انتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

مؤسس ورئيس مركز جسور للدراسات محمد سرميني: الأحزاب القومية والدينية السورية ليست أحزاباً وطنية

الأحزاب القومية والدينة السورية وعلاقتها بالوطنية

عمار زيدان

2025-09-16

أكثر من سبعة عقود هي الفترة الزمنية الممتدة في تاريخ سوريا الحديث بعد الاستقلال والذي تميز خلال فترته الأولى بالنشاط السياسي وتعدد الأحزاب مختلفة الانتماءات والتوجهات، ليهيمن بعد ذلك “حزب البعث العربي الاشتراكي” على مقاليد السلطة والحياة السياسية في آن واحد مطلقاً على نفسه صفة “قائد الدولة والمجتمع” بعد سنوات من صراعٍ دموي مع أحزاب أخرى أبرزها “الإخوان المسلمين”.

خضعت سوريا منذ عام 1963 وإلى عام 2024 موعد سقوط نظام الأسد المخلوع إلى حكم وسلطة “حزب البعث” القومي كما تعددت الأحزاب الدينية والقومية التي شاركت في السلطة قبل تولي حافظ الأسد رئاسة البلاد، وفي هذا الإطار التاريخي تحدث مؤسس ورئيس مركز جسور للدراسات محمد سرميني لـ “963+” عن دور هذه الأحزاب مع الإجابة على العديد من الأسئلة أبرزها لماذا الأحزاب القومية والدينية السورية ليست أحزاباً وطنية وكيف يمكن لتلك الأحزاب أن تستفيد من تجربة الماضي؟

في ما يلي الحوار كاملاً:

كيف كان دور الأحزاب القومية والدينية في سوريا فيما يتعلق بالحياة السياسية والديموقراطية خلال العقود الماضية؟

عاشت الأحزاب القومية والدينية نوعاً من التعايش في السنوات الأولى بعد الاستقلال، مما انعكس على حياة سياسية وديموقراطية وتعددية مقبولة، لكن الدور الأبرز-أو الوحيد- كان للأحزاب القومية بعد سيطرة “حزب البعث” على السلطة بانقلاب عسكري منذ عام 1963، ومنع وجود تعددية سياسية حقيقية، واكتفى بتعددية صورية بتشكيل الجبهة الوطنية التقدمية التي ضمت أحزاباً قومية عربية، وقومية سورية، ذات طابع يساري، وتبنى خطاباً وحدوياً اشتراكياً.

وبقيت الأحزاب الدينية ممثلة بـ”الإخوان المسلمين” خارج السلطة تماماً، ولم يكن لها دور في الحياة السياسية بعد أن اعتبرهم “حزب البعث” جماعة محظورة، وهو ما أدى إلى الصدام المسلح بينهما أواخر سبعينات القرن الماضي، وتُوّج بمجزرة حماة عام 1982، ليصبح الحكم في سوريا بعدها حزباً شمولياً، والمسؤول الأول عن الأوضاع التي أدت إلى الثورة عام 2011.

وأدى احتواء التيار القومي ومنع تشكيل أي أحزاب ذات صبغة دينية إلى غياب التعددية السياسية، وإلى ضعف الأحزاب السياسية سواء المشاركة في الجبهة الوطنية، أو التي بقيت خارجها، وإلى تراجع قدراتها في إنشاء قاعدة شعبية لها، أو التأثير في الحياة السياسية، وترافق ذلك مع ضعف أو انعدام دور المؤسسات الرسمية مثل مجلس الشعب، والحكومة بسبب سيطرة “حزب البعث المطلقة” عليها.

هل الأحزاب القومية والدينية السورية هي أحزاب وطنية؟

تبنّت الأحزاب القومية والدينية في سوريا مشاريع عابرة للحدود: قومية عربية، أو إسلامية أممية، لذا لا تعدّ أحزاباً وطنية بالمعنى الدقيق الذي ينسجم مع التعريف السياسي للدولة الوطنية الحديثة، والذي يوجب أن تكون “سوريا أولاً” كمبدأ سياسي للفكر وللحكم، فالحزب الحاكم رفع شعار “أمة عربية واحدة” وهو شعار فوق وطني، وسعى للوحدة العربية، ورفع الحزب السوري القومي الاجتماعي شعار “سوريا الكبرى” وسعى لوحدة الأمة السورية (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن…)، وهو أيضاً مشروع عابر للدولة الوطنية السورية، وارتبطت الأحزاب الناصرية بالمشروع الناصري الوحدوي في مصر، أكثر من كونها تعبيراً عن خصوصية وطنية سورية، وعلى الجانب الديني تبنى الإخوان المسلمون شعار “الأمة الإسلامية”، رغم ميلهم لاحقاً إلى  برامج سياسية تركز على الشأن السوري، وتتمايز في مواقفها عن باقي جماعات الإخوان المسلمين في العالم.

ما أسباب تكرار حدوث الصراعات والانقسامات داخل الأحزاب القومية والدينية في سوريا وفيما بينها أيضاً؟

تعددت أسباب الصراع داخل الأحزاب القومية، وكان من أهمهما الإيديولوجيا السائدة فيها بين تيارات قومية متشددة وأخرى معتدلة، أو نزاعات شخصية بسبب الخلاف على الزعامة والمناصب، أو ضعف آليات الديموقراطية والأنظمة الداخلية للأحزاب، أدت جميعها إلى ظهور أجنحة للحزب الواحد، أو انقسامه إلى عدة أحزاب، بل إن بعض الأسباب يعود إلى أسباب جغرافية مناطقية، وقريباً من ذلك حدث في الأحزاب الدينية مثل موضوع الإخوان والطليعة، وإخوان دمشق وإخوان حلب.

أما الصراعات بين التيارين فتعود إلى الخلافات الفكرية العميقة بينهما أولاً، وإلى القمع العنيف الذي تعرض له التيار الديني ثانياً، ويمكن عزو الصراعات أيضاً إلى عوامل خارجية، فمن جانب الأحزاب القومية “اليسارية” فقد تأثرت بالمد الشيوعي ضد الإسلام عموماً، والإسلام السياسي خصوصاً، والسعي لمنع وصوله للحكم، وبالمقابل تأثر التيار الديني بالقمع الذي مارسه التيار القومي في مصر على سبيل المثال ضد إخوان مصر، ورأى في التيار القومي في سوريا امتداداً للتيار القومي العربي وخصماً للتيار الديني في سوريا.

ما تأثير الأحزاب الدينية والقومية على التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية في سوريا؟

أثّر غياب الأحزاب الوطنية الحقيقية في سوريا على ترسيخ هوية وطنية للدولة السورية، وللشعب السوري، وظهر ذلك جلياً في هشاشة الدولة، وفي هشاشة التماسك الاجتماعي، خاصة بعد عام 2011، وكانت البلاد مهيّأة سياسياً قومياً ودينياً لمثل ذلك، ولم يجد السوريون مؤسسات أو قوى وطنية توحّدهم، فانهار النسيج السياسي والاجتماعي لصالح الهويات الجزئية والفرعية ما دون الوطنية، وتباينت الاصطفافات على أسس قومية عربية وكردية وتركمانية، وعلى أسس دينية إسلامية، ومسيحية، وعلى أسس مذهبية وطائفية سنية، وعلوية، ودرزية، وإسماعيلية، وشيعية، وانفتح المجال أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها التدخل الإيراني ضد ما اعتبره المشروع الإسلامي السني القادم في سوريا، ووقعت مجازر عديدة على أسس طائفية، بل يمكن القول أن نظام الأسد في ذلك الوقت ترك شعار القومية العربية، ولجأ إلى الطائفية لمحاولة حماية نفسه، والاستمرار في السلطة.

كيف يمكن أن تستفيد الأحزاب الدينية والقومية السورية من تجربة الماضي؟

مع تقدم سنوات الثورة السورية، وظهور فرص حدوث تغير في مستقبل سوريا، كان من المفترض أن هذه التيارات تطرح مشروعاً وطنياً جامعاً، وينبغي على الأحزاب القومية أن تتخلى عن الشعارات الوحدوية التي أثبتت فشلها، وعن عداوة التيار الديني، والتوافق مع الواقع الديني والاجتماعي السائد في البلاد، كما يتعين على التيار الديني تبني خطاب إسلام مدني/ ديموقراطي يعترف بالدولة الوطنية السورية كوطن جامع للسوريين، والقبول بمبدأ تداول السلطة، وحقوق الأقليات، والتركيز على القيم الأخلاقية والاجتماعية للإسلام كرافعة لبناء المجتمع، لا كوسيلة للسيطرة السياسية.

هل ترى بأن سوريا ليست بحاجة إلى حكم الأحزاب الإيديولوجية على اختلافها أم لا؟

جميع الأحزاب في العالم لها إيديولوجية، ولا يتصور وجود حزب سياسي دون إيديولوجية، لكن المطلوب أن تقرأ الأحزاب واقع البلاد، وحاجات النهوض بها، وأن تبني أيديولوجياتها على أسس وطنية وليس ما فوق وطنية أو دون وطنية، وخصوصاً في هذه المرحلة، وأي حزب لا يفعل ذلك فهو يسير بالبلاد نحو مزيد من الانقسام ومن التفتت، ويمهد الطريق لدورة جديدة من الصراع في سوريا. 

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى