تاريخصفحات الحوار

ناصر سابا: هذه القصة الكاملة لسليم حاطوم من النشأة إلى الإعدام

أجرى الحوار بشير البكر

16 سبتمبر 2025

إعدام الضابط البارز سليم حاطوم في عام 1967، يُعدّ من القضايا المزمنة بين الدولة السورية ومحافظة السويداء، منذ حصوله… ناصر سابا، أحد قيادات حزب البعث القدامى، يكشف في هذا اللقاء خفايا القضية وملابساتها، وتداعياتها التي لا تزال تلقي بظلالها.

ـ حُرِّكت قضية الضابط سليم حاطوم، ابن مدينة السويداء، بعد الأحداث التي عرفتها المحافظة أخيراً. وباعتبار أنك عشت تلك المرحلة في حزب البعث، هل لك أن تعرّفنا على شخصيته أولاً؟

باختصار شديد، هو ابن قرية ذيبين التابعة للمحافظة، والقريبة من الحدود مع الأردن، ومن بيئة ريفية فقيرة، مثل حال المنطقة عموماً. لذا؛ كانت الغالبية الساحقة من الأهالي آنذاك توجِّه الأولاد نحو العلم، لضمان مستقبلهم والانتقال إلى وضع أفضل، وخصوصاً ما يؤهلهم للحصول على وظيفة معلم غالباً، أو ضابط يلتحق بالجيش إذا لم يتمكّن من متابعة دراسته الجامعية بسبب الفقر.

كانت تلك المرحلة أيضاً مرحلة تحرّر وطني وصعود التيارات القومية التقدمية، ولعب في أثنائها حزب البعث دوراً أساسياً، خصوصاً بعد إسقاط الديكتاتوريات العسكرية. وللإنصاف، كان في جبل العرب جيل من القادة والشخصيات البعثية المرموقة، منهم: شبلي العيسمي، منصور الأطرش، ذوقان قرقوط (من ذيبين)، نايف جربوع، سلامة عبيد، سلمان معروف، وحسين الحجلي، ورعيل أقل عمراً في مقدمتهم حمود الشوفي وآخرون، ولا يتسع المقام لذكر الجميع.

أعرف اثنين عن كثب من رفاق سليم، هما الضابطان أسعد غوثاني وصالح السغبيني، وهما من الجيل نفسه، ودخلا الكلية الحربية ليصبحا ضابطَين، لأنهما لم يتمكّنا من متابعة دراستهما. وكان سليم، مثل أقرانه من ذلك الجيل، متشبعاً بالحماس والأفكار القومية، مثل أبناء الريف عموماً، الذين توجهوا وانحازوا لفكر “البعث” عاطفياً، فكان انتماؤهم وجدانياً وغائماً، وهي ظاهرة عامة في وسط الشباب الذين التحقوا بالكلية الحربية.

على المستوى الشخصي، كان سليم حاطوم خجولاً جداً، وذا تهذيب وأدب وحياء. تسنّت له، وفق ظروف معينة وطبيعة المهنة، أن يكون قائداً لكتيبة المغاوير في الجبهة. وحينما حدث الانفصال في عام 1961، كان على رأس القطعات العسكرية المكلفة بالاستيلاء على الإذاعة والتلفزيون والأركان، ونظراً إلى وجوده في هذا الموقع، ذاع صيته أكثر من اللازم، كما تناولته الألسن من أبناء العاصمة، وتعرّض للظلم وتركيب قصص وحكايات مختلفة.

شجاعته، والموقع، وما بدأ يُتداول عن المجموعة العسكرية الحاكمة، والمناطق والطوائف التي ينتمي إليها كل منهم، كانت الأكثر تداولاً في تلك المرحلة بكل موضوعية. وهذا موضوع مهم وأساسي ترتّبت عليه حالة ومنحى وتوجّه، وللأسف الشديد، تعيش سورية نتائجه اليوم.

وباختصار، لم يكن سليم من القيادة العسكرية التي تخطّط، ولا من “اللجنة العسكرية”، وهي تنظيم سرّي شكّله في القاهرة ضباط داخل حزب البعث خلال خدمتهم العسكرية في أثناء الوحدة السورية المصرية. هو ضابط تنفيذي بامتياز، ينفّذ الأوامر التي تصدر من القيادة فحسب.

– هناك من تحدّث عن اقتحام سليم حاطوم وضابط آخر يُدعى بدر جمعة الجامع الأموي في دمشق في 1965. ما هي ملابسات الحادثة؟

شاءت المصادفات أن أكون شاهداً على هذه الواقعة. باختصار، أيضاً، كنت عضواً في المكتب التنظيمي للقيادة القومية للحزب. طلبني عضوا القيادة القومية؛ منصور الأطرش وعلي غنّام (من السعودية). حضرتُ في الموعد إلى مكتب منصور، وبعد قليل وصل رئيس الدولة، الفريق محمد أمين الحافظ، برفقة رئيس الاستخبارات العسكرية، العقيد أحمد سويداني. وبعد السلام، سألهما منصور عن سبب حضورهما المفاجئ إلى القيادة. أجاب سويداني بأن هناك مؤامرة. ذُهلنا للوهلة الأولى، استفسر منه منصور عن المؤامرة والقائمين بها، فأجاب بأن هناك مجموعة متحصّنة في الجامع الأموي.

قال له منصور: هذه أول مرة نسمع بهذه المؤامرة، ماذا سيفعلون من داخل الجامع؟ وأضاف: هذه سابقة خطيرة. … وكشف سويداني أن الرئيس أصدر الأوامر باقتحام الجامع، وسينفذ ذلك كل من سليم حاطوم وبدر جمعة، قاطعه منصور وقال: هذا غير مسبوق في تاريخ سورية، وله انعكاسات خطيرة، ليس في سورية فحسب، بل في المنطقة العربية والإسلامية. ردّ: على كل حال، الأوامر صدرت.

عندها، أخذني منصور جانباً، وقال لي إنه ذاهب إلى بيت صلاح الدين البيطار، الذي، إلى جانب مكانته في الحزب، هو رئيس الحكومة. وفي اليوم التالي، سألته عمّا جرى معه، فقال لي إن البيطار استشاط غضباً، واتصل بأمين الحافظ، وأبلغه رفضه وإدانته هذا التصرف، وطلب إيقاف العملية. وقد حاول الحافظ أن يخفف من وقع هذا التصرّف، وقال له إن الأمر جرى بسلام، ولم يكسر الجنود الأبواب، بل تسلقوا السلالم، وأخرجوا المجموعة التي زُعم إنها تنفذ مؤامرة وعصياناً، وما إلى ذلك.

علمنا فيما بعد أن هناك داعية، وعلى ما أذكر، تداولوا اسم شخص، لا أذكر هل هذا اسمه أم كنيته: “سرقوها”، وساد الظن أنّ العملية، على الأغلب، كانت ترتيباً من الأجهزة، أو من هذا القبيل. وربما كان القصد إشاعة العنف والقمع كسياسة تستهدف الشعب عموماً، كما ظهر لاحقاً. وبالمناسبة، سرت الشائعات والروايات لخدمة ذلك، وفي الوقت نفسه، أنّه ليس هناك شيء محرّم، ويمكن ارتكاب كل شيء خارج التوقعات. ولا ننسى هنا الروايات ذات البعد الطائفي، التي بدأ تداولها، ولو همساً في البداية.

– لعب سليم حاطوم دوراً مهماً في حركة 23 شباط داخل حزب البعث عام 1966، رغم أنه كان على علاقة جيّدة مع أمين الحافظ. كيف حدث ذلك؟

كانت ولاءات الضبّاط وقياداتهم العسكرية متحرّكة، تخضع في أحيان كثيرة للأمزجة، ولقدرة بعض القادة العسكريين على التلاعب بهم، وأحياناً لكسب ولاء هذا أو ذاك تبعاً لأوضاع متغيّرة. وبعد صراع مرير بين قيادة “البعث” التاريخية، أي القيادة القومية ممثلة بميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار (كان رئيس الحكومة ويقود المواجهة اليومية)، وبين “اللجنة العسكرية” حول مسألة الديمقراطية وعودة الحزب إلى مبادئه ودستوره، وبعد انسداد كل السبل مع هذه المجموعة العسكرية التي وضعت يدها على الحزب والحكم والبلاد، أصدرت القيادة القومية قراراً بنقل عدد من الضباط، ومنهم سليم حاطوم، من قطعاتهم إلى مراكز أخرى.

انحاز الفريق أمين الحافظ، رئيس الدولة حينها، إلى القيادة القومية. عندها، استغلّ صلاح جديد وحافظ الأسد الأمر، وأجريا اتصالاً مع سليم للتضامن معه، واستطاعا كسبه إلى جانبهما وتحريضه. وقد غلّفا الأمر بشعاراتٍ يسارية، ولعبا على وتر استهداف الضبّاط أصحاب الموقف، ودغدغا عواطفه، وسهل التلاعب به من هذه الزاوية، خصوصاَ أن بعض مستشاريه كانوا من اليسار الطفولي الشعبوي، فانحاز سليم إلى الطرف الآخر، وسهل التلاعب به، وهو يُعد بحق من الضباط الشجعان والمغامرين من الطراز المطلوب.

– لكنه اختلف مع صلاح جديد وحافظ الأسد لاحقاً. ما السبب؟ وما الذي دفعه إلى القيام بحركة 8 سبتمبر/ أيلول 1966؟

أولاً، شعر بأنهم غدروا به، وورّطوه منفرداً في الهجوم على منزل أمين الحافظ. وكان الاتفاق أن يلتحق به اللواء السبعين بقيادة عزة جديد، لكنه وجد نفسه وحيداً في مواجهة أمين الحافظ وحرس سكنه. وكانت المقاومة أكثر من شرسة، ووقعت خسائر كبيرة، كما ارتكب سليم مجزرةً بحق الحراسة، وسقط منهم 65 جندياً. ومن جهة أخرى، كان هذا التصرّف مدعاة إلى التساؤل: كيف تورّط منفرداً ووُضعت كل المسؤولية على عاتقه؟ شعر في اليوم التالي بالخديعة والجريمة التي يتحمّل مسؤوليتها بمفرده.

ثانياً، روى لي نايف الشريطي، وهو صديق عمره، أنّ سليم استدعى إلى مكتبه في اليوم التالي أقرب الضباط إليه، عبد الرحيم البطحيش، وطلب منه أن يذهب إلى مستشفى الطلياني، حيث كان من الجرحى ابن أمين الحافظ وابنته. وطلب من البطحيش أن يطمئن على حالتيهما. وبالفعل، ذهب فوراً إلى المشفى، وسأل الولد والبنت عن حاليهما، فأجاب أحدهما: “عمّو سليم هو الذي هجم على بيتنا وأصابنا”. وحين أبلغه حرفياً بما سمع، انخرط سليم في البكاء، وهذه حادثة أثرت فيه على نحوٍ عجيب.

ثالثاً، وهذا هو الأهم، بدأ يشعر بالتهميش بإبعاده عن القيادة، ومحاولة عزله رويداً رويداً، وشعر بالإهمال وعدم إشراكه في اتخاذ القرارات، وكذلك بثّ الشائعات بأن سليم وكتيبته يتحملان مسؤولية الضحايا الذين سقطوا إثر المعركة التي فاقت التوقعات.

– هل شارك الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث، منيف الرزاز، واللواء فهد الشاعر، قائد اللواء السبعين، مع سليم حاطوم في حركته التي أقدم عليها في السويداء؟

راجت رواية عن ذلك، ويحتاج تناولها قدراً من التفصيل، لأنها مزوّرة ولا أساس لها. هناك عملية خلط للأحداث، لأغراض خبيثة، تهدف إلى التحريض على جبل العرب، واستهداف فئةٍ معينةٍ، وتعميق الشرخ الطائفي من جهة، واستخدام هذه السردية لتحميل أبناء جبل العرب وضبّاطه المسؤولية الكاملة عمّا حدث في 23 شباط، بغرض تبرئة اللجنة العسكرية والانفراد بالسلطة.

وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية، أن كل القيادات التاريخية لحزب البعث كانت في السجون والمعتقلات، ومنهم قيادات أساسية من الجبل، مثل غيرهم، وحتى قيادات حزبية عربية معروفة. وهذا دليلٌ على أن حركة 23 شباط كانت انقلاباً على “البعث” ومبادئه ودستوره، وعلى الشرعية الحزبية بقوة السلاح.

وبحكم اطّلاعي، بصفتي عضواً في القيادة التي قادت العمل السري ضد انقلاب شباط العسكري، وعلى تفاصيل المفاوضات بين الضبّاط الموالين للقيادة القومية وضبّاط قريبين من سليم حاطوم، هناك نقطة أساسية: لو وافق اللواء فهد الشاعر، وهو العسكري المرموق، على شروط سليم حاطوم للتعاون معه، لتخلّصت سورية، من دون أدنى شك، من حكم هذه المجموعة الانقلابية (حافظ الأسد وصلاح جديد) مبكراً جداً. لكن الاتصالات انقطعت، وحدثت أمور غير متوقّعة، منها اعتقال اللجنة العسكرية القيادة المدنية والعسكرية للعمل الحزبي.

– لماذا اعتقل سليم حاطوم كلاً من نور الدين الأتاسي وصلاح جديد وجميل شيا في 8 أيلول؟ وكيف أُفرج عنهم؟

الجواب بسيط جداً من وجهة نظره: كان يرى أن “الصيد كبير”، والهدف الأساسي هو صلاح جديد، ولم يكن يقصد الأتاسي أو جميل شيا. وكان يعتقد أن اعتقال جديد يمكن أن يشلّ القيادة في دمشق، أو على الأقل يتيح له المساومة عليه.

وبحسب ما نقل لي صاحب البيت الذي جرت فيه الحادثة، عبد الكريم عزّي (وكان أمين فرع حزب البعث في السويداء ومن مجموعة حمود الشوفي)، ومن بين الحضور الدكتور فارس عماشة، الذي اعتُقل والتقيته في سجن معسكرات برزة والقابون، روى لي أن حاطوم فصل صلاح جديد بمفرده، وطلب من عبد الكريم أن يأخذ الأتاسي وشيا إلى المضافة.

– كيف انتهى الأمر؟

استطاع سائق صلاح جديد الإفلات، وذهب إلى دمشق مسرعاً، وبعد ساعةٍ كان في مكتب حافظ الأسد، وأخبره بما جرى. وعلى الفور، اتّصل الأسد بسلطان باشا الأطرش، وأبلغه بالوضع، وأعطى مهلة قصيرة جداً للإفراج عن جديد ورفاقه، وإلا سيجري قصف السويداء. أغلق الهاتف على نحوٍ متوتّر، وفي الحال نزل الباشا الأطرش إلى السويداء، وطلب من سليم الإفراج الفوري عنهم من دون تردد أو نقاش، واعتبر ذلك عملاً خفيفاً لم تُحسب عواقبه، كما طلب منه مغادرة منطقة الجبل والتوجّه هو ومجموعته إلى الأردن.

وبالفعل، عندما أدرك حاطوم أنه أوقع نفسه في ورطةٍ غير محسوبة النتائج، خصوصاً بعد أن غادر كتيبته التي كانت سنده، وترك العاصمة، أدرك أن هذا عملٌ انتحاري، فأفرج عن جديد والبقية، وغادر مع مجموعته إلى الأردن، ومنهم شريكه الضابط بدر جمعة.

– هل لقي دعماً من أحد في السويداء؟

لم يلقَ من السويداء كمنطقة أي دعم من أي جهة، سوى من بعض ضبّاط متعاطفين معه من بعض القطعات العسكرية في السويداء وازرع، وليس على خلفيةٍ طائفيةٍ أو محلية، بل من الذين لديهم موقف من المجموعة الشباطية، أو الذين يعرفهم من خلال الجيش فقط.

وفي اعتقادي، قام بضربة يائسة، بعدما شعر بأنه مطوّق، وضاق عليه الخناق بعد اعتقالات الضباط من الجبهة، وهم التنظيم العسكري التابع للقيادة القومية، وكانوا كتلة مهمّة جداً. وبالمناسبة، كان هو في لجنة التحقيق مع هؤلاء الضبّاط، وقد اقترحت صيغة داخل القيادة قبل اعتقالي، ووافقني عليها البقية الباقية، لكن الظروف شاءت ألّا يجري ذلك.

وقد شعر جديد والأسد بأن سليم متعاطف مع الضباط الموقوفين، فجرى إبعاده عن التحقيق، واستلم التحقيق وزير الداخلية محمد عيد عشاوي وعبد الكريم الجندي، بتكليف من صلاح جديد، وذلك قبل حركة سليم في أغسطس/ آب 1966. وهذه من الإجراءات التي جعلته يفقد صوابه ويتصرّف كما حصل.

– ما هي علاقة سليم حاطوم بصلاح الدين البيطار الذي فرّ إلى بيروت عام 1966؟

ليس هناك أي علاقة بين مغادرة صلاح الدين البيطار إلى بيروت وسليم حاطوم. فقد جرى اعتقال البيطار والعديد من القيادات الحزبية في 23 فبراير/ شباط 1966، وكان معه شبلي العيسمي أيضاً.

عندما جرى توقيف ضباط الجبهة، كما أسلفت، وهم تنظيم القيادة القومية، وكان المكتب العسكري برئاسة اللواء فهد الشاعر، أجرينا في القيادة دراسة للموقف، واتّخذنا قرارات احترازية، وفي مقدمها اختفاء اللواء فهد وأعضاء في المكتب العسكري السري، ومثلها في ما يخصّ أعضاء القيادة الذين كانوا في السجن، وكانوا على اطّلاع على الخطة بشكل عام عن الانقلاب الذي كان سينفذه المكتب العسكري السرّي التابع للقيادة القومية.

كان البيطار والعيسمي الوحيدَين على علم بالوضع. ونظراً إلى خطورة الأمر، قرّرنا تكليف نسيم سفرجلاني بوضع خطة لتهريب صلاح جديد وشبلي العيسمي، ويرافقهما هو أيضاً إلى لبنان، وهذا ما جرى في اليوم التالي لاعتقال ضبّاط الجبهة منتصف أغسطس/ آب. وبالتالي، ليس لمغادرتهما إلى لبنان أي علاقة بموضوع سليم.

ولا بدّ من توضيح مسألة مهمة تتعلق بالانقسام الذي جرى إثر انقلاب شباط، إذ توزّع الحزبيون بين تأييد الانقلاب والوقوف ضده. كان بعضهم على علاقة مع سليم حاطوم، وهم على ود وتعاطف مع البيطار بحكم العلاقة التاريخية، ومنهم خاصّة النقابي خالد الحكيم، وكذلك الحاج نذير النابلسي، ونبيل الشويري. وعند وجود البيطار في لبنان، كانوا يتردّدون عليه بحكم وجودهم في الخارج، وهم أصدقاء لسليم، خصوصاً نبيل وخالد الحكيم، ومن هنا ربما حصل بعض سوء الفهم.

– ما هي ملابسات عودة سليم حاطوم من الأردن وإعدامه في 24 يونيو/ حزيران 1967؟

في الحقيقة، من يعرف سليم حاطوم وبدر جمعة عن كثبٍ لا يستغرب هذا القرار الخطير على حياتهما، والذي أقدما عليه في تلك الظروف التي تلت الهزيمة. أول ما يتبادر إلى الذهن أن لديهما شجاعة نادرة كأشخاص، وفي الوقت نفسه، يتّخذان قرارات متهوّرة، خصوصاً بعد الهزيمة المذلة في حرب حزيران مع إسرائيل. وكما نقل لي نبيل الشويري، أصابهم جميعاً الذهول، وشكلت الهزيمة صدمة كبيرة، خصوصاً عند العسكريين، وكنتُ بينهم في سجن المزّة العسكري، وكان وقع الحدث فجيعة وكارثة على الجميع.

سيطر الارتباك والحيرة على سليم وبدر، وكلاهما يعتزّ بفائض من الشجاعة، وفي الوقت نفسه بالتهوّر. فحسما الأمر وقرّرا تناسي الخلافات، والمهم بالنسبة لهما الالتحاق بالجيش من أجل تحرير الأرض وإعادة الجولان، خصوصاً أن قطعة سليم العسكرية كانت مرابطة في الجولان، ويعزّ عليهما فقدان هذه المنطقة وانهيار “خط ماجينو”، كما يسمّيه القادة العسكريون.

نقل لي نبيل محاولاته لثنيهما عن هذا القرار، وقال: “عبثاً حاولنا”. والحقيقة، عندما يعرف الإنسان طبيعة هؤلاء، وحماسهم الوطني، وشجاعتهم، وتهوّرهم، والظروف التي تلت الهزيمة، يدرك أنهم أقدموا على هذا القرار بدافع وطني نبيل وصادق، بدون أدنى شك. حاول خالد الحكيم أن يقوم بدور لثنيهما، ولم يفلح أيضاً. وتجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية، أنه بدأ يتكشف في ذلك الوقت أن احتلال الجولان وسقوط القنيطرة جريا بطرق مريبة.

وبالمناسبة، عندما نُفذ الإعدام بهما، كانت أمعاء سليم أمامه من التعذيب الوحشي الذي تعرّض له بشكل خاص. وبذلك، تخلّص النظام من الهاجس الذي كان يقض مضاجعه.

– هل أُعطيت قضية حاطوم أكبر من حجمها؟

جرى التركيز عليه منذ الأيام الأولى بعد 8 مارس/ آذار 1963، بسبب وجوده وقطعته في المراكز التي كانت تحت حراسته، كما ذكرت. بالإضافة إلى أن المجموعة التي تقود اللجنة العسكرية، وخصوصاً صلاح جديد وحافظ الأسد، كما سمعت من رئيس اللجنة اللواء محمد عمران، كانت تريد التركيز على سليم لإبعاد النقد عنها، وتحميله الأخطاء، وتصويره أنه المسؤول الأول، كونه في موقعٍ يسهل تناوله بمختلف الشائعات.

وحسب التقديرات، وما ظهر لاحقاً من اكتشاف خلفية هذه المجموعة، وخصوصاً حافظ الأسد وحكمه خلال نصف قرن، كان التركيز على المسألة الطائفية وترويجها، خصوصاً في الجيش والأجهزة الأمنية، كما في قضية المناطقية أيضاً. وكان من السهل زج اسم سليم وضبّاط جبل العرب، كما لمسنا ذلك في أثناء التعامل معنا جميعاً، والتعذيب الذي جرى لبعضٍ منهم في معسكرات برزة والقابون.

– كيف أثرت قضية سليم حاطوم على علاقة السويداء بالحكم في عهد حافظ الأسد؟ وهل تركت آثاراً طائفية؟

نعم، كان لها تأثير سيّئ، لأنّ النظام بث شائعاتٍ ذات خلفية طائفية. والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها ربط موضوع الانقلاب الذي خطّطت له القيادة القومية برئاسة اللواء فهد الشاعر بحركة سليم، كما جرى استهداف القيادات المدنية والعسكرية، وخصوصاً شبلي العيسمي ومنصور الأطرش، وهما من بين رموز حزبية تاريخية من السويداء، بالإضافة إلى الإرث الوطني لقيادة الثورة السورية الكبرى، ودور جبل العرب عموماً.

خلّفت هذه الحملة التي استهدفت هؤلاء القادة الكبار شرخاً كبيراً في نفوس أبناء السويداء، الذين شعروا بأن الغرض من ذلك السلوك تشويه سمعة أبناء الجبل، ومحاولة التحريض عليهم بأساليب غير مقبولة ومرفوضة أصلاً. وقد تناول منصور الأطرش المسألة في مذكراته “الجيل المدان”، وأشار بالضبط إلى ما ذكرت. في حين أن وطنية أهل السويداء وانتماءهم العربي الأصيل ليسا محلّ نقاش.

ترك التصرّف تجاه جبل العرب جروحاً طائفية عميقة في النفوس، وقد جرى تعميمُه على سورية قاطبةً. لقد مارس النظام الأسدي سياسةً كتب عنها المرحوم صلاح الدين البيطار، الذي اغتاله النظام في باريس عام 1980. وقد وصف هذه السياسة بـ”الطائفية السياسية”، التي اتبعها النظام سياسةً ثابتة وطُبقت على الجميع.

وقد نبّه البيطار إلى ذلك مبكّراً في مقال له بعنوان “سورية مريضة”، وأشار صراحةً إلى أن الأسد أخذ الطائفة والمنطقة رهينة، وزجّهما في معركةٍ مع الشعب السوري بكامله. وكان يقول لي إّن أول ضحاياه وأهمهم كانوا من القادة من أبناء الطائفة، وفي مقدمهم مؤسّس اللجنة العسكرية ومعلمهم، اللواء محمد عمران، وقد غُدر به وجرى اغتياله في طرابلس عام 1972 في لبنان. كما جرت تصفية اللواء صلاح جديد في السجن عام 1993 كما أعتقد؛ ناهيك عن شخصياتٍ مرموقةٍ في سورية ولبنان، وكان آخر ضحية على مستوى القادة المعروفين شبلي العيسمي، إذ جرى خطفه من عاليه في لبنان بداية الثورة عام 2011. وكان قد سبق ذلك، في فترة اغتيال البيطار، محاولة اغتيال المرحوم الشيخ عصام العطار في ألمانيا، ولم يكن في منزله، فاغتالوا زوجته.

– كيف تقيّم آثار التركة الأسدية على المجتمع السوري؟

طاولت نتائج هذه التركة كل شيء في المجتمع السوري، وكل القيم الأخلاقية والاجتماعية، وأخطر ما تركت: الجرثومة السرطانية الطائفية بأبشع صورها، والتي أحدثت انقساماً عميقاً في النفوس. وهذه حقيقة لا يجوز القفز فوقها.

وأعتقد أن الشعب السوري، الذي خضع لهذه الحقبة الظالمة، لا يزال يملك الخميرة في الاعتدال والعقلانية، كما يملك الحسّ الوطني والانتماء والهوية العربية الجامعة، التي هي جوهر الوحدة الوطنية وأساسها، وهي رأسمال سورية عبر التاريخ، والسلاح الاستراتيجي الذي يتميّز به الشعب السوري العظيم.

الجهاد الحقيقي اليوم جهاد مع النفس. والمصالحة مع الذات حتّى نتصالح مع الآخر، وحتى نرى مستقبل الأجيال. إذ بدون ذلك، لا يمكن أن نبني مجتمعاً قابلاً للتعايش، وتحقيق السلم الأهلي شرطاً أساسياً لإعادة إعمار سورية، وتحقيق الازدهار، والاستثمار، والتقدّم.

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ التحدي الكبير والأساسي في هذه المرحلة إنجاز المصالحة الوطنية، عبر الحوار الوطني الشعبي، الذي تقوده القوى الاجتماعية، وفي مقدمها النقابات والشخصيات الوطنية السياسية والاجتماعية، لطي صفحة الماضي والانطلاق نحو المستقبل من أجل الأجيال القادمة.

لا حلّ إلا بالحوار وسيادة القانون ونبذ الطائفية

يتابع سابا في هذه السياق: لا يمكن أن نبني المجتمع، وعموده الأساس الإنسان السوري، من دون أن نبني دولة، ومن باب أولى مؤسسات تنفّذ القانون. إنّ دولة المواطنة، وبالتالي دولة القانون، وأوجّه هنا نداء المسؤولية التاريخية إلى شعبنا السوري. سورية الراهنة حصيلة تاريخ طويل، ونتيجة لنصف قرن من التركة الأسدية المسمومة. وبعد حرب أعلنها هذا النظام على الشعب السوري وثورته منذ 14 عاماً، استخدم فيها فئة ضدّ أخرى، لخلق العداوات بين أبناء الشعب الواحد، لمصلحة بقاء العائلة الأسدية.

كان التطييف المنهجي الذي طُبق في العراق خطة مبيّتة، وقد بدأوا منذ اليوم الأول بتطبيق نسخة طبق الأصل عن الحالة العراقية، وكانت إيران تديرها وتشرف عليها. وقد جرت مكافأتها من أميركا، التي أطلقت يدها في العراق، وقدّمته لها على طبق من ذهب.

انتعاش الخطاب الطائفي كان تمهيداً لتعزيز الحالة المرضية والانقسامات، وتبنّته الاحتلالات الأجنبية التي استباحت سورية، كما لا ننسى الآثار السلبية على العمل السياسي داخل أطر المعارضة، ومما زاد الطين بلة، حالة الهذيان والأوهام عند بعض المعارضات، والرهان على التدخل الخارجي، لدرجة تخلّوا فيها عن قرارهم الوطني، وسلّموا رقبتهم والثورة إلى الأجانب، دون تقدير النتائج المدمّرة التي ترتبت على ذلك.

لقد سبق النظام الجميع بدعوته إيران ومليشياتها، ومن ثم روسيا وجيشها، وجرى تمزيق سورية، واستباحَتْها خمسةُ جيوش وأتباعهم من تنظيمات محلية.

كل ما سبق، بالإضافة إلى عوامل متعدّدة، شكّل إرثاً عزّز الانقسامات الطائفية والمذهبية داخل المجتمع، وكان من أخطر نتائجه المدمّرة استهدافُ الهوية الوطنية، والتشكيك بالانتماء العربي، وهذا هو جوهر المشروع الإيراني.

ولا بدّ من الإشارة إلى مسألة في غاية الخطورة في هذا الوقت بالذات، وهي دعوات الانفصال لهذه المنطقة أو تلك. فهي، إلى جانب كونها مستنكرة ومرفوضة، مشاريع عبثية مدمّرة للذات قبل أن تؤذي الآخرين.

يجب أن يعود كلٌ منّا إلى ضميره الوطني، أولاً وقبل كل شيء، والتحلي بالحكمة والعقل من الجميع، وإطلاق حوار وطني من مؤسسات المجتمع المدنيّ ذات التاريخ والمصداقية والنزاهة، والتحلي بأهم سمات المجتمعات المتقدمة: سيادة القانون والتسامح فيما بيننا، من أجل تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

المطلوب، وبوضوح لا يقبل اللّبس، هو القطع مع الطائفية المقيتة إلى مرحلة السياسة؛ أي التأسيس لبناء المجتمع واستعادة وحدته الوطنية، وبناء دولة المؤسسات، أي دولة القانون، ومغادرة منطق “الأقليّات والأكثريّات”، والعمل على تأسيس منظومة سياسية.

علينا أن نعترف بحدوث تجاوزات، بدون أدنى شك، لكن يجب ألّا نحولها إلى كارثة تعصف بالبلاد كاملةً. وبكل صراحة وصدق وأمانة مع الضمير الوطني، فإنّ دعوات الانفصال، أياً كانت مبرّراتها، هي فتنة، نارها ستلتهم الجميع بدون استثناء، ولا يجوز اللعب بمصير الأجيال.

وبرغم قسوة ما حدث، يجب ألّا نفقد البوصلة. هذه الدعوات هي لاقتلاع شعبنا من جذوره. وهذا النداء موجّه أيضاً إلى الإخوة السوريين الأكراد، فنحن أبناء وطن واحد، ويجب أن نتعافى من الحالة المرضية الانقسامية الأسدية بكلّ صورها، ونعود إلى أصالة الشعب السوري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

بطاقة

ناصر سابا من مواليد: 1941 – قرية خربا، محافظة درعا، جنوب سورية.

درس الحقوق في دمشق، وحاز على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة السوربون ودكتوراه العلوم السياسية في دوفين.

اعتُقل عام 1962 في عهد الانفصال بسجن المزة.

اعتُقل عام 1966 بعد انقلاب 23 شباط، وأودع في سجن المزة مع 141 ضابطاً من الجيش السوري.

أسّس جبهة وطنية بالتعاون مع جمال الأتاسي، ضمّت العديد من الأحزاب المعارضة.

شارك عام 1969 في تأسيس جبهة التحرير العربية مع شبلي العيسمي، ومنيف الرزاز، وزيد حيدر، وصلاح عمر العلي.

غادر إلى باريس، وكان إلى جانب صلاح الدين البيطار حتّى اغتياله عام 1980.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى