أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

أزمة «الحداثة السياسية» في سوريا: من خطاب النقد إلى صدمة الإنجازا/ وائل مرزا

أزمة «الحداثة السياسية» في سوريا: من خطاب النقد إلى صدمة الإنجازا/ وائل مرزا

16-09-2025

        ليست الصحافة مجرد نقلٍ للأخبار أو رصدٍ للوقائع اليومية، وإنما هي ممارسة فكرية تسعى إلى مقاربة الأحداث التي تحمل دلالات عميقة وتأثيراً مباشراً على مسار المجتمع والسياسة والثقافة. وفي سياق التحولات التاريخية الكبرى التي تشهدها سوريا، تبرز بعض الظواهر السياسية والفكرية التي تستحق التوقف والتحليل الجاد، لا باعتبارها شواهد آنية، بل بوصفها مؤشرات على إعادة تشكيل البنية الثقافية والسياسية في البلاد.

        من بين هذه الظواهر، النقاش الذي أثاره، منذ أيام، الدكتور ياسر العيتي، رئيس «تيار سوريا الجديدة»، حين تحدّث عن تجربة ونشاط التيار بعد التحرير، وأشار إلى أنهم يمارسون عملهم السياسي في الداخل السوري بحرية، دون تضييق من الدولة سوى ما تفرضه الإجراءات الإعلامية الرسمية. متسائلاً عن غياب القوى والتيارات السياسية الأخرى، رغم أن الساحة اليوم مفتوحة للعمل العلني، وأن المرحلة تحتاج شجاعة ومبادرة لا مزيداً من تلبُّس مشاعر الضحية أو الاكتفاء بالنقد. هذا نقاش يفتح الباب واسعاً أمام قراءة معمقة لمشهد ثقافي وسياسي غير مسبوق في تاريخ سوريا الحديث.

        إن هذه الكلمات تفتح باباً واسعاً لتحليل ظاهرة سياسية وثقافية عميقة: مشهد غير مسبوق تتحكم فيه قوى إسلامية صعدت من قلب الثورة، واستطاعت تحقيق ما كان المجتمع الدولي بأسره يراه مستحيلاً: تحرير سوريا من نظام الأسد. منحها هذا الإنجاز رصيداً هائلاً من القبول الجماهيري والشرعية السياسية. لكن المفارقة أن الفريق الوحيد الذي يعمل، بهمةٍ وعزيمةٍ وإصرار، على أرض الواقع، للتحضير لمَهمة «مُنافسة» السلطة هي مجموعةٌ أخرى لا تُخفي، ولايَخفى على السوريين، خلفيتُها الإسلامية أيضاً! وهذا التيار يقدم نفسه رسمياً على أنه «معارضٌ» للسلطة. لكن معارضته تبدو موضوعيةً بمنطق السياسة، ولاتتحرك بمنطق المناكفة، فهي تنقد، وأحياناً بقوة، السلبيات حيث يكون مقام النقد مطلوباً، لكنها، أيضاً، تُنصِفُ بخصوص الإيجابيات حين يكون الإنصاف عدلاً!

        بالمقابل، تبدو التيارات الحداثية، حتى الآن، في حالة شللٍ سياسي وفكري كامل، مُكتفيةً بالتنظير والنقد والبيانات. والمفارقةُ في الظاهرة أن هذا الفشل لا يبدو مرتبطاً بالضعف التنظيمي والهيكلي فحسب، وإنما بعمق أزمة الحداثة السياسية السورية التي عجزت عن الانتقال من موقع المعارضة التقليدية إلى موقع المشاركة في صناعة الدولة الجديدة.

        ما نقترحه هنا أن هذه العطالة الفكرية والسياسية بلغت ذروتها بفعل صدمة نفسية – سياسية (تراوما) أحدثها إنجاز الإسلاميين بتحرير البلاد. فالكثير من النخب، التي اعتادت النظر إليهم كمصدر خطرٍ ثقافي أو سياسي، وجدت نفسها في مواجهة واقع يهدم سردياتها التاريخية، إذ أصبح الإسلاميون هم من صنعوا أهم تَحوُّل في تاريخ سوريا الحديث، بينما اكتفى الحداثيون بالمشاهدة والتعليق. هذه الصدمة لم تكن مجرد حالة انفعال لحظي، وإنما أحدثت شللاً إدراكياً لدى النخب، جعلها عاجزة عن التفكير في استراتيجيات جديدة أو اقتراح حلول عملية، بل دفعتها في بعض الأحيان إلى مزيد من التشكيك والتشويه والعدمية، وكأنها تحاول الدفاع عن موقعها القديم عبر رفض الواقع بدل التعامل معه.

        وهذه المفارقة تكشف أن ما يعيشه الحداثيون اليوم ليس مجرد ضعف تنظيمي، وإنما يمثل أزمةً فكريةً وسياسيةً مركّبة. فكثيرٌ من أفرادها ما زال يعيش في إطار المعارضة التقليدية التي عرفت النقد من الخارج فقط، ولم تمتلك أدوات الدخول في لعبة الدولة وإدارة المجتمع. هذه الحالة، التي يمكن تسميتها بـ«العطالة الحداثية السياسية»، تعني أنهم لم يبنوا رصيداً عملياً أو نفسياً يؤهلهم للمنافسة في واقعٍ سياسي جديد، بينما تصاعدت، بشكلٍ مضطرد، حركة نخب ميدانية صاغت مشروعها وسط الدماء والتضحيات.

        إن ما نشاهده، من منظور علم النفس السياسي، هو نموذجٌ واضح لـ«الصدمة السياسية الجمعية» (Collective Political Trauma) لدى قطاع من النخب التي بَنَت هويتها الفكرية لعقود على خطاب معارضةٍ يُشيطن الإسلاميين، ويعتبرهم عاجزين عن تقديم مشروعٍ حضاري أو سياسي. وعندما انقلبت المعادلة، بشكلٍ من الأشكال، وتحوّلَ الإسلاميون إلى القوة التي أنجزت ما لم تستطع النخب الأخرى أن تقترب منه، برزت حالة ارتباكٍ معرفي وانسداد أفق. هذا الانسداد يُفسر انسحاب الكثيرين إلى مربع النقد الدائم والخطاب العدمي، بدل صياغة مشروع بديل.

        نحن هنا، فلسفياً، إزاء إعادة تعريف لمفهوم القيادة السياسية: فالشرعية لم تعد تُستمَدُّ من الشعارات أو الإرث الإيديولوجي، بل من الإنجاز الميداني والفعل السياسي الواقعي. والواضح أن تجربة التحرير بقيادة الرئيس أحمد الشرع رسّخت نموذجاً سياسياً يجمع بين البُعد العملي والاستراتيجي، وأعادت الاعتبار لفكرة أن العمل السياسي هو ممارسة قائمة على التضحيات والميدان لا على العناوين الفكرية. هذا التحول الثقافي يوضح أن الإسلام السياسي السوري، خلافاً للتصورات القديمة، قد يكون في طريقه للدخول في مرحلة نضجٍ تاريخي، بينما تنهار الحداثة السياسية أمام صدمة الواقع، متراجعة إلى موقع المتفرج، عاجزة عن التعامل مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

        أما في منطق السياسة، فالظاهرة تكشف أننا أمام مشهد يُعاد تشكيله بالكامل: القوى التي نجحت في بناء مشروع تحرري وطني هي من تمتلك الشرعية السياسية اليوم، بتعريفات الشرعية الأكاديمية، فيما الحداثيون عالقون في عقلية «النقاد المزمنين».

        وأخيراً في هذا السياق، يبدو، بالتحليل الاجتماعي، أن هذا التحول يُعيد صياغة مفهوم النخبة ودورها، إذ لم يعد المثقف السوري قادراً على الاكتفاء بالمواعظ والتحليلات لتحقيق دوره وتأكيد وجوده، وإنما أصبح مطالباً بالانخراط المباشر في إعادة بناء سوريا، لأن الشرعية الحقيقية تُصنَع في اللحظة التاريخية، لا في مراكز الدراسات ولا عبر المقالات وحدها.

        اللافت في الموضوع أن هذه الظاهرة ليست استثناءً سورياً، وإنما تجد جذوراً لها في تجارب عالمية مشابهة؛ ففي الثورة الجزائرية مثلاً، صعدت جبهة التحرير الوطني إلى قيادة الدولة بفضل نضالها العملي، بينما همشت النخب الليبرالية نفسها. وفي جنوب إفريقيا، امتلكَ نيلسون مانديلا ورفاقه شرعية تاريخية صنعت لهم تفوقاً سياسياً لا جدال فيه، في حين بقيت بعض النخب التقليدية عاجزة عن مواكبة التحولات. وفي فيتنام، تحولت حركات المقاومة الشعبية إلى قوة سياسية صلبة أعادت بناء الدولة، بينما فقدت النخب المدعومة خارجياً مصداقيتها. هذه الأمثلة تكشف أن التحولات الكبرى لا ترحم النخب التي تعجز عن إعادة صياغة نفسها، وأن الشرعية السياسية في الأزمات التاريخية تصنعها التضحيات والإنجاز لا التنظير المجرد.

        وبشكلٍ عام، يُظهر التاريخ أن لحظات التحوّل الكبرى تعيد تشكيل النخب. ونحن في سوريا اليوم أمام فرز سياسي وثقافي جديد. نخبٌ لم تستوعب أن الشرعية تُصنَع بالفعل الميداني وستبقى في الهامش، فيما تصعد نخب جديدة تحمل مشروعية التجربة والتضحية. هذه ليست أزمة أفراد وإنما هي أزمة منظومة فكرية؛ وبالتالي، فإن خطاب العدمية الحالي هو انعكاس مباشر لعجز الحداثة عن التكيف مع واقع سياسي تجاوزها.

        إن صدمة الحداثيين من إنجاز التحرير لم تؤدِّ إلى ارتباكهم السياسي فحسب، وإنما أعادت إنتاج خطابهم القديم بشكلٍ أكثر حدة وعدمية، وكأنهم يحاولون تعويض فقدان زمام المبادرة برفع مستوى التشكيك في الدولة الجديدة والتحقير من مشروعها. إلا أن هذه الحالة نفسها تعكس أن المعادلة السياسية والثقافية في سوريا دخلت مرحلة نضجٍ عميق: النخب الجديدة تصعد من رحم الميدان والتجربة الدامية، بينما النخب القديمة تختفي تدريجياً تحت ثقل عجزها النفسي والسياسي عن مواجهة الواقع الجديد.

        إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تحول في توازن القوى، وإنما هو أشبه بانعطافةٍ تاريخية في الثقافة السياسية السورية: الإسلاميون يبدون وكأنهم على طريق تجاوز محنتهم التاريخية، وتقديم إنجازٍ عملي سيبقى علامة فارقة، بينما النخب الحداثية تعيش حالة «شلل وجودي» ربما يكون تعبيراً عن صدمة حضارية جعلتها عاجزة عن صياغة رؤية متوازنة للمرحلة الجديدة. ولعل هذا التحول لم يكن ليتضح لولا التحرير الذي عرّى النخب القديمة وكشف هشاشة حضورها على الأرض. إن تجربة الإسلاميين في الحكم والعمل السياسي تبدو وكأنها تحمل سمات النضج الاستراتيجي، بينما الحداثيون ما زالوا أسرى التنظير والإعلام. وإذا لم تستوعب هذه النخب هذا التحول النفسي والسياسي العميق، فستجدُ نفسها في الهامش، بينما تتشكل قيادة جديدة تستمد شرعيتها من دماء التحرير وتجربة التغيير، لا من أبراج الفكر المغلقة.

        وبالمحصلة، فإن ما تطرحه الظاهرة التي نبحث فيها يفتح نقاشاً واسعاً: نحن أمام موت مشروع فكري قديم وبروز آخر جديد. فالإسلاميون، بعد التحرير، يفرضون أنفسهم بقوة الإنجاز، بينما يعيش الحداثيون صدمة فقدان الدور التاريخي. هذه لحظة تأسيسية لا بد للنخب من الاعتراف بها والتعامل معها بعقلانية؛ فالزمن لن ينتظر من يكتفي بالتحليلات والنقد، وإنما سيفرز قيادة جديدة من قلب التجربة، ومن رحم الدماء والمعاناة.

        وهذا كله، في نهاية المطاف، ليس واقعاً يستدعي الفرحة في سوريا الجديدة، ولاهو مدخلٌ لشماتةٍ طفوليةٍ تعيشُ السياسةَ بوصفها مناكفات. فوجود الإسلاميين «المنتصرين» في ساحة السياسة السورية قد يكون شرطاً «لازماً» لتصحيح المعادلات السياسية المُختلّة في البلد منذ عقود، لكنه لن يكون أبداً، في حد ذاته، «كافياً» لبناء سوريا جديدة حقاً، لن تُمكِنَ ولادتُها إلا من رحم التفاعل الحقيقي لكل قواها السياسية، بغض النظر عن الانتماءات والخلفيات.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى