العلاقات السورية-الروسيةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العلاقات السورية الروسية تحديث 12-18 أيلول

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العلاقات السورية الروسية

——————————–

علاقة دمشق وموسكو.. من التبعية إلى التوازن/  أمير حقوق

خبراء: مصلحة سياسية لسوريا واستراتيجية لروسيا

14 أيلول 2025

تتجه مؤشرات عودة العلاقات السورية- الروسية في الفترة الأخيرة إلى مسار متقدم، بعد التحول السياسي الذي شهدته سوريا في أواخر عام 2024، إثر سقوط نظام الأسد، والتي كانت روسيا أبرز داعميه.

وتطرح التطورات على مسار العلاقات بين دمشق وموسكو تساؤلات حول احتمالات عودة فعلية بعد سقوط نظام الأسد، أم أن العوامل الإقليمية والدولية، والمصالح السياسية والاقتصادية، ستفرض مسارات جديدة وتوازنات مختلفة.

في 9 من أيلول الحالي، التقى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، وفدًا روسيًا برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكساندر نوفاك، بدمشق، واعتبر الشيباني أن علاقة سوريا وروسيا “عميقة ومرت بمحطات صداقة وتعاون، لكن لم يكن التوازن فيها حاضرًا”، مشيرًا إلى أن “الدعم الروسي الصريح” لمسار سوريا الجديد سيكون خطوة في مصلحة سوريا والمنطقة بأسرها.

نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكساندر نوفاك، قال  إن تحديد وتطوير العلاقات مع سوريا يتم تحت الإشراف المباشر للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، معتبرًا أن سوريا دولة واعدة في الشرق الأوسط، وأن المرحلة التاريخية الجديدة ستكون العلاقات فيها بين الشعبين مبنية على الاحترام المتبادل، مشددًا على أهمية التعاون الثنائي.

إعادة صياغة العلاقة

بحسب الأوساط السياسية، يشهد التقارب السوري- الروسي تقدمًا ملحوظًا في العلاقات الدبلوماسية بينهما، فيما كان المتوقع منذ تسلم السلطة الجديدة بعد سقوط النظام السابق، أن يسيطر التجاهل بين الطرفين في ضوء عدم تشجيع الولايات المتحدة العلني واشتراطات الدول الأوروبية الرافضة لعودة النفوذ الروسي في البلاد.

وفي هذا السياق، يرى مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، ديميتري بريجع، أن العلاقات السورية- الروسية بعد سقوط النظام السابق تدخل طورًا بالغ الحساسية، فهي ليست مجرد امتداد طبيعي لما كان قائمًا، بل إعادة صياغة لعلاقة تحتاج إلى اختبار متبادل.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال بريجع، إنه من جهة أولى هناك نقد مشروع لهذا التقارب، إذ يخشى الشارع السوري من أن يتحول الحضور الروسي إلى غطاء لعقود طويلة الأمد، قد يقيّد السيادة الوطنية، ويعيد إنتاج منطق التبعية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن روسيا تملك أوراقًا عملية لا يملكها غيرها، كالقدرة على إعادة تشغيل قطاع الطاقة، وتوفير القمح والدواء، وترميم البنية التحتية الأساسية، وهو ما يضعها في موقع شريك لا غنى عنه، إذا أرادت سوريا الجديدة أن تبدأ بسرعة في تلبية حاجات الناس.

بدوره، الكاتب السياسي درويش خليفة، قال إن العلاقة الناشئة بين سوريا بحلّتها الجديدة وروسيا، تسير وفق مقتضيات الحاجة الملحّة للطرفين، في مشهد يتّسم بقدر كبير من الوضوح.

واستعاد خليفة المشهد الماضي بين الطرفين، قائلًا إن الروس أنفسهم كانوا، قبل أشهر قليلة، يصفون السلطة الحالية (المتمثلة حينها بـ”هيئة تحرير الشام”) بأنها جماعة “إرهابية”، ومن المفارقات أن من أبرز مبررات عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بالنظام السابق، كان استهداف روسيا لمسجد يُعلَّم فيه الأطفال القرآن.

ضغوط ملف السويداء والعلاقة مع إسرائيل

تختلف دوافع ومبررات توجه دمشق لموسكو، فبعض المحللين والخبراء ربطوا الأمر بأن سوريا تطمع بالدعم الروسي السياسي، خاصة بعد تغير اللهجة الأوروبية والأمريكية حيال ما هو مطلوب من السلطة في دمشق، عقب أحداث السويداء جنوبي سوريا.

يعتقد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، ديميتري بريجع، أن الدوافع السورية للتوجه نحو موسكو واضحة، فالغرب لم يقدم سوى العقوبات والضغوط السياسية، ولم يضع على الطاولة أي برنامج واقعي للإنقاذ.

وقال بريجع، إنه في المقابل، الإرث التاريخي للعلاقات مع الاتحاد السوفييتي ما زال حاضرًا في الذاكرة الوطنية، ويمنح موسكو رصيد ثقة لا تملكه واشنطن أو بروكسل.

وأشار إلى أن أحداث السويداء سرّعت من هذا الخيار، إذ أظهرت محدودية التأثير الأوروبي والأمريكي على الأرض، وأكدت أن سوريا تحتاج إلى بدائل عملية تضمن الأمن والاستقرار.

وتحدث عن أن “المصالح السياسية المكتسبة للطرفين متبادلة”، معتبرًا أن سوريا تحصل على دعم استراتيجي، واقتصادي، وعسكري يعزز موقعها الداخلي، ويعيد لها بعض التوازن أمام الاعتداءات الإسرائيلية، بينما روسيا تحصل على نفوذ راسخ في الشرق المتوسط، وعلى شريك عربي يمنحها حضورًا أكبر في المشهد الإقليمي.

ورجّح ظهور القيمة الحقيقية لهذه المصالح فقط إذا ارتبطت بمؤسسات شفافة وجداول زمنية واضحة، وليس تفاهمات غامضة خلف الأبواب المغلقة.

وكانت محافظة السويداء شهدت انتهاكات متبادلة بين الحكومة السورية ومقاتلين من عشائر البدو وفصائل محلية في المحافظة، إذ بدأت الأحداث بعمليات خطف متبادلة بين فصائل محلية وسكان من حي المقوس في السويداء، الذي تسكنه أغلبية من البدو، في 12 من تموز الماضي.

وتطورت التوترات إلى اشتباكات متبادلة استدعت تدخل الحكومة، التي انسحبت بعد أن استهدفت إسرائيل نقاطًا تابعة لها في السويداء ودمشق، تبع ذلك انتهاكات من قبل الفصائل المحلية بحق البدو، ما أثار غضبًا في الأوساط العشائرية التي أرسلت أرتالًا إلى السويداء.

وشهدت السويداء، في 16 من آب الماضي، مظاهرات في ساحة “الكرامة” وسط المدينة، تطالب بـ”تقرير المصير”، وترفع أعلامًا إسرائيلية.

استغلال موقفها بمجلس الأمن

الدوافع التي تقف خلف توجه دمشق نحو موسكو، تعود إلى الرغبة في تنويع الحلفاء، وكسب الشرعية الدولية، إلى جانب السعي لضمان موقف روسي داعم في مجلس الأمن، في حال طُرحت مقترحات لرفع العقوبات الأممية عن الرئيس أحمد الشرع وعدد من وزراء حكومته، فضلًا عن رغبة دمشق في تجنب إعادة فتح ملف الديون الروسية المتراكمة على سوريا، والتي ورثتها البلاد عن النظام السابق، وفق ما يراه الكاتب السياسي درويش خليفة.

ومن المرجح أن يكون هذا التقارب مع إدارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد تم بناء على نصيحة من تركيا، الحليف الأبرز للسلطة الحالية في دمشق، بهدف ردع الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب السوري، أو على الأقل احتواء طموحات نتنياهو في إضعاف سوريا إلى ما دون الصفر، لتبقى دولة هشة وممزقة.

وأضاف خليفة أنه لا يخفى وجود مصلحة مشتركة بين الطرفين في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين دمشق وموسكو، بما يضمن إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، ويأتي هذا ضمن مسعى سوري لتنويع شراكاتها بين المحورين الشرقي والغربي، رغم أن الغرب لا يخفي رفضه لهذا التقارب، فدونه يفقد بوتين الورقة السورية التي تطل على مياه المتوسط، خاصة بعد سقوط آخر رجالاته (بشار الأسد) في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا.

زيارة الشرع اختبار مزدوج

قالت السفارة السورية بموسكو في تصريح لوكالة “سبوتنيك” الروسية، في 10 من أيلول الحالي، إن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، سيترأس وفد سوريا في القمة الروسية- العربية المقبلة التي ستعقد في تشرين الأول المقبل.

وسبق أن أعلن عن الزيارة خلال المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، مع الوفد الروسي بدمشق، برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكساندر نوفاك، في 9 من أيلول.

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قال  خلال زيارة الوزير الشيباني لروسيا، في 31 من تموز، إن روسيا تتطلع لزيارة الرئيس السوري إلى روسيا لحضور القمة العربية- الروسية، المزمع عقدها في 15 من تشرين الأول المقبل.

مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية” والمحلل السياسي، ديميتري بريجع، اعتبر أن الزيارة المرتقبة للرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تمثل لحظة فارقة، فهي أول زيارة رسمية للرئيس الجديد إلى دولة كبرى كانت في الماضي حليفًا للنظام السابق، ما يجعلها اختبارًا مزدوجًا.

من المرجح أن يلتقي الرئيس الشرع بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اجتماع منفرد، حيث ستُطرح قضايا حساسة مثل قواعد الاشتباك الجوي، والحد من الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة هيكلة الجيش والأمن، وآليات تمويل مشاريع الطاقة والغذاء بطرق تتجاوز العقوبات، بحسب بريجع.

ويعتقد أن المعادلة في النهاية تقوم على التوازن بين النقد والدعم، فالنقد مطلوب حتى لا تتحول العلاقة إلى تكرار لتجارب الماضي، والدعم ضروري لأن سوريا تحتاج إلى شريك يمكنه أن يقدّم نتائج ملموسة خلال أشهر لا سنوات.

نجاح هذا المسار سيقاس بقدرة الطرفين على تحويل الشعارات إلى مؤسسات، والوعود إلى كهرباء ودواء وخبز يصل إلى المواطن، والأوراق السياسية إلى آليات تحمي السيادة وتفتح أفقًا لمستقبل أكثر استقرارًا، بحسب ما ختم به بريجع.

علاقة تحفظ الاستقلالية

عقد لقاء خاص بين بوتين والشرع، على هامش القمة الروسية- العربية، هو محاولة لإيصال رسالة مفادها أن روسيا كانت ولا تزال داعمة للدولة والشعب السوري، بغض النظر عن الجهة الحاكمة، وفق الكاتب السياسي درويش خليفة.

ويعتقد أن الطرفين يمتلكان الإرادة لإعادة صياغة العلاقة على أسس وأطر جديدة، علاقة لا تقصي دمشق عن العواصم الغربية، وفي الوقت ذاته تحفظ قدرًا من الاستقلالية لسوريا، بعيدًا عن الضغوط الغربية، التي بدأت تظهر من خلال تقارير حقوقية تتناول أحداث الساحل والسويداء خلال الأشهر الستة الماضية.

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دعا، في 17 من أيار الماضي، جميع قادة جامعة الدول العربية إلى القمة الروسية- العربية الأولى.

وقال بوتين في بيان نشره “الكرملين“ حينها، إن روسيا تعتزم مواصلة تطوير الحوار البنّاء مع جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى بناء علاقات ودية مع جميع أعضائها، مؤكدًا أن القمة الروسية- العربية ستسهم في زيادة تعزيز التعاون متعدد الأوجه، ذي المنفعة المتبادلة للدول، وستساعد في ضمان السلام والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

عنب بلدي

————————–

عودة روسية قوية إلى سوريا/ بكر صدقي

16 أيلول 2025

بدا لافتاً للنظر حجم الوفد الروسي الذي زار دمشق مؤخراً وكأن الأمر يتعلق بدولتين حليفتين، في وقت يستعد فيه أحمد الشرع للسفر إلى نيويورك حيث من المتوقع أن يلقي كلمة أمام قادة العالم في الاجتماع السنوي للأمم المتحدة.

وفي تصريحات أدلى بها إلى قناة الأخبارية السورية الرسمية كشف الشرع عن اتصالات جرت بينه وبين روسيا حين وصلت قوات حملة «ردع العدوان» إلى مشارف مدينة حماة في طريقها إلى العاصمة دمشق. يراد لهذا التصريح، في هذا التوقيت، أن يشكل نوعاً من تبرير إقامة علاقات قوية مع موسكو أمام جمهور السلطة الذي لا يرى في روسيا إلا حليف الأسد الذي أطال في عمر نظامه عشر سنوات على الأقل، وأمطر المدن السورية بالقنابل التي قتلت عشرات الآلاف من سكان البيئات المعارضة للنظام.

ومن جهة أخرى يشكل هذا التصريح تعبيراً عن الامتنان لروسيا واعترافاً بدورها في سقوط نظام الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، ولا يستبعد أن يكون الروس قد طالبوه بهذا الاعتراف.

ولكن ما الذي تريده سلطة دمشق حقاً من هذه العلاقة؟

من المحتمل أنها الرغبة في موازنة العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى التي تكثر من الطلبات والاشتراطات والضغوط على السلطة، سواء فيما خص الشؤون الداخلية السورية (حماية الأقليات، تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254) أو في الموقف من إسرائيل. بخصوص إسرائيل بالذات ربما تعلق سلطة دمشق آمالاً على موسكو للتدخل لدى حكومة نتنياهو لوقف اعتداءاتها المستمرة على رغم وجود مفاوضات معها بهدف الوصول إلى اتفاق أمني على ما قال الشرع في مقابلته المشار إليها على الأخبارية السورية. فلروسيا علاقات جيدة مع تل أبيب يمكن من خلالها أن تمارس تأثيراً عليها في الاتجاه الذي تأمله سلطة دمشق، مع العلم أن روسيا ليست داعماً لإسرائيل بصورة مطلقة على طريقة الولايات المتحدة.

وتتحدث بعض التقارير الصحافية عن أن تركيا هي التي شجعت سلطة دمشق على التقارب مع موسكو، ولعبت دوراً في ترتيب الزيارة التي قام بها أسعد الشيباني إلى موسكو، أواخر شهر تموز الماضي، حيث التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الواقع أن لتركيا مصلحة في هذه العودة الروسية إلى سوريا الجديدة لسببين: الأول هو موازنة الثقل الأمريكي في سوريا ما بعد الأسد، لأن تحالف واشنطن مع قوات سوريا الديمقراطية يمنع أنقرة من تنفيذ تهديداتها لقسد لدفعها للرضوخ لحكومة الشرع وتسليم سلاحها على ما كرر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكثر من مرة.

والسبب الثاني أن العدوانية الإسرائيلية المنفلتة تمنع أنقرة من المضي في تعزيز نفوذها العسكري في سوريا على ما كانت تأمل بعد سقوط نظام الأسد. فقد رأينا كيف قصف الطيران الإسرائيلي كل نقطة عسكرية حاولت أنقرة أن تجعل منها منطقة نفوذ.

ولم تنفع العلاقة الجيدة بين أردوغان وترامب في لجم هذه الهجمات الإسرائيلية. لعل القيادة التركية تأمل في استعادة أجواء إطار آستانا مع موسكو (بعد إخراج إيران منه) للحصول على مظلة روسية لتوسيع مجال نفوذها الحيوي في سوريا إلى ما هو أبعد من حلب وإدلب.

وبصورة مفارقة فإن لإسرائيل أيضاً مصلحة في عودة روسيا إلى سوريا، وذلك لأنها في غياب نفوذ روسي محتمل ستكون أمام تمدد في النفوذ التركي الذي ستضطر لمنعه بالضربات العسكرية المباشرة، وهذه عملية مكلفة سياسياً بالنسبة لإسرائيل وقد لا تحظى دائماً بغطاء أمريكي لعدوانيتها، وقد لا يمكنها السيطرة على تداعياتها المحتملة كاشتعال حرب مباشرة مع تركيا نفسها.

لا شك أن الغرب ليس مغتبطاً بهذا الدفء المستجد في علاقة دمشق بموسكو، وبخاصة الدول الأوروبية التي طالبت سلطة دمشق علناً، قبل بضعة أشهر، بوجوب طرد الوجود الروسي في سوريا وتفكيك قاعدتي حميميم وطرطوس.

أما إدارة ترامب فينصب اهتمامها أكثر على إبرام اتفاق سوري ـ إسرائيلي وعدم السماح بعودة أي نفوذ إيراني، ولم تبد أي استياء من التقارب المشار إليه. غير أن زيارة قائد القوات المركزية الأمريكية (سنتكوم) براد كوبر لدمشق ولقائه «الدافئ» بأحمد الشرع يمكن قراءته على أنه نوع من التذكير بأن لواشنطن اليد العليا في سوريا تحت حكم الشرع.

فقد كان لافتاً التقاط تلك الصورة التذكارية التي ظهر فيها كوبر والشرع مع زوجتيهما! وبحدود علمي لا توجد سوابق لهذا النوع من البروتوكولات الدبلوماسية: عسكري أجنبي برفقة زوجته مع رئيس دولة برفقة زوجته!

أين السوريون من كل ذلك؟

لا أحد يكترث بما يريدون، بدءًا من سلطة دمشق «الانتقالية» ومروراً بالأتراك والأمريكيين والروس والإسرائيليين والعرب والأوروبيين.

السلطة الانتقالية التي تتعامل بمرونة مع كل الضغوط الدولية، تفشل في ممارسة مرونة مماثلة مع السوريين بكل مكوناتهم، أو الأصح أنها ترفض ذلك وكأنها قادرة على إخضاع الداخل بالاستناد إلى احتضان الخارج.

كاتب سوري

القدس العربي

————————————–

زيارة نوفاك إلى دمشق… تحوّل في علاقة القوّة بين روسيا وسوريا ما بعد الأسد؟/ عمار جلّو

الجمعة 12 سبتمبر 2025

لم تكن زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، على رأس وفد واسع ورفيع إلى دمشق، يوم 9 أيلول/ سبتمبر الجاري، ولقاؤه وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، مجرد زيارة دبلوماسية روتينية، وإنما تحوّل إستراتيجي يمثّل إعلاناً روسياً رسمياً ضمنياً عن نهاية حقبة وولادة أخرى، تعترف فيها موسكو، الوصية القديمة على نظام الأسد، بشرعية كيان سياسي جديد في سوريا، قد يتمتع بإرادة تفاوضية مستقلة لم تعهدها موسكو من قبل.

تمثّل الزيارة اختباراً حاسماً لقدرة روسيا على التكيف مع المشهد الجيوسياسي المتغير في الشرق الأوسط، وقدرة سوريا ما بعد الأسد على تحرير نفسها من إرث التبعية. كما تمثّل أول لقاء رسمي رفيع المستوى بين “سوريا الجديدة” وروسيا، بهدف إعادة بناء العلاقة بين البلدين، مع تحديد مستقبل القواعد الروسية في سوريا، حسب مركز تقدّم للدراسات.

من جانبها، تطالب دمشق بعلاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، ومراجعة الاتفاقيات السابقة مع موسكو، مع المطالبة بتسليم الأسد ومسؤولين سابقين، بالإضافة إلى مساعيها للعدالة الانتقالية والانفتاح الدولي، فيما ترحّب موسكو بالإصلاحات السورية وتدعم وحدة سوريا. وعليه، تدين محاولات زعزعة الاستقرار، في إشارة ضمنية إلى إيران وفلول النظام السابق، بجانب أملها في حضور الرئيس الشرع للقمة الروسية-العربية المرتقبة في موسكو في تشرين الأول/ أكتوبر القادم.

على ذلك، تمهّد الزيارة لإعادة صياغة الشراكة بين البلدين، حسب “تقدّم”، فـ”العلاقة بينهما تمرّ بمرحلة اختبار، تتجنب خلالها دمشق القطيعة مع موسكو بسبب الفيتو الروسي في مجلس الأمن، برغم التوتر الخفي بشأن تورط روسي محتمل في أحداث الساحل في آذار/ مارس الماضي، فيما يبقى مستقبل العلاقات مرهوناً بمصير الأسد، والقواعد العسكرية، وموقف روسيا من الجهات التخريبية”.

تحالف وتبادلية قسرية

لطالما نظرت موسكو إلى سوريا الأسد على أنها “ملكية إستراتيجية” مطلقة، وحجر زاوية في إستراتيجيتها للعودة إلى المتوسط ومواجهة حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وقد شكّل التدخل العسكري الروسي إلى جانب نظام الأسد في حربه على الشعب السوري عام 2015، المدعوم من إيران وحزب الله، ذروة هذا التحالف الذي أنقذ النظام من حافة السقوط، وضمن لروسيا موطئ قدم حيوياً عبر قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية.

لكن سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أحدث ما يُعرف في نظرية العلاقات الدولية بـ”فراغ القوة” الجيوسياسي، حيث تتدفق القوى لملء الفراغ. وجدت موسكو نفسها فجأةً تتفاوض مع قيادة جديدة، قيادة كانت في الماضي القريب هدفاً للقنابل الروسية. لذا، لم يعد الخطاب الروسي يدور حول “إنقاذ الدولة”، بل حول “بناء شراكة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة”، ما يعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً.

الخبير في العلاقات الدولية والمختص بالشؤون الأوراسية، أحمد دهشان، يذهب في تحليله العلاقة إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أنّ طبيعة العلاقة تجعل من فكّها أمراً شبه مستحيل.

يقول لرصيف22: “هذه العلاقة ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي شبكة متداخلة من المصالح والروابط الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والمعرفية… فالسوريون درسوا في روسيا، وتزوّجوا من روسيات، وأنجبوا أبناء يحملون الجنسية الروسية، مثل السيد ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري. كما لم تعرف المدرسة العسكرية السورية سوى العقيدة الشرقية الروسية، فحتى الذين عارضوا النظام كانوا يقاتلون بأسلحة روسية وبعقيدة شرقية”.

يخلص دهشان، إلى أنّ “استمرار العلاقة العسكرية مع روسيا هو الخيار الأكثر واقعيةً وفعاليةً للحكومة الجديدة، مقارنةً بتبنّي عقيدة عسكرية جديدة تتطلب سنوات من التدريب، وتواجه عقبات في التسليح والتقنيات، فضلاً عن الفيتو الغربي والإسرائيلي. هذا التشابك العضوي، هو الضامن الأساسي لاستمرار العلاقة برغم كل الخلافات”.

إرث الدم وإعادة تعريف الشراكة

تدور المفاوضات، التي بدأت خلف الكواليس منذ أوائل 2025، وفقاً لتقارير “فرانس 24” و”تلفزيون سوريا”، حول ملفات شائكة تشكّل جوهر إعادة تعريف العلاقة، وأبرزها مستقبل القواعد العسكرية الروسية، الديون الروسية، استعادة الأموال السورية المجمدة في روسيا، وموقف موسكو من الأسد والمسؤولين السابقين المقيمين لديها.

في ما يخص القواعد العسكرية، ترفض الحكومة السورية الجديدة “الامتيازات غير المتوازنة” التي منحها الأسد لروسيا، حسب تقرير سابق لرصيف22، خاصةً عقد إيجار قاعدة طرطوس لمدة 49 عاماً. لذا، تريد دمشق إعادة التفاوض على شروط أكثر عدالةً، وربط وجود القواعد بجدول زمني واضح ومساهمة روسية فعلية في الأمن القومي السوري. في المقابل، تمثّل قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية الشريان الحيوي للإستراتيجية الروسية العالمية، حسب “مجلس العلاقات الخارجية (CFR)”.

الخبير دينيس كورتونيوف، وهو رئيس المركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي في موسكو، يقدّم الرؤية الروسية لهذا الملف، مؤكداً أنّ “القواعد العسكرية الروسية في سوريا تبقى عنصراً مهماً من عناصر الاستقرار في المنطقة”. ويكشف عن تفاصيل عملية، لرصيف22، قائلاً: “تعمل وزارة الدفاع الروسية بنشاط على تحسين الإطار القانوني الذي ينظم وجود قواتنا العسكرية في سوريا، بما في ذلك قضايا الضمانات الاجتماعية للعسكريين وعائلاتهم، كما هو موضّح في الأوامر الأخيرة، مثل (الأمر) رقم 477 بتاريخ 28 تموز/ يوليو 2025”. كما يشير إلى أنّ الجانبين اتفقا على “استئناف الدوريات في المناطق الرئيسية، مثل القامشلي في الشمال الشرقي والمناطق الجنوبية، لمنع تصعيد التوترات مع إسرائيل”.

في المقابل، يقدّم الأكاديمي المتخصص في القانون والعلاقات الدولية، والمستشار السابق في رئاسة الجمهورية العربية السورية قبل عام 2011، جمال السيد أحمد، تحليلاً نقدياً حادّاً للإرث الروسي في سوريا، قائلاً: “منذ أن اندلعت الثورة السورية ضد نظام الاستبداد، تموضعت موسكو كلياً وراء بشار الأسد، ما مكّنه من البقاء والتوحش. كما تدخلت عسكرياً عام 2015، وهو ما حوّل الحرب من صراع داخلي إلى ميدان نفوذ روسي مكشوف. خلال تلك الفترة، راهنت روسيا على تثبيت موقعها في شرق المتوسط على زعيم غارق في الدماء لا على الدولة السورية”.

“لكن سقوط الأسد عرّى هذه الحقيقة ووضع العلاقات السورية الروسية في ميزان إرث ثقيل ترزح تحت ظلّه السلطة السورية الجديدة، التي يُفترض أنها وريثة الثورة السورية والدماء المسفوكة على مذابحها. “كيف تتعامل وبأي شروط مع قوة أجنبية ساهمت في إطالة مأساة شعبها؟”، يسأل السيد أحمد، في حديثه إلى رصيف22.

عليه، يشكك السيد أحمد في نوايا روسيا، مشيراً إلى أنّها “لم تكن يوماً تاجراً شاطراً في العلاقات الدولية أو سنداً مبدئياً حتى لمن حالفها ووالاها، بل كانت انتهازية الموقف في ظل ميزان قوى دولي كانت تدرك دوماً أنه ليس لصالحها”. ويرى أنّ “ثمة يداً روسيةً أيضاً بشكل من الأشكال” في ترتيبات سقوط الأسد، ما يضع العلاقة المستقبلية في إطار “براغماتية قسرية” تحكمها القاعدة الأولى في العلاقات الدولية: “لا صديقاً دائماً ولا عدو دائم”.

إلى جوار القواعد العسكرية، تشكل المعضلة الاقتصادية واحدةً من أكبر نقاط خلاف الجانبين، ويمكن وصفها بأنها “ديون منهوبة مقابل أموال مهربة”. فمن جهة، تطالب موسكو بسداد ديون تقدَّر بـ20-23 مليار دولار كانت قد قدّمتها للنظام السابق، حسب “تلفزيون سوريا”، فيما تطالب دمشق من جهة أخرى باستعادة ما بين 12 إلى 16 مليار دولار من الأموال العامة التي يُعتقد أنّ عائلة الأسد والمقربين منها هرّبوها إلى الخزائن الروسية، حسب “الجزيرة نت”.

بالإضافة إلى ذلك، قد ترغب دمشق في إعادة النظر في عقود النفط والغاز التي أبرمها النظام السابق مع شركات روسية، والموصوفة بأنها “مجدية لنظام الأسد وروسيا فقط”.

“لقد اتفقنا بالفعل على إجراء جرد لجميع الاتفاقات الثنائية الموقعة في السنوات الأخيرة، لتكييفها مع الظروف الجديدة”، يقول كوتونيوف. بجانب ذلك، “نحن نناقش مشاركة الشركات الروسية في إعادة تأهيل الموانئ السورية، مثل طرطوس… روسيا مستعدة أيضاً لتقديم الخبرة في إنتاج النفط، نظراً إلى أن الحقول السورية على الفرات تحتاج إلى تحديث”، يضيف.

فيما يبقى مصير الأسد عظمةً في الحلق، وذلك لأنّ وجوده وطاقمه في المنفى في روسيا يظلّ قضيةً شائكةً، حيث ترفض موسكو تسليمه علناً، يشير موقع “بي بي سي” إلى أنّ ملفه قد لا يكون “ورقةً تفاوضيةً حاسمةً” لدى الكرملين. ويتماشى دهشان مع ذلك، بقوله إنّ “العلاقة ليست فقط قويةً، بل ضرورية في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، وعجز واشنطن أو عدم رغبتها في وقفها”، ما يعني أنّ الملفات الإستراتيجية الحيوية تطغى على ملف العدالة الانتقالية في المدى المنظور.

“وسيط مجبَر” و”شراكة اضطرارية”

سيشارك الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، في القمة الروسية-العربية المقرر عقدها في موسكو في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، قال نوفاك، وأضاف خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشيباني، إنّ روسيا تولي أهميةً كبيرةً للزيارة المقبلة، مشيراً إلى دورها في تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين.

“في مجال التعاون، هناك شراكات قائمة في التدريب والتصنيع العسكري، وفي المجال الاستخباراتي والمعلوماتي، خاصةً في ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب وقضايا الأمن الداخلي السوري، بجانب فرص كبيرة لإعادة تشغيل المصانع والمعامل المشتركة، في ظل وجود معاملات تفضيلية بينهما. فالفرص واسعة، في الطاقة الكهربائية، والتقنيات الحديثة، والمجالات الاقتصادية المختلفة، ذلك أنّ علاقة البلدين ليست مجرد تحالف سياسي، بل هي منظومة متكاملة من المصالح والروابط التي تجعل من فكّها أمراً شبه مستحيل، وتفتح المجال أمام تعاون أوسع وأكثر عمقاً في المستقبل”، يقول دهشان.

ويضيف: “لا يمكن تجاهل اعتماد سوريا السابق بنسبة لا تقلّ عن 70% في علاقاتها الدولية على روسيا، ما يجعل استمرار العلاقة ضرورةً إستراتيجيةً، ولا سيما في ظل غياب دعم غربي حقيقي، برغم التصريحات المتكررة، بالإضافة إلى وجود مصلحة مشتركة في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وهو ما أكده الرئيس بوتين في حديثه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد زيارة الشيباني إلى موسكو نهاية تموز/ يوليو الفائت، وشدّد خلاله على أنّ أيّ تفكيك لسوريا ستكون له تداعيات سلبية على روسيا نفسها”.

وفي سياق متصل، يصف كورتونيوف موسكو بالوسيط المُجبر، ملخّصاً الموقف الروسي الإقليمي المتطور بقوله: “في السياق الإقليمي، تدعو روسيا إلى اتّباع نهج متوازن. نحن ندعم الحوار بين سوريا ودول الخليج، كما أن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل هدف مرغوب لدى موسكو، لكن يجب أن يكون مستنداً إلى الاحترام المتبادل”.

“روسيا مستعدة للعمل كوسيط. باستخدام قنواتنا مع طهران وأنقرة وتل أبيب، نسعى إلى تقليل التوترات بين إسرائيل وإيران، التي تؤثر سلباً على استقرار سوريا”، ما يمثّل تحوّلاً من دور “المنقذ العسكري” إلى “الدبلوماسي الوسيط”، وهو دور تُجبَر موسكو على تبنّيه، حسب كورتونيوف.

مع ذلك، لا يمكن فهم المفاوضات الثنائية بمعزل عن الصراع الإقليمي والدولي الأوسع. تحاول روسيا خلاله التكيف مع تحالفات متغيرة، حيث يرى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أنّ الوجود الروسي هو العائق الرئيس أمام الاستقرار، حسب معهد الشرق الأوسط. وعليه، يمكن اعتبار إلغاء دمشق عقد إدارة ميناء طرطوس مع روسيا ومنحه لتحالف بقيادة “موانئ دبي العالمية”، كإشارة واضحة على وضع مصلحتها الاقتصادية أولاً واستعدادها لاستقبال استثمارات غير روسية، ما يضعف ورقة الضغط الاقتصادية لموسكو.

الإشكالية هنا، هي ربط القوى الغربية أي انخراط اقتصادي بإصلاحات سياسية وشفافية، بينما موسكو مستعدة للعمل مع الواقع القائم دون شروط، ما يجعلها شريكاً أسهل، لكن أقل قدرةً على التمويل الكبير، حسب السيد أحمد، الذي ينوّه بـ”تركيز زيارة الوفد الروسي على إعادة إعمار قطاع الطاقة المتهالك”. ويؤكد أنّ “موسكو ستسعى جاهدةً للحفاظ على وجودها العسكري في طرطوس وحميميم، لأنهما بوابة إستراتيجية للمتوسط، وأي محاولة لتهميشها في الجانب الأمني الذي هو خط أحمر سيواجَه بردّ حاد، بينما ستحاول دمشق تقليص هذا النفوذ عبر التفاهم مع الغرب”.

لكن، بحسب الأكاديمي السوري، “أمام الانسداد الغربي، قد يكون الدور الروسي ورقة توازن، يمنح دمشق حدّاً من الغطاء الدولي مزدوج الهدف، بتوظيفه لصالحها أو منعه من الاستخدام ضدها على السواء”، ويعتقد أنّ “سوريا الجديدة أدركت عمق الارتهان لقطب واحد متحكم، لذلك ستحاول أن تطلق سياسة ‘تعدد المحاور/ المسارات’ بدل الارتهان لمحور واحد”، حيث إنّ “روسيا لا يستغنى عنها، لكن أمريكا وأوروبا ما زالتا تمنحانها شرعيةً ناقصةً مشروطة. وكل انسداد مع الغرب سيجعل سورية مضطرةً إلى العودة أكثر إلى روسيا”.

يختم السيد أحمد بالقول، إنّ عدوان إسرائيل المستمر على الأراضي السورية واستثمارها في الخلافات الداخلية، ولا سيما في السويداء ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتهديد وحدة سوريا، ستجعل دمشق بحاجة أكبر إلى روسيا، ليس فقط عسكرياً بل كمنصة للتسويات الإقليمية، ما سيؤدي إلى “شراكة اضطرارية” تُبقي روسيا طرفاً لا غنى عنه.

رصيف 22

————————————

موسكو والبوابة السورية: قراءة في إعادة التموضع الاستراتيجي/ صلاح قيراطة

سوريا وموسكو: العودة إلى السند الأخير في لحظة الانهيار الإقليمي

2025-08-04

في مشهد لافت، توالت خلال ساعات قليلة زيارات ثلاثة من أبرز المسؤولين السوريين إلى موسكو: وزير الخارجية، وزير الدفاع، ومدير المخابرات العامة. كلٌّ التقى نظيره الروسي، فيما حظي وزير الخارجية بلقاء مع الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً. لا يمكن النظر إلى هذا التسارع الديبلوماسي والعسكري والأمني إلا باعتباره إشارة سياسية مركّبة، تعكس إدراك دمشق أن توازنات الميدان والاصطفافات الإقليمية دخلت طوراً جديداً.

بين من يدرك الأفق ومن يعيد إنتاج العمى:

كما هو معتاد، تباينت القراءات: ثمة من قرأ المشهد بعمق، ورأى فيه استشرافاً لمعادلات مقبلة ستعيد رسم خرائط النفوذ. وفي المقابل، بقي البعض أسيراً للنظرة القاصرة، يكرر أدواراً استهلكها الزمن، غير قادر على تجاوز حدود اللحظة، تماماً كما يفعل “بغل المعصرة” الذي يدور حول نفسه دون أن يرفع رأسه إلى الأمام.

شهادة من قلب اللحظة:

تزامنت مشاركتي عبر قناة RT الروسية مع اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره السوري أسعد الشيباني. هناك قلت ما يجب أن يُقال، واستمع القوم لما يجب أن يُسمع، وكعادتي لم أضع في حساباتي ما يرضي الجماهير أو يُغري نزعاتها، بل ما يفرضه التشخيص السياسي الصريح للواقع السوري وموقعه ضمن الصراع الدولي. 

*روسيا أم إيران؟ اختلاف في المشروع والغاية:

لطالما أكدت في مقالات ومحاورات سابقة أن الفرق بين الدور الروسي والدور الإيراني في سوريا جوهري:

– موسكو تمسكت بالدولة السورية وبمؤسساتها، وحاولت منع انهيارها، لأنها ترى في بقاء الدولة السورية قاعدة استراتيجية في شرق المتوسط.

– طهران تمسكت بشخص الرئيس السابق بشار الأسد، لا باعتباره رأس الدولة بل لأنه، وفق حساباتها، “على قدّ يدها”، يمكن التحكم به كأداة، فضلاً عن أن انتماءه الطائفي يوفر لإيران قاعدة نفوذ ثابتة.

من هنا يظهر التناقض:

مشروع روسي يسعى إلى الحفاظ على “الدولة”، مقابل مشروع إيراني يُحكم قبضته عبر “الفرد والطائفة”.

الضربة الإسرائيلية ومشروع باكو:

إلا أن المعادلة انقلبت مع الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت وزارة الدفاع السورية ورئاسة هيئة الأركان في قلب دمشق، في وضح النهار، وبوقاحة غير مسبوقة، ولأول مرة بعد حرب تشرين عام ١٩٧٣ بحيث استطلاعات احدى الطائرات الوصول إلى سماء دمشق واستهدفت رئاسة أركان الجيش السوري وقتئذ.

الاستهداف الاخير لدمشق ليس ضربة عسكرية وحسب، بل رسالة استراتيجية بأن “المقدسات السيادية” السورية لم تعد بمنأى عن الانتهاك.

الأخطر، أن إسرائيل رتّبت اجتماعاً في باكو يضم مسؤولين إسرائيليين ومديرين سوريين، لبحث اتفاقية إذعان تسلخ الجنوب السوري – محافظات القنيطرة والسويداء ودرعا – عملياً عن الجسد الوطني، لتبقى لدمشق سيادة نظرية فقط. هنا أدركت دمشق أن التهديد وجودي لا تكتيكي، وأن لا خيار سوى العودة إلى “الصديق القديم”: روسيا.

سوريا عقدة الصراع الإقليمي والدولي:

اليوم تقف سوريا في قلب شبكة معقدة من تقاطع النفوذ:

– روسيا: تسعى لتثبيت الدولة السورية كركيزة لنفوذها في المتوسط وضمان موقعها في معادلة الطاقة والممرات.

– إيران: تركّز على ترسيخ نفوذ طائفي طويل الأمد عبر الولاء الشخصي والمذهبي.

– إسرائيل: تعمل على تحييد سورية كفاعل، واقتطاع الجنوب لصالح أمنها القومي.

– تركيا: تمسك بالشمال السوري وتعيد صياغته بما يخدم مشروعها التوسعي العثماني الجديد.

– الولايات المتحدة:

تكتفي بإدارة الصراع عبر قواعدها في الشرق والجزيرة، ضامنة استمرار الاستنزاف دون حسم.

بهذا المعنى، فإن زيارة دمشق الثلاثية إلى موسكو ليست مجرد نشاط بروتوكولي، بل إعادة تموضع استراتيجي ورسالة إلى كل الأطراف بأن سورية ما زالت قادرة على إعادة ضبط اتجاه بوصلتها.

الخاتمة:

إزاء الضربات الإسرائيلية الوقحة، والمشاريع الإقليمية التي تستهدف اقتطاع الجغرافيا السورية أو إعادة صياغتها على أسس طائفية وعرقية، لم يعد أمام دمشق إلا العودة إلى موسكو، قد لا تكون روسيا ملاكاً منزهّاً عن الحسابات البراغماتية، لكنها تبقى القوة الوحيدة القادرة على حفظ ما تبقى من الدولة السورية ومنع انهيارها النهائي.

إنها لحظة مفصلية، تؤكد أن بقاء سورية مرهون بالتحالفات الدولية لا بالشعارات المحلية. ومن هنا، فإن الزيارة الثلاثية إلى موسكو ليست خياراً ديبلوماسياً فحسب، بل إعلان وجودي بأن الدولة السورية تبحث عن سند صلب يمنع اقتلاعها من التاريخ والجغرافيا.

——————————–

هل حقاً ستعود العلاقات دافئة بين روسيا وسوريا؟/ محمود علوش

18 أيلول 2025

خطَت العلاقة الجديدة بين روسيا والحكم الجديد في سوريا، خطوات متقدمة مؤخرا بالزيارة رفيعة المستوى التي أجراها وفد روسي لدمشق في سبتمبر/أيلول الجاري، والدعوة التي وجهها الرئيس فلاديمير بوتين لنظيره السوري أحمد الشرع للمشاركة في القمة العربية الروسية في موسكو الشهر المقبل.

في السياسة لا خصومَ دائمين ولا أصدقاء دائمين. وهذا التفاعل بين أعداء الأمس يعكس كيف أن لغة المصالح تتفوق في نهاية المطاف على أي شيء آخر.

لقد ساهمت براغماتية الشرع في التعامل مع روسيا منذ توليه السلطة في تأسيس أرضية للدبلوماسية مع موسكو. وبالمثل، فإن الأخيرة لم تتردد في الانفتاح على دمشق منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد. وقد أرسلت بالفعل إشارات متعددة تفيد برغبتها في الحفاظ على حضور لها في سوريا.

مع أن العلاقات الإستراتيجية العميقة التي ترجع لعقود طويلة تفسر جانبا من حرص دمشق وموسكو في الحفاظ عليها، إلا أن هناك الكثير من الدوافع والمحركات المختلفة لهذه العلاقة.

فسوريا، بالنسبة لبوتين، لا تزال مهمة للحفاظ على حضور روسيا في معادلات توازن القوى في الشرق الأوسط حتى لو كان حاكمها الجديد عدوا بالأمس. كما أنها لا تزال تحتفظ بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية على الساحل السوري، وهي منطقة تقطنها غالبية العلويين، وينشط فيها فلول النظام السابق.

ويبدو أن الشرع يتعامل مع الوجود الروسي في هذه المنطقة بحساسية عالية، ولا يريد أن يتحول هذا الوجود إلى مصدر تهديد آخر لاستقرار الحكم الجديد، لا سيما أن أحداث مارس/آذار الماضي أظهرت أن نشاط فلول النظام السابق في المنطقة، يمكن أن يسبب صدعا أمنيا وسياسيا كبيرا للشرع.

مع ذلك، لدى الشرع أسباب أخرى تدفعه إلى تبني خطاب ودي تجاه روسيا. فالعلاقة معها، من وجهة نظر الشرع، تساعد دمشق في موازنة المخاطر الكبيرة الناجمة عن التحدي الذي تشكله إسرائيل لسوريا، وعن حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب.

ويبدو أن دور روسيا في إدارة التدخل الإسرائيلي في سوريا أثناء فترة الحرب، يعمل كمحفز للشرع للتفكير في مزايا العلاقة الجيدة معها في هذه الفترة.

ومن المفارقة أن هذا الاهتمام السوري بروسيا يتقاطع مع الضغوط التي تمارسها إسرائيل على الولايات المتحدة للسماح لموسكو بالاحتفاظ بوجودها العسكري في سوريا؛ بهدف تحقيق مصالحها الأمنية، وتقويض الطموحات التركية التي تراها تل أبيب تهديدا إستراتيجيا لها.

مع ذلك، فإن هذا التقاطع في المصالح المتبادلة بين موسكو ودمشق لا يعني أن العلاقة الجديدة ستكون شبيهة بالتحالف الوثيق بينهما خلال حكم آل الأسد. كما أن العقبات التي تعترض العلاقة الجديدة كثيرة.

سيتوقف بناء علاقة منفعة متبادلة بين الطرفين على مجموعة من العوامل، على رأسها أن تحقق هذه العلاقة المصالح الإستراتيجية المتبادلة، وتعالج العقبات الجوهرية التي تعترض سبيلها، مثل مستقبل الوجود العسكري الروسي، ومصير بشار الأسد وكبار قادة نظامه المتواجدين في روسيا، والضغوط الخارجية التي تواجه دمشق في تشكيل علاقاتها الخارجية عموما.

تشكل قاعدتا حميميم وطرطوس أولوية إستراتيجية لروسيا، إذ توفران منفذا حيويا إلى البحر الأبيض المتوسط، وتدعمان العمليات اللوجيستية الروسية في أفريقيا والشرق الأوسط.

لكن دمشق ستسعى إلى إبرام اتفاقيات جديدة بخصوص استمرار هذه القواعد عبر عقود زمنية محددة بدلا من الاتفاقيات طويلة الأمد التي أبرمت في السابق، فضلا عن تحقيق أكبر قدر من المنافع السياسية والاقتصادية من موسكو مقابل ذلك.

مع أن ملف بشار الأسد وقادة نظامه المتواجدين في روسيا لا يظهر في الوقت الحالي كعقبة كبيرة أمام الدبلوماسية الجديدة بين موسكو ودمشق، إلا أن هذا الملف سيبقى ضاغطا على هذه العلاقة.

مع ذلك، يمكن لموسكو أن تظهر قدرا أكبر من النوايا الحسنة تجاه دمشق من خلال إظهار استعدادها للتعاون معها، بما في ذلك دراسة إمكانية ترحيل هذه الشخصيات إلى سوريا لمحاكمتهم على جرائم الحرب التي ارتكبوها سابقا.

علاوة على ذلك، يشكل الموقف الغربي، وخاصة الأوروبي، عقبة إضافية أمام العلاقات الروسية- السورية، إذ تبدي دول أوروبية رغبة في دفع الإدارة السورية لإنهاء الوجود العسكري الروسي، معتبرة أن القواعد الروسية تعيق اندماج سوريا في النظام الدولي الجديد.

في المقابل، لم تظهر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفا صلبا ضد استمرار هذه القواعد، مما يمنح دمشق هامشا من المرونة في التعامل مع موسكو. ومع ذلك، يبدو أن واشنطن تركز حاليا على منع إيران من إعادة بناء نفوذها في سوريا، مما يقلل من الضغط المباشر على الشرع بشأن العلاقات مع روسيا.

تظهر المصالح الدولية المتناقضة في سوريا كعنصر ضغط آخر على العلاقات الروسية- السورية. يتبنى الشرع سياسة خارجية متوازنة تسعى للتوفيق بين علاقاتها مع روسيا، والغرب، وتركيا، والدول العربية.

وهذه السياسة تجعل العلاقات مع روسيا مشروطة بالبدائل الاقتصادية والسياسية التي يقدمها الشركاء الآخرون. على الرغم من هذه التحديات، تظل هناك دوافع قوية تدفع موسكو ودمشق نحو التفاهم.

بالنسبة لأحمد الشرع، تشكل العلاقة مع روسيا ضرورة إستراتيجية لتجنب أي دور محتمل لموسكو في تقويض استقرار الحكم الجديد، وللاستفادة من الإرث الطويل للعلاقات الثنائية في مواجهة تحديات خارجية.

ومن جانبها، تحتاج روسيا إلى الحفاظ على حضورها في سوريا للحفاظ على نفوذها الإقليمي وتأمين مصالحها الجيوسياسية.

وتشكل هذه المصالح المتبادلة أساسا لإعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة، تراعي طموحات دمشق في بناء سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، وتضمن لروسيا الحفاظ على موطئ قدم في الشرق الأوسط.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في العلاقات الدولية

الجزيرة

———————————

3 أولويات لموسكو في العلاقة الجديدة مع دمشق… الطاقة وتأهيل بنى تحتية وزيارة الشرع

سوريا طرحت استئناف تزويدها بالسلاح وتسوية ملف الديون ومصير بشار الأسد

موسكو: رائد جبر

10 سبتمبر 2025 م

حملت زيارة الوفد الحكومي الروسي برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نافاك، إلى دمشق، تطوراً مهماً على صعيد ترتيب أولويات الطرفين في مسار إحياء العلاقة الروسية – السورية، ودفع آليات التعاون في مجالات مختلفة.

وحملت تسريبات نقلتها مصادر سورية مطلعة على أجواء المناقشات، معطيات عن تركيز الجانب السوري على عدة بنود شكلت أولوية لدمشق، بينها استئناف تزويد سوريا بالسلاح الروسي، وتنظيم إدارة مشتركة لقاعدتي «حميميم» و«طرطوس»، بما يشمل توسيع نطاق تسيير دوريات روسية في مناطق عدة، وتسوية ملف الديون، وتطوير العلاقات الاقتصادية، بالإضافة إلى بحث ملف مصير بشار الأسد وكبار مسؤولي النظام السابق الموجودين في روسيا، وإطلاق جهد مشترك لضمان عدم الصدام مع إسرائيل وتطوير التنسيق مع تركيا.

هذه العناصر انعكست في الجزء الأعظم منها في تسريبات المصادر الروسية لفحوى المناقشات التي أجراها الطرفان، ما دل على غياب الفوارق الكبيرة في الأولويات التي تضعها دمشق وموسكو لإعادة بناء العلاقة.

بالنسبة إلى موسكو، وكما وضح البيان الحكومي الرسمي الذي صدر في أعقاب الزيارة، فإن الأولوية القصوى تتجه نحو ملفات حيوية لدى الجانب الروسي، وقدرات وخبرات مهمة لتطوير التعاون فيها. في مقدمتها برز استعداد روسيا لمساعدة الحكومة السورية في استعادة قطاع الطاقة وإطلاق عددٍ من المشاريع لتزويدها بالوقود والمستلزمات الحيوية الأخرى.

وكان طرح هذا الموضوع بشكل مكثف متوقعاً، بالنظر إلى أن نوفاك الذي رأس الوفد، هو المسؤول في الحكومة الروسية عن قطاع الطاقة. وتقترح موسكو في هذا الإطار عملاً مشتركاً لإعادة تأهيل البنى التحتية. وأشار الجانب الروسي إلى الاستعداد لإطلاق عدد من المشاريع لتزويد الجمهورية العربية السورية بالوقود، فضلاً عن مواد حيوية أخرى بينها المواد الغذائية والأدوية.

إسرائيل وعقبات التسليح

وعكست تشكيلة الوفد الروسي مستوى اهتمام موسكو بتسريع عملية إعادة ترتيب العلاقة، وتسهيل إطلاق تعاون في مجالات عدة، وبالإضافة إلى مشاركة وزير البناء والإسكان والخدمات المجتمعية، إريك فيزولين، وهو أيضاً الرئيس المشارك للجنة الحكومية الروسية – السورية المشتركة، انضم إلى الوفد، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتييف، ونائب وزير الدفاع، يونس يونس بيك يفكوروف، ونائب وزير الخارجية، سيرغي فيرشينين، بالإضافة إلى ممثلين عن جهات أخرى على مستوى نواب الوزراء.

اجتماع رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان بوفد وزارة الدفاع الروسية على رأسه نائب الوزير يونس بيك يفكوروف (الدفاع السورية)

اجتماع رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان بوفد وزارة الدفاع الروسية على رأسه نائب الوزير يونس بيك يفكوروف (الدفاع السورية)

وبالإضافة إلى اللقاءات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس ديوانه ماهر الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، أجرى المسؤولون الروس جولات من المباحثات مع نظرائهم السوريين. وفي هذا الإطار جرى اللقاء الذي جمع نائب وزير الدفاع يفكوروف مع اللواء علي النعسان، رئيس هيئة الأركان السورية، والذي ركز، وفقاً لمصادر روسية، على دفع آليات التعاون العسكري، بما يشمل المساعدة في إعادة تأهيل الجيش السوري، بالاستناد إلى خبرة طويلة للطرفين في هذا التعاون.

لكن مصادر في موسكو أبلغت «الشرق الأوسط»، أن موسكو، ومع اهتمامها بهذا الملف، ترى أن ثمة عقبات عدة ما زالت تعترض طريق تطوير التعاون في ملف التسليح، وإعادة تأهيل الجيش، بينها النشاط العسكري الإسرائيلي المتواصل. ورغم ذلك، قال المصدر إن لدى موسكو أفكاراً محددة طرحت في شأن مساعدة سوريا على تدريب جيشها وإعادة تأهيله، وتزويده بالأسلحة والمعدات، بناء على رغبة القيادة السورية، وبما يشمل إطلاق عمل مشترك يلبي احتياجات سوريا الجديدة، ولا يدفع نحو صدام مع الأطراف المختلفة وعلى رأسها إسرائيل.

القواعد «مؤجلة»

وتحدث المصدر عن ضرورة التوصل إلى تفاهمات كاملة حول عدد من الملفات المطروحة، مثل آليات التعاون المقترحة في ظل الوجود العسكري الروسي في مناطق الساحل وشمال شرقي سوريا.

لكن وفقاً له، فمن المبكر جداً الحديث عن إدارة مشتركة للقواعد العسكرية الروسية؛ لأن موسكو «لن تنخرط في نشاط أو مهام داخلية في سوريا، وحضورها العسكري في القواعد مرتبط فقط بترتيب خدمات لوجيستية لأسطولها في البحر المتوسط والمحيطات». غير أنه أكد في الوقت ذاته انفتاح موسكو على مناقشة آليات التعاون العسكري المحتملة في المستقبل.

في الإطار ذاته، قال إيغور يوشكوف، الخبير في الجامعة المالية التابعة لحكومة الاتحاد الروسي، تُولي السلطات السورية اهتماماً رئيسياً بالمنتجات النفطية نظراً لضعف الطاقة الاستيعابية، وسوء حالة مصافي النفط في البلاد: «إنهم بحاجة إلى الديزل وزيت الوقود، وبدرجة أقل إلى البنزين. كما يحتاجون إلى معدات جديدة صالحة للخدمة لاستخراج وتجهيز الغاز والنفط والأنابيب. روسيا لديها كل هذا. ومسألة الإمدادات تتعلق بكميات وشروط التوريد، والأفضليات والضمانات في المقابل».

ووفقاً لمصدر تحدث مع صحيفة «فيدوموستي»، من بين القضايا الملحة التي نوقشت في دمشق مع الوفد الروسي، مشاركة الخبراء الروس في إعادة إعمار الاقتصاد الذي دمرته الحرب. وزاد: «لا تزال مسألة الحفاظ على القواعد الروسية في محافظتي اللاذقية وطرطوس أساسية ومحورية، لكنها الآن ليست المسألة الوحيدة بالنسبة لموسكو ودمشق».

وفقاً لبعض الخبراء الذين تحدثوا مع الصحيفة، «تتوقع السلطات السورية، مقابل ضمانات للقواعد العسكرية الروسية والعسكريين، الحصول على الوقود مجاناً تقريباً. كما أن هناك مطالب بشأن عودة الفنيين الروس لإعادة تشغيل حقول الغاز والنفط وتشغيلها».

في هذا الإطار، ومع التركيز على ملفات الطاقة، وتأهيل بعض البنى التحتية، ودفع عمليات تزويد دمشق بمستلزمات طبية وأدوية وأغذية، وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية، بما يشمل أيضاً وفقاً لاقتراح قدمه نوفاك، «استئناف عمل اللجنة الحكومية الدولية للتعاون التجاري والاقتصاد، وتضع موسكو بين أولويات إعادة ترتيب العلاقة إطلاق تعاون مفيد لسوريا»، لجهة «الإفادة من القدرات الفريدة لموسكو في تنظيم منصة للحوار مع الأطراف المختلفة».

واقترح نوفاك أن تستخدم السلطات السورية الجديدة قدرات روسيا التفاوضية لحل القضايا مع إسرائيل والمجموعات والمكونات السورية المختلفة. انطلاقاً من أن موسكو لديها علاقات مع كل الأطراف وقادرة على لعب دور إيجابي في هذا الشأن. وقال لوكالة أنباء «تاس»: «نشارك دمشق مخاوفها إزاء الأعمال التخريبية الإسرائيلية. كما نعرب عن قلقنا إزاء اندلاع أعمال عنف دورية ضد الأقليات الدينية والقومية (…). وفي هذا الصدد، أود أن ألفت الانتباه إلى القدرات التفاوضية الفريدة لروسيا، التي تحافظ على اتصالات مع القيادة الإسرائيلية وممثلي جميع المجموعات العرقية في سوريا. ونقترح استخدام هذا العامل لإحداث تأثير إيجابي على استقرار الوضع في الجمهورية».

اللافت أن هذا الحديث يأتي منسجماً مع فكرة تسيير دوريات روسية في بعض المناطق، وكانت موسكو قد قامت قبل أسابيع بتسيير دورية في القامشلي للمرة الأولى بتنسيق مع دمشق، وتجاهلت قوات «قسد». ولم يستبعد مصدر روسي أن تتسع هذه التجربة لتسيير دوريات في بعض مناطق الساحل والجنوب في سوريا، فضلاً عن إشارة إلى أهمية إعادة تفعيل تفاهمات مع إسرائيل والأمم المتحدة لتسيير دوريات في منطقة الشريط الفاصل في الجولان.

وبدا أن هذا المدخل يشكل الأولوية الثانية لموسكو في ملف إعادة ترتيب العلاقة؛ لأنه يضع أسساً لإعادة تقويم الوجود العسكري الروسي في سوريا بشروط جديدة تخدم مصالح الطرفين، وتؤسس لتعاون أعمق من دون إثارة حفيظة أطراف إقليمية أو دولية.

في الملف الثالث الذي يحظى باهتمام موسكو، برزت دعوة الرئيس أحمد الشرع للمشاركة في القمة الروسية – العربية الأولى التي تنعقد في العاصمة الروسية، أواسط الشهر المقبل. وتعول موسكو كثيراً على هذه المشاركة في إطار احتمال ترتيب مباحثات للرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع، لوضع خريطة طريق لإطلاق علاقات جديدة على مختلف الصعد.

في هذا الإطار، قال نوفاك إن موسكو تولي اهتماماً خاصاً بأن يكون التمثيل السوري في القمة على المستوى الرئاسي، وترحب بزيارة الرئيس الشرع إلى روسيا.

إلى جانب هذه العناصر، يبرز عدد من الملفات المرشحة لتطوير التعاون فيها بسرعة قياسية، بينها إعادة بناء التعاون في المجالات الثقافية والعلمية والتعليمية. ووفقاً لمجلس الوزراء الروسي، يدرس حالياً أكثر من 4000 مواطن سوري في الجامعات الروسية، مما يوفر أساساً جيداً لتدريب الكوادر الوطنية المؤهلة.

قبل شهر من زيارة نوفاك إلى دمشق، في أوائل أغسطس (آب)، زار وفد سوري رفيع المستوى موسكو لأول مرة منذ الإطاحة بالأسد. ترأس الوفد وزير الخارجية أسعد الشيباني. ووصل برفقته وزير الدفاع السوري الجديد، اللواء مرهف أبو قصرة.

وأسفرت اللقاءات مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن تفاهم على «مراجعة» الاتفاقيات الثنائية، واستئناف عمل اللجنة الحكومية الدولية. وناقش أبو قصرة مع وزير الدفاع أندريه بيلوسوف، «آفاق التعاون بين وزارتي الدفاع، والوضع في الشرق الأوسط» وفقاً لبيان وزارة الدفاع.

الشرق الأوسط

——————————————–

ماضٍ ثقيل.. أين تمضي علاقات دمشق وموسكو؟/ حسن إبراهيم

نشر في 13 سبتمبر ,2025

بدأت ترتسم ملامح علاقات سياسية جديدة بين روسيا وسوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، في ظل حمولة تاريخية وماضٍ سياسي ودموي مقلق، إذ لعبت موسكو خلال السنوات الماضية الدور الأكبر في تعويم الأسد سياسيًا، وحاولت إعادة تأهيله على المستوى الإقليمي والدولي، وعسكريًا بقتل السوريين وتغيير دفة وموازين المعارك ومناطق السيطرة.

من أبرز ما كُشف بشأن العلاقة بين دمشق وموسكو، ما أعلنه الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 12 من سبتمبر/أيلول الحالي، عن انعقاد مفاوضات جرت مع روسيا خلال معركة “ردع العدوان” التي أدت إلى سقوط نظام الأسد، وقضت بانسحاب الروس من المشهد العسكري حين وصلت الفصائل العسكرية مدينة حمص وسط سوريا، ما أثّر بشكل إيجابي على المعركة.

زيارة وفد روسي إلى دمشق في 9 من سبتمبر/أيلول الحالي، كانت الأحدث في مسار العلاقات، برئاسة ألكسندر نوفاك نائب رئيس الوزراء الروسي، وهو الممثل الدائم للرئيس فلاديمير بوتين لشؤون الطاقة، ومعه ممثلون عن أكثر من 13 وزارة مختلفة، منها الدفاع والخارجية.

دخلت العلاقات بين الجانبين مرحلة جديدة تتشابك فيها الملفات ضمن بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، حيث تمر سوريا ما بعد الأسد بوضع هشّ وغير مستقر تتخلله انتهاكات إسرائيلية وتوغلات في الأراضي السورية. في حين تسعى دمشق اليوم إلى ترسيخ موقعها كدولة مستقلة، تحاول تحقيق توازن دقيق بين مختلف الأطراف الفاعلة.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على مسار العلاقات السورية-الروسية انطلاقًا من الزيارة الأخيرة إلى دمشق، ونناقش مع خبراء وباحثين أبرز الملفات المطروحة للتعاون بين الجانبين، إلى جانب الملفات التي لا تزال تواجه تحفّظات من أحد الطرفين أو كليهما، مع استشراف مستقبل العلاقات بين دمشق وموسكو، وتأثيرها المحتمل على وتيرة وواقع الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية.

ذاكرة من دمٍ ونار

بدأت العلاقة بين سوريا وروسيا (الاتحاد السوفييتي سابقًا) منذ خمسينيات القرن الماضي، لكنها تطورت بشكل ملحوظ بعد وصول حزب “البعث” إلى السلطة عام 1963، وقدّم السوفييت دعمًا سياسيًا وعسكريًا متزايدًا، شمل تسليح الجيش السوري وبناء منشآت استراتيجية، مقابل تعزيز نفوذهم في الشرق الأوسط. ومع وصول حافظ الأسد الحكم عام 1971، تعمّقت الشراكة أكثر، واستمرت العلاقة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

ومع بداية الثورة السورية عام 2011، كانت روسيا الحليف الأبرز لبشار الأسد، وقدّمت له دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، فكان التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 نقطة فارقة غيّرت موازين القوى على الأرض، وساهمت بحماية نظام الأسد من السقوط وتمكينه من استعادة السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، وكانت روسيا ملاذه الأخير حيث احتضنته على أراضيها تحت بند “اللجوء الإنساني”.

وخلال هذا التدخل العسكري، حوّلت روسيا الأراضي السورية إلى مختبر لاستخدام معظم أنواع الأسلحة وارتكبت مجازر بحق المدنيين، واستهدفت الضربات الجوية منشآت حيوية، من بينها مستشفيات ومدارس وأسواق ومداجن ومحطات مياه وشبكات كهرباء واتصالات، ما أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في سوريا.

سجل روسيا الأسود: روسيا البوتينية.. الصعود عالميًا على أشلاء السوريين وثروات بلادهم

ومنذ بداية التدخل العسكري الروسي في 30 من سبتمبر/أيلول 2015 وحتى أغسطس/آب 2021، نفذ الطيارون الروس أكثر من 100 ألف طلعة جوية قتالية في سماء سوريا. وتم استخدام وتجريب 231 نوعًا مختلفًا من الأسلحة الروسية، وذلك حتى آذار/مارس 2021.

وفي تقريرها السنوي التاسع عام 2024، عن أبرز انتهاكات القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري في سوريا، وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 6969 مدنيًا، 44% منهم أطفال ونساء، و1251 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، وما لا يقل عن 125 هجومًا بأسلحة حارقة على يد القوات الروسية.

كما واصلت روسيا قتل المدنيين حتى الأيام الأخيرة من هروب بشار الأسد، وشنّت طائراتها غارات جوية بوتيرة أقل من السابق على أحياء سكنية بالتزامن مع عملية “ردع العدوان” التي انطلقت في 27 من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، واستمرت 11 يومًا، وأدت إلى سقوط نظام بشار الأسد.

ومنذ مارس/آذار 2011، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن أكثر من 15 مرة، ضد قرارات أممية تدين نظام بشار الأسد، ومنعت إحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو التحقيق باستخدام الأسلحة الكيميائية، أو السماح بآليات لمرور مساعدات إنسانية إلى مناطق سورية.

اقتصاديًا، أبرمت روسيا مع النظام السابق عدة عقود معظمها كانت بالغة الأهمية، أبرزها كانت في 25 من أبريل/نيسان 2019، حيث وقعت حينها شركة “ستروي ترانس غاز” (CTG) الروسية الخاصة عقدًا يتيح لها استثمار مرفأ طرطوس لمدة 49 عامًا. في حين أنهت الإدارة السورية الجديدة عقد الاستثمار في يناير/كانون الثاني 2025.

وفي أبريل/ نيسان 2018، حصلت شركة “ستروي ترانس غاز” على عقد لاستخراج الفوسفات من مناجم “الشرقية” في تدمر، لمدة 50 عامًا، بإنتاج 2.2 مليون طن سنويًا، فضلًا عن سلسلة عقود واسعة النطاق في مجالات عدة.

ومنذ انطلاق معركة “ردع العدوان” انسحبت روسيا من الكثير من مواقعها العسكرية المتوزّعة في أنحاء سوريا واكتفت بقاعدتي حميميم وطرطوس، إذ كانت تملك 114 موقعًا عسكريًا حتى منتصف عام 2024، متوزعة على 21 قاعدة و93 نقطة عسكرية.

تحركات لإعادة ضبط العلاقة

بدأ التطور اللافت في العلاقات بين الإدارة السورية الجديدة وروسيا بعد يومين من انطلاق عملية “ردع العدوان”، حين وجّهت حكومة “الإنقاذ” العاملة في إدلب رسالة إلى روسيا، أكدت فيها أن الثورة السورية لم تكن يومًا ضد أي دولة أو شعب، بما في ذلك روسيا، وليست طرفًا بما يجري في الحرب الروسية الأوكرانية.

حكومة “الإنقاذ” التي كانت المظلة السياسية لـ”هيئة تحرير الشام”، اعتبرت روسيا “شريكًا محتملًا” في بناء مستقبل مشرق لسوريا، ودعتها إلى عدم ربط المصالح بالنظام السوري، أو شخص بشار الأسد، بل مع الشعب السوري، الذي يسعى لبناء علاقات إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع كل دول العالم، بما في ذلك روسيا.

البيان كان التغيير الأول والأبرز في موقف “هيئة تحرير الشام” التي قادت معركة “ردع العدوان”، تجاه روسيا، التي لطالما نظرت لها الفصائل الثورية على أنها عدو وقوة احتلال ساندت النظام الذي قتل وهجّر ملايين السوريين، معتبرة أن مقاومتها مشروعة بجميع الوسائل.

علاقتنا مع روسيا وإيران يحددها الشعب السوري

بعد ذلك، اتخذت الإدارة السورية خطوات بطيئة وحذرة تجاه روسيا، مقارنة بتحركاتها الأسرع نحو دول أخرى، وبادلت موسكو دمشق خطوات مشابهة، اتسمت بالتريث، فبعد أيام قليلة من هروب بشار الأسد، أعلنت روسيا تعليق تصدير القمح إلى سوريا “حتى إشعار آخر“، مشيرة إلى “عدم اليقين بشأن السلطة الجديدة”، وتأخر سداد المستحقات المالية.

ورغم هذه الأجواء الفاترة، وصلت أول شحنة أموال سورية من روسيا إلى مطار دمشق الدولي في 14 من فبراير/شباط الماضي، دون توفر معلومات دقيقة حول كميتها أو مصدرها، سواء كانت نتيجة عمليات طباعة جديدة أو أموالًا مصادرة أعيد تحويلها. وتلتها شحنة ثانية في 6 من مارس/آذار الماضي، وسط ترجيحات بوصول شحنات إضافية خلال الأشهر المقبلة.

وتستعد السلطات السورية لإصدار أوراق نقدية جديدة في 8 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، بالاتفاق مع شركة “جوزناك” الروسية المملوكة للدولة والمتخصصة بطباعة العملات، على طباعة الإصدار الجديد، والذي سيشمل حذف صفرين من العملة الوطنية.

كما وصلت شحنة من القمح الروسي إلى ميناء اللاذقية، في 20 من نيسان/أبريل الماضي، بلغت كميتها 6600 طن، ووصفت بأنها “إجراء لمرة واحدة فقط”، وليست ضمن خطة استئناف منتظمة لتوريد القمح. إلا أن كميات إضافية بدأت تصل لاحقًا، من دون إعلان رسمي عن الجهة المستوردة.

وفي سياق التحركات نفسها، أرسلت روسيا ناقلات نفط إلى سوريا، بدأت أولها في 20 مارس/آذار الماضي، محملة بنحو 100 ألف طن من النفط الخام، وصلت إلى ميناء بانياس، في خطوة فُسرت كجزء من دعم تقني محدود ومبادرات “حُسن نية”.

الزيارة الثانية بعد هروب الأسد

في 9 من سبتمبر/أيلول الحالي، وصل الوفد الروسي إلى دمشق برئاسة ألكسندر نوفاك، وضم في عضويته وزير البناء والإسكان إيريك فايزولين، إلى جانب ممثلين عن عدد من الوزارات الروسية، من بينهم نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف، ونائب وزير الخارجية، سيرجي فيرشينين.

ومن الجانب السوري، شارك في اللقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني، والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة، ورئيس هيئة الأركان علي النعسان، ووزراء الصحة والمالية والاقتصاد والصناعة، وممثلين عن عدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية.

    “بين من يعتبرها خطوة سياسية ضرورية لمصلحة #سوريا، ومن يراها جانبًا غير موثوق”… مراسل #نون_سوريا يرصد آراء السوريين بعد زيارة وفد روسي رفيع المستوى إلى #دمشق اليوم والحديث عن عودة العلاقات مع #روسيا. pic.twitter.com/LHXq0uChNb

    — نون بوست (@NoonPost) September 9, 2025

وتناول لقاء الوفد السوري والروسي التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة، حيث قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن “علاقتنا مع روسيا عميقة ومرت بمحطات صداقة وتعاون، لكن التوازن لم يكن حاضرًا دائمًا”، وأضاف أن “أي وجود أجنبي على أرضنا يجب أن تكون غايته مساعدة الشعب السوري على بناء مستقبله”.

كما تطرّق الوزير إلى الاستهدافات الإسرائيلية للأراضي السورية، واعتبرها تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، وشدد  على أهمية العلاقات مع روسيا كشريك أساسي في دعم جهود إعادة الإعمار.

في المقابل، قال نوفاك إن موسكو قادرة على استغلال شبكة علاقاتها في الشرق الأوسط لمساعدة الحكومة السورية، وشدد على “القدرات التفاوضية الفريدة لروسيا” التي تبقي على اتصالات مع إسرائيل وجميع المجموعات العرقية في سوريا، مقترحًا “استغلال هذا العامل لاستقرار الوضع في سوريا”.

واعتبر نوفاك أن زيارته تمثل فرصة جيدة لبحث جميع أوجه التعاون بين روسيا وسوريا، قائلًا إن روسيا تشاطر الحكومة السورية مخاوفها إزاء أفعال إسرائيل “المدمّرة”، ومنها الغارات الجوية، كما اقترح استئناف عمل اللجنة الحكومية الدولية للتعاون التجاري والاقتصادي، التي “أثبتت أنها أداة جيدة لتوسيع علاقاتنا، وخاصة في المجال الاقتصادي” حسب قوله.

ووصف بيان الحكومة الروسية زيارة الوفد بأنها “زيارة عمل“، حيث بحث الطرفان آفاق التفاعل بين البلدين في كامل نطاق مجالات التعاون الثنائي، مع إشارة الجانب الروسي إلى إمكانية تقديم المساعدة في ترميم البنية التحتية وتقديم المساعدات الإنسانية. كما نوقش التعاون في المجالات الثقافية والعلمية والتعليمية.

واختُتمت الزيارة بلقاء جمع الوفد الروسي بالرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، تبعه إعلان رسمي يؤكد أن الرئيس الشرع، سيترأس وفد سوريا في القمة الروسية العربية الأولى، المقررة في موسكو بتاريخ 15 من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

“من عدو إلى صديق”

لم تتضمن البيانات الرسمية التي صدرت عقب زيارة الوفد الروسي إلى دمشق أي إشارات إلى الملفات الحسّاسة التي لا تزال عالقة في ذاكرة السوريين، وعلى رأسها دماء الضحايا، ومصير الاتفاقيات السابقة مع موسكو، وما إذا كانت ستظل سارية، إضافة إلى مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، وإمكانية الانسحاب الكامل، فضلًا عن موقف روسيا من مصير بشار الأسد وتسليمه.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، ذكرت وكالة “رويترز” أن الرئيس الشرع طلب من موسكو تسليم بشار الأسد، مشيرة إلى أن الإدارة الجديدة شددت على أن استعادة العلاقات بين سوريا وروسيا يجب أن تعالج أخطاء الماضي، وتحترم إرادة الشعب السوري وتخدم مصالحه.

وتعد هذه الزيارة الثانية لوفد روسي إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وذلك بعد الزيارة الأولى التي جرت في 29 من يناير/كانون الثاني الماضي، برئاسة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف. في المقابل، كان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، قد زار موسكو للمرة الأولى في 31 يوليو/تموز الماضي.

وفي 12 من فبراير/ شباط الماضي، أجرى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الشرع، جرى خلاله “تبادل معمق للآراء حول الوضع الحالي في سوريا”، مع تأكيد بوتين موقفه الداعم “لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الدولة السورية”، واستعداد بلاده لمواصلة المساعدة في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، بما في ذلك تقديم المساعدات الإنسانية، وفق مكتب الرئاسة الروسية (الكرملين).

    “لا نية عدوانية تجاه إسرائيل، لكن لا نقبل تدخلها ولا اللعب بورقة الأقليات”.. تصريحات غير مألوفة لوزير الخارجية السوري في موسكو.. هل تعيد دمشق ضبط تحالفاتها الأمنية مع روسيا؟pic.twitter.com/6us0SMn3NR

    — نون بوست (@NoonPost) August 2, 2025

الباحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، يقول لـ”نون بوست” إن العلاقات الروسية السورية تقف اليوم على عتبة تاريخية جديدة لم تعرفها منذ عقود طويلة، مضيفًا أن سقوط النظام السابق في دمشق فتح الباب أمام مرحلة مغايرة تمامًا، لا تشبه ما قبلها، إذ إن القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع تتطلع إلى صياغة علاقات دولية متوازنة تقوم على المصالح الوطنية، وعلى دعم عملية إعادة بناء الدولة السورية على أسس عصرية ومؤسساتية.

وفي هذا السياق، يرى بريجع أن الحضور الروسي في دمشق على مستوى رفيع يشكّل رسالة واضحة بأن موسكو ليست مجرد قوة عابرة في المنطقة، بل شريك استراتيجي يرى في سوريا نقطة ارتكاز حقيقية في الشرق الأوسط.

ويضيف الباحث أن أهم ما يمكن ملاحظته أن هذا التحول في العلاقة ليس وليد اللحظة، بل له جذور ممتدة في التاريخ، مذكّرًا بالحقبة السوفيتية، حين كانت سوريا إحدى أهم الدول العربية التي حظيت بدعم عسكري وسياسي واقتصادي مباشر من موسكو، فقد تعلّم آلاف السوريين في الجامعات السوفيتية، وتدرّب مئات الضباط في المدارس العسكرية الروسية، بينما أُقيمت مشاريع صناعية وزراعية بدعم وتقنيات سوفيتية.

هذا الإرث، كما يقول بريجع، لم يختفِ مع انهيار الاتحاد السوفيتي، بل بقي حاضرًا في الذاكرة السورية بوصفه دليلًا على أن روسيا، على خلاف الولايات المتحدة أو أوروبا، كانت دائمًا شريكًا ثابتًا وموثوقًا، معتبرًا أن هذا العامل النفسي والسياسي يلعب اليوم دورًا حاسمًا في دفع القيادة السورية الجديدة إلى تعزيز روابطها مع موسكو.

من جانبها، ترى الباحثة اليونانية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط إيفا كولوريوتي، أن الحكومة السورية الجديدة أصبح لديها رؤية أوضح وأشمل لعلاقاتها مع الدول الإقليمية والدولية، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات، أولها الحلفاء الاستراتيجيون، الذين تعتمد عليهم دمشق بشكل حاسم سياسيًا واقتصاديًا، وحتى عسكريًا، بقيادة المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا.

وتضيف كولوريوتي في حديثها لـ”نون بوست” أن المستوى الثاني من العلاقات يشمل “الأصدقاء”، وهم داعمون أساسيون تسعى دمشق للحفاظ على مناخ إيجابي معهم، بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، بينما يشمل المستوى الثالث “الأعداء”، والذين لا ترغب دمشق في التفاعل معهم إلا عند الضرورة القصوى، وهما إيران و”إسرائيل”.

وتعتقد الباحثة أن روسيا تسعى اليوم إلى التموضع في المستوى الثاني، لتصبح صديقًا تثق به دمشق، بل وتعتمد عليه، كخطوة نحو إحياء العلاقات الإيجابية والاستراتيجية بين البلدين التي استمرت لعقود. كما ترى أن أهمية تركيا، من وجهة نظر دمشق، تفوق بكثير أي خطوات تقارب مع روسيا.

أربعة ملفات ركيزة للتعاون

تأتي المساعي السورية الروسية لتنسيق العلاقات بين البلدين في ظل ملفات شائكة ومتشابكة بينهما، وسط أزمات اقتصادية وتوترات أمنية تعيشها سوريا، وإرث ثقيل من حكم عائلة الأسد وقطاعات متهالكة وأزمة إنسانية مستمرة منذ 14 عامًا، حيث يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، وكانت روسيا جزءًا من هذه الأزمة.

وفي أول تعليق بعد سقوط الأسد حول علاقة سوريا مع الجانب الروسي، قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، إن روسيا تُعدّ ثاني أقوى دولة في العالم، وإن العلاقات السورية- الروسية قائمة على مصالح استراتيجية تجعلها أولوية في السياسة الخارجية لدمشق، موضحًا أن الإدارة الجديدة لا تسعى إلى إقصاء روسيا من سوريا بما يتعارض مع طبيعة العلاقة التاريخية بين البلدين.

    وكالة سبوتنيك: الرئيس #أحمد_الشرع سيترأس الوفد السوري في القمة الروسية – العربية المقرر عقدها في موسكو الشهر القادم.#سوريا pic.twitter.com/O5WHrU3huG

    — نون سوريا (@NoonPostSY) September 10, 2025

وعلى وقع الزيارة الروسية الأحدث، نقلت صحيفة “فيدوموستي” الروسية عن مصدر لم تسمّه أن قضية الحفاظ على القواعد الروسية في محافظتي اللاذقية وطرطوس تظل أساسية ومركزية، لكنها لم تعد القضية الوحيدة بالنسبة لموسكو ودمشق. ويقول نيكولاي سوخوف، الباحث البارز في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لأكاديمية العلوم الروسية، في تصريح للصحيفة نفسها، إن السلطات السورية تتوقع الحصول على الوقود مجانًا تقريبًا مقابل تقديم ضمانات للقواعد العسكرية الروسية والعسكريين.

وفي ظل هذا السياق التاريخي، يرى الباحث ديميتري بريجع في حديثه لـ”نون بوست” أن أربعة ملفات واضحة تتبلور ويمكن أن تكون ركيزة التعاون الروسي السوري في المرحلة المقبلة وهي:

أولًا، إعادة الإعمار، وهو الملف الأول والأكثر إلحاحًا، فسوريا التي دُمّرت بنيتها التحتية على مدى أكثر من عقد تحتاج اليوم إلى استثمارات ضخمة وخبرات تقنية هائلة. وتمتلك روسيا القدرة والخبرة للدخول في هذا القطاع، من إعادة بناء محطات الكهرباء وشبكات المياه إلى ترميم الجسور والمطارات والمرافئ.

ويقول بريجع إن كل مشروع من هذا النوع لا يعني مجرد إنجاز هندسي، بل يحمل دلالات سياسية بأن روسيا شريك حقيقي في إعادة بناء سوريا الجديدة.

ثانيًا، ملف الطاقة، فسوريا بلد غني بالموارد، لكنه يحتاج إلى إعادة تأهيل منشآته النفطية والغازية والكهربائية، وهنا تلعب الشركات الروسية دورًا محوريًا، سواء في مجال التنقيب أو في تحديث المصافي أو في بناء محطات توليد جديدة. وأي خطوة روسية في هذا المجال ستُنظر إليها داخليًا وخارجيًا على أنها تأكيد لمكانة موسكو كضامن للطاقة في سوريا، وهو ما يمنحها وزنًا إضافيًا في حسابات المنطقة.

ثالثًا، ملف الأمن والدفاع، فصحيح أن المرحلة السابقة اتسمت بوجود روسي عسكري مباشر في سوريا، لكن الوضع الآن مختلف، فالقيادة السورية الجديدة لا تريد أن تبقى مرتهنة لوجود عسكري أجنبي، بل تسعى لإعادة بناء جيش وطني قوي قادر على حماية الحدود والسيادة.

ويتعلق الملف الرابع ببناء المؤسسات والدعم السياسي، إذ تحتاج سوريا الجديدة إلى مؤسسات قوية وفعالة تعكس تطلعات الشعب وتلبي متطلبات المرحلة الانتقالية، وتستطيع موسكو أن تقدم خبرة واسعة في مجالات الإدارة العامة، بناء الهياكل القانونية، صياغة استراتيجيات التنمية، والتعاون مع الكوادر المحلية لتأهيل جيل جديد من الإداريين والسياسيين القادرين على قيادة البلاد نحو مستقبل مستقر.

وهذا الجانب لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي أو العسكري، لأنه يضمن أن العلاقة بين موسكو ودمشق لن تبقى رهينة للظروف الطارئة، بل ستتحول إلى علاقة مؤسساتية راسخة، وفق الباحث.

وتؤكد الباحثة إيفا كولوريوتي أن ملفات رئيسة شكّلت بوابة لعودة الأجواء الإيجابية بين دمشق وموسكو، أولها العملة السورية التي تُطبع في موسكو، وثانيها القواعد الروسية على الساحل السوري وأهمية بقاء روسيا قريبة من دمشق وعدم الانحياز إلى أي جهات تسعى لزعزعة استقرار الوضع الأمني على الساحل السوري، وثالثها قضية الطاقة وإعادة الإعمار.

روسيا وتوازن الردع أمام الانتهاكات الإسرائيلية

بالتزامن مع هذه الظروف الصعبة، تتواصل الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مع توغلات في قرى وبلدات ريف القنيطرة وإقامة قواعد عسكرية، وضربات تستهدف القدرات العسكرية ومخازن الأسلحة، تحت ذرائع عدة.

وتتمسك الإدارة السورية الجديدة بالحلول السياسية والدبلوماسية، والتأكيد على العودة لاتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، إذ قال الرئيس الشرع، في 14 من ديسمبر/كانون الأول 2024، إن حجج إسرائيل انتهت، معتبرًا أنه لا توجد حجج لتدخل خارجي الآن في سوريا بعد إنهاء الوجود إيران في البلاد، وأكد أنه لا ينوي خوض صراع مسلح مع “إسرائيل”.

ومن جهة أخرى، كانت هناك تفاهمات بين روسيا و”إسرائيل” حيال الملف السوري قبل سقوط نظام الأسد، وتنامى دور موسكو بشكل ملحوظ بعد عملية “طوفان الأقصى”، حيث سيّرت روسيا دوريات عسكرية على الحدود بين “إسرائيل” وسوريا، وثبّتت نقاط مراقبة على طول الخط الفاصل مع هضبة الجولان المحتل، ما يشير إلى إمكانية أن تلعب موسكو دورًا في وقف أو تقليل الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا مستقبلًا.

ويرى الباحث ديميتري بريجع أن الدور الروسي يبرز في ملف الأمن والدفاع من خلال التدريب، نقل الخبرات، تزويد الجيش السوري بتقنيات دفاعية حديثة تساعده على تقليل حجم الخسائر والتصدي للتهديدات الجوية والصاروخية، معتبرًا أن هذا النوع من التعاون سيُسهم بشكل مباشر في التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.

وعن الانتهاكات الإسرائيلية، يضيف الباحث أنها تظل تحديًا حقيقيًا للقيادة السورية الجديدة، إذ اعتادت “إسرائيل” أن تنفذ ضربات جوية داخل الأراضي السورية بحجة مواجهة النفوذ الإيراني أو منع نقل أسلحة نوعية إلى أطراف أخرى. لكن مع وجود سلطة جديدة في دمشق، ومع دعم روسي متزايد في مجالات الدفاع الجوي والتنسيق الأمني، يمكن أن يتغيّر ميزان الردع تدريجيًا.

ويرى الباحث أن هذا التهديد الإسرائيلي لن يختفي بشكل كامل، لكن من الممكن أن تنخفض وتيرته وأن يصبح أكثر انتقائية وحذرًا، خاصة إذا شعرت تل أبيب أن موسكو تقف بقوة خلف حليفها السوري.

ويضيف صحيح أن روسيا لن تدخل في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، لكنها قادرة على خلق توازن جديد يجعل الانتهاكات الإسرائيلية أكثر صعوبة وكلفة. بالنسبة لسوريا، هذا يعني تعزيز الثقة بقدرتها على الدفاع عن أراضيها، وبالنسبة لروسيا، هذا يعزز صورتها كحامٍ لحلفائها في الشرق الأوسط”.

وبحسب أندريه غروزين، رئيس قسم آسيا الوسطى وكازاخستان في معهد دول رابطة الدول المستقلة، فإن توسع “إسرائيل” في عدوانها يدفع جيرانها في المنطقة إلى إعادة تقييم شراكاتهم بعناية أكبر. فهم بحاجة إلى البحث عن مراكز قوة جديدة، يمكنهم من خلالها ضمان أمنهم، بل وتطوير اقتصادهم أيضًا، كما أوضح في حديثه لموقع “Взгляд” الروسي.

ماذا عن تركيا؟

يُعد الدور التركي في الملف السوري من بين الأبرز والأكثر تأثيرًا، لا سيما بعد معركة “ردع العدوان”، حيث لعبت أنقرة دورًا بارزًا في دعم الحكم الجديد للبلاد، وتعد أبرز حلفائه. كما دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دعم سوريا ماديًا ومعنويًا من العالمين العربي والإسلامي، بالإضافة إلى رفع العقوبات المفروضة عليها. وزاد التنسيق بين الجانبين السوري والتركي في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، بالتزامن مع انحسار وتقليص النفوذ الروسي والإيراني.

وتنخرط تركيا كذلك في ملفات داخلية حساسة، أبرزها ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي البلاد، إذ ترفض أنقرة بشكل قاطع أي صيغة سياسية أو عسكرية يمكن أن تُمنح بموجبها شرعية لـ”قسد” ككيان منفصل.

كما لعبت تركيا دورًا غير مباشر في عدد من بؤر التوتر الداخلي، من بينها ما شهدته محافظة السويداء من مواجهات بين فصائل محلية وعشائرية وقوات حكومية، حيث جرى التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا و”إسرائيل”، وكانت تركيا من الدول التي تبنّت الاتفاق.

وأثار النفوذ التركي المتصاعد قلق “إسرائيل” التي اعتبرته تهديدًا لأمنها، وظهرت ملامح صدام جديد على الأراضي السورية، لتُعقد جولة مفاوضات بين أنقرة وتل أبيب في العاصمة الأذربيجانية باكو، تركزت حول التوتر بين الطرفين بشأن الدور التركي المتزايد في سوريا.

    شملت عمليات تأهيل لموقع تمركز طائراتها في المطار.. #روسيا تعزز وجودها في #القامشلي.. ما التفاصيل؟ pic.twitter.com/nGQpRZA49j

    — نون سوريا (@NoonPostSY) August 13, 2025

وفي 13 من أغسطس/آب الماضي، وقّعت وزارتا الدفاع في سوريا وتركيا اتفاقية للتعاون العسكري، تتضمن دورات تدريبية وبرامج دعم فني تهدف إلى تطوير قدرات الجيش السوري. ووفق ما أعلنته أنقرة في 11 من سبتمبر/أيلول الجاري، فقد بدأت بالفعل بتنفيذ برامج التدريب وتقديم الاستشارات العسكرية، نافية في الوقت ذاته صحة تعرض قواتها في سوريا لضربات إسرائيلية.

وفي ظل هذا التداخل المعقّد، تسعى روسيا بدورها للحفاظ على حضور في سوريا، وكانت تربطها علاقات تنسيق مع تركيا لا سيما بالملف السوري، لكنها تغيرت بعد سقوط الأسد، مع وجود خلافات بين الجانبين، خاصة فيما يتعلّق بملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد” الموجودة شمال شرقي سوريا.

واستخدمت روسيا خلال السنوات الماضية الورقة السورية وسيلة ضغط في مفاوضاتها مع تركيا، حيث كانت المصالح الروسية غالبًا ما تتعارض مع المصالح التركية وتُشكّل تهديدًا لأمنها القومي، في حين ترى تركيا سوريا بنفس الأهمية التي ترى بها روسيا أوكرانيا، ما دفع أنقرة إلى التركيز على تحييد كل وسائل الضغط التي تستخدمها روسيا والدول الأخرى لتهديد استقرارها الإقليمي، وفق تقرير لمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) التركي.

استنادًا إلى الاتفاقيات والعلاقة بين دمشق وأنقرة، تصف الباحثة اليونانية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتي، تركيا بأنها حليف استراتيجي لدمشق، مؤكدة أنها تلعب دورًا محوريًا في التعامل مع اثنين من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد السوري، وهما توترات محافظة السويداء، وملف شرق الفرات المرتبط بـ”قسد”.

وتوضح كولوريوتي أن تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري بين الجانبين يعد خطوة تراها أنقرة تعزز القدرات العسكرية لدمشق، وتدفع “إسرائيل” إلى تقليص تدخلها في الساحة السورية، مما يسهم في تقليص التوترات في الجنوب السوري، خاصة في السويداء.

وبالنظر إلى الأدوار ومجالات التعاون المختلفة التي تجمع أو ستجمع سوريا بكل من تركيا وروسيا، لا ترى الباحثة إيفا كولوريوتي وجود تنافس بين أنقرة وموسكو في الملف السوري. ومع ذلك، تبذل تركيا جهودًا نشطة للحفاظ على مستوى علاقاتها مع دمشق، بما يضمن بقاؤها ضمن نطاق الشراكة الاستراتيجية ودعم هذه العلاقات، بينما تسعى موسكو لاستعادة مكانتها في الساحة السورية، التي تمثل أهمية كبيرة لنفوذها الدولي.

توازنات دقيقة و”تصفير المشاكل”

يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع إلى “تصفير المشاكل” ومعالجة الخلافات المتراكمة، فيما تعمل الحكومة الجديدة على بناء علاقات خارجية تقوم على الحوار والثقة وتجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية.

ومنذ سقوط النظام السابق، تشهد دمشق حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، في إطار إعادة تشكيل سياستها الخارجية على أسس جديدة تتجاوز إرث النظام السابق، وتركز على التعاون والتحالفات البنّاءة.

كيف أقنعت تركيا روسيا بالتخلي عن الأسد؟

هذا الانفتاح لم يكن خاليًا من الاشتراطات الغربية والأمريكية، ومطالب بالعمل على عدة ملفات منها تدمير أي مخازن متبقية من الأسلحة الكيماوية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، ومنع إيران ووكلائها من استغلال الأراضي السورية، وضمان أمن وحريات الأقليات الدينية والعرقية في سوريا، وإبعاد المقاتلين الأجانب من مناصب حكومية عليا.

وتقول الباحثة إيفا كولوريوتي لـ”نون بوست” إن روسيا وضعت نفسها اليوم كصديق للحكومة السورية الجديدة، وهو تحول عزّزه قرار البنك المركزي السوري بطباعة عملة جديدة عبر عقد مع شركة روسية. كما جاءت زيارة الوفد برئاسة ألكسندر نوفاك حاملة أبعادًا اقتصادية وسياسية وأمنية.

أما الباحث ديميتري بريجع، فيشير إلى أن القيادة السورية الجديدة تنظر بعين الحذر إلى الدول الغربية، بعدما أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن الولايات المتحدة وأوروبا ليستا شريكين يمكن الوثوق بهما، مضيفًا أن المواقف الغربية تجاه سوريا اتسمت بالتذبذب، حيث رُفعت في بعض الأحيان شعارات الحرية والديمقراطية، ثم فُرضت عقوبات اقتصادية خانقة أضرت بالمجتمع السوري أكثر مما أضرت بالنظام السابق، وفي أوقات أخرى طُرحت شروط سياسية تعجيزية مقابل أي حديث عن إعادة الإعمار.

ويرى بريجع أن هذا التناقض في السياسات الغربية جعل من الصعب على السوريين النظر إلى الغرب كمصدر موثوق للاستقرار أو التنمية. ومن هنا تنبع أهمية الدور الروسي، حيث تسعى موسكو إلى تقديم نفسها كقوة لا تربط تعاونها بمطالب خارجية أو بشروط سياسية مفروضة من الخارج.

وختم الباحث حديثه بالتأكيد على أن ما يميز هذه المرحلة هو أن القيادة السورية الجديدة لا تسعى إلى تحالفات مؤقتة أو وعود غير قابلة للتحقق، بل تبحث عن شركاء موثوقين يمكنهم تقديم حلول ملموسة. ويضيف أن روسيا، بفضل إرثها التاريخي وعلاقاتها المتجذرة في المنطقة، قادرة على لعب هذا الدور، إذا ما أحسنت توظيف مواردها وخبراتها. وفي المقابل، تحصل موسكو على موقع استراتيجي في قلب الشرق الأوسط، يفتح لها المجال للتأثير في قضايا إقليمية أوسع من الملف السوري وحده.

نون بوست

————————-

 عداء مع موسكو وحرب مع تل أبيب.. هل هذا ما يريده خصوم الإدارة الجديدة؟/ عبد القادر المنلا

2025.09.13

بعد الإطاحة بنظام الأسد، أعلن قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع، وقبل أن يستلم رئاسة الجمهورية، أنه يتطلع إلى علاقات طبيعية مع كل دول الجوار بما فيها إسرائيل، وأيضًا مع روسيا. ومنذ ذلك الحين تشكّل سؤال مفتوح لدى السوريين تجاوز شكل العلاقة مع إسرائيل، التي يمكن إجراء مفاوضات معها والوصول إلى صيغة قد تحقق السلام أو على الأقل تحييدها عن المشهد السوري. لكنه –السؤال– ركز على طبيعة العلاقة المفترضة مع روسيا وطرق التعامل معها؛ فنقمة السوريين على روسيا كانت أكبر بما لا يقاس من نقمتهم حتى على إسرائيل، وربما كانت رغبتهم بالانتقام من روسيا لا تقل عن رغبتهم بالانتقام من الأسد.

ومع تطور العلاقات بين دمشق وموسكو في الأيام الأخيرة إلى درجة زيارة وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق، ومن ثم الإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس الشرع إلى موسكو، ثارت عاصفة من الاحتجاجات والانتقادات تتناول القيادة السورية الجديدة في موقفها من إعادة فتح قنوات اتصال واسعة وعميقة مع روسيا. ولا سيما أن القيادة الروسية هي ذاتها التي كانت رأس حربة في الدفاع عن نظام الأسد، وأن مشاركتها في قتل السوريين وإبادتهم وتهجيرهم لا يمكن محوها من الذاكرة القريبة أو نسيانها بهذه السهولة. لم يتغير النظام في موسكو، ولم تتغير القيادات التي كانت تشرف على قتل السوريين، فكيف للإدارة السورية الحالية أن تقيم علاقات ودية معها؟ وهل يحق لهذه الإدارة أن تتناسى الجرائم التي ارتكبتها موسكو بحق السوريين أو تعفو عنها بقرار منفرد ودون الرجوع إلى الشعب، أي إلى ضحايا الآلة العسكرية الروسية والماكينة الدبلوماسية الخشنة التي لعبت دورًا كبيرًا في الدفاع عن الأسد في المحافل الدولية الكبرى، وتحديدًا في مجلس الأمن، حيث قامت روسيا أكثر من خمس عشرة مرة باستخدام الفيتو ضد أي قرار أممي يفضي إلى رحيل الأسد؟

إنها روسيا ذاتها، بطاقمها الدبلوماسي والسياسي والعسكري الذي قاتل لسنوات دفاعًا عن الأسد، تعود اليوم لتضع يدها في يد خصوم حليفها القديم، بل وخصومها القدماء ذاتهم الذين طالما وصفتهم بالإرهابيين، وشنت ضدهم وضد كل معارضي الأسد آلاف الغارات الجوية.

الاعتراضات على العلاقة الجديدة مع موسكو من قبل كثيرين تركزت أيضًا على نقطة إشكالية تتعلق بالحماية التي قدمتها موسكو ولا تزال تقدمها لبشار الأسد وللآلاف من ضباطه الذين فروا إليها، وعدم المبادرة بتسليم الرئيس المخلوع المدان بآلاف المجازر والمطلوب رقم واحد للشعب السوري.

وفي الواقع، فإن كل تلك الاحتجاجات والانتقادات تبدو مبرّرة ومنطقية، فالعلاقة الودية والعميقة التي يتم الترويج لإيجابياتها بين روسيا وسوريا بعد سقوط نظام الأسد تسبب وجعًا حقيقيًا وعميقًا للشعب السوري. لكن إدراك تناقضات الواقع السياسي المختلف كثيرًا عن العواطف من شأنه أن يسهم في تخفيف ذلك الوجع.

غير أن خصوم الرئيس أحمد الشرع يجدون في العلاقة الجديدة مع روسيا مأخذًا كبيرًا على الرئيس، الذي يتربصون له ويستثمرون كل الفرص لتحويل انتقاداتهم إلى ركيزة يمكن الاعتماد عليها للطعن فيه واتهامه بالتفريط بحقوق الشعب السوري لصالح استمراره وبقائه في السلطة.

وبصرف النظر عن رغبة هذا وذاك وطريقة تقييمهما للموقف، فإن السؤال الملح والحيادي في هذا السياق هو: هل على الإدارة الجديدة أن تؤسس لعلاقة عداء مع الروس؟ وهل عليها أن تواجه روسيا وتفرض شروطًا محددة لاستئناف العلاقة معها مثل تسليم الأسد والضباط المتورطين معه للحكومة السورية، وتعويض السوريين ماليًا ومعنويًا، وتقديم الاعتذار عما فعلته موسكو بحق السوريين؟ وما الفائدة التي يمكن تحقيقها في حين لو تعاملت الإدارة السورية بعدائية مع موسكو؟

واقعيًا لا يمكن لطائر كسير الجناح أن يقارع الدب الروسي. وحينما تستطيع سوريا الضعيفة اليوم أن تكسر صلف موسكو وتجرها للتعامل معها كدولة لا كتابع كما كانت أيام الأسد، فذلك بحد ذاته إنجاز مرحلي قد يتطور إلى حالة تصب في مصلحة السوريين في النهاية، مهما كانت تبعاته النفسية والوطنية صعبة. ذلك طبعًا ليس تبريرًا للحكومة أو نوعًا من الطبطبة على كتفها، ولكن إعلان حالة العداء لروسيا سيكون له تبعات لا يمكن لبلد يخرج من تحت الأنقاض أن يحتملها.

وإذا ارتكزنا إلى المعايير الأخلاقية، ستبدو موسكو هي الخاسر الأكبر، فهي من غيّرت مبادئها التي طالما أعلنتها وكأنها موقف أخلاقي لا يمكن أن يتغير، ومع ذلك فهي تتعامل مع أعداء الأمس الضعفاء بنوع من الندية.

إن ضعف سوريا اليوم يمكن أن يكون مبررًا لفتح صفحة علاقات جديدة مع الدول القوية التي ارتكبت جرائم ضد السوريين، في حين يبدو التنازل الروسي للإدارة السورية الجديدة هو التصرف الفاقد للمصداقية والمخالف للمبادئ الروسية التي ادعتها خلال سنوات طويلة، ولا سيما أن روسيا ليست في وضع ضعيف يجبرها على تلك العلاقة.

في الوقت ذاته، تتعرض الإدارة السورية الجديدة لحملة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول صمتها عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لسوريا واختراق سيادتها، وتسخر من مفهوم السيادة ذاته. فكيف لمن يطرح نفسه كدولة أن يصمت تمامًا عن عربدة الطيران الإسرائيلي في سماء العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية؟ وكيف لقوات إسرائيل البرية أن تسرح وتمرح على الحدود الجنوبية، وأن تدخل دوريات عسكرية إلى مناطق لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن العاصمة دمشق؟ وكيف لها أن تقصف مواقع في حمص واللاذقية وطرطوس وغيرها من المحافظات السورية من دون أن ترد القيادة السورية إلا من خلال التصريحات والإدانات؟

وفيما يبدو مناصرو الإدارة الجديدة صامتين عن الانتهاكات الإسرائيلية، تتحول الانتقادات التي يوجهها خصومها إلى سخرية لاذعة متهكمة. فهؤلاء يجدون أن ردة فعل سوريا الجديدة تشابه ما كان يفعله الأسد، وأن تصريحاتها لا تصل حتى إلى مستوى التصريحات التي كان الأسد يطلقها إثر كل انتهاك إسرائيلي للأرض السورية. وتلك الانتقادات تتشابه إلى حدود التطابق مع الانتقادات التي كانت توجه للنظام البائد، حتى فيما يتعلق بالسخرية، والهدف من كل ذلك ترويج صورة مفادها أنه لا فرق بين سوريا الأمس وسوريا اليوم، ولا فرق بين الأسد والشرع. وهذه مقولة يحاول كثيرون ترويجها ويبحثون عن أي وقائع يمكن أن تدعم مزاعمهم.

ربما تجدر الإشارة هنا إلى أن هؤلاء المنتقدين الساخرين كانوا سيوجهون ذات الانتقادات وبنفس الطريقة الساخرة في حين لو أعلنت الحكومة الجديدة حالة العداء التام مع روسيا أو الحرب على إسرائيل. ولا بد للمنتقدين من مراعاة الواقع الذي يفرض على سوريا كثيراً من الشروط القاسية. ولو أن أحدًا من هؤلاء المنتقدين كان على رأس هرم السلطة في سوريا في هذا الوقت، وبذات الإمكانات التي تمتلكها سوريا والظروف التي تمر بها، فهل سيكون أمامه خيارات أخرى؟ هل سيسعى إلى علاقات عدائية مع روسيا؟ وهل سيواجه إسرائيل عسكريًا؟

كانت السخرية على نظام الأسد فيما يتعلق بموقفه من الضربات الإسرائيلية مشروعة ومبررة؛ ذلك أن النظام البائد هو من جعل من نفسه مجالًا للسخرية من خلال الصيغة المضحكة التي اعتمدها وكررها لسنوات طويلة: “الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين”، مع معرفته بأن الزمان والمكان لن يأتيا أبدًا. فضلًا عن أن تكرار هذا التصريح كرد فعل وحيد من قبل الأسد على كل ضربة إسرائيلية حوّله إلى جملة كوميدية ترسخت في أذهان السوريين كمرجعية كافية لإثارة السخرية. فالنظام كان يعي جيدًا عجزه عن الرد، ويعي أيضًا وعي السوريين بهذا العجز، ومع ذلك كان يردد الجملة كنموذج ثابت وصيغة جاهزة إثر كل قصف وكل اعتداء.

لقد ابتدأت الضربات الإسرائيلية على سوريا منذ زمن طويل، يمتد إلى ما قبل الثورة السورية بسنوات. وربما كانت قضية “الاحتفاظ بحق الرد” حينها صيغة سياسية دبلوماسية مقبولة، تواسي السوريين –ولو كذبًا– في الإهانات التي يشعرون بها من جراء القصف، وتحمل صيغة تهديد لإسرائيل توحي بأن الجيش السوري يجهز نفسه لخوض مواجهة معها. حيث كان جيش النظام في أحسن حالاته حينها –أو هكذا كان يبدو–، وكان لديه كل الإمكانات كجيش نظامي متكامل الوحدات والفرق على مستوى التشكيلات البرية والجوية والبحرية. فضلًا عن أن نظام الأسد كان جزءًا من الحلف الذي ادعى المقاومة والممانعة، وكان لديه إلى جانب جيشه المتكامل حلفاؤه من حزب الله إلى إيران إلى روسيا، وكان يحاول أن يستمد شرعيته من المتاجرة بهذا كله. ومن هنا فإننا لا يمكن أن نجد مجالًا للمقارنة بين موقف النظام البائد وموقف الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالضربات الإسرائيلية.

لا ندافع عن الإدارة الجديدة هنا، ولكن سوريا اليوم مكبلة اليدين، وتلك حقيقة لا تقبل الجدل. وعلى السوريين جميعًا، بمن فيهم معارضو الإدارة الجديدة، أن يسهموا في فك تلك الأغلال عن سوريا أولًا. فثمة خريطة توازنات بالغة الدقة والخطورة، وتحريك أي حجر بشكل خاطئ في رقعة الشطرنج السياسية سيؤدي إلى نتائج كارثية. ولو سُلّمت سوريا اليوم بحالة الضعف والهشاشة التي هي عليها لأي قيادة أخرى، لما كان أمامها أن تفعل شيئًا مخالفًا لما تفعله الإدارة الجديدة.

ليس أمام سوريا اليوم إلا أن تمارس سياسة على قدر الأوراق التي تمتلكها، وأن تبحث عن أوراق قوة جديدة بعد أن تغلق جرحها المفتوح، وتتمكن من إيقاف نزيفها الاقتصادي والسياسي الذي يحتاج معجزة للسيطرة عليه.

تلفزيون سوريا

——————————

==============================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى