سوريا في مذكرات المبعوث الهولندي فان دام/ حسام جزماتي

2025.09.15
مع بداية عمله مبعوثاً خاصاً لبلاده للشؤون السورية، في مطلع عام 2015، التقى الدبلوماسي الهولندي عدداً من ضباط الشرطة السورية الحرة التي كانت تعمل في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، فنصحه أحدهم بـ”قراءة كتاب نيقولاوس فان دام عن سوريا”، وأراه نسخة منه على هاتفه المحمول، قبل أن يكتشف أنه يجلس مع المؤلف!
والواقع أن كتاب “الصراع على السلطة في سوريا” كان أشهر الكتب المتداولة، سراً، داخل البلاد منذ وصول أولى نسخه، تهريباً، بعد أن غامرت دار مدبولي القاهرية الشهيرة بترجمته، عام 1995، أبكر بكثير من صدور كتابين احتلا مكانيهما اللائقين عندما تُرجما بعد قرابة عقدين؛ “فلاحو سورية” لـ حنا بطاطو (2014 بالعربية)، و”سورية الدولة المتوحشة” لـ ميشيل سورا (2017 بالعربية).
وقد أسهم في ذيوع كتاب فان دام بين السوريين، وهو في الأصل رسالته لنيل الدكتوراه، عام 1977، تناوله مسألة شديدة الحساسية والتحريم في واقعهم هي القضية الطائفية، بطريقة موثقة لكنها دعمت، من دون أن تهدف إلى ذلك، مظلوميةً واسعة الجمهور.
وعن هذه المسألة يختصر فان دام رأيه، في كتابه الجديد “رحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي”، الصادر في هذا العام 2025: “لم يكن النظام السوري (علوياً) كما كان يُروج عادةً، بل كان ديكتاتورية تهيمن عليها أعضاء من الطائفة العلوية، حيث كانت المناصب الرئيسية مشغولة بشكل غير متناسب من قبل العلويين”.
ربما بسبب هذه السمعة التي صاحبت كتاب “الصراع على السلطة…” قوبل الكتاب الثاني للمؤلف “تدمير وطن”، الصادر بالعربية عام 2018، بصدمة من جمهوره المعارض، فهو لم يستخدم، في عنوانه الفرعي، وصف “الحرب الأهلية في سوريا” الذي يُنكرونه فقط، بل دعاهم إلى الحوار مع بشار الأسد بعد أن فشلت ثورتهم -وفق رأي فان دام وقتئذ- في تحقيق هدفها بالإطاحة به.
ولعل القسم السوري من كتابه الأخير هذا يقدّم بعض الإجابات التي تشرح كيف تشكلت قناعات فان دام تلك، وهو الذي تنبأ، منذ العام 1981، قبل الثورة بثلاثين سنة، بأنّ أي محاولة لإسقاط نظام البعث ستؤدي إلى حمام دم كبير.
فقد رأى المبعوث الهولندي أن مطالبة المعارضة بأن يتنحى “الأسد” وكبار قادته، في بداية المرحلة الانتقالية التي نص عليها قرار مجلس الأمن 2254، هي سياسة غير واقعية، إذ إنه ليس من المتوقع أن يوقّع النظام على حكم إعدامه.

وفي ظل فارق القوة الذي كان موجوداً لا تستطيع المعارضة المسلحة إسقاط “الأسد” بالقوة وفرض هذا المسار، مما يتطلب تدخلاً عسكرياً خارجياً واسع النطاق ومباشراً، وهو ما لم تكن أي من الدول الداعمة للمعارضة مستعدة لفعله.
ومن هنا يركّز فان دام لومه على صانعي السياسات بشأن سوريا في الدول الغربية لأنهم انساقوا، وفق رأيه، وراء تفكير رغبوي تقوده “القضية العادلة” من دون تقديم ما يكفي لإنجاحها، مما ضاعف أعداد الضحايا.
وذلك بعد أن أشاع هؤلاء أجواء من التفاؤل غير الواقعي نتيجة إعطائهم الأولوية للمثل الأخلاقية والديمقراطية على حساب السياسة البراغماتية الواقعية، جزئياً بسبب نقص معرفتهم بالنظام الذي تنبأ معظم الدبلوماسيين الذين كانوا عاملين في دمشق بأنه سيرحل، في العام 2012، في حين توقّع المؤلف أن هناك احتمالاُ حقيقياً لبقائه لمدة طويلة بل واستمراره.
وقد توافق هذا مع توجه هولندا إلى عدم الانخراط في الشأن العسكري، والاكتفاء بتقديم “المساعدة غير الفتاكة” للشرطة الحرة، لدعم الحفاظ على النظام والأمن في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة.
ورغم أن ذلك حصل برقابة دقيقة، كما يقول فان دام، إلا أن سرية البرنامج دفعت أعضاء في البرلمان الهولندي إلى مساءلة وزير خارجيتهم عنه، ووسائل إعلام هناك إلى القول بأن هولندا دعمت “الإرهاب والجهاديين”، في حين أن القوات الجوية للبلاد كانت تشارك في الحرب ضد تنظيم الدولة (داعش)، مؤازرة لجماعات المعارضة العسكرية التي كانت تقاتل التنظيم على الأرض.
لكن من حسن الحظ أن هذا الكتاب لم يصدر إلا بعد سقوط حكم البعث “الذي انهار كبيت من ورق، من دون مقاومة تُذكر أو إراقة دماء، على عكس ما كان متوقعاً، بعد ستة عقود”، على حد تعبير المؤلف.
وفي تفسير تلك المفاجأة يقول فان دام إنه يبدو أن “الأسد” وأعوانه توصلوا إلى نتيجة مفادها أن مغادرة دمشق أحياء أفضل من خوض حرب دموية لا يمكنهم الانتصار فيها، مخلّفين للحكام الجدد، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، فرصة ذهبية للإسهام في إنشاء “سوريا جديدة” أفضل بكثير، لكن النجاح في ذلك لن يكون سهلاً على الإطلاق في رأي الكاتب، لأنّه يتطلب الحكمة والتنازل ودعماً من القاعدة الشعبية التي تحمل “أحقاداً مفهومة”.
أخيراً، يرى فان دام أنه بسبب الضرر العميق الذي لحق بالنسيج الاجتماعي السوري، الهش أصلاً، ربما يستغرق تحقيق السلام الحقيقي أجيالاً، بعد أن عانى ملايين السكان من صدمات نفسية عميقة نتيجة للوقائع المروّعة التي عاشوها أو شهدوها، منذ العام 2011.
لقد منح الوضع الجديد الأمل للعديد من السوريين المنهكين من جرّاء سنوات الحرب، لكن تحقيق ذلك قولاً أسهل من فعله، فحتى الآن أظهر تاريخ سوريا نمطاً متكرراً من استبدال نظام استبدادي بآخر، مما يعني أنها شهدت أنظمة ديكتاتورية فقط لعقود طويلة، إلا أن هذا لا يعني انعدام إمكانية بناء مجتمع أكثر ديمقراطية.
تلفزيون سوريا
لتحميل هذا الكتاب اتبع الرابط التالي
نيكولاس فان دام – رحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والاسلامي



