نظام الأسد أواخر العام الماضي، بل وعقد لقاء مباشر بينهما في السعودية خلال الشهر الماضي.

عصر جديد

لقاء وُصف بالتاريخي في السعودية بين الرئيسين السوري والأميركي وفي حضور ولي العهد السعودي، والمحطة التالية ستكون في توجه الشرع إلى الأمم المتحدة للإلقاء كلمة تتعلق بالأوضاع المستجدة في سوريا، وأتت هذه التطورات في وقت عين فيه ترمب توم براك سفيره الموثوق والمقرب منه لدى تركيا مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، وفي الوقت نفسه كشف المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية مايكل ميتشل عن رغبة واشنطن في “بدء عصر جديد” في العلاقة مع سوريا، لا سيما بعد اللقاء الذي جمع الشرع بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا في دمشق أخيراً.

وفي تصريحات صحافية قال ميتشل إن “الحدث كان تاريخياً بالفعل، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ينفذ تعهدات الرئيس الأميركي بوتيرة لافتة جداً، وهذه إشارة واضحة من البيت الأبيض إلى أن الإدارة الأميركية تريد أن تبدأ عصراً جديداً في العلاقات مع سوريا بناءً على الشراكة والتعاون الثنائي”. وأضاف أن الرئيس ترمب “أدرك أن سوريا كانت تعاني عقوبات اقتصادية لا فائدة منها بعد سقوط بشار الأسد، والشعب السوري كان يفتقر للاستثمارات الضرورية بسبب هذه العقوبات”، مبيناً أن “هذا العصر الجديد سيفتح باب الاستثمارات ويحسن الأمور الاقتصادية، وهذا بدوره سيفيد شعب سوريا والمنطقة ككل”.

من جانبه قال براك إن سياسة الولايات المتحدة الحالية تجاه سوريا “لن تشبه السياسات خلال الأعوام الـ100 الماضية، لأن تلك السياسات لم تنجح”، مؤكداً أن بلاده تتجه نحو سياسات مختلفة عما كان متبعاً في العقود الماضية.

—————————–

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى