موسيقا

ثلاثة مقالات تناولت “فضل شاكر”

————————————

 لماذا نحب فضل شاكر؟/ رولا الحسين

الأربعاء 2025/09/10

للإجابة على سؤال “لماذا نحب فضل شاكر؟” يفترض أن أحدد من أخصُّ بـ”نون النحن”.

من نحن؟ أنا لست معنية بالإجابة عن أسئلة تخص أيّ جيل غير جيلي، وهو جيل المولودين خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

نحن الذين شهدنا نهاية حقبة، بكل إكسسواراتها وتقنياتها وموضتها وموسيقاها، ثم استطعنا أن ننجو ونلتحق بحقبة جديدة كلياً من دون أن نخسر ما شكّل تركيبتنا وحساسيتنا التي نُسجت وبُنيت خلال الحرب، ونحن نحبّ كل ما  شكّل خامة تلك الحقبة.

نحبُّ فضل شاكر، وإن لم يكن للحرب تأثير مباشر في هذا الحب، فنحن لم نتعرف على فضل في مرحلة الحرب، هو أصلاً ولد قبل الحرب وسيرته الفنية الفعلية بدأت بعد انتهائها بسنوات. لاقانا في فترة النهوض، لكنه استطاع أن يشعرنا أنه أصلاً كان معنا وجزءاً من نسيج ذاكرتنا العتيقة، وانتقل معنا بل رافقنا كحارس إلى المرحلة التالية. وعندما غنّى، كان دائماً، بصوته ونظرته وابتسامته، يمدّ ذراعاً تلتف حول أكتافنا، كأخ يكبرنا ببضع سنوات، من دون أن يسعى للتباهي بتعليمنا شيئاً، بل فقط يتواجد حولنا، يتقدمنا بخطوة ليمهد لنا الطريق، لا ليسبقنا.

كانت لديه هذه القدرة على أن يكون من “فريقنا” من دون أن يكون قد لعب معنا مسبقاً. قدرة لا مجهود فيها، تماماً كغنائه.

نحن نحب فضل شاكر لأنه يذكرنا بشكل الحب الذي عرفناه وعشناه قبل أن نعود ونفقده قسراً، ككل ما خسرناه، لنعود ونتأقلم، قسراً أيضاً، مع أنواع حبٍ أخرى، ككل ما تأقلمنا معه. نحب فضل لأنه مثلنا، أتى من القعر، وما زال يحاول كل يوم الخروج منه. ونحبه لأنه غنى لنا أغاني وردة الجزائرية، فضاعف حبنا لها وفجّرت فينا حبنا له.

نحب فضل –ولا داعي لذكر عائلته لأن في ذكرها تكلفاً ليس موجوداً بيننا – لأنه لأجل ابنته وانتقاماً لها، ذهب إلى أماكن دفع ثمنها سنوات في الظل. نحبه لأنه أحب ابنته، كما يجب على الأباء أن يحبوا بناتهم. ونحبه لأنه، مِن سجنه في مخيم عين الحلوة، غنى لنا مجدداً، كأنه ينقذنا، وبمحاولة نقاذنا استكمل دور الأخ الحامي.

نحب فضل الذي، رغم أنه يكبرنا، فإن مشاعرنا ومشاعره نضجت سوية. ربما الأدق أن رقته وهدوءه العميقَين أرشدانا إلى حبٍّ صارخٍ بالرقة واللباقة، وليس بالغضب. ولما أخيراً أرسل لنا أغنية تلو أخرىن مِن “سجنه”، كنا صرنا مثله: أكبر وأنضج، نحمل مشاعر قديمة نتمنى استئنافها، نمد يدنا من دون أن نخفي رغبتنا وحاجتنا، لكن بلا أوهام. نتوقع أن تخيب آمالنا. فالسنوات التي مرت، عبّدت لنا طريق الخيبات. لكننا ما زلنا رقيقين، ونخاف على أنفسنا من الوحدة، نتمسك برغبتنا وشوقنا إلى غيجاد ما فقدناه ونتوق إليه.

فيما استمعنا إلى “كيفك عَ فراقي”، أكدّ لنا فضل مجدداً أنه من “فريقنا”، نحن الرقيقين، المتعبين، المليئين بالتوق، وقد اصبحنا هادئين. وابتسامة فضل التي لا تفارق شفتيه فيما يغني، ستعني المزيد وهو يسمعنا نغني معه، سيشعر أننا نلاقيه كما كان يلاقينا دائماً، ستكون ابتسامة رضا عما وصلت إليه أخيراً مشاعرنا.

جمعته الأغنية مع ابنه محمد، فأحببنا محمد لأنه ابن فضل، ولأنه جزء من صوته وإحساسه وسُمرته. لكن فضل هو الأصل، لا أبَ له يقلّده. فضل هو فضلنا، ومحمد سيبقى ابن فضل إلى حين توقفه عن تقليد والده، وحتى يتوقف فضل عن جعله امتدادا له، فيترك يد محمد التي تحاول تقليد حركة يد فضل ليجد له حركة أخرى أصيلة تخصّه. سيكون على محمد أن يجد جيلاً آخر يغني له. جيل، ليس بالضرورة بالهدوء الذي وصلنا إليه. هذه الأغنية هي الطريقة التي يُظهر فيها فضل حبه لابنه، كما يجب على الأباء أن يحبوا أبناءهم. ونحن نحب فضل لأنه يحب ابنه ويغني معه ولنا.

صوت فضل، عندما يحضر، كالفسحة، كواحة ننتقل إليها معه من دون أن نقول شيئاً. نقصدها، فنتأكد أننا – نحن الذين مثله خسرنا الكثير – لم نخسر كل شيء. أردد الكلمات: “كيفك عفراقي، اذا بعدك متل بتشتاقي، خلينا بهالعمر الباقي، مع بعض نكون”. وأفكر أنه مِن سجنه، ومن السنوات التي خسرها، يذكرني بأن الحب أو حتى الأمل فيه، هو كل ما نحتاجه لنكمل العمر الباقي، وما حاجتنا لباقي العمر إن كان بلا حب؟

ثم أستمع إلى أغنية أخرى كتبتها جمانة جمال لفضل: “صحّاك الشّوق من نومك، وبقلبي تعا كفّي نومك”… وأغيب عن باقي الكلمات. كل ما ينقص لتصبح الأوقات رقيقة علينا، كرقّتنا التي تعلمنا ألا نظهرها دائماً، موجودٌ في هذه الكلمات. فأكررها: “صحاك الشوق من نومك وبقلبي تعا كفّي نومك”، وأبتسم ابتسامة أعرف فيما أرسمها أنها ستجمعني بكل من سمع الأغنية من جيلي… فانا لستُ معنية بجيلٍ آخر. ابتسامة جماعية كذاكرتنا ورقّتنا وحبنا لفضل.

المدن

———————————

 بعد غياب طويل.. كيف “صحّانا” فضل شاكر وذكّرنا بقلوبنا؟

ولاء عوّاد

2025.09.12 | 14:52 دمشق

Fadel Shaker

+A

حجم الخط

-A

في زمنٍ يتأرجح  فيه الغناء العربي بين الكلاسيكيات الثقيلة والموضات العابرة، عادَ صوتٌ هادئ، بسيط، بلا بهرجة ولا صخب.

رجلٌ بنظارة سوداء، ومايكروفون وغرفة مظلمة، وصدقٍ لا يحتاج إلى أوركسترا عملاقة كي يصل.

هكذا دخل سابقاً وعاد لاحقاً، فضل شاكر إلى بيوت السوريين وقلوبهم، ليصنع حالةً لم تتكرر: أن تتحول الأغنية إلى ذاكرة، والصوت إلى مرآة جيلٍ كامل.

رفيق المراهقة وذاكرة السوريين

جيل التسعينيات، الذي فتح عينيه على شريط كاسيت وأحلام مؤجلة، وجد في صوته ملاذاً، وفي سوريا تحديداً، حيث كانت المشاعر تخضع للرقابة بقدر ما تخضع السياسة، جاء فضل شاكر كسرّ جماعي: نغني معه في المقاهي، في الأعراس، وحتى في غرفنا المغلقة، وكأننا ننتزع لأنفسنا حقاً صغيراً في الحب.

لم يكن مجرد فنان، كان رفيق مراهقتنا، ومترجم لغتنا العاطفية التي لم نجرؤ على البوح بها.

من الحب إلى الموقف

ثم جاءت الثورة السورية، فاصطف شاكر حيث يجب أن يكون الفنان الحقيقي: أي مع الناس.

صوته الذي غنّى للحب تحوّل في لحظة إلى موقف أخلاقي، وكثير من السوريين رأوا فيه امتداداً طبيعياً لذلك الصدق الذي رافقهم منذ سنوات. نعم، مسيرته صخباً سياسياً لاحقاً، لكن بقي جوهر الصورة: فنان انحاز للحرية حين كان الثمن باهظاً.

لم يصنع فضل مجرد أغنيات، صنع حالة، وأعاد تعريف معنى البساطة: أن تضع نظارة، وتغني بصدق، فيستيقظ جيل كامل على شوقه الدفين.

 لهذا، ما زال صوته إلى اليوم يطرق أبواب القلب كما لو كان الزمن لم يمضِ، كما لو أن الأغنية ما زالت تُبثّ للمرة الأولى.

عودة تُكمل الحكاية

في 2025، لم تكن عودة فضل شاكر إلى الغناء حدثاً فنياً وحسب، بل لحظة اكتمال لذاكرة طويلة.

صوته الذي حملنا من مراهقة التسعينات حتى أقسى سنوات الحرب، عاد ليوقظ ما حسبناه انطفأ: أول حبٍ بريء، نظرة ابن الجيران، وارتباك القلب أمام كلمة مسروقة.

 ومع كل نغمة جديدة، بدا وكأنه يعيد جيله إلى زمنٍ أنقى، حيث كان الشوق أكبر من الواقع وأصدق من الخوف.

ومع سقوط النظام، بدا أن الأغنية التقت أخيراً بالقدر، حين غنّى فضل شاكر “دوري يا فرحة”، لم يكن يؤدي لحناً بل يكتب فصلاً في ذاكرة السوريين. فكان حاضراً منذ اللحظة الأولى، ووفياً حتى آخر المشهد، كما لو أنه يعيش الحكاية معنا لا يغنيها لنا فقط.

وحين شارك السوريين فرحتهم، صار صوته شريكاً في النصر، تماماً كما كان رفيقاً في الوجع،  إنها قصة حب طويلة، تمنينا أن تكتمل، وها هي تكتمل بصوتٍ ظلّ صادقاً، وبفنٍّ لم يخن الذين آمنوا به يوماً.

بصمة نسائيّة

اللافت أيضاً في عودة فضل شاكر أنها لم تكن مجرد استرجاع لصوتٍ أحببناه، بل مساحة جديدة لطاقات نسائية تفرض حضورها في صناعة الأغنية العربية.

الكاتبة والملحّنة الأردنية جمانة جمال، التي تناولتها منصات مثل E3lam وبيلبورد عربية كواحدة من الأسماء الصاعدة، قدّمت له كلمتي وألحان أغنيتي “أحلى رسمة” و “صحاك الشوق”.

أغنيتان حملتا روحاً أنثوية صافية، أضافت إلى رومانسية شاكر بُعداً أكثر جرأة وصدقاً، وكأنهما تجديدٌ للحنين القديم بلغة الحاضر.

أما الشاعرة والكاتبة الأردنية سمر الهنيدي، تركت بصمتها في أغنية “كيفك ع فراقي”، التي كتبت كلماتها بالشراكة مع فضل شاكر وابنه محمد شاكر. جاءت الأغنية كوثيقة وجدانية عن الفقد والحنين، بلغة بسيطة وعميقة في آن، تعكس قدرة الكاتبات على إعادة صياغة العاطفة بعيداً عن القوالب الجاهزة.

بهذا الحضور، تبدو عودة فضل شاكر أكثر ثراءً، وفتحت الباب أمام أصوات نسائية تثبت أن الفن أصدق وأبقى حين يكون شراكة متكاملة، يتقاطع فيها الصوت مع الكلمة، والذاكرة مع الحاضر.

تلفزيون سوريا

——————————–

فضل شاكر وبقايا المرحلة/ زياد بركات

15 سبتمبر 2025

إذا صحت الأخبار التي تتداولها وسائل إعلام لبنانية عن تهديدات تطاول حياة الفنان فضل شاكر وهو يقيم منذ عام 2013 في مخيم عين الحلوة، فإن تدخلاً رسمياً يغدو ضرورياً لحمايته أياً كانت المحظورات، وهي شكلية في حقبة ما بعد حزب الله، فالدولة التي تجاهر في مضيها بتنفيذ خطة لنزع حزب الله وبسط السيطرة على كل أراضيها، لا تعجزها حماية أحد مواطنيها الذي تنتمي قضيته إلى حقبة سبقت كان فيها من يُنزع سلاحه الآن سيد الساحة العسكرية، ونظام بشار الأسد، حليف هذا الحزب، يقصف مواطنيه بتوحش غير مسبوق، ما أنشأ الحالة التي حوكم شاكر لاحقاً بموجبها، ودفعته قبل ذلك إلى اعتزال الغناء والانضمام إلى جماعة أحمد الأسير، خاصة بعد المجازر التي ارتكبها نظام الأسد في مدينة حمص بدءاً من عام 2012.

تمثلت هذا الحالة بتسيّد مكوّن سياسي دون غيره على المشهد السياسي اللبناني، وتكوينه ما يشبه حلفاً عابراً للحدود خلال السنوات الأولى للثورة الشعبية على نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الأمر الذي استفز مكوّنات لبنانية أخرى سعى بعضها إلى مواجهة هذا الحلف بإنشاء حلف مضاد، ومن نافل القول إن كليهما خرج على السيادة اللبنانية التي كانت منتهكة، بهما ومن دونهما.

صدر بحق شاكر حكمان بالسجن عام 2020 وجُرّد من حقوقه المدنية بتهمتي “التدخل في أعمال إرهابية اقترفها إرهابيون” بتقديمه خدمات لوجستية لهؤلاء، إضافةً إلى تمويل جماعة الأسير والإنفاق على أفرادها وتأمين ثمن أسلحة وذخائر حية لها.

وثمة من يقول، وهم كثر، إن شاكر غير الأسير، وإنه حتى لو صحّت التهم الموجهة إليه، لم يشارك فعلياً في أي عمل عسكري، خاصة في اشتباكات عبرا التي أودت بحياة 18 عنصراً من الجيش اللبناني (عام 2013)، وإن غالبية النخب اللبنانية وقادة الأحزاب منذ نحو أربعين عاماً على الأقل، شاركوا أو كانوا جزءاً أساسياً من عمليات خارج القانون شملت القتل وسواه. ولولا اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية في لبنان (نظرياً على الأقل) لكانت غالبيتهم في السجون أو نفذّت بحقهم عقوبة الإعدام، ما يعني أن أزمات لبنان الكبرى تُحلّ غالباً بالتسويات والتوافقات الصعبة وليس بإنفاذ القوانين، وإن ما انطبق على هؤلاء يمكنه أن ينطبق على الفنان فضل شاكر، خاصة أنه لم يشارك فعلياً في اشتباكات عبرا باعترافات شهود مثلوا أمام المحاكم اللبنانية، ومنهم متورطون أيضاً وعلى رأسهم الأسير نفسه.

هل يمكن أن يحدث ذلك؟ نعم، بحسب قانونيين يرون أن من شأن تسليم شاكر نفسه إسقاطَ الأحكام ضده ثم إعادة محاكمته، أما لماذا لا يحدث ذلك، فلا أحد يعرف الآليات المطلوبة التي يمكنها إيجاد مخرج كريم للفنان اللبناني وتقديم ضمانات له بأن قضيته إنسانية وليست سياسية، بمعنى عزل قضيته عن فائض التسييس الذي أحيطت به.

فضل شاكر: هل تنقذه الملايين؟

مشكلة شاكر أن تعقيد الحالة اللبنانية يلقي بظلاله على قضايا قد لا تتسم بتعقيد مشابه، فالفنان الذي يتمتع بشهرة وأداء نادر وموهبة لا تكاد تُضاهى هو مجرد فنان في نهاية المطاف وليس زعيم مليشيا، وقضيته أصبحت تنتمي إلى بقايا مرحلة تجاوزها لبنان مع فرار الأسد وبدء نزع سلاح حزب الله، ما يتيح فرصة عزلها عن التسييس الحاد والنزعات الانتقامية والاستئصالية. وإذا عُطف على ما سبق صعود نخبة حاكمة جديدة في البلاد من مصلحتها تجاوز مرحلة السلاح والنفوذ السوري، فإن حلّ قضية شاكر يصبح أيسر، إما بتقديم ضمانات له لتسليم نفسه وإعادة محاكمته، وإما بإصدار عفو خاص عنه باعتباره كان أيضاً ضحية حقبة أخرجت أسوأ ما في الناس، دفاعاً عن نفسها أو عمن تعتقد أنها جماعتها.

إذا حدث هذا، فإنه يُدرَج في سياق التسويات الضرورية والمصالحات التي سبق لشعوب أخرى أن لجأت إليها لتجاوز أزماتها وانقساماتها الدامية، وهو ما نرجوه في حالة فنان يتمتع بموهبة نادرة ويحظى بإعجاب عابر للحدود والأجيال.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى