سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت العلاقات السورية ــ اللبنانية

العلاقات السورية ــ اللبنانية.. محاولة لإعادة التوازن واختبار صعب للمصالح المشتركة/ عزيز موسى

13 سبتمبر 2025

تشهد العلاقات السورية ــ اللبنانية مرحلة تتسم بالتعقيد بعد تسعة أشهر من سقوط النظام السوري السابق والتي تظهر فيها العديد من الملفات المشتركة التي تدفع من جهة لضرورة التعاون المشترك، ومن جهة أخرى تسعى لصيانة العلاقة بين الجانبين بعد سنوات كبّلتها عُقد سياسية متعددة تقوم على إنهاء تركة ثقيلة خلُفها النظام السابق في طبيعة التواصل، في ظل جهود تسعى من خلالها الإدارة السورية والحكومة اللبنانية إلى فتح صفحة جديدة للعلاقات.

زياراتان رسميتان قام بهما كل من رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي ورئيس الوزراء الحالي نواف سلام إلى سوريا للبحث في الملفات المشتركة والعالقة بعد اللقاء بالإدارة السورية، مقابل زيارة وفد رسمي زار بيروت في 1 و 8 أيلول/ سبتمر الجاري لبحث عدة ملفات أهمها ملف الموقوفين، ترسيم الحدود، التعاون الأمني.

زيارة سياسية تتخطى الحدود

ترى الأستاذة في قسم الدراسات السياسية والباحثة الأكاديمية، د. ندى ملكاني، أن زيارة الوفد السوري تحمل دلالات سياسية مرتبطة بوضع أمني غير مستقر في الإقليم بسبب تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية واستغلال الفراغ الأمني والعهد الجديد في سوريا، الذي يؤمل منه أن تعود معه سوريا إلى البيت العربي بفاعلية وتفك عزلتها الدولية والإقليمية، إضافة لوجود دعم لا سيما من المملكة العربية السعودية لاحتضان الأوضاع في سوريا ولبنان وفق رؤية 2030 التي لا تقتصر على البعد التنموي الداخلي بل تركز على إقليم مستقر ومزدهر بعيدًا عن الصراعات، إضافة إلى ارتباط ذلك بزيارة أميركية جرت إلى لبنان وسورية في 26 آب/ اغسطس من العام الجاري، إذ ترى الولايات المتحدة أن أي تسوية مع إسرائيل أو تفاوض إقليمي لا إمكانية له طالما أن قرار الحرب والسلم ليس في يد الدولة اللبنانية، كما تدعم الولايات المتحدة التقارب بين سوريا ولبنان على مبدأ الندية وليس الوصاية، وهذا ما رحًبت به دمشق بالرغم من دعم حزب الله للنظام السوري السابق في قمع قوى المعارضة، إذ  تبرز جدية في فصل التعاطي مع الملف اللبناني بين مستوى الدولة ومستوى جماعات ما دون الدولة، بالتالي فإن هاك توجّهًا لدعم الاستقرار في المنطقة بدءًا من البوابة السورية اللبنانية من جهة، ودعم العلاقات الثنائية بين البلدين عن طريق بناء إطار سياسي متماسك.

من جانبها تشير الأستاذة الجامعية والإعلامية، د. انتصار الدنان، إلى أن زيارة الوفد السوري تأتي وسط تحولات وإعادة اصطفاف عربي تجاه الانفتاح على دمشق، ما يجعلها خطوة لتعزيز التنسيق في ملفات حيوية مثل الطاقة والحدود، كما أنها تمثّل على المستوى الداخلي متنفسًا لحكومة مأزومة تبحث عن حلول براغماتية بعيدًا عن الاصطفافات الداخلية، وتعكس اختبارًا لمدى قدرة الطرفين على التحرّك ضمن هامش العقوبات والضغوط الغربية، كما تجسّد الإرادة بفتح قنوات التواصل المباشر ولو بغطاء تقني، وهي مبنية على مصالح متبادلة من منطلق موقع سوريا كمنفذ للبنان، وحاجة دمشق لواجهة اقتصادية وسياسية، لكنها محكومة بالحذر لتفادي صدام داخلي لبناني أو استياء خارجي، بالنتيجة، الزيارة خطوة تجريبية أكثر من كونها تطبيعًا شاملًا.

حدود غير مرسّمة وموقوفون بلا حل

طرح الوفد السوري ملفات الموقوفين وترسيم الحدود والتعاون الأمني خلال الزيارة لضبط الحدود وحل المشكلات العالقة تمهيدًا لإمكانية زيارة لاحقة واجتماع على مستوى وزراء العدل والداخلية، وأبدى اندفاعًا بالتعاون مع الجانب اللبناني طالبًا الاطلاع على ملفات السجناء والأحكام التي صدرت بحقهم بهدف الإسراع في معالجة الملفات، مؤكدين أولوية خروج المعتقلين السياسيين الذين عارضوا النظام السوري السابق وبالتحديد موقوفي “هيئة تحرير الشام”، نظرًا لأن هذا الملف يحمل بعدًا سياسيًا وأمنيًا في آن معًا.

تشير د. ندى ملكاني إلى أن هناك العديد من الملفات العالقة بين الجانبين، أهمها ملف ترسيم الحدود والذي يتطلب تحديد آليات فعالة وجدية لترسيمها، إلا أنه يواجه مجموعة من العقبات الفنية والسياسية والأمنية، أهمها الحاجة إلى دراسة مستفيضة للاتفاقات المعقودة سابقًا ومراجعتها للتوصل إلى اتفاقات دون إملاءات أو ثغرات قانونية تحتمل التأويل، وتوفر الجدية السياسية التي تحتاج إلى إجراءات بناء ثقة على مبدأ عقلية الدولة وليس الثورة من قبل الإدارة الجديدة في سوريا، فضلًا عن مدى التزام الجانب اللبناني الذي يعزز ثقة الطرف السوري للانتقال النوعي لتطبيع العلاقات، بالتالي هناك مصلحة مشتركة لدى الطرف السوري واللبناني تعكسها هذه الزيارة، فالجانب السوري حريص على إيجاد حل لمشكلة السجناء خاصة الإسلاميين ومعتقلي الرأي في لبنان، والسعي نحو تخفيف عبء النزوح السوري على الاقتصاد والأمن اللبناني، بالتالي فالرغبة المتبادلة في التعاون بين البلدين تعكس تحولًا في رؤية سياسية تقليدية وهي أن الشؤون الداخلية في لبنان تمس سوريا ليس من باب الحرص على حسن الجوار ومصلحة الجار في دعم استقرار حدوده فقط، بل من عقلية أحقية النظام الحاكم في التدخل  والرغبة في تنظيم العلاقات من دولة إلى دولة.

بينما تؤكد د. انتصار الدنان أن أحد أهم أسباب زيارة الوفد السوري التوصل لحلول نوعية تخص قضية الموقوفين والمفقودين، هذا الملف هو ملف إنساني يختبر صدقية أي انفتاح، تعرقله اعتبارات سياسية وعدم اعتراف رسمي سوري، أما الهدف الآخر فيتمثل بترسيم الحدود وهذه القضية هي قضية أمنية واقتصادية شائكة، يعيقها غياب اتفاق رسمي ووجود انقسام لبناني، إضافة إلى ارتباط بعض المناطق بالصراع العربي–الإسرائيلي.

عودة العلاقات أم استمرار للجمود

ترى د. ملكاني أن خطاب الرئيس الشرع ذهب للتأكيد على ضرورة التعاطي مع الملف اللبناني من منطلق الانتقال من عقلية الاستثمار في الاستقطابات السياسية والطائفية في لبنان إلى عقلية الدولة مقابل دولة، بالتالي فإن الزيارة تعكس رغبة الطرف السوري في إعادة النظر في تركة النظام السوري السابق لإقامة علاقات طيبة بين البلدين، ما يعني أن الإدارة السورية تريد علاقة متوازنة مع لبنان لا التحكم فيه.

وتعتقد د. الدنان أن هناك عدة رؤى من قبل القوى السياسية اللبنانية لأهمية تطبيع العلاقات مع دمشق تنقسم إلى دعم مقاربة للانفتاح على سوريا والتطبيع معها بما يعتبر خطوة لكسر العزلة، ومنهم من يتبنى الوسطية من خلال اعتبار أن التعامل يعتبر ضرورة تقنية لا تحول استراتيجي، وهذه الانعكاسات هي مادة جديدة لتكريس الانقسام الداخلي أكثر من كونها خطوة جامعة، وثمة أطراف أخرى ترى في الأمر عودة إلى زمن الوصاية.

تعاون أمني واقتصادي

تؤكد د. انتصار الدنان أن التنسيق الأمني بين سوريا ولبنان يمثّل حاجة وضرورة ملّحة في مسار التنسيق لضبط التهريب، لكنه سيبقى جزئيًا بفعل الخلافات السياسية، أما على المستوى الاقتصادي فهناك خيارات ومجالات متعددة يمكن التعاون فيها أهمها استجرار المياه والغاز، الترانزيت عبر سوريا إضافة للتبادل الزراعي والصناعي وفرص إعادة الإعمار ومقاربة مشتركة لملف النزوح إذا وُضع ضمن إطار منظّم، والزيارة تشكّل بالون اختبار لإمكانية الانتقال من التعاون التقني إلى التطبيع السياسي التدريجي. نجاحها يتوقف على قدرة بيروت ودمشق على تحييد الملفات الخلافية الثقيلة والتركيز على المصالح الاقتصادية المباشرة.

تحديات وآفاق عودة العلاقات

في ظل التشابكات المعقدة وحساسية الملفات، تواجه عودة العلاقات بين سوريا ولبنان مجموعة من التحديات الأساسية التي ترتبط بالبنى الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية، وتصاعد حجم التهديدات التي يمكن وصفها بالمشتركة وكيفية التعاطي، مما يدفع إلى بروز عدة سيناريوهات تجعل من معالجة الملفات بين الجانبين ضرورة سواء لأبعادها الإيجابية المستقبلية أو القدرة على تلافي السلبيات.

ترى د. ندى ملكاني أن التحديات الداخلية السورية تتمثل بحداثة العهد الجديد في سوريا ومدى كفاءة الإدارة بتحقيق انتقال جدي على مستوى التعاطي مع لبنان، أما بالنسبة للبنان فتحتاج عودة العلاقات إلى وفاق وطني لبناني حول ضرورة التعاون مع سوريا وتدعيم ثقة أبناء الشعب اللبناني في أن هذه العلاقة ستحمل استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا لا سيما بعد ما أفرزته أزمة النزوح من سوريا إلى لبنان خلال سنوات الحرب الطويلة، أما إقليميًا يبقى الخطر الإسرائيلي سببًا في عم الاستقرار الأمني ويبدو أن أي تطبيع بين سوريا ولبنان يحتاج إلى إيجاد حل لأزمة الاستقرار الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، إضافة لضرورة وجود دعم دولي لعودة العلاقات اللبنانية – السورية تبتعد عن الاستثمار في التوازنات الطائفية والاستقطابات السياسية في كل من سوريا ولبنان.

الترا سوريل

——————————-

 سوريا ولبنان و”اقتصاد الحدود”.. تاريخٌ من “البزنس الحرام”/ ناظم عيد

الجمعة 2025/09/12

إن كانت عبارة “سوا ربينا”، وهي عنوان البرنامج الشهير على التلفزيون الرسمي السوري، قد أخذت طريقها نحو مسارات التندّر والسخرية، بما أنها من تصميم ماكينة الدعاية النشطة التي اعتمدها النظام على مدى عقود، ومن إعداده وإخراجه، لتبرير طقوس “السطوة” المفروضة على لبنان “الجار اللطيف”، إلا أنها في الواقع تشي بتفاصيل كثيفة عن عمق الحالة البنيوية في التأثير والتأثّر بين الجارين؛ أي “سوا ربينا وتخاصمنا وتوافقنا وهرّبنا واستثمرنا وتاجرنا في الممنوعات”، وأنتجنا معاً اقتصاداً قاهراً للحدود وأدبيات استثمار رشيق لتركة ” سايكس- بيكو”، التي لم يتوقع صاحباها أن تكون يوماً أداةً فعالة للاختراق والنفاذ إلى حيث لاقانون ولا ضوابط من ذلك الطراز المعلن في بروتوكولات الاقتصاد وامتداداته.

تماهٍ بلا حدود

يتساءل الطرطوسيون، أهل طرطوس المدينة الساحلية عن وجهة الأسماك التي جناها الصيادون ليلاً، ويجري توضيبها في صناديق خشبية على عجل كل صباح في “سوق المزاد” على بوابة المينا، وتوضع في سيارات بيك آب تنطلق باتجاه غير معلوم.

قبل عامين لم نحصل من الصيادين إلا على نظرات متجهمة لا تخلو من التحذير، عندما تجرأنا وسألناهم عن الوجهة، لكن بعد فترة وجيزة حلّ اللغز مسؤول في قطاع الصادرات السوري، وأفادنا بوجود “مرفأ ظل” في منطقة الخراب شمال المدينة بحوالي 15 كم، تنقل الزوارق اللبنانية الأسماك من سوريا إلى لبنان “لبنان بلد استهلاك كبير للأسماك في المنشآت السياحية، حتى السوريين يأكلون أسماكهم هناك بشهية أكثر”. واللافت في تصريح المسؤول أن المرفأ عينه يصدّر أزهار الزينة ومنتجات “البندورة الكرزية” أيضاً لزوم المطاعم والمناسبات.

إضافة إلى الشاطئ، ربما تكفي مسافة 375 كيلومتراً من الحدود الممتدة بين بلدين جارين، لاحتضان كل ما يمكن تخيله من تفاصيل علاقة ملتبسة بين المشرعن اجتماعياً والممنوع اقتصادياً، حيث تخضع المفاهيم والدلالات لتباينات حادّة، ينتصر فيها العرف على القانون دوماً أو غالباً.

فإن كان بين سوريا ولبنان ستة معابر رسمية، هناك من يحصي 130 معبراً غير شرعي، فرضه “كوكتيل مكثف” من الاعتبارات التي بنيت على أساس اجتماعي، وانتهت بما هو اقتصادي “اقتصاد التهريب”، تهريب كل شي.

بالفعل كل شيء قابل للتهريب بين بلدين لصيقين يتماهيان جغرافياً وديمغرافياً، ويتباينان كلياً على مستوى البنى السياسية والاقتصادية، ولنا أن نتخيل كل ماهو مختلف بين اقتصاد مغلق وآخر حرّ..بين مزاعم الاشتراكية المصنعة وطقوسها المتزمتة والمرائية، والليبرالية الاقتصادية القائمة على حوامل ثقافية وسياسية في بلد يوصف تغزلاً بأنه “سويسرا الشرق”.

لقد تحوّل التهريب تاريخياً بخطيه الذاهب والراجع إلى خيار حياة للآلاف من أبناء البلدين في المناطق الحدودية “السوريين العاملين في التهريب أكثر بكثير”.. وفي الخلفيات نشأت منظومة متماسكة ومتكاملة تقود وتدير وتستثمر من الجنسيتين.

وإن كان البنزين والمشتقات النفطية عموماً تشكل واجهة النشاط التجاري تهريباً؛ فإن ثمة ما تحفل به الكواليس مما هو أدسم ربحاً وأخطر أمنياً “مخدرات وأسلحة”، وأخيراً تجارة تهريب البشر الرائجة حالياً بعد إجراءات الضبط والتنظيم التي تحاولها السلطات اللبنانية.

حديث مع مهرب

أحمد، “اسم مستعار على الأرجح”، وهو ابن منطقة الديماس – غرب دمشق – التي تعتبر خزان تجميع وتوزيع المحروقات المهربة من لبنان في اتجاه العاصمة دمشق وريفها الجنوبي والشرقي، لم يفصح عن تفاصيل تجارته النشطة. ويبدو من جرأته أنه أكثر من مجرد بائع عبوات بنزين على الرصيف، فهو موزّع رئيس يدمج في نشاطه عدة حلقات تجارية دفعة واحدة.

يتحدّث أحمد عن توريدات بصحبة مسافر بما لا يتجاوز 60 ليتر بنزين أو مازوت وفق ما مسموح، لكنه يعترف بعد تردد باستعداده لتلبية طلب من يطلب وبأية كميات كانت.. وجوابه عن سؤاله عن الموردين الكبار يكون بكلمة واحدة لكل من يسأل “مو شغلك”. وقد حاول تحويل اهتمامنا بالحديث عن طرق غش البنزين عن طريق خلطه بالكحول “سبيرتو” كل برميل بنزين مع برميلي كحول والنتيجة بنزين سريع الاشتعال، يباع بأسعار مرتفعة على أنه “أوكتان 95 و98”.

بالفعل “ليس شغلنا” كما نصحنا أحمد، بل هو شغل السلطات في البلدين، وهي أخفقت تاريخياً في إحداث أي خرق في مكافحة هذه الظاهرة.

دَيْنٌ سابق

تهريب المشتقات البترولية مشكلة أرقت حكومتي البلدين بالتناوب. ويذكر الجميع الضجيج الكبير والصراخ الذي جرى في سوريا، من الخسائر الكبيرة التي كانت تتكبدها الخزينة السورية نتيجة تهريب المازوت السوري إلى لبنان، قبل أن تلجأ الحكومة السورية آنذاك إلى معالجات على هيكليات الدعم، ورفع أسعار المازوت الحر.

كان سعر الليتر المدعوم 7 ليرات سورية، في حين أنَّ سعره العالمي كان في حدود ما يعادل 34 ليرة، وقد أسس هذا الفارق لإنشاء منظومات ظل نشطة تعمل في تهريب المادة إلى لبنان والأردن وحتى تركيا، طبعاً بالتعاون بين كبار المهربين وعناصر وضباط في الجمارك والأمن، وضباط في الجيش من الذين كانت مواقع ثكناتهم قريبة من الحدود.

لكن بعد إعادة هيكلة الأسعار في سوريا، تلاشت الظاهرة على نحوٍ كبير.

تبادل أدوار

ومع اندلاع الثورة السورية، وتراجع سلطة الدولة على مناطق إنتاج النفط، دخلت سوريا دوامة تدريجية من شح الموارد، لينقلب المشهد معكوساً، وتصبح الأراضي اللبنانية أهم مصدر لاحتياجات سوريا من المحروقات كلها “مازوت وبنزين وغاز منزلي”، وبعض الأنباء كانت تتحدث عن الفيول الصناعي أيضاً.

ويقول أحد الصناعيين السوريين – لم يرغب بذكر اسمه- إن الصناعي السوري كان يلجأ إلى استيراد احتياجاته من الفيول، وتخزينها في مستودعات مستأجرة في الأراضي اللبنانية، ويدخلها تهريباً إلى سوريا ويتحمل التكاليف التي مهما بلغت تبقى أقل من كلفتها في سوريا، نظراً إلى ما اعترى ملف المشتقات من “لغبصات” وحصرية واستئثار عدد قليل من الأشخاص بعمليات التوريد؛ إذ تعاطت الحكومة حينذاك مع المازوت الصناعي والفيول على نحوٍ يضمن تحقيق علاوات من رجال الأعمال، و”الابتزاز” لتغطية فروقات دعم مازوت النقل والأفران والمازوت الزراعي.

لكن تبقى حكاية البنزين عنوان الواجهة في هذا الملف الوعر. فكما صرخت الحكومة السورية متوجعة من تهريب المازوت إلى لبنان، حتى قبيل العام 2011. بدأ المسؤولون في لبنان بالصراخ من تهريب البنزين والمازوت المدعوم إلى سورية، حتى كان اللجوء إلى خيار رفع الدعم عن المادتين هو الحل على طريقة العلاج بالكي.

وقد لفتت إحصاءات لبنانية إلى أن الخزينة اللبنانية تكبدت حوالي 200 مليون دولار بوصفها فاتورة ناتجة عن دعم البنزين المهرب إلى سوريا، و35 مليون دولار للمازوت (الإحصائية في العام 2022).

تجارة منظمة

لبنان خيار تجاري مرن لمعظم تجار سوريا.. من الذين يستوردون بضائعهم من مختلف الأسواق العالمية إلى البلد الجار، في ظل ظروف الحصار والمقاطعة المفروضة على بلدهم، وسهولة عمليات التحويل، وسلاستها. أما كيف تعبر البضائع إلى سورية، فهذه مهمة منظومات التهريب، وقد حاولت السلطات السورية محاصرتهم عبر مداهمات جمركية لمستودعاتهم داخل المدن، في حين غضت الجمارك النظر على الحدود. والجمارك نفسها داهمت المستودعات، وهذه مخالفة جسيمة “، لكن أخفقت الحكومة السورية في محاصرة الظاهرة.

عموماً، وبكثير من التسليم بحتمية الخلل، يرى الأكاديمي زياد عربش أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، أن إشكالية التهريب و”اقتصاد الحدود” مسألة بغاية الأهمية عبر العقود المنصرمة والآن ومستقبلاً، حيث تكتنف العلاقات السورية- اللبنانية أبعاد عديدة، ومن ضمنها الشق الاقتصادي الذي يتضمن مكونات مالية وتجارية ونقدية تهم البلدين.

ويلفت عربش في حديثه لـ”المدن” إلى أن لبنان كان قبل الحرب (ومازال وإن بدرجة أقل الآن) رئة سورية التجارية والمصرفية، حيث تعبر البضائع إلى سورية مباشرة أو عبر السوق اللبنانية، وباعتمادات مستندية لكون معظم التجار الصناعيين السوريين لديهم حسابات مصرفية في مختلف المصارف اللبنانية وفروعها الحدودية (شتورا)، لا سيما أن مرونة إجراءات الاستيراد في لبنان نسبياً” وقرب المسافة يجعلان تكاليف الإمداد بالسلع الوسيطة والمواد الأولية أيسر وأقل كلفة وأكثر اختصاراً للزمن، وبرز ذلك بشدة خلال سنوات الحرب، ناهيك بحاجة السوق السورية إلى سلع ومنتجات عديدة غير متوفرة مباشرة في السوق السورية (ليس فقط بسبب العقوبات؛ ولكن أيضاً حظر استيرادها بلوائح منع الاستيراد السورية، وخاصة السلع الكمالية).

ويعتبر عربش أن تجارة المحروقات بين البلدين تمثل الشأن الأهم وغير القانوني. فقبل الحرب بسنوات عديدة  (آذار 2011) كانت كميات المازوت التي تعبر من القرى المتاخمة للحدود السورية إلى السوق اللبنانية تمثل ربع انتاج (واستيراد) سورية، حيث كانت تُهرَّب كميات وصلت الى 2 مليون طن من إجمالي المتاح في سورية (8 مليون طن قبل العام 2010)، وذلك بفعل الفارق السعري الكبير بين البلدين، حيث كانت مادة المازوت مدعومة جوهرياً وبنسبة 90% (7 ليرات قبل العام 2007 لليتر ثم 25 و20 و60 ليرة لليتر، لينخفض الدعم جوهرياً خلال سنوات الحرب، قبل أن يتلاشى كلياً بُعيد سقوط النظام (8 كانون الأول 2024) .

في المقابل، كانت مادة البنزين (الكازولين) وبدرجة أقل الغاز المنزلي، تعبر بالاتجاه المعاكس لعاملين اثنين: الأول هو انخفاض سعره نسبياً في لبنان بالمقارنة مع السوق السورية، التي أصبحت عطشى إلى هذه المادة مع ازدياد صعوبات تأمينها، لعدم توفر القطع وقلة الموردين وارتفاع التكاليف بنسبة 40% بسبب العقوبات. والثاني -وفقاً لعربش – هو الجودة. فقد كان معظم الذين يعملون على خط بيروت- دمشق يتزودون مباشرة من السوق اللبنانية بتعبئة خزان الوقود وإحضار عدة عبوات، مع انتشار ظاهرة نقل الصهاريج إلى الحدود، وتعبئة العبوات وبيعها للسوريين الذين يدخلونها تهريباً، والتي كانت، مع كلفة النقل، أجدى من البنزين الذي تستورده سوريا، إذا أخذنا في الاعتبار جودة الأوكتان للبنزين اللبناني.

سوق “الأكابر”

على مر سنوات الحرب في سوريا، وربما قبلها، كانت أسواق لبنان مقصداً لميسوري سوريا من أجل التسوق، واتخذ الأمر طابعاً استعراضياً تمارسه سيدات المجتمع المخملي ونساء المسؤولين السوريين من مختلف المواقع والقطاعات.

وهذا هو البعد الآخر للتجارة “الرمادية” بين الممنوع والمسموح؛ أي البضائع الداخلة من لبنان بصحبة مسافر.

وهنا يشير الدكتور زياد عربش إلى أن التسوق من أسواق لبنان يؤمن حاجة سورية من بضائع وألبسة بنوعية عالية وأغذية لم تكن متوفرة في السوق السورية.

في المقابل، كان يوم الأحد نشطاً في الأسواق السورية بفعل قدوم السيارات اللبنانية للتسوق. لكن ارتفاع كلف النقل بعد عدة سنوات من الحرب، وتعقيدات من يسمح له بعبور الحدود حد إلى درجة كبيرة من التبادل التجاري.

في المقابل، نشط إلى حد كبير مطار بيروت، حيث استفاد من خطوط النقل الجوي (مع مطار اسطنبول) للمهاجرين السورين؛ إذ كانت تعبر لبنان نسبة كبيرة من طالبي اللجوء أثناء ترحالهم تجاه أوربا الغربية وعدد من دول أفريقيا وآسيا.

تسييس وعسكرة التهريب

ويقول عربش: خلال سنوات الحرب، تنامى التبادل غير الشرعي وغير القانوني (التجارة البينية غير الرسمية، وتوظيف الأموال السورية في المصارف اللبنانية) ولجأت الحكومة السورية في عهد النظام المنفرط إلى قوىً حزبية لبنانية لإمداد السوق السورية عبرها، ولتجاوز العقوبات.

كما أن بعض هذه الممارسات كانت لتهريب الممنوعات عبر المرافىء اللبنانية ومطار بيروت، ثم توظيف العوائد منها لتمويل آلة الحرب أو للإثراء الفردي.

عرض وطلب

لا تأبه ماكينة التهريب بين سوريا ولبنان بأية قوانين حظر أو منع، فالقانون الأوحد هو الحاجة وجدوى النشاط التجاري، وهنا يمكن أن يلمس أي متابع تقلبات وتبدلات عديدة في وجهة المنتجات الزراعية بين البلدين، وحركتها تهريباً وفق وقائع الحاجة في كلا البلدين.

فمنذ فترة كان تهريب المنتجات الزراعية يتم من لبنان إلى سوريا، وحالياً يجري العكس تماماً.

وهذا ما يؤكده بالفعل أمين سر جمعية حماية المستهلك في سوريا عبد الرزاق حبزة، الذي أجاب عن تساؤل “المدن” حول تهريب المنتجات الزراعية. ويلفت إلى أن بدايات تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024 ترافق مع نقص كبير في المتاح من الخضار والفاكهة، فكانت الحدود تشهد عمليات تهريب من مختلف دول الجوار وليس فقط لبنان.

لكن في هذه الأيام، ومع معاودة الإنتاج السوري بغزارة – موجة الحر سرّعت بإنضاج المواسم – يجري تهريب الخضار والفواكه السورية إلى لبنان، خصوصاً أن كلفة إنتاجها في لبنان أعلى بكثير منها في سوريا، لا سيما وأن ثمة فرقاً كبيراً في أجور الأيدي العاملة.

وهذا ينسحب على مختلف المنتجات، وبالطبع كلفة التهريب أقل بكثير من تكلفة الاستيراد النظامي.

هذه المعادلة رفعت أسعار السلع في الأسواق السورية بنسبة تفوق 52%. ومرد ذلك إلى أن الحكومة السورية منعت أخيراً استيراد بعض المنتجات الزراعية لحماية الفلاحين في موسم الإنتاج، لكن التهريب أحدث خللاً في المعادلة، وتالياً أزمة في السوق.

مغارة على بابا

حتمت المستجدات في سوريا بعد التحرير، إجراءات تنظيمية لمعالجة ملف النازحين ومن ضمن ذلك ضبط حركة الدخول والخروج والإقامة، ليتلقف المهربون فرصتهم الدسمة الجديدة المتمثلة بتهريب الأشخاص. فالوقائع وروايات العابرين تتحدث عن تجارة نشطة في هذا المجال (لم تتوفر إحصاءات يمكن اعتمادها).

لكن ما يمكن الجزم به، هو أن ثمة محفزات لكل أنواع التهريب بين البلدين، أخفقت معها كافة الإجراءات البوليسية، لأن الملف متداخل ومعقد، ولأن ثمة مكاسب مغرية كفيلة بإغواء كل من يقحم نفسه فيه وانزياحه إلى الرضوخ لعائدات و”علاوات” مجزية من تحت الطاولة، وغالباً ما يكون الخيار الآخر خطراً. وبالطبع “الحياة عزيزة وغالية”. ونتحدث هنا عن مجمل ظاهرة التجارة تهريباً بين سوريا ودول الجوار كافة. لذا يبقى السؤال القديم الجديد والمتجدد هو.. ما الحل؟

نعود للباحث الدكتور عربش الذي يرى أن المسألة الأهم هي كيفية بناء علاقات صحية وصحيحة بين البلدين، إن لجهة مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية السابقة، وعقد اتفاقيات تعاون جديدة ثنائية ومتعددة الأطراف، تشمل العراق والأردن وتركيا، وإنشاء قنوات تمويلية مشتركة، ومصارف استثمارية نوعية لتمويل المشاريع المشتركة، واتفاقيات للعبور الدولي ليس فقط في قطاع النقل والتجارة، وتوسيع السوق السياحية وصناعاتها والترانزيت، وترحيل الاتصالات الدولية.

فسورية ولبنان تاريخياً هما نهاية العمل البحري (من كل دول البحر الأبيض المتوسط، وحتى للسفن التي تدخل هذا البحر من الأمريكيتين)، وهما بداية العمل البري في اتجاه دول الخليج وآسيا.

المدن

————————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى