سلوم حداد… أأخطأ أم أصاب؟

سلوم حداد… أأخطأ أم أصاب؟/ طارق الشناوي
15 سبتمبر 2025 م
في تونس الخضراء قبل تسع سنوات أثناء انعقاد مهرجان «قرطاج» السينمائي، الذي تم فيه تكريم النجم الكبير عادل إمام بمنحه «التانيت الذهبي التذكاري»، كما أن الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي منحه وسام رئيس الجمهورية للثقافة.
وفي الحفل وكنت حاضراً، أمسك عادل إمام بالميكروفون قائلاً: «مصر أم الدنيا»، انفعل أحد شباب الممثلين التونسيين قائلاً: «إذا كانت مصر (أم الدنيا)، فإن تونس (بوها)»، يقصد طبعاً «أبوها». ووجدنا في الصالة شيئاً من الهرج، وغادر السفير المصري لدى تونس مكان الاحتفال احتجاجاً، واستغرق الأمر نحو أسبوع من التراشق بالكلمات هنا وهناك ثم هدأ الموقف.
تذكرت تلك الواقعة، وأنا أتابع ردود الأفعال المبالغ فيها في الهجوم، ليس فقط على الفنان السوري سلوم حداد، الذي أشار إلى تراجع الأداء اللغوي بالفصحى لدى الفنانين المصريين، ولكن امتد الأمر للفن السوري، برمته وضربة أخرى من هنا وأخرى من هناك، وصلنا إلى أن هناك من وجدها فرصة لكي يعلن أن مصر لغتها المصرية القديمة (الهيروغليفية) هي الأصل، وتنكر تماماً لعروبة مصر، والبعض تناول القضية من منظور ديني فج، بعد أن بحث عن ديانة سلوم حداد.
الحكاية أبسط من كل ذلك، لو راجعت الأرشيف المصري ستجد الكثير من المقالات تناولت تراجع الأداء باللغة الفصحى في هذا الجيل من الفنانين المصريين، ومن بين أهم أسباب انحسار الإنتاج التاريخي في مصر، بالإضافة إلى تراجع الميزانيات، ستكتشف أن في مقدمة الأسباب، ندرة الفنانين القادرين على الأداء بالفصحى، هناك حساسية زائدة عندما يأتي الانتقاد من خارج الحدود، على طريقة المثل المصري «أدعو على ابني وأكره اللي يقول آمين»، سلوم كل ما فعله فيما يبدو أنه قال: «آمين».
اضطر سلوم إلى تقديم اعتذار، بينما لا يزال البعض من الفنانين يتصور أن إثبات الوطنية يبدأ من الإعلاء من شأن ما تقدمه من فن، والتقليل كلما أمكن من إبداع الآخرين.
دخول نقابة الممثلين المصريين على الخط، وإصدار بيان فتح الباب لكثير ممن ينتمون إليها إلى تصور بأن هناك، إشارة رسمية بالهجوم الضاري.
هناك معنى عميق يغفل عنه الكثيرون، في علاقة الإنسان العربي، أياً كان موقعه بالفن المصري.
ستجد توصيف العربي مرادفة للفن والفنان أو المبدع بوجه عام.
هكذا مثلاً طه حسين لقبه «عميد الأدب العربي» وأم كلثوم «سيدة الغناء العربي»، وفاتن حمامة «سيدة الشاشة العربية» ويوسف وهبي «عميد المسرح العربي»، وسميحة أيوب مثلاً من أطلق عليها لقب «سيدة المسرح العربي» هو رئيس سوريا الأسبق حافظ الأسد.
يحمل الفيلم المصري توصيف «الفيلم العربي»، وهو ما أطلق على التليفزيون المصري في بداية انطلاقه 1960 كان يحمل اسم «التليفزيون العربي»، هذا يعني بكل بساطة أن من حق الإنسان العربي أن يدلي برأيه في الفن المصري سلباً أو إيجاباً، من دون أي حساسية.
سر ذيوع اللهجة المصرية أن العربي منذ أن تعامل مع الأسطوانة في نهاية القرن التاسع عشر قد كسر حاجز اللهجة، وهو ما أكده بعد الأسطوانة الشريط السينمائي والمسلسل التليفزيوني.
هناك من صوَّر لبعض الفنانين أن إثبات الوطنية يبدأ من تلك العبارة، التي توجه لكل صاحب رأي مخالف «من أنت؟»، ستهدأ قطعاً بعد قليل مساحات الغضب.
فقط أتمنى أن نتعلم الدرس، ألا ننساق، وراء من تعودوا على سكب البنزين، وبعدها يهرولون بحثاً عن عربة إطفاء!
الشرق الأوسط
——————————-
جيم سلوم حداد.. أوهام سورية.. وحروف قاتلة/ راشد عيسى
16 أيلول 2025
فجّر الممثل السوري سلوم حداد، من حيث لا يدري، ولا يريد، أزمة عابرة للقطرين الشقيقين سوريا ومصر بسخريته من الجيم المصرية في المسلسلات التاريخية، مستغرباً ومستنكراً وساخراً من جيم مصرية في العربية الفصحى. أكل الرجل نصيبه، سخرية مقابِلة، وكاد الأمر، من صغر عقولنا، ألا يتوقف عند الدراما والتلفزيون، كاد يصبح أزمة بين كل رموز وعناصر وثقافة البلدين.
هنالك أوهام في ثقافة كل بلد، وفي سوريا على سبيل المثال عدد هائل منها، من بينها ما صنعه النظام أحياناً لأسباب تخويفية، أو لشد العصب، أو لأسباب محض سياحية، من بينها مثلاً «الطيار السوري هو الأفضل»، وكذلك المطبخ، والدراما، والعربية الفصحى على ألسنة السوريين، لا ننسى عبارات رائجة مثل «لكل إنسان في العالم وطنان، بلده وسوريا» (وإنْ كانت منسوبة لعالم آثار فرنسي)، و«أنا سوري آه يا نيالي»، من أين جاءت تلك الأساطير؟ هل من مراجع أو إحصائيات؟
العبارة التي ساقها حداد للسخرية لم يكن هو مبتكرها، فلطالما كررها أبناء الوسط الفني المفتخرون بتفوقهم (وبالمناسبة؛ من بين أعزّ أحلام الكثيرين منهم الحصول على دور في عمل مصري!)، لكن اُنْظر كيف ساقها حداد في المقابلة، لقد كانت فصحاه هو بالذات مثاراً للإشفاق، لا ندري إن كان يفخر بطريقة لفظه لحرف «ظ». كان حديثه في «دارة الفنون» في الفجيرة في منتهى الجهل، ولو أنه قرأ فقط الشخصيات التي أداها في مسلسلات ومسرحيات وأفلام لكان أعمق ثقافة مما ظهر عليه. لو قرأ فقط خالد بن الوليد والمتنبي وأبو زيد الهلالي والزير سالم ونزار قباني..!
لكل مسلسل منطق
يسخر حداد مما يظن أنه دخيل محليّ أو عاميّ على العربية، فيفضح جهله بأبسط الأمور حول تاريخ اللغة وحاضرها، فالجيم المصرية ليست ابنة الراهن، بل هي طريقة لفظ عربية قديمة وأصيلة، ليست موروثاً فرعونياً، ومعلوم أن للعربية قراءات وطرائق نطق عديدة تاريخياً. لا بد أن حداد لاحظ مثلاً أن مستمعيه من جمهور الإمارات يلفظون الجيم ياءً، ما رأيه؟!
الحروف، والكلمات، وبالتالي اللغات برمّتها، هي تاريخ، لم تصل إلى ما وصلت إليها عبثاً، وهنا ضرورة المعاجم التاريخية. المعاجم التي توثق تاريخ الكلمة، متى ظهرت أول مرة، ومن أين جاءت، وإلى أين وصلت.. الجمال كله في اللهجات، وطرق اللفظ وتمايزاتها. أحسب أن كل تقدم بالعلاقة مع اللغة فيه اكتشافات هائلة لجمال اللهجات قبل الفصحى، وفيه فهم وتفهّم أكبر لمسار الكلمات، وبالتالي سيكون هناك تسامح أكبر مع اللغة وقواعدها.
أساس نقاش سلوم حداد كان حول سلامة العربية الفصحى وأصول نطقها في المسلسلات، وهو قبل الجيم استنكر أن يجري تمثيل مسلسل تاريخي كـ «الحشاشين» بالعامية المصرية. وهنا نقاش آخر؛ فليس من المؤكد أن الحشاشين كانوا يتكلمون الفصحى كما نعرفها اليوم في المسلسلات التاريخية، أو في المناهج المدرسية، فهذه في النهاية فصحى حديثة قد يحدث أنها تضم عدداً من الكلمات غير المستخدمة في تلك الحقبة التاريخية (ربما مجرد نظرة لصحف اليوم وصحف قبل خمسين عاماً ستظهر خلافاً كبيراً بين لغتين، فما بالك بفارق قرون!). لماذا نقبل أن تقدم السينما الهوليودية حقبة مصرية- فرعونية باللغة الإنكليزية عندما لا يكون من بين أهداف هذه السينما تقديم صورة متحفية عن تلك الفترة؟ كذلك الأمر حين قدمت هوليوود أفلاماً عن الرومان والفايكنغ والساموراي، فالفيلم يريد أن ينقل الحكاية أولاً للجمهور، هذا الذي سيتواطأ سلفاً مع شروط الدراما. في النهاية كل فيلم، كل مسلسل يبني منطقه بنفسه، ويقدم مبررات استخدام هذه اللغة أو تلك.
وسّعوا القواميس
عند سلوم حداد عربية واحدة وطريقة واحدة في نطقها، تلك التي أرساها حكم «البعث» الأسدي في المدارس، وفي «طلائع البعث»، في الجيش، وفي الدراما، لذلك فإن العامية، حتى السورية منها، منبوذة في نظم وأعراف حزب القومية العربية الأول والأرسخ والأطول حكماً.
اختصار سلوم حداد لمصر بتلك الجيم يتغافل عن جيمات أخرى في ذلك البلد الواسع الغني، تماماً كما يجري التغافل في سوريا نفسها عن لهجات خارج تلك التي سميت بـ«اللهجة البيضاء».
تنميط ظالم، سواء لناحية محاولة حبس الناس جميعاً في طريقة نطق، أو اختصارهم بلفظ. لم تعد اللغة طريقة وأداة للتواصل وحسب، ولا محاولة للاستئثار بأحقية الإنتاج التلفزيوني، والسيطرة على قطاع المسلسلات التاريخية، بل حيزاً لصراع سياسي واجتماعي وهوياتي قاتل.
ولعلها مصادفة لا تخلو من معنى أن يأتي الترند التالي لترند جيم سلوم حداد حول قاف الساحل السوري، قاف العلويين على وجه التحديد. عندما ظهرت فتاة سورية في فيديو تضيق فيه بشرطي أراد مخالفتها، فتتهمه، بسبب نطق القاف، بأنه علوي، ما يعني أنه من فلول النظام السوري البائد. وتستغرب أن يبقى بيننا إلى اليوم شرطي علوي!
لا تعرف البنت أن في سوريا لهجات عديدة للغاية (من بينها لهجات بعض المدن والقرى الفلسطينية) تحتفظ بالقاف، غير العلويين والدروز، وقد كان كافياً لها ولغيرها أن تنطق الطائفتان بالقاف حتى يصبح الحرف نفسه متهماً. ثم هل وصل الأمر إلى حد اتهام لغة، أو لهجة، برمتها، لأن الحرف استخدم في حقبة ما للتخويف!
يشبه الأمر أن تصبح اللغة العربية نفسها، وقد حدث ذلك بالفعل في غير مكان في العالم، رمزاً للإرهاب، لأن هناك من ارتكب باسمها جرائم واعتداءات، مع أنها في النهاية لغة الملايين من الفقراء والطيبين والأدباء والمغنين.
مصر ليست تلك الجيم فقط، والعربية الفصحى ليست جيم سلوم حداد وحدها، كما أن القاف ليست قاف العلويين وحدهم. ومن أسف أننا وصلنا، كما نلاحظ خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ونكاية بتلك القاف، لأن نكتب أعز كلماتنا باستبدال القاف همزة، في محاولة لتحدي سلطة، لم تعد موجودة الآن.
وسّعوا اللغة، وسّعوا القواميس، و«وسّعوا الله» قبل أي شيء.
القدس العربي



