تطور الاقتصاد السوري تحديث 12-18أيلول 2025

لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي
————————————-
كلمة السرّ في تغيّرات سعر صرف الليرة السورية/ إياد الجعفري
الأحد 2025/09/14
بعيداً عن صخب السياسة، واشتباكات المؤثّرين في السوشال ميديا، نزعم أن التغيّر الأخير في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، يحتل مرتبة متقدمة في قائمة اهتمامات معظم السوريين في الداخل، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على معيشتهم.
ومنذ مطلع شهر آب المنصرم، وحتى اليوم، خسر سعر صرف الليرة مقابل الدولار، نحو 10.15% من قيمته. فهل سيكون ذلك، تذبذباً مؤقتاً، أم تراجعاً مستقراً؟ قبل أن نحاول الإجابة، قد يكون من المفيد رسم تصوّر واضح للعوامل التي أثّرت في سعر صرف الليرة منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، وحتى اليوم. ومدى استقرار تأثير كل عامل.
ولنبدأ من اللحظة التي سبقت انطلاق عملية “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني 2024، وكان مبيع “دولار دمشق”، حينها، عند 15 ألف ليرة. قبل أن تهوي الليرة، وصولاً إلى ليلة سقوط النظام، واليوم التالي لها، حينما أصبح “دولار دمشق” بـ30 ألف ليرة. وبعد ثلاثة أيام فقط من فرار بشار الأسد، واستقرار المشهد الميداني لصالح “هيئة تحرير الشام” وحلفائها في غرفة عمليات “ردع العدوان”، ارتد سعر الصرف مجدداً إلى 15 ألف ليرة لكل دولار. وبذلك نجد أن الأثر النفسي لسقوط النظام البائد على سعر صرف الليرة، لم يكن مستقراً.
بعد ذلك بأيام، دخل عامل جديد، ترك أثره المستقر على سعر الصرف. إذ أتاحت السلطات الجديدة تداول الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، من دون أية قيود. وهنا بدأت الليرة بالارتفاع، بدفعٍ من تحرير سوق الصرف، وحركة عرض كبيرة للدولار وعملات أجنبية أخرى من جانب سوريين تدفقوا من الشمال إلى مناطق سيطرة النظام السابق. وكانت حصيلة هذا المتغيّر الجديد، خلال شهر ونصف الشهر، ارتفاع قياسي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، بنحو 23.3%. ترافق ذلك مع انخفاض ملحوظ في أسعار السلع والبضائع بنسبة تقترب من 30% (في بعض الحالات)، على وقع فتح الأسواق للبضائع المستوردة الآتية من الشمال السوري.
وفي نهاية كانون الثاني الفائت، دخل عامل جديد، نفسيّ الطابع، على خط التأثير. إذ حلّقت الليرة ارتفاعاً، على وقع مؤتمر النصر بدمشق، والذي أعلنت فيه الفصائل العسكرية المشاركة في غرفة عمليات “ردع العدوان”، تنصيب أحمد الشرع رئيساً للبلاد. أعقب ذلك، زيارة أمير قطر إلى دمشق، ومن ثم زيارة الشرع إلى السعودية.
تأثير مؤشرَي الاستقرار السياسي والميداني، والدعم الخليجي، كان نوعياً في سعر الصرف، لكنه كان منفصلاً عن أسعار السلع والخدمات. وعلى مدار نحو 40 يوماً من تاريخ هذا التأثير، ارتفع سعر صرف الليرة بنحو 8.70%. لكن ذلك ترافق مع شح في السيولة من الليرة، وركود في حركة الإنتاج والبيع والشراء. ولأول مرة، بدأ السوريون ينظرون إلى ارتفاع سعر صرف عملتهم، بصورة سلبية. إذ انخفضت القوة الشرائية الفعلية للسوريين بنسبة تقترب من 10%.
وكان ملفتاً أن الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري، في آذار الفائت، تسببت في تأثير مؤقت وطفيف على سعر صرف الليرة، الذي تراجع بنسبة 5% لأيام فقط، قبل أن يرتفع مجدداً. لكن التأثير الأكثر استقراراً، كان لزوال أثر الحوالات المضاعفة التي تأتي من الخارج للسوريين، في رمضان. إذ تراجع سعر صرف الليرة بصورة تدريجية بعيد عطلة عيد الفطر، ليسجّل انخفاضاً بنحو 8.70%.
لاحقاً، تسببت الأحداث الدامية في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، نهاية نيسان ومطلع أيار الفائت، في تراجع بنسبة 5.65% في سعر صرف الليرة. قبل أن يزول هذا الأثر، وتحقق الليرة قفزة دراماتيكية في سعر صرفها، على وقع أحداث جديدة ذات وَقعٍ نفسيّ. إذ التقى الشرع بدونالد ترامب في السعودية، ومن ثم تم رفع العقوبات الأوروبية وتخفيف العقوبات الأميركية. وهي أحداث تسببت في تحسّنٍ استقر أثره لأكثر من شهرين، بنسبة ارتفاع لليرة بنحو 9.5%. وفي منتصف تموز الفائت، تسببت أحداث السويداء الدامية في تراجع محدود لليرة، لكنه مستقر، بنحو 1.25%.
لكن، منذ مطلع آب الفائت طرأ متغيّر جديد، يتعلّق بحجم السيولة من الليرة في الأسواق. إذ بدأ تنفيذ قرار زيادة أجور موظفي القطاع العام ومتقاعديه، الصادر في حزيران الفائت، بنسبة 200%. قبل أن يدعمه متغيّر جديد، وهو تأكيد المركزي السوري خبر طباعة عملة جديدة مع حذف صفرين. وهو ما دفع شرائح محددة إلى تبديل ما معها من ليرة سورية بالدولار، تحديداً في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في دمشق، وذلك خشية أن تواجه هذه الشرائح صعوبة في تبديل الليرة القديمة بالجديدة، عبر المنافذ التي ستفعّلها السلطات الرسمية.
هذان المتغيّران، تسببا خلال آخر 40 يوماً، بتراجع لسعر صرف الليرة بنحو 10.15%. والملفت أن الإعلان عن مذكرات تفاهم واتفاقيات استثمارية خليجية في سوريا، بنحو 20 مليار دولار، خلال الشهرين الأخيرين، لم يؤثر مطلقاً على تذبذبات سعر صرف الليرة، الأمر الذي يؤشر لتلاشي الأثر النفسي للأحداث ذات الطابع السياسي، والتي كانت قادرة على إحداث تغيرات دراماتيكية في سعر الصرف، في الأشهر الخمسة الأولى من حكم العهد الجديد بدمشق.
وبناء على العرض السابق، نجد ثلاثة أصناف من العوامل التي أثّرت في سعر صرف الليرة منذ سقوط النظام البائد. الصنف الأول، نفسيّ الطابع، مرتبط بأحداث سياسية بصورة خاصة. وهي كما أشرنا، باتت ضئيلة الأثر أو بلا أثر مستقر. أما الصنف الثاني من العوامل، فهو الأحداث الميدانية الدامية، والتي كانت ذات أثر مستقر، لكنه محدود للغاية. أما الصنف الثالث من العوامل، وهو المتعلّق بالمتغيّرات المؤثّرة بحجم وحركة العرض والطلب من الليرة والدولار في السوق السورية. وهي العوامل التي نزعم أنها كلمة السرّ في التغيّرات الأكبر، والأكثر استقراراً في سعر صرف الليرة.
وهو ما يدفعنا لتوقّع أثر مستقر للانخفاض الأخير في سعر صرف الليرة. لكن من الصعب تخمين مداه، وهل سيستمر أم سيتوقف. وذلك بسبب غياب أي معلومات دقيقة عن حجم السيولة من الليرة التي يمكن أن تخلق طلباً على الدولار. إلى جانب عدم وجود معلومات دقيقة عن القيمة الإجمالية لكتلة البضائع والسلع المتاحة في الأسواق. ذلك أن زيادة الأجور بنسبة 200%، لم تتسبب بزيادة مماثلة في أسعار السلع، كما كان يحدث مع كل زيادة للأجور في عهد النظام البائد، وهو ما يُفسَّر بعاملين: القيود على السيولة في المصارف السورية، وبقاء الطلب تحت حاجز العرض من السلع بسبب ضعف القوة الشرائية، وهو ما يجعل رفع أسعار السلع بنسب كبيرة، مضرّاً للتجار.
ونعتقد أن أثر زيادة الأجور قد استقر. لكن يبقى أن الأفق لا يزال متاحاً أمام أثرٍ إضافي ناجم عن قضية تبديل العملة. الأمر الذي يجعل الليرة مرشحة لانخفاض جديد، إن لم تدخل متغيّرات جديدة على الخط. ومن غير المتاح تقدير حجم الانخفاض المرتقب، لكن من المرجح ألا يكون دراماتيكياً.
المدن
—————————–
صندوق التنمية السوري بين الجدل والأمل/ د. عبد المنعم حلبي
2025.09.12
شهد الأسبوع الأول من شهر أيلول الجاري انطلاقة صندوق التنمية السوري، وذلك بعد شهرين من إصدار الرئيس الشرع مرسوماً بتأسيسه.
ومع انطلاقته الاحتفالية، الرسمية والخطابية، تم عقد جلسة تعهدات بتبرع وهبات تجاوزت ستين مليون دولار أميركي. وعلى الرغم من تحديد المرسوم المُشار إليه العديد من ركائز عمل هذا الصندوق، باعتباره معتمداً على التبرعات والهبات والعطاءات، ومرتبطاً بعملية إعادة الإعمار، وكذلك تحديد قطاعات عمله بالتعليم والصحة والسكن والبنى التحتية، إلا أن ذلك لم يمنع من وقوع جدل حول ماهيته وقنوات صرف أمواله، والأولويات التي يمكن أن يشتغل عليها، والدور الحقيقي له في ظل المتطلبات الهائلة لعملية إعادة الإعمار، والتداخل المحتمل في عمله مع صناديق وهيئات أخرى، وربما وزارات ومؤسسات عامة موجودة تعمل ضمن العناوين نفسها التي سيشتغل عليها هذا الصندوق.
أسُّ هذا الجدل كان شكلياً، ودار حول اعتبار هذا الصندوق سيادياً أم لا. وعلى الرغم من أن المرسوم الذي أوجده يوضح بصورة جلية اعتماده على أموال داعمين خارج مؤسسات الدولة ومواردها، من رجال أعمال وشركات وأفراد، وبالتالي لا يمكن اعتباره سيادياً بأي حال من الأحوال، لأن الصناديق السيادية تعتمد على الموارد العامة التي تقدمها الدولة، من قبيل فائض الموازنة العامة الحكومية وفائض تصدير الموارد الطبيعية وغيرها، إلا أن هذا الاختلاف جرَّ خلطاً آخر بخصوص ميدان عمله، حيث أكد مدير عام الصندوق وبعض المسؤولين الاقتصاديين عبر الإعلام أن سيادية هذا الصندوق “المفترضة” تقتضي عمله بالتضافر والتكامل مع وزارات الحكومة الانتقالية ومؤسساتها العامة الاقتصادية والإدارية والمحافظات، والهيئات الأخرى العامة ذات الصلة، على الرغم من أن ذلك كله ليس منصوصاً عليه في المرسوم عينه.
جدل آخر برز على وسائل التواصل الاجتماعي، وامتنع مدير الصندوق عن التعبير عن رأيه فيه على إحدى وسائل الإعلام العربية، ودار حول الأسماء التي ظهرت في قائمة المتبرعين. إذ لم يعد اسم عائلة الخياط غريباً عن الأوساط السورية منذ توقيع اتفاقات الاستثمارات الكبرى “المليارية” في مجال الطاقة في تموز الماضي. ومع ورود معلومات حول ارتباط هذه العائلة بمحمد حمشو، كبير رجال الأعمال المحسوبين على النظام السابق، ظهر ابناه أيضاً بين ضيوف الحفل، ثم في قائمة المتبرعين للصندوق بمبلغ مليون دولار. كما بدأت محركات البحث تدور على وقع أسماء أخرى، كان أو يُنتظر أن يكون لها نصيب من الاتفاقات المعقودة في مجالات المقاولات والخدمات العامة، ولاسيما الكهرباء والمياه والاتصالات، والتي أجرتها وتجريها مختلف المؤسسات العامة ذات الصلة مع العديد من الشركات الأجنبية والوطنية أو المختلطة.
والأهم مما سبق، الصدمة التي ولّدتها تصريحات بدت ارتجالية من قِبل أكثر من مسؤول اقتصادي حول المجالات والقنوات التي يمكن أن تُصرف فيها هذه التبرعات. فعلى الرغم من أن الصندوق لم يضع بعد خطة عمله، ولم يتم تحديد هيكله التنظيمي ولا نظامه الداخلي، إلا أن مرسوم تأسيسه نص على مساهمته في إعادة الإعمار، والتي يُقصد منها –بديهياً– إعادة تأهيل المناطق التي عانت من التدمير، ودعم قطاعات التعليم والصحة فيها في المرحلة الأولى على الأقل، وتشييد البنى التحتية والمرافق العامة، إضافة إلى مشاريع القرض الحسن التي ترتبط بطبيعتها ببرامج مكافحة الفقر والتمكين الاقتصادي للأسر عبر مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، والتي يمكن أن تكون عامة لجميع الفئات ومختلف المناطق، وفق مبدأ المردودية والمساهمة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الواقع، وفور الإعلان عن حملة التبرعات الأولى وما تلاها في المحافظات، حاول عدد من المسؤولين ربط عمل الصندوق بالجسم الحكومي، وجرَّ الأرصدة والتدفقات النقدية التي قُدِّمت وستقدَّم له باتجاه مشاريع في نطاقٍ آخر مختلفٍ تماماً عما ورد في المرسوم. مشاريع استثمارية طويلة الأجل، حيث تحدث –مثلاً– عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق د. علي كنعان، في إحدى الوسائل الإعلامية الحكومية، عن استخدام أموال الصندوق لإحداث مشاريع استراتيجية، من قبيل إنشاء مصفاة نفط، وإقامة مصرف تمويلي، مُركّزاً على جزئية التمويل في عمل الصندوق باعتباره مؤسسة مالية، بعيداً عن الصفة الاقتصادية العامة له ولطبيعة دوره، والتي ترتبط بالمساهمة في تحقيق تنمية متوازنة لصالح المناطق الأقل جذباً للاستثمارات الكبرى أو اهتمامات القطاع الخاص. ونقصد هنا بالتأكيد المناطق التي تعرضت للحملات العسكرية التي شنها النظام على المناطق الخارجة عن سيطرته في سنوات الحرب، وبتحديد أكثر تلك المناطق الشاسعة التي عاد وسيطر عليها في الفترة 2017-2024، والتي حُرمت من كل أشكال التعويض وإعادة التأهيل، أو الدعم الخارجي، بل حُرِمَ كثير من أهاليها حتى من العودة الآمنة إليها خلال تلك السيطرة.
وعلى الرغم من ذلك الجدل، إلا أن الآمال التي عبر عنها القطاع الأوسع من السوريين بما يمكن أن يحدثه هذا الصندوق من فارق، كانت آمالاً كبيرة، وعلى مستوى الحدث، الذي بدا فعلاً حدثاً استثنائياً. سواء عبر الطريقة التشاركية التي ظهرت في عملية تقديم التبرعات بين الداخل والخارج، والتي كانت تعبيراً عن حالة تكافل اجتماعي ذات قيمة وطنية عالية، أو عبر تحوّل الجدل الذي فصلناه آنفاً إلى نقاش مجتمعي حول الأولويات التي يجب على الصندوق والدولة وجميع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا الالتفات إليها. ليتحول الصندوق وموضوعه إلى مركز استقطاب واهتمام استمر لأيام، ويتوقع أن يستمر، حيث يتطلع إليه معظم السوريين كجسم اقتصادي فاعل، مالياً وتنموياً، جسم سيكون له شأن كبير في حال تنفيذه أجندة تسهم مباشرة في زيادة عوامل الجذب السكاني للنازحين واللاجئين للعودة إلى مواطنهم الأساسية. سواء وفق أولويات الاحتياج التي تنسجم مع مبادئ العدالة الانتقالية وجبر الضرر، والتي توجب على الدولة القيام بمسؤولياتها في تعويض أهالي الضحايا والمتضررين جسدياً ومادياً، بغض النظر عن قصة سقوط النظام الذي تسبب بها، أو وفق تطبيق المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي توجب على كل من عمل مع النظام، وحقق ما حققه من ملاءات مالية متضخمة في زمن الحرب، تقديم التعويضات المطلوبة لمساعدة المناطق التي دفعت الثمن الباهظ من تلك الحرب، وتقديم كل ما يمكن تقديمه لمساعدة أهاليها في العودة إلى حياتهم الطبيعية فيها، وفق الحدود الدنيا من متطلبات التعليم والصحة، وتقديم الدعم اللازم لمعيلي الأسر فيها في استعادة مصادر كسبهم المعيشي، والتي توارثها معظمهم جيلاً بعد جيل، وعلى رأسها الزراعة في الأرياف، والحرف والمهن الأصيلة في المدن القديمة. إضافة طبعاً إلى الشفافية والحوكمة في عمل الصندوق وإنجازاته، وتقديمها بصورة لائقة للمتبرعين، بما يعنيه ذلك من بناء مصداقية ستعطيه فرصة الاستمرارية كركن من أركان الاقتصاد الوطني.
وفي الواقع، فإن كل ما سبق يقتضي اعتماد الصندوق على أبناء مختلف المناطق والمدن السورية وفق معايير الكفاءة، وتحقيق مبادئ العدالة في التنمية عبر اعتماد اللامركزية، سواء في هيكلية واضحة المعالم أو في تحقيق أهدافه، وبما يؤدي إلى اتصال مباشر بالمجتمعات المحلية المستهدفة، بدءاً من مرحلة دراسة الاحتياجات، ثم التخطيط، وصولاً إلى التنفيذ وتقييم المشاريع المنجزة على أساس أعداد المستفيدين المباشرين وغير المباشرين، وبتقنيات عمل بسيطة وشفافة، تعتمد أسس مردودية النفقة والأثر الاقتصادي والاجتماعي للتدفقات النقدية الخيرية، لا أكثر.
تلفزيون سوريا
—————————-
صندوق التنمية السوري بين التفاؤل والتحذيرات.. جزء من إعادة الإعمار أم بديل عنها؟/ محمد كساح
13 سبتمبر 2025
تتعدد آراء الخبراء الاقتصاديين حول إنشاء “صندوق التنمية السوري” بين من يرى أنه سيكون بديلًا عن إعادة الإعمار، رابطًا بينه وبين صناديق وهيئات أخرى تابعة مباشرة للرئاسة السورية، وبين من يربط الصندوق بملف التعافي المبكر الذي يمكن أن ينال الجزء الأكبر من حصص التبرعات.
وبالتوازي، أثار ظهور شخصيات محسوبة على النظام السابق في فعالية إطلاق الصندوق جدلًا كبيرًا بين السوريين، لا سيما ظهور أولاد رجل الأعمال محمد حمشو، فيما يقرأ خبراء هذا الظهور بسياسة تتبعها دمشق، تهدف إلى الشروع في عمليات تسويات سياسية واقتصادية واسعة النطاق تستهدف طبقة رجال الأعمال غير المتورطين بالدم السوري.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر في 9 تموز/سبتمبر الجاري المرسوم الرئاسي رقم /114/، القاضي بإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة تُعرف باسم: صندوق التنمية. وقالت قناة “الإخبارية” إن قيمة التبرعات لصالح الصندوق وصلت في أول ساعة إلى نحو 60 مليون دولار، موضحةً أن الصندوق يهدف إلى المساهمة في إعادة الإعمار وترميم وتطوير البنية التحتية، والتي تشمل كل ما يدعم الحياة اليومية للمواطنين من خدمات ومرافق، كشبكات الطرق والجسور والمياه والكهرباء والمطارات والموانئ والاتصالات وغيرها، إضافةً إلى تمويل المشاريع المتعددة من خلال “القرض الحسن”.
وتشمل المصادر المالية للصندوق التبرعات الفردية من داخل سوريا وخارجها، والتبرعات الدورية عبر برنامج “المتبرع الدائم” الذي يتيح اشتراكات شهرية ثابتة، إضافةً إلى الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة.
إعادة تشكيل الدولة السورية
يرى الباحث ومدير منصة “اقتصادي”، يونس الكريم، أن رئاسة الجمهورية “لا تنظر إلى إعادة الإعمار كعملية مالية أو تقنية فحسب، بل كفرصة لإعادة تشكيل الدولة من أساسها”. ويضع الكريم إنشاء صندوق التنمية ضمن هذا السياق الذي يهدف إلى “بناء هرم سلطوي متعدد المستويات”.
ويوضح الكريم خلال حديثه لموقع “الترا سوريا” أن “عملية البناء الجديدة تقسم الدولة إلى مستويين متباينين: جهاز صلب يمسك بالأصول والقرارات الكبرى، وجهاز خدمي هش يغرق في البيروقراطية والأزمات اليومية”.
ويربط بين مرسومي إنشاء صندوق التنمية ووزارة الطاقة الصادرين بشكل متزامن “ما جعل المهام والوظائف بينهما متشابكة إلى حد كبير، ويغذي احتمالية أن تكون وزارة الطاقة إحدى القنوات لإنشاء هيئة للاستحواذ على مشاريع المؤسسات الحكومية التي سيخصص لها جزء من الموازنة الحكومية لتمويلها”.
وفي هذا السياق، يرجح الكريم أن يتحول صندوق التنمية إلى لاعب رئيسي في التفاوض مع المنظمات الدولية، حيث تُمنح له أفضلية على المجتمع المدني بفضل صفته الرسمية ومرونته التنفيذية، الأمر الذي يضيّق الخناق على عمل المجتمع المدني، فيتخلص من مراقبته له وتدخله بعمل الحكومة، مؤكدًا احتمالية أن يحصل المتبرع، سواء بصفته الشخصية أو الاعتبارية في كثير من الحالات على مقابل، مثل إعفاءات أو مزايا مالية.
ويحذّر الكريم من أن “مرونة صندوق التنمية ستمكنه من تنفيذ مشاريع لا تستطيع الوزارات نتيجة تقييدها البيروقراطي من تنفيذها، مما يجعل الوزارات ومؤسساتها أصولًا معطلة، وبالتالي، يتيح للصندوق السيادي أن يستحوذ عليها بحجة أنها أصول معطلة لتحويلها إلى مشاريع منتجة”، لافتًا إلى أن “تقديم الصندوق خدمات إعادة الإعمار أو الصحة أو التعليم بشكل مستعجل يمكّنه من كسب ولاء الوحدات الإدارية، ويجعله يصبح قناة مباشرة لتعزيز الولاء السياسي”.
وحول الفرق بين الصندوق السيادي الصادر بموجب المرسوم رقم /113/ لعام 2025 وصندوق التنمية السوري، يلاحظ الكريم أن الأخير يعد أداة تمويلية لإعادة الإعمار، يعتمد على التبرعات والهبات، ويختلف عن الصندوق السيادي في أنه لا يمتلك أصولًا للاستثمار، إنما يعمل على تقديم خدمات بدور مشابه لعمل الحكومة، بينما يستثمر الصندوق السيادي في الأصول الحكومية غير المستغلة، ويحوّل الموارد إلى مشاريع إنتاجية لتنمية الاقتصاد لأجل بناء مستقبل سوريا وأجيالها، ما يعني أن النتائج الملموسة ستكون بعيدة نسبيًا.
الصندوق وإعادة الإعمار
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، لـ”الترا سوريا” أن صندوق التنمية “لا يشكل بديلًا عن إعادة الإعمار، بالرغم من كونه سيصبح جزءًا من هذه العملية”، موضحًا أن إعادة الإعمار تحتاج إلى مشاريع تنفيذية تتعلق بالحكومة وبالفاعلين الاقتصاديين الذي سيطلقون مشاريع ضخمة في كل محافظة، بينما يستهدف صندوق التنمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ويوضح قضيماتي أن “مشاريع إعادة الإعمار تحتاج إلى نفس طويل، فقد تستمر نصف عقد أو عقد بالحد الأدنى، بينما لا يمكن الاعتماد على أموال التبرعات لإطلاق مشاريع طويلة الأمد من هذا النوع”، ويتوقع أن يتم تخصيص جزء من أموال صندوق التنمية للمساهمة في خطط الإعمار، لكن ليس بشكل أساسي.
ويلفت قضيماتي إلى ملف مهم، وهو ملف التعافي المبكر والعمل على إنهاء واقع المخيمات، معتبرًا أن “هذا الملف يمكن أن يحوز على الاهتمام الأكبر لصندوق التنمية، لأن التعافي المبكر، وإن كان يشكل الخطوة المبدئية نحو إعادة الإعمار، لكنه لا يتطلب الرساميل الضخمة التي يحتاجها الإعمار”.
شخصيات مثيرة للجدل
وفي سياق متصل، تعرضت بعض الشخصيات المقربة من النظام السابق في حفل إطلاق صندوق التنمية لانتقادات واسعة، لا سيما نجلا رجل الأعمال حمشو المسؤول عن عمليات التعفيش والسرقات الممنهجة لعشرات المدن والقرى التي ناهضت النظام المخلوع، وأثار هذا الظهور تساؤلات عديدة حول مؤشراته والمغزى منه، وهل تَبرُّعُ هذه الشخصيات كان عبارة عن مساومة من السلطة لرجال الأعمال المحسوبين على النظام مقابل توفيق أوضاعهم؟
وحول هذه النقطة، يرى قضيماتي أن هذا الظهور الذي حدث، وقد يحدث في المستقبل، يُعد “أمرًا طبيعيًا”، نظرًا لأن السياسة العامة التي يتبعها العهد الجديد المتعلقة بجميع السوريين في الداخل والخارج تعتمد على المسامحة للشخصيات التي لم تتلطخ أياديها بدماء السوريين.
ولا يستبعد قضيماتي حدوث مصالحات مع بعض التجار الذين استفادوا سابقًا من عمليات الاحتكار، لكن هؤلاء لم ينخرطوا بشكل مباشر في عمليات القتل التي انتهجها النظام السابق ضد الشعب السوري، مشيرًا إلى أن “على الدولة التصريح بأنماط تعاملها وتعاونها مع هذه الشخصيات المحسوبة على النظام السابق، لكنها غير منخرطة في الدم، لتكون الصورة أوضح وغير مثيرة لإشارات الاستفهام”.
ويرفض قضيماتي فرضية أن يكون وجود أولاد حمشو وتبرعهم بمبلغ مالي كبير عبارة عن مساومة لتوفيق أوضاعهم، لأن “وجودهما في سوريا لم يكن متعلقًا بإطلاق صندوق التنمية، بل لأهداف أخرى تتعلق بتسويات سياسية واقتصادية تم الشروع فيها قبل طرح فكرة الصندوق”.
الترا سوريا
——————
الاستثمارات في سوريا.. بين خطاب المليارات وواقع العقود/ مالك الحافظ
11 سبتمبر 2025
تتجه الأنظار إلى المنتدى الذي يخطط له مجلس التعاون الخليجي والمتعلق بالتجارة والاستثمار في سوريا، والمعلن عنه مطلع أيلول/سبتمبر الجاري باعتباره محطة جديدة في سلسلة الخطابات المرتبطة بالاقتصاد السوري.
يعيد الإعلان عن المنتدى إلى الواجهة ما جرى الترويج له مؤخرًا بشأن استثمارات سعودية بمليارات الدولارات، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الخطاب الاستثماري ومدى قدرته على التحول إلى واقع ملموس. فبين لغة الأرقام الكبيرة التي تُعلن في الإعلام، والواقع الاقتصادي الذي يواجه تحديات عميقة، يظهر تفاوت يصعب تجاهله.
ويبقى المنتدى المرتقب وما سبقه من إعلانات عن عقود تفاهم مبدئية لاستثمارات مُعلّقة محاطًا بعلامات استفهام تتعلق بجدية التنفيذ وحدود ما يمكن أن يتحقق فعليًا على الأرض. لذلك فإن النقاش لا يقتصر على حجم الأموال المعلنة، وإنما يمتد إلى وظيفة هذا الخطاب ذاته، فهل يعكس تحولًا حقيقيًا في البيئة الاقتصادية أم أنه يُستخدم لإنتاج صورة تسعى إلى رسم ملامح مستقبل قد لا يتطابق بالضرورة مع الواقع القائم.
الاستثمار كأداة لإدارة التوقعات
في إطار مقاربة الاقتصاد السياسي النقدي، يمكن النظر إلى الخطاب الاستثماري في سوريا بوصفه وسيلة للتعامل مع صعوبات بنيوية تعيق إطلاق سياسات تنموية واسعة. فالسلطة الانتقالية، التي تعمل في ظل تحديات داخلية معقدة تشمل تراجع البنية التحتية والأزمات المعيشية، تواجه حدودًا موضوعية في قدرتها على إحداث تحول اقتصادي داخلي ملموس. ومن هذا المنظور، يصبح خطاب الاستثمار أداة لإدارة التوقعات أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا لقدرات تنفيذية قائمة، وهو ما يجعله يحمل وظيفة رمزية لا تقل أهمية عن وظيفته الاقتصادية.
هنا يأتي الخطاب الاستثماري بوظيفة مزدوجة؛ فمن جهة، يوفّر بديلًا رمزيًا عن غياب السياسات التنموية الفعلية عبر التلويح بالمليارات القادمة من الخارج؛ ومن جهة أخرى، يُستخدم كأداة لإنتاج شرعية سياسية تستند إلى وعد مستقبلي بدلًا من منجز حالي.
هذا النمط من الشرعية يعتمد على إدارة التوقعات أكثر مما يعتمد على إدارة الموارد، وعلى صناعة الأمل أكثر مما يقوم على الإنجاز. وبذلك يصبح الاقتصاد في الخطاب الرسمي أداة لإعادة إنتاج السيطرة السياسية عبر ربط المجتمع بانتظار دائم لمشاريع قد لا ترى النور.
إن هذه الآلية، التي يمكن تسميتها “شرعية الوعود”، تكشف كيف يتقاطع الاقتصاد والسياسة في بناء سلطة لا تعتمد على النتائج الملموسة، وإنما على قدرتها على إبقاء الأفق مفتوحًا بوصفه بديلًا عن الواقع المتردي.
البيئة السورية الحالية ما تزال بعيدة عن كونها جاذبة للاستثمارات الكبرى. غياب الإطار القانوني المستقر، هشاشة المؤسسات المالية والمصرفية، ضعف البنية التحتية، وغياب الاستقرار الأمني والسياسي كلها عوامل تجعل من الصعب انتقال الأرقام المليارية إلى عقود عملية. وحتى عندما تُوقّع بعض الاتفاقيات، غالبًا ما تبقى على الورق أو تدخل في مرحلة تجريبية محدودة.
ينسجم هذا مع ما رصدته تقارير اقتصادية مستقلة حول اقتصادات ما بعد الصراع، حيث يُكثر السياسيون من الحديث عن مليارات “مرتقبة” بينما لا تتعدى المشاريع المنفذة فعليًا سوى نسب ضئيلة منها.
خطاب الاستثمار وصناعة الهوية الاقتصادية
إذا ما نظرنا بعمق، نجد أن الخطاب الاستثماري في سوريا اليوم يندرج ضمن ما يسميه بعض منظّري الاقتصاد السياسي “اقتصاد الانطباع”، حيث يصبح الإعلان عن الأرقام والمشاريع جزءًا من إدارة المشهد الرمزي أكثر من كونه واقعًا ماديًا. الهدف هنا مزدوج: أولًا، تهدئة الداخل عبر بث إشارات بأن البلاد مقبلة على تحولات اقتصادية إيجابية، وثانيًا، توجيه رسائل للخارج بأن سوريا لا تزال مساحة محتملة لتوظيف رأس المال الإقليمي. هذا الاستخدام الممنهج للغة الاستثمار يحوّلها إلى أداة سياسية بقدر ما هي أداة اقتصادية، بل ربما تصبح وظيفتها السياسية أسبق من وظيفتها التنموية.
لا يقتصر هذا النمط على سوريا وحدها. فالتجارب في العراق بعد 2003 أو ليبيا بعد 2011 تكشف عن حضور متكرر لما يمكن تسميته “وعود الإعمار” التي تسبق توفر الشروط الفعلية لتنفيذها. في العراق، طُرحت وعود بمئات مليارات الدولارات لإعادة البناء، لكن ما تحقق ظل محدودًا بفعل الفساد وضعف البنية القانونية.
وفي ليبيا، رغم الإعلانات المتكررة عن مشاريع إعادة إعمار، بقيت الاستثمارات الخارجية في حالة انتظار بسبب هشاشة الوضع السياسي والأمني. هذه المقارنات تبرز أن سوريا ليست استثناءً، وإنما تقع ضمن دينامية أوسع تتسم بتوظيف لغة الاستثمار كأداة لإنتاج شرعية سياسية وتغذية توقعات جماهيرية، من دون ضمان تحققها.
الأهمية الأبعد لهذه اللغة تكمن في كونها محاولة لصياغة “هوية اقتصادية” لسوريا ما بعد الحرب. عبر الحديث عن مليارات الاستثمارات، تسعى السلطة الانتقالية إلى بناء صورة عن بلد قادر على استقبال رؤوس الأموال، ولو بشكل رمزي، في وقت تعاني فيه من أزمات معيشية يومية خانقة. هذه الهوية الافتراضية قد لا تجد ترجمة مباشرة في مشاريع واقعية، لكنها تُستخدم في سياق إعادة صياغة مكانة سوريا الإقليمية. فالمنتدى الخليجي المزمع انعقاده يُقرأ كمنصة سياسية تهدف إلى ترسيم ملامح موقع سوريا الجديد ضمن خريطة الشرق الأوسط.
يولّد الخطاب الاستثماري الذي يتحدث عن مليارات الدولارات دينامية نفسية واجتماعية داخل المجتمع السوري. فالمواطن الذي يعيش أزمات يومية في تأمين الغذاء والطاقة والخدمات الأساسية، يجد نفسه أمام لغة رسمية تصف بلدًا مقبلًا على استثمارات ضخمة، فينشأ نوع من الفصام الاقتصادي–الاجتماعي بين الواقع الملموس وبين السردية الرسمية. هذا التناقض يمتد ليعيد تشكيل علاقة الناس بالدولة، حيث يُنظر إلى هذه الخطابات كأدوات دعائية أكثر من كونها خططًا اقتصادية قابلة للتحقق.
من الأمل المؤجل إلى شرعية الوعود
أما من الناحية الاجتماعية، يسهم هذا الخطاب في إعادة تدوير الأمل المؤجل. فكل إعلان عن مليارات مرتقبة يفتح نافذة توقعات عند فئات واسعة من السوريين، قبل أن تصطدم هذه التوقعات بالواقع اليومي المتردي. ومع تكرار التجربة، يتطور عند المجتمع وعي نقدي متزايد بكون هذه اللغة جزءًا من لعبة سياسية، لكن في الوقت نفسه تبقى الحاجة إلى التمسك بأي بارقة أمل دافعًا يجعل هذه التصريحات قادرة على تحقيق تأثير نفسي ولو كان قصير الأمد.
النتيجة الأعمق هي أن الخطاب الاستثماري يعيد صياغة الثقافة الاقتصادية السورية نفسها. إذ تتحول النقاشات الشعبية من التركيز على الإنتاج المحلي والتنمية الداخلية إلى انتظار ما سيأتي من الخارج على شكل استثمارات أو مساعدات. هذا النمط يعزز الذهنية الريعية التي تجعل المجتمع رهينًا لتدفقات خارجية محتملة، بدل أن تكون له القدرة على توليد بدائل محلية أو الدفع نحو إصلاحات هيكلية حقيقية.
إن ترسيخ الذهنية الريعية في المجتمع السوري لا ينفصل عن مسار بناء الشرعية السياسية للسلطة الانتقالية. فحين يُعاد تشكيل التوقعات الشعبية لتتمحور حول استثمارات خارجية منتظرة، تتحول السلطة إلى الوسيط الحصري الذي يَعِد بجذب هذه التدفقات ويقدّم نفسه كقناة عبور إلزامية لها.
بهذه الطريقة، تُبنى شرعية لا تقوم على الإنجاز الاقتصادي الداخلي أو الإصلاح الهيكلي، فهي تبنى على القدرة الخطابية في الوعد بـ”جلب المليارات”. وهنا يغدو المجتمع معلقًا بين انتظار لا يتحقق، وارتباط متجدد بسلطة تحافظ على حضورها من خلال إدارة هذا الانتظار وصياغته كأفقٍ وهمي يعيد إنتاج السيطرة السياسية والاجتماعية.
وفق تصنيف ماكس فيبر، تقوم الشرعية السياسية على ثلاثة أنماط: الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية العقلانية–القانونية. في الحالة السورية الراهنة، لا تستطيع السلطة الانتقالية الادعاء بامتلاك شرعية تقليدية متجذرة، كما أن شرعيتها الكاريزمية محدودة، لذلك تلجأ السلطة إلى بناء شكل هجين من الشرعية يعتمد على الشرعية الخطابية، حيث تتحول لغة الاستثمار إلى بديل عن الإنجازات الفعلية. فهي تستعير من الشرعية العقلانية–القانونية مظهرها المؤسسي عبر توقيع مذكرات أو الإعلان عن منتديات اقتصادية، لكنها في جوهرها تستند إلى وعود غير متحققة، أي إلى كاريزما افتراضية تُصنع عبر الأرقام المليارية المعلنة.
بهذا المعنى، يغدو خطاب الاستثمار محاولة لتوليد شرعية “مؤجلة” تبقى معلقة على أمل أن تتحقق المشاريع الموعودة، ما يمنح السلطة فسحة زمنية لإعادة إنتاج حضورها السياسي حتى في غياب إنجازات ملموسة.
بين خطاب المليارات وواقع العقود تقف سوريا أمام مشهد يتسم بالتناقض. الأرقام المعلنة تبني سردية عن مستقبل اقتصادي واعد، بينما الواقع الفعلي يكشف عن هشاشة البنى وصعوبة تحويل تلك السردية إلى إنجازات ملموسة. المنتدى الخليجي القادم سيكون اختبارًا لهذا التناقض، فهل سيتمخض عن خطوات عملية تعكس تحولًا استثماريًا حقيقيًا، أم سيبقى مجرد محطة جديدة في مسار استخدام لغة الاستثمار كأداة سياسية–رمزية لإعادة إنتاج صورة عن بلدٍ ما يزال عالقًا بين الوعود والتنفيذ.
الترا سوريا
—————————
عن عودة تصدير النفط السوري المحيّر/ عدنان عبد الرزاق
16 سبتمبر 2025
ليس من ضربة موجعة للاقتصاد السوري، كما تحوله من مصدر للنفط إلى مستورد، هذا إن لم نتوقف عند الخسائر الهائلة التي مني بها هذا القطاع، خلال ثورة السوريين والمقدرة بنحو 115 مليار دولار، وتهديم حرب الأسد، أهم قطاعاتهم الاقتصادية وسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على عصب الاقتصاد وأهم الموارد النفطية والغذائية والمائية. فأن تتحول سورية من منتج لأكثر من 380 ألف برميل نفط يومياً، تصدر نصفها خاماً، إلى بلد زاد استيراده عن 200 ألف برميل يومياً، هذا ما بدد الاحتياطي النقدي الأجنبي وأخلّ بالميزان التجاري وعرّى موارد الخزانة العامة، بعد أن شوّه الميزان التجاري.
فسورية وقبل الثورة عام 2011، وصلت مساهمة النفط بنحو 40% من عائدات صادراتها ونحو 24% من الناتج الإجمالي وأكثر من 25% من موارد الموازنة العامة، في حين أنها، ومنذ سنوات، تستورد احتياجاتها النفطية بعقود دين أو مقايضة النفط بغذاء السوريين… أو ترهن، كرمى استيراد المحروقات، مقدرات السوريين وثرواتهم، لتؤمن الحد الأدنى من الاحتياج المحلي للنقل وتوليد الكهرباء ويعيش السوريون في عوز وحرمان، بعد أن التصقت بهم صفة “شعب الطوابير”.
قصارى القول: عادت سورية أخيراً، وبعد توقف لنحو 14 عاماً، إلى خريطة مصدري النفط عبر تصدير 600 ألف برميل نفط خام ثقيل، انطلقت من ميناء طرطوس غربي سورية على متن ناقلة بونانية “نيسوس كريستيانا” تاركة أسئلة ثلاثة. الأول هو شركة بي سيرف إنرجي المجهولة التي اشترت أول شحنة صادرات رسمية معلنة، إذ لم يعرف عن الشركة من ذي قبل أي نشاط تجاري، سوى ارتباطها الحديث والمفاجئ بشركة بي بي إنرجي النفطية (BB Energy) المعروفة بنشاطها الدولي والقديم، منذ ستينيات القرن الماضي، بهذا القطاع وعبر مكاتب ومراكز تجارية موزعة على دبي ولندن وسنغافورة وهيوستن بولاية تكساس الأميركية.
والسؤال الثاني هو وجهة شحنة صادرات سورية النفطية، إذ لم تشر جميع الأخبار أو تصريحات المسؤولين السوريين إلى البلد المستورد، ما زاد التكهنات وصعّد من التخمينات، والتي ذهب بعضها إلى أن الشركة المحدثة تأسست خصيصاً لاستيراد النفط السوري، ويكون مكتب “بي بي إنرجي” في دبي DMCC (Gulf) هو من اشترى الشحنة، لطالما هو الوحيد في المنطقة ويدير أعمال الشركة الأم بالمنطقة. وهنا، قد لا يكون التخمين سلبياً أو تشكيكاً، وربما العكس، فتأسيس شركة جديدة أو وليدة عن شركة بي بي إنرجي، من شأنه التعهّد باستيراد النفط السوري، الواعد مستقبلاً، من دون مخاطر ائتمانية أو قانونية أو متطلبات التأمين والشحن. أو ربما تأسست لهذه الغاية فقط، ولم نسمع عنها، بعد شراء الشحنة السورية. ولكن، يبقى السؤال قائماً وربما محيّراً، عن هذا التكتم وعدم الإفصاح، سواء حول الشركة المحدثة أو جهة صادرات النفط السوري أو حتى سعر التصدير.
وتبقى الإجابة عن السؤال الثالث هي الأهم، فمن أين جاءت سورية بـ600 ألف برميل نفط خام لتصدرها، وهي، أي الدولة، لا تسيطر سوى على مناطق سقف إنتاجها اليومي 20 ألف برميل. وجلّ مناطق الإنتاج المقدر بنحو 80 ألف برميل، شمال شرقي سورية، لم تزل تسيطر عليها “قسد”. ويتولد عن هذا الجانب سرب من الأسئلة، سواء ما يتعلق بتصدير النفط السوري الخام بوقت، تتحايل فيه الدولة لتستورد وتؤمن احتياجات الداخل المقدرة بنحو 200 ألف برميل يومياً. أو لماذا لم تكرر سورية النفط الخام في مصفاتي حمص وبانياس اللتين عادتا إلى العمل، فتختصر عناء التصدير وتكاليفه وتعيد الأمل والعمل إلى المصفاة والعاملين فيها.
نهاية القول: بالتوازي مع تصدير شحنة النفط السوري، أو قبلها بأيام، دخلت سورية طوراً جديداً بالعلاقات التجارية والمالية الدولية، جراء قرار وزارة الخزانة الأميركية في 25 أغسطس/ آب الماضي، برفع العقوبات رسمياً عن سورية ودخول القرار “الأمر التنفيذي” الذي وقّعه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حيز التنفيذ. ما يعني، فيما يعني، الخروج، رسمياً وقانونياً، من الحصار والعقوبات والعزلة الدولية، وحق سورية في أي نشاط تجاري ومالي، ومنها صادرات النفط، بالإعلان والتحصيل للمساهمة بتحسين واقع السوريين البائس وتمويل عملية إعادة الإعمار.
إذاً، الإفصاح ومكاشفة السوريين بواقع ثرواتهم وعائدات تصديرها، أولوية قصوى لبناء الثقة قبل بناء البلد وإعماره، والاقتصار على أخبار المسؤولين، المنقوصة والغائمة، يحيل السوريين على زمن بائد، وقت كان النفط، إنتاجاً وتصديراً، من أسرار دولة الأسدين وممنوع على الشعب معرفة مصادر دخل وطنه وموطن إنفاقها. فإن لفّت السرية والأسئلة المعلقة أول شحنة تصدير نفط، بعد تحرير سورية، فما هو المتوقع حول قطاع يوصف بأنه كلمة سر الاقتصاد السوري وقوّته؟ إذ تقدر احتياطيات النفط المؤكدة في آخر إحصائية لمجلة الطاقة الأميركية المتخصصة، لعام 2015 بنحو 2.5 مليار برميل، وكمية الاحتياطيات المؤكدة للغاز بنحو 8.5 تريليونات متر مكعب. وهذا عدا الذي يقال عن احتياطيات، نفطية وغازية بالبحر المتوسط أو بمناطق ريف دمشق، والتي سمع عنها السوريون من مصادر خارجية، بزمن التكتم الأسدي وإدراج النفط ضمن حقوق الرئيس الحصرية وأسرار الدولة.
ملف الطاقة في سورية مفتوح ومرشّح إلى احتمالات كثيرة، إن بدأت من استعادة مناطق الإنتاج من “قوات سوريا الديمقراطية” نهاية العام الجاري وفق اتفاق مارس/آذار الماضي، وعودة سورية، بعد تأهيل الآبار، إلى إنتاج أكثر من حاجتها كما في تسعينيات القرن الماضي وعودة التصدير. لا ينتهي الملف عند عقود التنقيب والاستخراج للشركات الأجنبية، على البر والبحر، أو حتى استثمار الجغرافيا السورية لنقل الطاقة وامتلاكها ورقة تزيد من قوتها السياسية قبل الاقتصادية، ما يعني أنه من حق السوريين أن يعرفوا، على الأقل، وألا يعيشوا حيرة التخمين ومخاوف الحديث وفضول البحث عن شركة محدثة استوردت أولى شحنات تصديرهم، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه، ويكتفي بالإجابة عن جميع الأسئلة بالقول: ميزاننا التجاري النفطي خاسر لأننا نستورد مشتقات بما يزيد عن تصديرنا خاماً، والنفط قضية سيادية وسر من أسرار الدولة.
العربي الجديد
——————————
هل تنتقل سوريا من “ثلاجة العزلة” إلى “عقدة اتصالات” عالمية؟/ إبراهيم حميدي
وزير الاتصالات عبدالسلام هيكل يتحدث لـ”المجلة” عن مشاريع لربط الخليج بأوروبا
آخر تحديث 13 سبتمبر 2025
هل يمكن لسوريا الخارجة من حرب مدمرة و”ثلاجة العزلة” أن تتحول “عقدة ربط استراتيجية” في الطاقة والنقل البحري والجوي والبري؟ هل يمكن لسوريا التي توقفت ساعتها التكنولوجية قبل 15 سنة، أن تصبح “ممرا استراتيجيا لحركة البيانات بين آسيا وأوروبا” في عصر الذكاء الاصطناعي؟
وزير الاتصالات عبدالسلام هيكل، يفتح خريطة على شاشة كبيرة في مكتبه وسط دمشق، ويشرح لـ”المجلة” واقع سوريا، والإفادة من موقعها الجغرافي، على مدخل البحر المتوسط، وخططه الطموحة لربط الخليج وأوروبا.
وكان هيكل غادر سوريا بعد أشهر على اندلاع الثورة في 2011، وعاش في الإمارات متنقلا بين الخليج وأوروبا وأميركا، وعاد إلى دمشق ليتسلم في مايو/أيار حقيبة الاتصالات في الحكومة الجديدة برئاسة الشرع.
تسلم الحكم الجديد سوريا نهاية 2024 وقد تدمرت فيها البنية التحتية بعد 14 سنة من الحرب، وغادر الكثير من خبرائها وأهلها، ونزح حوالى 15 مليون شخص نصفهم إلى خارج البلاد. وتقع سوريا في قائمة الدول الخمس الأخيرة، فيما يتعلق بإنترنت الهاتف النقال، والمرتبة 227 من أصل 229 في أحد مؤشرات الإنترنت فائقة السرعة “برودباند”، إذ تربط بالشبكة العالمية عبر كابلات من مصر وقبرص ولبنان، وهي بحكم الموقع الجغرافي على البحر المتوسط، الذي هو نقطة عالمية للكابلات البحرية، ويربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، وفي الوقت نفسه تجاور الأردن والعراق جاريّ الخليج، وتركيا جارة أوروبا.
وتحدث الرئيس أحمد الشرع في حوار مع “الإخبارية السورية” يوم الجمعة، عن خطط لـ “تحويل سوريا عقدة اتصالات عالمية”، تحقق جودة وسرعات فائقة، لتوفير بنية الاقتصاد الحديث واستقطاب شراكات استراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا ومراكز البيانات والخدمات السحابية.
وعلى اعتبار أن الخطوط الرئيسة للكابلات تمر بالبحر الأحمر، فإن هيكل يعمل على تطوير خطة، لمد خطوط من سوريا إلى السعودية والخليج عبر الأردن، ما يوفر إنترنت أسرع بمرات كثيرة من الوضع الراهن وفق معادلة، أن “كل كيلومتر هو 5 ميكرو ثانية، بحيث يتم توفير أكثر من 30 ميلم/ ثانية سرعة استجابة ذهابا وإيابا في بعض المسارات”. هذا الوفر حيوي للمكالمات عبر الإنترنت، والعمليات المالية الرقمية والجراحة عن بعد والألعاب الإلكترونية وغيرها.
“وصلة الحرير”
يطلق هيكل على المشروع اسم “سيلك لينك” (وصلة الحرير) الذي يحول سوريا والأردن والسعودية ممرا للكابلات، بحيث تكون سوريا، هي المدخل من أوروبا، والخليج هو المخرج إلى آسيا. وإضافة إلى كون هذا يزيد سرعة الإنترنت، فإنه يجعل شركات كبرى مثل “غوغل” توطن مخدماتها في سوريا، لتكون مقرا لمراكز البيانات العالمية، و توفر “كاشنغ” إقليميا وحوسبة سحابية، وغيرها من الخدمات التي تحتاجها شركات الإنترنت الكبرى. وأضاف أنه يسعى ليكون أغلب استخدام الإنترنت الداخلي من مخدمات محلية، مما يغير تجربة المستخدم بالكامل.
هناك مشروع “برق” لإيصال خطوط “فايبر” لكل منزل ومكتب. كما اتخذ هيكل قرارا بتأسيس شركة تكنولوجيا وطنية، تساعد في توطين التكنولوجيا، وتقديم الخدمات الرقمية، وتجذب الكفاءات السورية من حول العالم وتحافظ عليها، ذلك أن “التنافس على الكفاءات عال في قطاع التكنولوجيا، وعلينا أن نوفر الأطر اللازمة لتسريع التحول الرقمي، وتقديم الخدمات الرقمية في شتى مناحي الحياة ووفق أفضل الأسس العالمية”.
ويوفر “سيلك لينك” بنية تحتية جديدة للألياف الضوئية العابرة لسوريا بسرعة إجمالية تصل إلى 100 تيرابت/ثانية، ضمن خطة لتقديم أفضل جودة إنترنت داخل سوريا، وتحويل البلاد إلى مركز رقمي إقليمي لنقل البيانات والاتصال الدولي. ويمتد المشروع على مسافة تقديرية 4,500 كيلومتر من الألياف الضوئية تشمل الربط الكامل بين المدن الرئيسة دمشق وحلب، مع مراكز تحويل في تدمر، وفي المنطقتين الجنوبية والشرقية، بالإضافة إلى محطة إنزال للكابلات البحرية في طرطوس. ويتضمن تفعيل نقاط اتصال إقليمية مع الدول المجاورة العراق والأردن ولبنان وتركيا. وسيوفر “سيلك لينك” مسارا بريا جديدا يربط أوروبا بآسيا، ويشكل مسارا رديفا للمسارات الحالية المزدحمة، مما يساعد في منح سرعة أعلى للاتصالات الدولية، وتجنب الانقطاعات في حال تعطل الكابلات القائمة، مثلما حدث مؤخرا في كابلات البحر الأحمر.
بالنسبة إلى هيكل، فإن “سيلك لينك” سيكون “نقطة تحول في البنية التحتية الرقمية” في سوريا الخارجة من الحرب، وإن تمويله سيتم بـ”شراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. الحكومة تبني البنية التحتية وتبقي الملكية للدولة، ويأخذ المستثمرون من عائد بيع الخدمات وتشغيل البنية التحتية للدولة”. ويضيف أن “وصلة الحرير” كلفته بين 400 و500 مليون دولار و”برق” حوالى ملياري دولار لمد الكابلات وتجهيزات الشبكة في كل أنحاء سوريا ويضيف هيكل: كل شركات الإنترنت الكبرى في الإقليم تقدمت للمشاركة في المشروعين، وهما من الفرص النادرة للاستثمار بهذا الحجم.
ما بعد العقوبات الأميركية
وبعد رفع العقوبات الأميركية، وإجراءات تقييد التصدير لمنتجات التكنولوجيا ، هناك تعويل على مساهمة شركات أميركية. ويقول: “أرسلنا إلى أميركا قائمة 400 شركة تقدم خدمات رقمية غير متوفرة في سوريا لسبب حجب النطاق السوري، وقد بدأت الاستجابة من قبل عدد منها. إعادة سوريا إلى الخارطة الرقمية بدأ يحدث بالتدريج”.
موقع سوريا وسط دول كبرى “إما عبء أو فرصة”. وفي الاتصالات مثل باقي القطاعات، فإن هدف الحكومة “إيجاد مصالح في سوريا لدول عدة عبر الإنترنت، ومرور الكابلات والبيانات، هذا يفعّل دور سوريا، ويدعم توجهها في إطارات أخرى مثل الطيران والطرقات والخطوط”، أي تتحول البلاد ساحة لقاء مصالح بدلا من ساحة صراع.
ويستفيد هذا التوجه من خبراء سوريين في مجال التكنولوجيا، موجودين في الخليج ودول غربية، إذ تتضمن الخطط أن يتم تنظيم السوريين للعمل في قطاع التكنولوجيا، والإفادة من خبراء تطبيقات حكومية بالخليج وأوروبا إذ أن مشروعي “وصلة الحرير” و”برق” يعتمدان على خبراء سوريين.
الهاتف النقال
وعن مستقبل الهاتف النقال، يوضح هيكل أن في سوريا شبكتين تضمان حوالى 16 مليون مشترك، وإن عدد المشتركين زاد مليونا منذ سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي. ويضيف: “وجدنا أن البنية التحتية جزء منها مدمر، بالإضافة إلى غياب الاستثمار في القطاع لسنوات طويلة. علما أن خدمة الموبايل التي بدأت قبل 20 سنة تحتاج إلى تحديث، لأن جيلا جديدا يدخل كل عدة سنوات وسوريا كانت منقطعة عن هذا التطوير”.
ومن العلامات على الفجوة بين سوريا والعالم، أن “الهاتف الذكي” كان عمره ثلاث سنوات عندما بدأت الأزمة في 2011. يقول: “الهاتف الذكي تغير وغير العالم، والشبكة المصممة لاحتياجات 2011 لن تستطيع حمل احتياجات الفرد من الإنترنت عام 2025 والتي زادت وفق التقديرات من 40 إلى خمسين ضعف. نحن نعمل على بنية تحتية قادرة على توفير احتياجات الأفراد في القرن الحادي والعشرين، وبناء اقتصاد حديث جاذب للاستثمارات، يعتمد على توافر الاتصالات وأدوات التكنولوجيا. هذا ليس رفاهية بل ضرورة حتمية.
يوضح الوزير السوري: “كي نستثمر بالبنية التحتية، نحتاج لمشغلين جدد، وكانت هناك تبعات قانونية وتجارية، وصلنا إلى المراحل الأخيرة من حل بعض العقبات القانونية والإدارية المتعلقة بالإرث السابق. سنعلن عن تصورنا الجديد لقطاع الجوال، بشكل جديد، وتقنيات جديدة واستثمار كاف، لتحقيق احتياجات الناس”. وأضاف: “كل الشركات الإقليمية الكبرى في قطاع الموبايل، زارونا بدمشق ويعرفون أن هدفنا هو أن يكون للمواطن السوري أفضل شبكة على الإطلاق”.
وعن تصوره للتعاون الإقليمي، يكشف هيكل أن زيارته إلى السعودية، استهدفت البناء على ثلاثة تقاطعات تتشابه فيها السعودية مع أهدافنا في سوريا: “أولا، حققت السعودية تحولا وطنيا اقتصاديا اجتماعيا خلال فترة وجيزة، ونجحت بالاعتماد على التكنولوجيا والخدمات الرقمية، وإتاحة الفرصة للشباب السعوديين للمساهمة عبر تأسيس شركات ناشئة. ثانيا، اعتمدت السعودية بالتحول الرقمي على كفاءات بشرية وطنية، وبنت مؤسسات خبيرة بالتوطين، أي (وطنت) الخدمات والتكنولوجيا الممكنة لها. التحول الاستراتيجي حصل بالاعتماد على كفاءات وطنية، والشراكة مع أفضل المزودين في العالم. ثالثا، السعودية تعرف كي تكون لاعبا عالميا بالتكنولوجيا في العالم، فيجب أن تكون مطلعا على أفضل التجارب والشركات بالعالم، وعلى أفضل الممارسات بالعالم. هذا حققته السعودية وفي الوقت نفسه حققت ذلك بالمحافظة على هويتها الوطنية، والحاجات التنظيمية مثل تعزيز الاقتصاد الرقمي المحلي ومتطلبات الأمن الوطني والتهديدات السيبرانية”.
المجلة
——————————
الموازنة العامة السورية بين أرقام الماضي وأحلام المستقبل/ مازن الشاهين
موازنة سوريا فرق بين الماضي وتطلعٌ للمستقبل
2025-09-06
تعكس الموازنة العامة في سوريا مستوى الأداء الحكومي، وتشكل مؤشراً أساسياً على أولويات الدولة الاقتصادية والاجتماعية. ومع توالي الأزمات المتلاحقة، باتت الموازنة تكشف عن فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي للأسر السورية. ويُضاف إلى ذلك تحديات متصاعدة تتمثل في تآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم، وضعف الموارد العامة نتيجة تراجع الصادرات والإنتاج المحلي، وارتفاع فاتورة الدعم رغم تقليصه التدريجي، إضافةً إلى الحاجة الماسة لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، وهو ما يتطلب مئات المليارات من الدولارات.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية “سانا”، خلال تفقده جناح وزارة المالية في “معرض دمشق الدولي” وإطلاق منصة إلكترونية خاصة بالموازنة، أن الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026 ستشكل “نقلة نوعية” في إدارة المال العام بما يخدم السياسة الاقتصادية السورية. لكن يبقى التساؤل مطروحاً: كيف يمكن صياغة موازنة تعيد التوازن وتضمن التنمية المستدامة في بلد أنهكته الأزمات؟
أرقام رسمية
أعلنت بيانات المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي في سوريا أن موازنة عام 2025 بلغت نحو 52.6 ألف مليار ليرة سورية، بزيادة قدرها 48% عن عام 2024، حيث خُصص منها 37 ألف مليار للإنفاق الجاري، و15.6 ألف مليار للإنفاق الاستثماري. كما أشارت إلى تخفيض العجز إلى 21% مقابل 26% في العام السابق.
وشدّد وزير المالية على أن الموازنة لا تتضمن ضرائب جديدة، وأن الإنفاق الاستثماري ارتفع إلى 30%، في حين خُفّض الإنفاق الجاري إلى 70% بهدف دعم التنمية وتحفيز الإنتاج.
أما موازنة 2026، فهي تتضمن تركيزاً متزايداً على الإنفاق الاستثماري، مع إعطاء أولوية لقطاعي الصحة والتعليم، إضافة إلى تحسين مستوى الرواتب والأجور للعاملين في الدولة. كما تجري حالياً مناقشات مع الوزارات والجهات الحكومية للخروج بمشروع موازنة “مجدٍ وفعّال” يقلل من العجز المالي.
الإطار الرسمي يوضح أن الهدف هو إعادة توجيه هيكل الإنفاق نحو التنمية من خلال زيادة الإنفاق الاستثماري وخفض العجز. لكن الخبراء يشيرون إلى أن ذلك لا يرقى إلى تحسين المعيشة أو تعزيز الإنتاجية، إذ تتسم السياسة المالية بـ”زيادات ظاهرية” لا تقدم حلولاً مستدامة. وتظهر الموازنات الأخيرة، خاصة للأعوام 2024–2025، أنها محاولة رسمية لإبراز صورة مالية توسعية، لكنها في جوهرها أقرب إلى “وهم تضخمي” يفتقر إلى القدرة الحقيقية على تحفيز النمو أو تحسين الخدمات.
وللمقارنة، بلغت موازنة سوريا عام 2000 نحو 308 مليارات ليرة سورية، ما يعادل (24٬640٬000٫00 دولار أميركي) خُصص حوالي 70% منها للإنفاق الجاري. وفي عام 2010 ارتفعت إلى نحو 754 مليار ليرة. أما في عام 2024 فقد أقرت الحكومة موازنة بحوالي 35500 مليار ليرة سورية (أي ما يعادل نحو 5 مليارات دولار فقط بسعر الصرف الموازي)، وهو رقم يعكس تراجع القيمة الشرائية لليرة أكثر مما يعكس توسعاً في الاقتصاد.
الخبراء بين موازنتي 2023 و2024
تاريخياً، ظلت الموازنة السورية انعكاساً مباشراً للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فمن دعم الخبز والوقود في السبعينيات، إلى الإنفاق العسكري والإغاثي في العقد الأخير، بقيت الموازنة مرآةً لأولويات الدولة وتحدياتها.
لكن مع موازنة عام 2024، برزت مفارقة لافتة: إذ بلغت الزيادة 115% عن عام 2023، في وقت تراجعت فيه معيشة المواطنين.
ويعتبر الدكتور شفيق عربش، في جامعة دمشق، في تصريحات لـ”963+” أن هذه الزيادة “وهمية ومشوّهة”، وأنها مجرد انعكاس لتضخم الأسعار، لا لزيادة حقيقية في القوة الشرائية أو الاستثمارية. وأوضح أن الأرقام الفعلية تشير إلى انخفاض في مستوى الخدمات والمعيشة، لا إلى تحسّنها.
من جانبه، يؤكّد الدكتور حسن حزوري، في جامعة حلب، لـ”963+” أن “زيادة الموازنة بنسبة 115% عام 2024 مقارنة بالعام السابق غير حقيقية”، مشيراً إلى أن الموازنة المقدّرة بالدولار تقلّصت بحوالي 45% مقارنةً بحسابات 2023 المبنية على سعر الصرف الرسمي.
وبناءً على ذلك، يرى الخبراء أن العجز المتزايد مقارنةً بالنمو الاقتصادي الحقيقي يعكس سياسة مالية قائمة على التوسع في الإنفاق دون إنتاجية فعلية.
بين أرقام التاريخ وتحديات الحاضر
يتحدث الأستاذ جمعة العثمان، المدير السابق في وزارة المالية، لـ”963+” عن تاريخ نشأة الموازنة العامة للحكومة السورية وكيفية توزيعها، قائلاً: منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة عام 1946، شكّلت الموازنة العامة أداةً رئيسية لتوزيع الموارد على القطاعات المختلفة، ومرآةً تعكس توجهات الحكومات المتعاقبة. فهي ليست مجرد أرقام مالية، بل سياسة اقتصادية تجسّد أولويات الدولة في التعليم والصحة والدفاع والخدمات والإنتاج.
وُضعت أول موازنة عامة بعد الاستقلال عام 1947 بأرقام متواضعة اعتمدت أساساً على الضرائب والرسوم الجمركية. في الخمسينيات، ومع قيام الوحدة السورية–المصرية (1958–1961)، اتخذت الموازنة طابعاً مركزياً وارتفعت نسب الإنفاق على البنية التحتية والتأميم. في السبعينيات والثمانينيات، ارتفعت حصة القطاع الدفاعي والاستثمار في الصناعات الثقيلة، إلى جانب مشاريع كبرى مثل سد الفرات. في التسعينيات، مالت الدولة إلى سياسات “الانفتاح الاقتصادي المحدود”، وزاد الإنفاق على الدعم التمويني (المحروقات، الخبز، السكر…). منذ عام 2011 وحتى 2024، تحولت الموازنة لمواجهة تحديات ضخمة: تقلص الموارد، ارتفاع النفقات العسكرية، وزيادة مخصصات الإغاثة والخدمات الطارئة.
أما من حيث التوزيع، فيوضح العثمان أن الموازنة تنقسم عادةً إلى عدة محاور. أولاً، الإنفاق الجاري (التشغيلي) الذي يشمل الرواتب والأجور ونفقات الدعم (المحروقات والمواد الأساسية)، إضافة إلى الصحة والتعليم والخدمات الإدارية. ثانياً، الإنفاق الاستثماري (الرأسمالي) الموجّه إلى مشاريع البنية التحتية، ودعم الصناعات الوطنية والمشاريع الزراعية والتنموية. ثالثاً، الدفاع والأمن الذي يستحوذ عادةً على النسبة الأكبر منذ عقود، خاصة في فترات الأزمات. وأخيراً، الخدمات الاجتماعية وتشمل الصحة والتعليم والجامعات والإسكان.
—————————
أيمن الأصفري يعرض عبر نوفاتيرا مشروع غاز ضخم… استثمار لإنعاش القطاع أم بوابة لاحتكار جديد في سوريا
في 1 أيلول/سبتمبر 2025، التقى وزير الطاقة المهندس محمد البشير برجل الأعمال السوري أيمن الأصفري، مالك شركة “نوفاتيرا للطاقة”، لبحث آفاق الاستثمار في قطاع الطاقة ولا سيما في مجالي النفط والغاز.
لكن خلف هذا الإطار الرسمي، قدّمت “نوفاتيرا” عرضًا مثيرًا للجدل إلى وزارة الطاقة لإعادة تأهيل وتطوير حقول الغاز على مدى 25 عامًا، بتكلفة معلنة تصل إلى 5 مليارات دولار. العرض يبدو للوهلة الأولى طوق نجاة لقطاع الطاقة المنهك، لكنه عند التدقيق يكشف عن ثغرات خطيرة وشروط مجحفة.
أول ما يلفت النظر هو مطالبة الشركة بفترة “حصرية” مدتها 120 يومًا للتفاوض، قابلة للتمديد، وصولًا إلى اتفاق تقاسم إنتاج قبل نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025. عمليًا، هذا يمنح “نوفاتيرا” أفضلية مطلقة على أي منافسين، ويغلق الباب أمام الشفافية والمنافسة الحرة.
الشركة تسوّق خطتها على أنها ستضيف 15 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا بحلول السنة الثالثة، لكنها تطلب بالمقابل ضمانات حكومية لدفع حصتها من الغاز إذا لم تكفِ العوائد لتغطية نفقاتها. هذا يعني ببساطة تحميل الدولة مخاطر الاستثمار، فيما تحتفظ الشركة بحقوق المكثفات والسوائل المرتبطة لتحقيق أرباحها.
الأرقام الضخمة التي طرحتها الشركة تبدو في ظاهرها جذابة، لكنها مبنية على تقديرات أولية “عالية المستوى” كما وصفتها الوثيقة نفسها، ما يجعلها أقرب إلى وعود غير مؤكدة. وحتى بعد ضخ مليارات الدولارات، يبقى الإنتاج المستهدف عند 15 مليون متر مكعب يوميًا، وهو رقم لا يرقى إلى الطموحات الوطنية.
الأخطر أن العرض يتضمن سعي “نوفاتيرا” للاستحواذ على حصص شركات أجنبية مثل “بترو كندا/ سَن كور” و”آينا” في حقول حيان وإيبلا-لها عقود سابقة واسنحقاقات مالية ضخمة، وخرجت من سوريا بالقوة القهرية في زمن الأسد-، مع تخصيص 100 مليون دولار لذلك. خطوة كهذه تفتح الباب أمام احتكار شبه كامل للقطاع من قبل شركة واحدة يقودها رجال أعمال مرتبطون تاريخيًا بشبكات النفط العالمية وشركات الخدمات الغربية.
باختصار، ما تطرحه “نوفاتيرا” ليس مجرد برنامج استثمار، بل مشروع طويل الأمد يمنحها سيطرة تشغيلية ومالية على أهم موارد البلاد، مع تحميل الحكومة السورية جانبًا كبيرًا من المخاطر وضمان أرباح المستثمرين.
———————————
كيف خسر سوريون قيمة مدخراتهم في قطاع الإسكان التعاوني؟/ علاء الدين الكيلاني
13 أيلول 2025
سجل أداء قطاع الإسكان التعاوني في سوريا تراجعا كبيرا، أثرت نتائجه السلبية على شريحة واسعة، كانت تعلق الآمال عليه من أجل امتلاك سكن بسعر مقبول، يناسب دخلها، مقابل ارتفاع أسعار شقق قطاع الإسكان الخاص.
فإلى جانب محدودية برامجه، التي كثيرا ما أسفرت عن نتائج دون التوقعات، شهد القطاع في الفترة بين عامي 2003 و2024، بحسب تقارير حكومية، تجاوزات قانونية، ومخالفات إدارية، وفسادا ماليا، ومحسوبيات، أدت في مجملها إلى حل الاتحاد العام للتعاون السكني وهي الجهة المشرفة على عمل الجمعيات التعاونية السكنية في ديسمبر/كانون الأول 2019، ونقل مسؤولية الإشراف على الجمعيات السكنية إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان.
وأرجعت الوزارة سبب الخطوة إلى ترهل أداء القطاع وازدياد حجم أخطائه، وما نتج عن ذلك من مشكلات وقضايا تحقق فيها محاكم مختصة ولجان تفتيش حكومية.
ومع أنها دفعت برسائل مطمئنة تؤكد حفاظها على حقوق المكتتبين، فإن حالة من عدم اليقين انتشرت بعد أن كشفت في مطالعة أمام مجلس الشعب السوري -سابقا- عن وجود فساد كبير داخل جمعيات امتنعت عن تزويد الوزارة بالبيانات الحقيقية والدقيقة حول طريقة تمويل مشروعاتها، وأعداد المنتسبين إليها، وحجم الأموال التي بحوزتها.
وتشير تقارير رسمية إلى وجود نحو 3248 جمعية سكنية تم إشهارها، ينتسب إليها نحو مليون مكتتب. بلغت مدفوعاتهم، بحسب بيانات سابقة للاتحاد العام للتعاون السكني، 65.3 مليار ليرة في حلب، و41.4 مليار ليرة في ريف دمشق، و37 مليار ليرة في حمص، ومليار ليرة بقية المحافظات.
فيما بلغت قيمة الأراضي المشتراة 25.6 مليار ليرة في دمشق، 6.3 مليارات ليرة ريف دمشق، و1.2 مليار ليرة في حلب.
ورأى الخبير في الشأن العقاري أسعد الدلاتي أن الإجراءات التي اتخذت لتصويب مسار القطاع خلال فترة الحرب لم تمكنه من اعتماد الشفافية، وبقي عرضة لانتقادات وشكاوى عديدة، تناولت ترهل أدائه، وزيادة حجم أخطائه.
وأوضح للجزيرة نت أن حل نحو 200 جمعية، ودمج قسم منها، ووضع بعضها الآخر تحت المراقبة، كشف عن خلل عميق، لم تتمكن الحكومات السابقة من تداركه، مع أن النظام السابق منذ عام 2006 -عندما أوقف تأسيس أو إشهار جمعيات جديدة- أقر عدم التزام عدد كبير منها بالضوابط والأنظمة المعمول بها، مما أفقدها دورها، ومهامها، وغايتها التنموية كقطاع رديف للدولة في تنفيذ خطط الإسكان العامة.
قطاع العقارات والاسكان في سوريا
تجربة الإسكان الاجتماعي والتعاونيات السكنية عانت منذ انطلاقها من ضعف استجابتها لضغوط أزمة السكن (الصحافة السورية)
ضعف وبطء وسوء تنفيذ
ينظر إلى قطاع الإسكان التعاوني كجزء من التوجه الاشتراكي للاقتصاد السوري أثناء سيطرة حزب البعث على السلطة بسوريا في السنوات السابقة.
وقد اعتمدت الجمعيات التعاونية السكنية لسنوات طويلة -وفق دراسة مشتركة للباحثين (مازن عزي) و(وجيه حداد)- في مشاريعها على شراء أراض من الدولة جاهزة للبناء وبأسعار زهيدة. علاوة على حصولها على حوافز تشجيعية مثل سهولة الحصول على تراخيص البناء، وشراء مواد الإعمار الرئيسية -من مؤسسات حكومية- بأسعار أقل من السوق.
وأشارت الدراسة، التي نشرها موقع تقرير سوريا، إلى أن تجربة الإسكان الاجتماعي والتعاونيات السكنية عانت منذ انطلاقها من ضعف استجابتها لضغوط أزمة السكن، وغياب الرؤية والتوجهات بعيدة المدى، وعدم ربط سياسات الإسكان بمؤشرات النمو السكاني، والتغيرات الديموغرافية، والتخطيط العمراني.
كما اتسمت التجربة بالبطء وسوء تنفيذ المشاريع، وارتفاع رسوم تطوير المنتج النهائي، وتعدد التشريعات القانونية وتشابكها، وهيمنة السلطة، مما وضع القطاع تحت تأثير ضغوط دفعت القائمين عليه للاعتماد على حلول مرتجلة، وعشوائية، أسهمت في تفاقم أزمة السكن، وحرمان غالبية الأفراد -ذوي الدخل المحدود- من فرصة امتلاك منزل.
ويرى الباحثان أن متوسط العجز السكني السنوي خلال العقد، الذي سبق الصراع في عام 2011، قدر بنحو 130 ألف وحدة سكنية، ويمثل هذا العجز الفجوة السنوية بين الطلب على المساكن والمعروض من الوحدات السكنية المنجزة.
وتُظهر بيانات رسمية أنه حتى في أكثر السنوات إنتاجية، وتحديدا بين عامي 2005 و2010، لم يلبِّ قطاع الإسكان الاجتماعي، الذي ينفذه القطاع العام، وقطاع الإسكان التعاوني، الذي تنفذه التعاونيات، أكثر من 20% من الطلب السنوي على المساكن في سوريا.
في حين حددت الخطة الخمسية الـ11 في الفترة من 2015-2011، وهي آخر خطة تعتمد، مساهمات الإسكان التعاوني والاجتماعي في قطاع الإسكان على النحو الآتي:
%10 مساهمة القطاع الحكومي.
%12 مساهمة القطاع التعاوني.
وذكرت أن الطلب الناتج عن النمو السكاني يقدر بنحو 550 ألف مسكن.
بيد أن تقارير صحفية محلية رأت أن إعلان الخطة في وقت كانت فيه طائرات النظام المخلوع وصواريخه تقصف أحياء سكنية وتدمر آلاف العمارات، حوّل بند مساهمة قطاع الإسكان بنوعيه الحكومي والتعاوني إلى حبر على الورق، حيث أصيب القطاعان بشلل تام، وفقدا القدرات اللازمة لتحقيق النسب المحددة، باستثناء جمعيات قليلة كانت لا تزال فاعلة، إلى جانب ما شهده محيط العاصمة، وبعض المدن الهادئة، من بناء وحدات سكنية تجارية، أنجزها القطاع الخاص.
ووصف الخبير الدلاتي -في حديثه للجزيرة نت- المكتتبين في ضوء هذه الأوضاع بضحايا خطط حكومية فاشلة، وتأثيرات حرب خطفت أهم أحلامهم، وهو الحصول على سكن مناسب.
سوريا – ريف إدلب – مخاوف سكان الشمال السوري من الأبنية الطابقية عقب الزلزال أثرت في حركة بيع وشراء العقارات (الجزيرة نت)
قطاع الإسكان التعاوني يواجه اليوم أزمات مركبة (الجزيرة نت)
4 وحدات سكنية خلال 20 عاما
لا تخفي المتقاعدة فاطمة (61 عاما) خوفها مما آلت إليه أوضاع الجمعيات ومن بينها الجمعية التي اكتتبت فيها منذ عام 2003 (حيث لم نشهد سوى تنفيذ 3 أو 4 وحدات سكنية فقط، من أصل أكثر من 400 وحدة مقررة).
وأوضحت -في حديثها للجزيرة نت- أن إدارة الجمعية كانت تطلب مبالغ كبيرة بين فترة وأخرى، كان يتم تسديدها بموجب إيصالات رسمية عن طريق المصرف العقاري، بلغ مجموعها نحو 7 ملايين ليرة تقريبا. وتابعت “حين سددت المبالغ المطلوبة -مثل غيري- كانت قيمة الدولار تتراوح بين 45-90 ليرة، لكن بعد مضي 20 عاما على اكتتابي، أصبح سعره يتراوح بين 10 إلى 11 ألف ليرة، مما أفقد المبلغ قيمته. ومع ذلك لم يتم إنجاز أو تسليم أي شقة من المشروع على الأعضاء المسجلين”.
خسارة مزدوجة
وفي سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن قطاع الإسكان التعاوني يواجه اليوم أزمات مركبة تتمثل في:
الانهيار الحاد في قيمة الليرة السورية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف البناء إلى مستويات غير مسبوقة.
التأخر الكبير في إنجاز المشاريع، الأمر الذي ضاعف من كلفتها النهائية.
انتشار الفساد الإداري في بعض الجمعيات وسوء إدارة الأموال المودعة.
تآكل مدخرات المكتتبين، ومعظمهم من ذوي الدخل المحدود، بحيث أصبحوا أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في دفع أقساط تفوق طاقتهم بكثير، أو الانسحاب وخسارة القيمة الحقيقية لمدخراتهم، وهو ما يعني خسارة مزدوجة تتمثل في فقدان المسكن وضياع رأس المال.
ونوه إلى أن المسؤولية عن هذه الخسائر تتوزعها عدة أطراف، بدءا من الإدارات السابقة للجمعيات التي فشلت في الالتزام بالجداول الزمنية وأهدرت الموارد، مرورا بالجهات الرقابية الحكومية التي قصّرت في المتابعة والتدخل المبكر لمعالجة التعثر، وصولا إلى السياسات النقدية والاقتصادية التي لم توفر أدوات حماية لمدخرات المواطنين من التضخم وانهيار العملة.
هل تصلح الحكومة ما أفسده النظام المخلوع؟
عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول العام الماضي، شكلت الحكومة الجديدة لجنة لدراسة واقع الجمعيات التعاونية السكنية، في مختلف المحافظات السورية، بهدف التحقق من الشكاوى المقدمة من المكتتبين بشأن ملفات الفساد خلال الفترات السابقة.
وأعلن وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق، مؤخرا، أن اللجنة أنهت أعمالها، واتخذت عدة إجراءات جوهرية، من بينها التنسيق مع مصرف سوريا المركزي، لتحرير حسابات الجمعيات السكنية في جميع المصارف، باستثناء بعض الجمعيات التي لا تزال تخضع لدراسة دقيقة، حفاظا على حقوق المكتتبين وضمان عدم التلاعب بأموالها.
وأوضح الوزير أن اللجنة عملت بشكل مكثف للتحقق من الشكاوى المقدمة، بالتعاون مع جهات حكومية مختصة، وأن إجراءات قانونية سيتم اتخاذها بحق الجمعيات الوهمية والمخالفة، ومحاسبة جميع المتورطين في الفساد المالي والإداري، في إطار حملة مكافحة الفساد التي تنتهجها الوزارة لضبط القطاع السكني، وضمان إعادة الثقة في قطاع التعاون السكني وتحقيق العدالة للمكتتبين.
وكشف عبد الرزاق أن اللجنة أوصت بإعادة هيكلة مديريات التعاون السكني في المحافظات، وتعزيز كوادرها البشرية لتمكينها من أداء مهامها بفعالية، إضافة إلى تأسيس مكتب شكاوى خاص بالمكتتبين يرتبط مباشرة بالوزارة، ليكون منصة رسمية لتلقي الشكاوى ومكافحة الغش والتجاوزات.
سوريا – ريف إدلب – مخاوف سكان الشمال السوري من الأبنية الطابقية عقب الزلزال أثرت في حركة بيع وشراء العقارات (الجزيرة نت)
ينظر إلى قطاع الإسكان التعاوني كجزء من التوجه الاشتراكي للاقتصاد السوري خلال النظام السابق (الجزيرة نت)
خطة تمويل عقاري ونماذج تحتاج إلى سوق منظم
من جهة ثانية، علق الخبير الاقتصادي والمصرفي قوشجي على إعلان البنك المركزي، عن خطة جديدة للتمويل العقاري، مستوحاة من النماذج المطبقة في الدانمارك وكندا، تقوم على إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقاري، وتأسيس صندوق ضمان لحماية المقترضين والمستثمرين، بقوله: إن مثل هذه النماذج، تعتمد في بيئاتها الأصلية على سوق عقاري منظم وشفاف، ومؤسسات تمويل قوية، وضمانات حكومية أو شبه حكومية، لكن ثمة عقبات جوهرية تواجهها في السياق السوري، من أبرزها:
ضعف البنية المؤسسية والرقابية.
غياب سوق عقاري موثق ومنظم بالكامل.
محدودية قدرة ذوي الدخل المحدود على تحمل أقساط طويلة الأجل حتى في ظل الفوائد المنخفضة.
عدم استقرار سعر الصرف، مما يهدد استدامة أي نموذج تمويلي مستورد ما لم يخضع لتعديلات جوهرية تراعي الواقع المحلي.
ورغم ذلك، يمكن لقطاع الإسكان التعاوني -وفق قوشجي- أن يستفيد من هذه النماذج إذا ما جرى إعادة هيكلة الجمعيات المتعثرة، وحل الإدارات الفاسدة، وتعيين مجالس مؤقتة ذات كفاءة، مع إدماج هذه الجمعيات في منظومة التمويل العقاري الجديدة ومنحها أولوية في الحصول على القروض المضمونة.
كما يمكن أن يسهم تخصيص برامج دعم حكومي لذوي الدخل المحدود -إعانات، قروض بدون فائدة- بحسب رأيه في تعزيز قدرة هذه الفئة للحصول على سكن، إلى جانب إدخال نظام السكن الإيجاري المنظم كخيار بديل للتملك، لتخفيف الضغط على الطلب.
وتتطلب المعالجة الجذرية للأزمة حزمة من الإصلاحات، تشمل وفق رؤية الباحث:
تعديل التشريعات الناظمة للتعاون السكني بما يضمن الشفافية والمساءلة.
حماية المدخرات من خلال ربط الأقساط بمؤشر أسعار أو بعملة مستقرة.
تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لإشراك شركات التطوير العقاري المحلية والدولية في تنفيذ المشاريع.
تنويع أنماط السكن، عبر إدخال مشاريع الإيجار طويل الأجل، والسكن الاجتماعي المدعوم، إضافة إلى رقمنة القطاع من خلال إنشاء منصة إلكترونية موحدة لتوثيق العقود ومتابعة مراحل الإنجاز وضمان حقوق المكتتبين.
المصدر: الجزيرة
—————————
+ العقوبات على أميركا
هل تلغي الولايات المتحدة عقوبات “قيصر” عن سوريا ؟/ سلطان الإبراهيم
لا يزال مشروع قانون إلغاء “قيصر” عن سوريا مطروحاً أمام مجلس الشيوخ الأميركي
2025-09-10
التحركات والتصريحات الأخيرة لنواب في الكونغرس الأميركي، فتحت الباب وأنعشت الآمال أمام إلغاء “قانون قيصر” للعقوبات المفروض على سوريا منذ عام 2019، رغم رفض لجنة تمرير مشاريع القوانين في مجلس النواب إلحاقه بموازنة الدفاع الأميركية أمس الثلاثاء، بعد جهود قادها النائب جو ويلسون إلى جانب آخرين، وذلك إثر إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً في حزيران/ يونيو الماضي، ينص على إنهاء جميع العقوبات التنفيذية المفروضة على سوريا.
عقبة أمام إعادة الإعمار
يمثل “قانون قيصر” للعقوبات المفروض على سوريا، أحد أبرز العقبات أمام بدء النشاط الاقتصادي والاستثمارات وإعادة الإعمار، وسط مخاوف بين الشركات الإقليمية والدولية الكبرى من التبعات والقيود الناجمة عن هذا القانون من قبل واشنطن، بعد البدء بعمليات استثمار داخل الأراضي السورية، ما يجعل رفعه خطوة مهمة وأساسية لبدء عمليات التعافي الاقتصادي وإعمار البلاد، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار.
مساع لإلغاء نهائي
ورفضت لجنة تمرير القوانين الخاصة بمجلس النواب الأميركي أمس الثلاثاء، تمرير مشروع قانون تقدم به النائب جو ويلسون قبل أيام، يتضمن إلحاق إلغاء “قانون قيصر” بموازنة الدفاع القادمة للولايات المتحدة، إلا أن مشروع القانون لا يزال مطروحاً أمام مجلس الشيوخ لمناقشته ومدى إمكانية إلحاقه بالموازنة خلال الأسابيع القادمة، وذلك بعد أن أعرب ويلسون الأسبوع الماضي عن أمله في أن يتم إلغاء “قانون قيصر” بشكل نهائي هذا الشهر، وقال في تصريحات لموقع “العربي الجديد” إنه “يتوقع موافقة الكونغرس على مشروع القانون الذي قدمه لإلغاء القانون.
لكن النائب الأميركي، ربط إلغاء “قانون قيصر” عن سوريا، بشروط متعلقة بضمان الوصول إلى دولة موحدة تضم الدروز والعلويين والأكراد والبدو”، مشيداً “بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برفع العقوبات عن سوريا بشكل سريع، رغم أنها خطوة بالعادة تستغرق سنوات”، معرباً عن “معارضته للقصف والتوغلات الإسرائيلية بالأراضي السورية”، ومشدداً على أن “سوريا المستقرة هي مكان جيد للأعمال، وأنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بوجوب منح سوريا فرصة”.
ومن جانبه، قال النائب الأميركي مارلين ستوتزمان في كلمة خلال فعالية في مبنى الكونغرس نظمها “المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار” الأسبوع الماضي، إن “الدمار الذي تركه بشار الأسد مدمّر، لكن تلك الأيام خلفنا. وهناك شعور بالحماس للمضي قدماً، وبناء سورية الجديدة والفرص هناك هائلة”، مضيفاً أنه “لم يكن قط متحمساً لما يحدث في الشرق الأوسط في حياته أكثر من هذا اليوم”.
حراك داخل الكونغرس
يقول الخبير في الاقتصاد والأسواق المالية عماد عكوش، المقيم في بيروت، إن “عضو الكونغرس جو ويلسون، اعتبر عند طرح مشروع القانون، أن النظام الذي وضع من أجله قيصر لم يعد موجوداً، كما أن التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، التقى بعدة نواب في مجلسي النواب والشيوخ، وحصل على موافقات مبدئية من أربعة أعضاء لإلغاء القانون، كما التقى السيناتور راند بول، الذي سبق وأن قدم مبادرة مماثلة، وتحدثت تقارير عن وجود توافق نسبي داخل الكونغرس، بالتوازي مع موقف إيجابي من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه سوريا”.
ويؤكد، أن “بعض نواب الكونغرس يشجع على إلغاء قانون قيصر لدعم إعادة إعمار سوريا، فيما البعض الآخر لا يزال يرى ضرورة وجود ضوابط، خاصةً في ظل مخاوف من عدم التزام السلطات السورية بالمعايير الديموقراطية وحقوق الإنسان، لكن حتى مع وجود دعم، فإن تمرير مشروع القانون يتطلب المرور عبر لجان، والتصويت في النواب والشيوخ، والتوقيع النهائي من ترامب، وهذه العملية غالباً معقدة، وفي سياق التوازنات والتنافس بين نواب الحزبين الجمهوري والديموقراطي، يمكن أن يؤخر أو يمنع القانون”.
ترامب يدعم رفع العقوبات
ويوضح السياسي السوري كمال اللبواني المقيم في السويد، أن “إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مصرة على رفع العقوبات عن سوريا، وجميع المحاولات لمنع رفعها باءت بالفشل، ويستطيع ترامب أن يحشد ما يكفي لرفعها، لأن ذلك كان شرطاً أساسياً لكي يقدم الرئيس السوري أحمد الشرع ما قدمه من تعاون مع الإسرائيلي”.
ويشير في تصريحات لـ”963+”، إلى أن “هناك دعم حقيقي للجولاني (الرئيس السوري أحمد الشرع)، من قبل إدارة ترامب والعاهل السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقطر، وهناك صفقات فساد تطال أبناء ترامب وصهره وأبناء أردوغان، ويتم العمل لجعل سوريا مكاناً لغسيل الأموال لهؤلاء”، موضحاً أن “العقوبات سترفع لكن تطبيق ذلك سيبقى مشروطاً كأداة ضغط على الحكومة”.
وكان النائب جو ويلسون، من بين الوفد الأميركي برئاسة المبعوث إلى سوريا توماس باراك، ومشاركة عضو مجلس الشيوخ جين شاهين، الذي زار العاصمة السورية دمشق في 25 آب/ أغسطس الماضي، والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وقال ويلسون بعد الزيارة في منشور على منصة “إكس”، إن “على الكونغرس دعم الرئيس دونالد ترامب وإقرار إلغاء كامل وشامل لقانون قيصر”، مشيداً بجهود توماس باراك في تعزيز السلام بين سوريا ولبنان.
من جانبها، أعلنت منظمة “التحالف السوري الأميركي من أجل السلام والازدهار” الأسبوع الماضي في منشور على منصة “إكس”، أنها “تواصل العمل بإصرار وعزيمة من أجل رفع العقوبات وفتح الطريق أمام السلام والازدهار في سوريا، وتركز على المناصرة والتعليم والمبادرات الإنسانية لتعزيز التفاهم بين المجتمعين السوري والأميركي”.
ويرى عكوش، أن “التحالف السوري الأميركي (SAAPP) قادر على الضغط من خلال لقاءات مكثفة مع أعضاء الكونغرس لرفع العقوبات، وقد حصل على دعم مبدئي من بعض الأعضاء، وهناك دول عربية مؤيدة مثل المملكة العربية السعودية التي تواصلت مع الإدارة الأميركية لدعم إعادة تأهيل سوريا، لكن تأثير هذه الدول يتم عبر قنوات ديبلوماسية وليست حاسمة تشريعياً”.
وأواخر حزيران/ يونيو الماضي، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمراً تنفيذياً يقضي برفع العقوبات المفروضة على سوريا، وقال مسؤولون أميركيون حينها إن الحكومة السورية الحالية، “اتخذت خطوات واسعة نحو تعزيز الاستقرار”، ما دفع واشنطن إلى إصدار الأمر التنفيذي الذي ينهي حالة الطوارئ الوطنية بشأن سوريا، والتي أُعلنت لأول مرة عام 2004، مشيرين إلى أن “القرار يشمل مراجعة محتملة لتصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، كما يوجّه وزارة الخارجية الأميركية إلى اتخاذ خطوات بخصوص تصنيف “هيئة تحرير الشام”.
ويُبقي الأمر التنفيذي العقوبات قائمة على الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ومساعديه، ومنتهكي حقوق الإنسان وتنظيم “داعش” ووكلاء إيران، والمتورطين في برامج الأسلحة الكيميائية، ويتضمن تخفيفاً لضوابط التصدير على بعض السلع، ومنح إعفاءات محددة من قيود المساعدات الخارجية لسوريا، كما يوجه وزارة الخارجية إلى استكشاف إمكانيات تخفيف العقوبات عبر الأمم المتحدة دعماً لمسار الاستقرار.
يشار، إلى أن الولايات المتحدة، كانت قد فرضت “قانون قيصر” للعقوبات على النظام السوري المخلوع منذ عام 2019، ودخل حيز التنفيذ منذ عام 2020، وأدى ذلك لتبعات اقتصادية كبيرة وتدهور لقيمة الليرة السورية، وارتفاع كبير بالأسعار ونقص في المواد الأولية، وتم تسمية القانون بهذا الاسم نسبة إلى الضابط السوري المنشق عن نظام بشار الأسد فريد المذهان، والذي كان يتخذ “قيصر”، وسرّب آلاف الصور عن انتهاكات وعمليات تعذيب داخل سجون النظام.
—————————–
+ العقوبات على أميركا
«قانون قيصر» سارٍ: واشنطن تتسلّح بأداة ابتزاز وتحكّم/ عامر علي
يؤكد تمسّك واشنطن بقانون «قيصر» استمرار ابتزازها لسوريا، عبر إبقاء الاقتصاد رهينة العقوبات والتحكم بمسار إعادة الإعمار ومنع توسع روسيا والصين.
الجمعة 12 أيلول 2025
لم يخرج رفض مجلس النواب الأميركي إلغاء قانون العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا (قيصر) عن مألوف السياسة الأميركية، التي لطالما استعملت سلاح العقوبات أداةً للإخضاع والابتزاز من جهة، وللمكافأة (عبر التلويح بإلغائها) من جهة أخرى.
القانون الذي حاول النائب الجمهوري، جو ويلسون، بدعم من منظمة «التحالف السوري – الأميركي»، تمرير إلغائه عبر دمجه ضمن جملة من التعديلات في قانون الموازنة الدفاعية الأميركية، وقوبِل بالرفض، الثلاثاء الماضي، مثّل منذ فرضه عبر تشريع خاص عام 2019 (لا يستطيع الرئيس الأميركي إلغاءه؛ إذ يتطلّب الأمر تشريعاً خاصاً أيضاً)، وتمّ تمديده عام 2024، أداةَ خنق فعّالة للاقتصاد السوري، في ظلّ القطاعات الواسعة التي يستهدفها، وعلى رأسها قطاع الطاقة وقطاع إعادة الإعمار، وتوفيره لواشنطن غطاءً قانونياً داخلياً يسمح لها بمعاقبة الدول التي تخترقه.
ومع انفتاح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على السلطات السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، بوساطة سعودية، في أثناء زيارته إلى الرياض، في شهر أيار الماضي، استعمل ترامب سلاح العقوبات باعتباره مكافأةً قدّمها إلى سوريا. إذ قام، على مدد لاحقة، بإلغاء العقوبات الرئاسية المفروضة على دمشق، كما أصدر قراراً بتجميد تلك التشريعية لمدّة ستة أشهر، بما فيها قانون «قيصر»، وسط تلويح مستمرّ بإلغاء هذا القانون كلّياً، وهو ما لم يحدث فعلياً.
وفي غضون ذلك، كانت الولايات المتحدة قد عيّنت سفيرها في تركيا، توماس برّاك، مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، تولّى سلطات أشبه بسلطات «المندوب السامي»، ليبدأ العمل على تشكيل المشهد السوري وفقاً للنظرة الأميركية، بما في ذلك دفع السلطات الانتقالية نحو الانفتاح على إسرائيل، والترويج لانفراجات اقتصادية شكليّة توحي بتحقيق إنجازات في الملف السوري شديد التعقيد.
وفي محاولة منها لإظهار النجاح في إدارة هذا الملف، شطبت الولايات المتحدة الشرع من قوائمها الخاصة بالإرهاب، كما ألغت عقوبات تمنع تجوّل الوفد السوري في الأمم المتحدة لمسافة تتجاوز 25 كيلومتر خارج نيويورك، وبدأت مساعي إزالة الشرع وجماعته (هيئة تحرير الشام) من لوائح الإرهاب الأممية (في مجلس الأمن)، لتسهيل استقباله ومشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أعلنت دمشق أنّ الشرع سيشارك فيها بين يومَي الـ21 والـ24 من الشهر الحالي.
الإبقاء على «قيصر» يعني أنّ أي استثمار يتمّ في سوريا يجب أن يمرّ عبر البوابة الأميركية
غير أنّ مساعي الولايات المتحدة قوبِلت برفض من عدد من أعضاء المجلس، بينهم الصين، الأمر الذي دفع واشنطن إلى البحث عن سبل أخرى تضمن مشاركة الشرع، بينها إمكانية شطب اسمه فقط، أو منحه استثناءً لتحقيق هذه الزيارة، وسط ترجيحات بأن يتمّ اتّخاذ الإجراء الأخير (منحه استثناء) أسوةً بالاستثناءات التي تُمنح له في أثناء كل زيارة خارجية، كونه مدرجاً على لوائح الإرهاب الأممية.
وبالعودة إلى قانون «قيصر» وأبعاد رفض إنهائه، وعلى عكس محاولة إظهار وجود خلافات وتباين في السياسة الأميركية، يمثّل الإبقاء على القانون أداةً فعّالة لضمان التحكّم التام بالملف السوري في ظلّ تعدّد القوى الإقليمية والدولية المتنفّذة فيه؛ إذ يكفل استمراره انضمام جهات محدّدة لإقامة مشاريع في سوريا، في ظلّ عدم موثوقية بقاء حال التجميد لهذه العقوبات. ويعني ذلك أنّ أي استثمار يتمّ في سوريا، التي تُعدّ بسبب الدمار الكبير في قطاعاتها ساحة استثمارية كبيرة، يجب أن يمرّ عبر البوابة الأميركية التي تقدّم الضمانات اللازمة لتلك المشاريع مقابل المخاطرة بإقامتها.
وهي نقطة يبدو أنّ واشنطن تعتبرها أداةً مناسبة لمنع توسّع قوى أخرى في سوريا، بينها الصين وروسيا، خصوصاً بعد أن وسّعت إدارة الشرع خطوط تواصلها مع موسكو التي سيزورها الرئيس السوري الانتقالي الشهر المقبل. كذلك، يمثّل بقاء القانون بالصيغة المشار إليها مخرجاً ملائماً للإدارة الأميركية التي بدت عاجزة عن الوفاء بوعد قطعه رئيسها في أثناء زيارته إلى السعودية، حيث وقّع تفاهمات على استثمارات سعودية في أميركا تُقدّر بنحو 600 مليون دولار.
—————————–
في يومها الأول.. حملة “دير العز” تجمع أكثر من 30 مليون دولار أميركي
12 سبتمبر 2025
نجحت الحملة الوطنية “دير العز” في محافظة دير الزور بجمع تبرعات نقدية فاقت 30 مليون دولار أميركي، خلال أقل من ثلاث ساعات فقط من انطلاقها في الملعب البلدي.
وساهمت وزارة المالية بدفع مبلغ 10 ملايين دولار أميركي، فيما حضر الحملة حضور رسمي وشعبي واسع، وسط تنظيم لوجستي وأمني محكم.
وجاءت هذه المبادرة في إطار الجهود الوطنية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب السورية وتحسين الواقع الخدمي والمعيشي في المحافظة.
وتهدف المبادرة إلى تمويل مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، ودعم قطاعي الصحة والتعليم، وتعزيز الأمن الغذائي والسكني، من خلال قنوات تبرع متعددة شملت صناديق ميدانية وحوالات مالية وحسابات مصرفية.
وأكد المشاركون على أن إعادة إعمار دير الزور تمثل “مسؤولية وطنية”، مشيدين بصمود أبناء المحافظة في وجه الإرهاب، ومؤكدين أنهم سيواصلون معركة البناء والتعمير جنبًا إلى جنب مع جميع السوريين.
وتعد “دير العز” حلقة في سلسلة مبادرات وطنية وأهلية تُطلق في عدة محافظات، تهدف إلى توحيد الجهود لإعادة الإعمار وتعزيز التماسك الوطني.
—————————–
هل ينهض خط كركوك–بانياس من جديد؟L أحمد سيف النصر
نشر في 13 سبتمبر ,2025
في مطلع خمسينيات القرن الماضي، انطلق مشروع استراتيجي ضخم جسّد طموحات العراق وسوريا معًا، تمثّل في خط أنابيب كركوك–بانياس، والذي تجاوز كونه مجرد ممرٍّ لنقل النفط، ليغدو رمزًا للتكامل الاقتصادي بين البلدين.
وظل النفط العراقي يتدفّق إلى الساحل السوري حتى مطلع الثمانينيات، حين عصفت الخلافات الإقليمية والصراعات الداخلية بالبلدين، فتوقّف الخط مرارًا، وظل منذ عام 2003 حبيس المحاولات المتكررة لإحيائه من جديد.
لكن المتغيرات التي أعقبت سقوط نظام الأسد أعادت خط كركوك–بانياس إلى واجهة الاهتمام السياسي والاقتصادي بين العراق وسوريا، حيث عُقدت عدة لقاءات خلال صيف 2025 بين وزارتي الطاقة في البلدين، في إطار توافقات ثنائية عكست توجهًا جديدًا نحو استعادة هذا الشريان النفطي وإعادة توظيفه في خدمة المصالح المشتركة.
وهو ما تجسّد في الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى بغداد في 12 أغسطس/ آب الماضي، حيث بحث مع عدد من المسؤولين العراقيين سُبل إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، وتم الاتفاق على تشكيل فرق فنية مشتركة لتقييم وضع الخط.
بالنسبة للعراق، يوفّر الخط منفذًا مباشرًا وسريعًا نحو الأسواق الأوروبية، ويُقلل اعتماده على الموانئ الجنوبية وخط جيهان التركي، بما يعزّز استقلال بغداد في مجال الطاقة ويُقلل من النفوذ الإيراني. بينما يُلبّي حاجة سوريا الكبيرة للطاقة بأسعار مناسبة، مما يساعدها على مواجهة أزمتها الطاقوية والاقتصادية.
بالنسبة للعراق، يوفّر الخط منفذًا مباشرًا وسريعًا نحو الأسواق الأوروبية، ويُقلل اعتماده على الموانئ الجنوبية وخط جيهان التركي، بما يعزّز استقلال بغداد في مجال الطاقة ويُقلل من النفوذ الإيراني. بينما يُلبّي حاجة سوريا الكبيرة للطاقة بأسعار مناسبة، مما يساعدها على مواجهة أزمتها الطاقوية والاقتصادية.
ومع ذلك، لا يقتصر خط أنابيب كركوك–بانياس على بُعده الاقتصادي فحسب، بل يحمل أيضًا دلالة سياسية قد تُسهم في إعادة بناء الثقة بين العراق وسوريا وتهيئة أرضية لعلاقات أكثر استقرارًا، غير أن طريقه ما يزال محفوفًا بتحديات كبرى، من ارتفاع تكاليف إعادة التأهيل والمخاطر الأمنية على امتداد مساره، إلى التعقيدات السياسية والاعتراضات الإقليمية التي قد تُعيق تنفيذه.
خط أنابيب كركوك–بانياس: تاريخ ومساعي الإحياء
تعود جذور مشروع خط كركوك–بانياس إلى ثلاثينيات القرن العشرين، إذ طُرح للمرة الأولى عام 1932، قبل أن يُنفّذ فعليًا عام 1952 بواسطة شركة بريتش بتروليوم البريطانية، بطاقة ضخ أولية بلغت نحو 30 ألف برميل يوميًا.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 880 كيلومترًا، رابطًا بين حقول كركوك النفطية شمال العراق وميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، ومع توسّع قدرته التشغيلية، بلغ الخط ذروته في ثمانينيات القرن الماضي بطاقة تصل إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، ليُصبح شريان التصدير الرئيسي للعراق إلى أوروبا.
لكن منذ نشأته، ارتبط خط كركوك–بانياس بتقلّبات السياسة الإقليمية، إذ تعرّض للتفجير في سوريا عام 1956 خلال العدوان الثلاثي على مصر، في إطار تضامن دمشق مع القاهرة واحتجاج على العدوان، غير أنه عاد للعمل بعد إجراء إصلاحات في 1957.
وفي عام 1982، أوقف النظام العراقي إمدادات خط كركوك–بانياس بالكامل بعد انحياز دمشق إلى إيران خلال الحرب العراقية–الإيرانية، ثم انخفضت التدفقات إلى الحد الأدنى في التسعينيات نتيجة الحصار الدولي على العراق، ليعمل الخط بقدرة محدودة لا تتجاوز 10 آلاف برميل يوميًا ضمن برنامج “النفط مقابل الغذاء”. ثم أُغلق الخط مجددًا عقب الغزو الأمريكي للعراق، حيث تعرّض حينها لأضرار بالغة.
شهدت السنوات اللاحقة عدة محاولات لإحياء خط كركوك–بانياس، ففي عام 2007 اتفقت بغداد ودمشق على إعادة تأهيله، ووقّع الجانبان بروتوكولًا مع شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية، إلا أن المفاوضات تعثّرت لاحقًا بفعل الأوضاع السياسية في العراق.
ففي ديسمبر/ كانون الأول 2009، أرجأت الحكومة العراقية إصلاح خط الأنابيب، وصرّح ألكسندر ريازانوف، الرئيس التنفيذي لشركة ستروي ترانس غاز آنذاك، بأن شركته قدّمت خطة لإصلاح خط الأنابيب إلى مجلس الوزراء العراقي، ولكن لم يُتخذ أي قرار بسبب الوضع السياسي في البلاد.
وفي عام 2010، تم تشغيل الخط بشكل محدود، ثم أُجريت مباحثات جديدة في عام 2011 بمشاركة حكومتي المالكي والأسد وشركات روسية، إلا أن الظروف السياسية المتعاقبة حالت دون ترميم الخط بالكامل.
وبقي خط كركوك–بانياس معطّلًا لسنوات، قبل أن تعود فكرة إحيائه إلى الواجهة خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى دمشق ولقائه ببشار الأسد، حيث صدرت تصريحات رسمية تؤكّد استعداد الجانبين لإعادة تشغيله.
وبدأت نقاشات رسمية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بين وزارة النفط العراقية وشركات محلية لبحث جدوى إعادة تأهيل الخط، مع إعلان تشكيل لجان عراقية–سورية مشتركة لإجراء مسوحات فنية، لكن رغم التصريحات الرسمية والمبادرات المُعلنة، لم يُحرز نظام الأسد أي تقدّم ملموس، وظل الخط متوقّفًا بسبب العقبات الأمنية والاقتصادية، إضافة إلى التأثيرات الإقليمية والدولية التي حالت دون تنفيذ أي خطوات فعلية لإعادة تشغيله أو تطويره.
بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة جديدة، طُرح مجددًا مشروع إعادة تفعيل خط كركوك–بانياس، حيث تسعى القيادة السورية إلى تشغيله من جديد لتعزيز أمنها الطاقوي وزيادة مواردها، في إطار رؤية أشمل للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة.
نافذة العراق على المتوسط
يُعد خط أنابيب كركوك–بانياس مشروعًا استراتيجيًا للعراق، إذ يوفّر منفذًا مباشرًا إلى البحر المتوسط، ويُقلّل اعتماده على موانئ الجنوب ومضيق هرمز، ويُخفّف الاعتماد على خطوط التصدير عبر تركيا.
وكما أشار العديد من الخبراء، فإن خط كركوك–بانياس يمنح بغداد مرونة أكبر في تسويق نفطها نحو الأسواق الأوروبية، ويُسهم في خفض تكاليف النقل مقارنة بالمسارات البديلة، ما يجعله خيارًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا مهمًا.
وتزداد أهمية هذا الخيار كونه وسيلة لتعزيز أمن العراق الطاقوي وتنويع مسارات التصدير، خاصة بعد توقّف صادراته عبر ميناء جيهان التركي واعتماده شبه الكامل على منفذ البصرة في الخليج العربي. ويرى الخبير النفطي كوفند شيرواني أن تشغيل هذا الخط سيمنح العراق منفذًا مباشرًا لتصدير نفط كركوك ونينوى وصلاح الدين إلى أوروبا وتعزيز أمنه الطاقوي.
في الواقع، يبرز خط كركوك–بانياس كخيار أنسب من العقبة لقُربه من الأسواق الأوروبية، حيث تبلغ المسافة من كركوك إلى بانياس نحو 880 كلم، مقارنة بـ1700 كلم من البصرة إلى العقبة مرورًا بقناة السويس، ما يُقلّل كلفة النقل ويُعزّز الجدوى الاقتصادية، خصوصًا مع خطة العراق لرفع إنتاجه إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا.
من الناحية الاقتصادية، تُشير تقديرات الخبراء إلى أن إنتاج حقول كركوك قد يرتفع إلى نحو 400 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2030، ما يُتيح للخط نقل ما بين 110 و150 مليون برميل سنويًا مباشرة إلى المتوسط.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يُعيد الخط رسم موازين العلاقة بين بغداد وأربيل، إذ يُقلّل اعتماد العراق على خط التصدير المار عبر إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي، ما يُضعف الورقة الاستراتيجية للإقليم في طموحاته الانفصالية، ويُعزّز نفوذ السلطة المركزية على مدينة كركوك.
وفي الوقت نفسه، يُعد المشروع رافعة استراتيجية للعراق وسوريا معًا، كما يرى المستشار الاقتصادي علاء الدين القصير. ويرى الخبراء أن دوافع العراق لإحياء الخط تتجاوز البُعد الاقتصادي، لتشمل اعتبارات استراتيجية في مواجهة المخاطر المتكررة التي تعرّض لها خط جيهان التركي، إضافة إلى تأمين منفذ نفطي بعيد عن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
ويؤكد مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي، أن الخط يُمثّل خيارًا استراتيجيًا يُعزّز أمن العراق الطاقوي، لكنه يتطلب مفاوضات مباشرة مع سوريا لإعادة التفاوض على رسوم العبور وتقييم البنية التحتية.
ويُحذّر الخبراء من مخاطر اعتماد العراق على منفذ واحد، مُشدّدين على أن أي توقّف طارئ في موانئ البصرة قد يُكبّد العراق خسائر تصل إلى 250 مليون دولار يوميًا عند تعطل تصدير 3.4 ملايين برميل.
وبالنظر إلى زيادة الإنتاج النفطي العراقي خلال السنوات المقبلة، لم يَعُد الاكتفاء بموانئ البصرة كافيًا، ما يجعل إحياء خط كركوك–بانياس أولوية استراتيجية لتأمين تصدير النفط بتكلفة أقل وفاعلية أعلى.
كيف يخدم خط كركوك–بانياس احتياجات سوريا؟
يُمثّل إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس فرصة محورية لسوريا في ظل أزمتها الطاقوية والاقتصادية المستمرة منذ سنوات الحرب، إذ سيمنحها المشروع مصدرًا مباشرًا للنفط بأسعار تفضيلية، ما يُخفّف فاتورة استيرادها الباهظة عبر الموانئ البحرية، ويُعزّز قدرتها على تأمين احتياجات السوق المحلي.
وقد أوضح مصطفى معراتي، مدير العلاقات العامة في الإدارة العامة للنفط السورية، أن خط كركوك–بانياس يُوفّر فرصة لتلبية الطلب المحلي، كما يُشير الدكتور عبد المنعم حلبي إلى أن خط كركوك–بانياس سيُحقّق لسوريا عوائد مالية مباشرة بمئات الملايين من الدولارات سنويًا.
ويُتوقّع أن تُحقّق دمشق عوائد مالية مباشرة تتراوح بين 150 و200 مليون دولار سنويًا من رسوم العبور، وقد تتراوح رسوم عبور النفط المنقول عبر سوريا بين 1.5 و2 دولار للبرميل، فضلًا عن خلق آلاف فرص العمل وتنشيط البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل، كما أن تكرير النفط العراقي في مصفاة بانياس سيُتيح تطوير قدرات المصافي المحلية ورفع كفاءتها.
ويتجاوز أثر المشروع البُعد الاقتصادي، إذ يرى خبراء الاقتصاد السياسي أن إعادة تشغيل الخط ستفتح أمام سوريا موارد جديدة لدعم خطط إعادة الإعمار، وستُعيد لموانئها دورها كمركز إقليمي لتصدير الطاقة، بجانب تعزيز موقعها الجيوسياسي كممر حيوي للطاقة نحو المتوسط.
كذلك يمنحها هذا الخط فرصة لإعادة الاندماج في شبكة التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، ليُصبح الخط رافعة استراتيجية لإعادة تموضع سوريا في الخريطة الإقليمية، ودعم مسار التعافي الاقتصادي.
التحديات أمام خط كركوك–بانياس
رغم أن المسار الجغرافي لخط كركوك–بانياس يُعد الأكثر كفاءة لقصره وأهميته الاستراتيجية لكلا البلدين، إلا أن تشغيله مرهونًا بقرارات قادرة على تجاوز التحديات، ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
التحديات الفنية والمالية
يعاني خط كركوك–بانياس من تدهور كبير في بنيته التحتية، وبعض أجزاء الخط تحتاج إلى استبدال كامل، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة تكفل تشغيله بصورة آمنة وفعالة، وقد قدر خبراء كلفة إعادة التأهيل بمبالغ تتجاوز 400 مليون دولار.
بينما قدرت مؤسسة غدًا لإدارة المخاطر الكلفة الأولية بين 300 و600 مليون دولار، ورغم قدرة العراق المالية على صيانة الجزء الواقع ضمن أراضيه، تواجه سوريا عجزًا ماليًا كبيرًا.
ولا تقتصر التحديات على الجوانب المالية، إذ يشكك بعض الخبراء في جدوى المشروع أصلاً، معتبرين أن الخط متهالك وأن إنشاء خط جديد قد يكون خيارًا أكثر واقعية، خاصة مع عدم معرفة حجم الأضرار الدقيقة التي لحقت بالخط.
وأشار الخبير المالي عبد الرحمن الشيخلي إلى أن خط كركوك-بانياس غير مجدٍ اقتصاديًا للعراق، نظرًا لتكلفة إعادة التشغيل التي ستقع على عاتقه، واقترح أن تتحمل سوريا جزءًا من التكلفة عبر قروض من مؤسسات دولية. ويرى آخرون أن الخيار الأمثل يكمن في إنشاء خط جديد بطاقة استيعابية أكبر، مع استقطاب استثمارات خارجية أو التعاقد مع دولة ثالثة تمتلك الخبرة والقدرة التمويلية.
وقال باسم محمد خضير وكيل وزارة النفط العراقية، إن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس ليست مهمة يسيرة، وقد تستغرق عدة سنوات، وأضاف أن الخط ربما لم يعد صالحًا للاستخدام بعد سنوات طويلة من الإهمال، كما أوضح أن العراق وسوريا يخططان للتعاقد المشترك مع شركة استشارية لتقييم وضع الخط ومعالجة التحديات الفنية القائمة.
التحديات الأمنية
يمر خط كركوك–بانياس عبر مناطق مضطربة أمنيًا، وهو ما يجعل إعادة تشغيله مهمة محفوفة بالمخاطر، تستلزم قبل كل شيء ضمان الأمن على امتداد مساره. وفي هذا السياق، يرى العديد من الخبراء العراقيين أن تصدير النفط العراقي عبر خط كركوك-بانياس يظل غير مضمون بسبب الوضع الأمني في سوريا. ومن ثم، فإن نجاح هذا الخط مرهون بتأمين استقرار سياسي وأمني في كل من العراق وسوريا.
التحديات السياسية
يواجه خط كركوك-بانياس تعقيدات سياسية كبيرة، ويرى المستشار الاقتصادي السوري أسامة القاضي أن النفوذ الإيراني في العراق ووجود فصائل مسلحة معارضة للحكومة السورية يمثلان عائقًا أمام خط كركوك-بانياس، إذ يمكن لاستمرار نشاط هذه الأطراف أن يعرقل إعادة تشغيل الخط حتى في حال توقيع اتفاق رسمي بين بغداد ودمشق.
ويؤكد العديد من المراقبين العراقيين أن أسباب تعثر المفاوضات بين الطرفين سياسية أكثر من كونها تقنية، إذ أكد ائتلاف متحدون السني وهو شريك في الحكومة العراقية أن العقبة الأكبر أمام الخط تكمن في موقف الإطار التنسيقي الشيعي، أكبر تكتل سياسي برئاسة محمد شياع السوداني، رغم أن السوداني ووزير النفط العراقي من أبرز الداعمين لإعادة تشغيل الخط.
كما أشارت تقارير أمنية في بغداد إلى تهديد بعض الفصائل المسلحة بتفجير خط كركوك–بانياس إذا تم المضي في الاتفاق العراقي–السوري لتشغيله، وهو ما يعكس عمق الانقسام السياسي والأمني في العراق حول العلاقة مع دمشق.
أيضًا لا تزال الثقة بين بعض العراقيين وسوريا الجديدة محدودة، ويستحضر الكثير منهم التجارب السابقة التي شهدت إغلاق خط كركوك–بانياس في الماضي، وما ترتّب عليه من خسائر فادحة للعراق. هذه الذاكرة التاريخية تُغذّي الشكوك حول مدى التزام دمشق باستمرارية تشغيل الخط، وتَجعل بعض العراقيين حذرين في الاعتماد على أي اتفاقات مستقبلية دون ضمانات قوية على الالتزام طويل الأمد.
ولذا يُبدي الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، من محافظة البصرة، شكوكه بشأن جدوى المشروع على المدى الطويل، مشيرًا إلى التاريخ السلبي لسوريا في إغلاق خط الأنابيب، ويُحذّر المرسومي من أن إعادة بناء الخط الآن لا يَضمن عدم إغلاقه مستقبلًا من قبل سوريا.
ومن الجدير بالذكر أن قانون الاستثمار السوري الجديد رقم 114، الصادر عن الرئيس أحمد الشرع في يوليو/ تموز 2025، يُبدّد المخاوف العراقية من تكرار التجارب السابقة، إذ يُوفّر آليات تحكيم متنوّعة، تشمل التحكيم الدولي.
التنافسات الإقليمية
يتأثّر خط كركوك–بانياس بالاعتبارات السياسية الإقليمية أكثر من كونه مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، إذ تُحدّد مواقف القوى الإقليمية والدولية، فضلًا عن الانقسامات الداخلية في العراق وسوريا، مسار المفاوضات بشأنه، فكلما تغيّرت موازين النفوذ، انعكس ذلك مباشرة على مصير الخط.
ووفق الخبير الاقتصادي السوري أيهم أسد، يُعدّ خط كركوك–بانياس واحدًا من أربعة خطوط أساسية للطاقة كان من المفترض أن تمرّ بسوريا، ما يضع سوريا في قلب التنافس العالمي على الطاقة.
ويُنظَر إلى خط كركوك–بانياس بريبة من قِبل قوى إقليمية عدّة، فإيران ترى أنه سيُقلّل من دورها في نقل النفط ويُضعف نفوذها الإقليمي، كما تعتبره دعمًا مباشرًا للرئيس أحمد الشرع. فيما يحظى الخط بدعم روسي وصيني، إذ أعلنت موسكو دعمها للخط، ويتوافق خط كركوك–بانياس مع خطط الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق.
لكن خط كركوك–بانياس يُمثّل نوعًا من التهديد للمصالح التركية، ويَعتبره العديد من المحللين الأتراك تهديدًا لميناء جيهان، الذي يُعدّ منفذًا رئيسيًا لصادرات النفط العراقي. وفي حال تفعيل خط كركوك–بانياس، ستتأثر مكانة تركيا كممرٍّ سريع لنقل الطاقة في المنطقة، مما يُقلّل من عائداتها ونفوذها الاستراتيجي.
مع ذلك، أشارت تقارير عراقية إلى أن أنقرة قدّمت مساعدات تقنية للجانبين العراقي والسوري لاستئناف تشغيل خط كركوك–بانياس بسرعة، بل وربطت استئناف خط كركوك–جيهان، المتوقّف منذ عامين، بإعادة تشغيل خط كركوك–بانياس. في المقابل، نفى المتحدث باسم وزارة الطاقة السورية، أحمد سليمان، وجود موقف تركي محدّد إزاء إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس.
من جهة أخرى، تُبدي الولايات المتحدة وبعض الدول العربية تحفّظها أو معارضتها للمشروع، خشية تعزيز موقع دمشق والعراق إقليميًا، وقد تُعرقل واشنطن تنفيذه ما لم يتم عبر قنواتها أو وفق ترتيبات تخدم مصالحها المباشرة.
يُعدّ العراق لاعبًا محوريًا في أسواق الطاقة العالمية، بإنتاج يتجاوز 3.5 ملايين برميل يوميًا، مع التزامه بالجهود الهادفة إلى استقرار سوق النفط، غير أن أي زيادة في إنتاجه تُثير مخاوف داخل منظمة أوبك، الأمر الذي يعكس حساسية التوازن بين متطلبات السوق والمنافسة الإقليمية. وفي هذا السياق، يَبرز الدور الاستراتيجي الذي قد يلعبه خط كركوك–بانياس في إعادة تشكيل تدفّقات النفط في البحر الأبيض المتوسط.
وقد أوضح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في تصريح أدلى به مطلع الشهر الجاري، أن حجم صادرات العراق الحالية لا يعكس واقع احتياطاته النفطية ولا قدراته الإنتاجية، كما لا يتناسب مع عدد سكانه واحتياجاته المتزايدة من الإيرادات، وأعرب عن أمله في أن يتفهّم الأشقاء متطلبات العراق الاقتصادية والتنموية، وأن يُعيدوا النظر في حصته من الصادرات.
في المحصّلة، يقف خط كركوك–بانياس اليوم بين الأمل والتعثّر، فهو يحمل إمكانية إعادة صياغة التعاون الاقتصادي والسياسي بين بغداد ودمشق، لكنه يظل رهينًا بقدرة الطرفين على تجاوز شبكة معقّدة من التحديات المالية والأمنية والجيوسياسية.
مع ذلك، يبدو أن الموافقات الدولية والإقليمية آخذة في الظهور، مما يُشير إلى زخم إيجابي، ومن المتوقّع أن تُترجم الموافقات البرلمانية المرتقبة في العراق مذكّرات التفاهم القائمة حول خط كركوك–بانياس إلى اتفاقيات رسمية.
نون بوست
———————————
اللاجئون السوريون في الأردن… معاناة من تراجع المساعدات وصعوبة العودة/ زيد الدبيسية
13 سبتمبر 2025
بين انخفاض المعونات التي تقدمها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتراجع الدعم الدولي لخطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية بشكل كبير، يتسع حجم ما يعانيه اللاجئون السوريون المقيمون في الأردن والمقدر عددهم بحوالى 1.3 مليون شخص مع عدم استعداد غير القليل منهم للعودة الى موطنهم بانتظار مزيد من الاستقرار وتحسن الأوضاع الاقتصادية في أعقاب سقوط النظام السابق.
وبدا واضحاً سعي المفوضية كي يتحفّز اللاجئون السوريون على العودة إلى بلادهم لتخفيض متطلبات التمويل المخصصة لهم والتي شهدت تراجعاً كبيراً بخاصة خلال العام الحالي، فضلاً عن إجراءات اتخذتها المنظمة الأممية لتقليص الكلف التشغيلية ومنها إغلاق مكاتب تابعة في محافظتي إربد والمفرق شمالي الأردن ويقيم فيهما العدد الأكبر من اللاجئين السوريين في مخيمات أقيمت خصيصاً لهم وداخل المدن والقرى، ما رتب أعباء تنموية على المجتمعات المستضيفة وضغوطاً متوالية على البنى التحتية والخدمات الأساسية.
ويعتبر اللاجئون السوريون أنّ إلغاء تلك المكاتب جاء انعكاساً لتراجع المساعدات التي تقدمها المفوضية متأثراً بانخفاض الدعم الدولي المطلوب لتمويل عملياتها في الأردن وغيرها من البلدان ويحتاج اللاجئ لنفقات مستجدة لتغطية نفقات النقل في حال أراد مراجعة مكاتب المفوضية في العاصمة عمان التي تبعد حوالي 80 كيلومترا عن إربد و60 كيلومترا عن المفرق.
الخبير والمحلل الاقتصادي منير أبو دية قال لـ”العربي الجديد”: “لقد رتبت الأزمة السورية التي بدأت في عام 2013 واستمرت أعباء كبيرة على الاقتصاد الأردني وضغوطاً على الموازنة العامة والخدمات والقطاعات الأساسية”. وأضاف أنه حتى مع عودة الأوضاع تدريجيا في سورية، فإن عدد العائدين من اللاجئين السوريين إلى بلادهم ما زال متواضعاً، وبالتالي يحتاجون إلى جميع أشكال الدعم الإنساني وتوفير متطلبات الحياة وخاصة الصحة والتعليم والعيش وللأسف تراجع الدعم الدولي والاستجابة الدولية لمتطلبات اللجوء السوري لا تزال دون المستوى المطلوب وبعض البلدان لم تعد تقدم أيّ مساعدات.
وقال أبو دية إن الأردن بات يتحمل لوحده تبعات الأزمة والتحديات على الاقتصاد والصحة والتعليم والبنى التحتية وذلك من ناحية ضعف العودة الطوعية والتخوفات التي يبديها اللاجئون من العودة ويحتاجون إلى سنوات مقبلة ويجب أن تستمر البلدان الأخرى بمساعدة الأردن لدعم اللاجئين وتقديم الخدمات الأساسية لهم.
وأشار إلى أن تخفيض الدعم ستنتج عنه مشاكل مالية واجتماعية للاجئين وينذر بتحديات ومخاطر جسيمة مع صعوبة عودتهم إلى سورية حالياً لعدم توفر الاستقرار كما يجب، حيث سترتفع الصعوبات المالية والاقتصادية نتيجة لاستضافتهم للسنوات اللاحقة وكونه يعاني من تحديات اقتصادية في الصحة والتعليم والمياه وعلى المفوضية والمجتمع الدولي الاستجابة لأزمة للاجئين وخطة الاستجابة لهذا العام. ولفت إلى أنّ بقاء أكثر مليون لاجئ ستنتج عنه آثار اقتصادية بخاصة مع تراجع بالمنح والمساعدات العالمية المقدمة للأردن، والتي لم تتجاوز نسبتها الواردة منها المنحة 10% من القيمة المفترضة مقارنة بالعام الماضي وفي ظل المخاطر والأوضاع الاقتصادية الصعبة والاضطرابات والظروف الجيوسياسية العالمية والمزيد من الإنفاق على المجالات الأساسية وزيادة أعباء الموازنة العامة للدولة.
بدورها، أكدت المفوضية أن اللاجئين عبّروا عن استيائهم من إغلاق مكاتبها نظراً لصعوبة السفر إلى عمّان وتكلفته العالية بخاصة للأسر الكبيرة والضعيفة أو التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة. وقالت المفوضية في تقرير لها إنّ قرار إغلاق المركزين في إربد والمفرق جاء في إطار تدابير خفض التكاليف التشغيلية بعد تراجع التمويل الدولي والذي بلغ حسبما صدر عنها حوالي 105 ملايين دولار فقط مشكلاً 28% من إجمالي التمويل المطلوب للعام الحالي والبالغ 372.8 مليون دولار.
وأطلقت المفوضية المرحلة الثانية من برنامج المساعدات الخاصة بالعودة الطوعية للاجئين السوريين وتتضمن تقديم مساعدة نقدية مقدارها 70 ديناراً (100 دولار) لكل فرد من الأسر الراغبة بالعودة طوعياً. وقدّرت الحكومة الأردنية قيمة متطلبات خطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية للعام الحالي بحوالي 1.6 مليار دولار موزعة على 10 قطاعات رئيسية تهدف إلى دعم اللاجئين السوريين ومشاريع خدمية في المجتمعات المستضيفة.
وكان المجتمع الدولي التزم بتمويل 45.9% من خطط استجابة الأردن للأزمة السورية منذ إطلاقها في عام 2015، وبلغ حجم تمويل الخطط 10.3 مليارات دولار من أصل قرابة 22.1 مليار دولار. وتجاوز عدد اللاجئين السوريين العائدين من الأردن منذ سقوط النظام السوري السابق أكثر من مليون شخص بموجب برامج العودة الطوعية والتسهيلات التي تقدم لهم من جانب السلطات الأردنية. وكانت أزمة اللاجئين السوريين بدأت عام 2011 مع اندلاع الحرب، حيث فرّ ملايين المدنيين من العنف والدمار إلى دول الجوار وأوروبا، لتصبح أكبر أزمة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب توصيف مفوضية اللاجئين والاتحاد الأوروبي وغيرهما.
——————————-
الليرة تحت الضغط: الغلاء وتراجع الثقة يعصفان بالسوريين/ نور ملحم
14 سبتمبر 2025
في أسواق دمشق ودرعا وحلب، أصبح الحديث عن الليرة والدولار جزءاً من الحياة اليومية، إذ ناهز سعر صرف الدولار في السوق السوداء يوم السبت، نحو 11425 ليرة للشراء و11475 ليرة للبيع، بينما ارتفع سعر غرام الذهب عيار 21 إلى نحو 1332700 ليرة، وأونصة الذهب إلى 3645 دولاراً. محمد الأسعد، صاحب محل صرافة في دمشق، يقول لـ”العربي الجديد”، إن “الدولار لم يعد مجرد عملة، بل أصبح معياراً لكل شيء: المواد الغذائية، والإيجارات، وحتى الرواتب”. وتؤكد هذه الملاحظات اليومية هشاشة الليرة السورية أمام ارتفاعات متسارعة للدولار والذهب، مما يجعل التخطيط الأسري صعباً للغاية.
وفي السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد عربش أن انخفاض كمية الأموال المتداولة بالليرة السورية وتجفيف السيولة يجعل من الصعب على الصرافين، سواء في الداخل أو الخارج، إحداث تقلبات كبيرة في سعر الدولار لتحقيق أرباح فورية، مشيراً إلى أن دورهم اليوم اقتصر على رفع السعر عبر استبدال الأموال بالليرة وتحويلها إلى الدولار، وهي سيولة سبق تجفيفها من السوق. وأوضح عربش لـ”العربي الجديد” أن زيادة الرواتب بنسبة 200%، وإعلان إصدار “النيو ليرة”، وزيادة عمليات استبدال الليرة بالدولار ساهمت في ضخ مزيد من السيولة بالليرة، إلا أن تثبيت سعر الدولار عند مستويات وهمية مثل 10 آلاف ليرة صعّب مهمة الحكومة القادمة في معالجة الأزمات الناتجة عن تراجع الإنتاج وزيادة البطالة.
كما أشار عربش إلى أن سعر صرف الدولار قبل التحرير كان يقارب 15 ألف ليرة، إلا أن فتح الأسواق أمام المستوردات البديلة عن المنتج الوطني مع جمارك منخفضة أدى إلى تدمير جزء من الاقتصاد، وتوقف العديد من المصانع، وارتفاع البطالة، وتضاعف المستوردات، وفي ظاهرة غير منطقية، انخفض السعر إلى 7500 ليرة بدلاً من أن يرتفع إلى نحو 19 ألف ليرة كما كان متوقعاً. وأضاف أن الانخفاض الوهمي جاء بالتزامن مع إغراق الأسواق بالبضائع التركية والسيارات المستعملة والدولارات المزورة، مما أدى إلى انهيار حقيقي في الإنتاج وظهور جيش من العاطلين عن العمل، مؤكداً أن السعر الحقيقي للدولار الذي يعكس القوة الشرائية لليرة السورية يراوح اليوم بين 17 ألفاً و20 ألف ليرة.
وعلى صعيد متصل، يرى الخبير الاقتصادي أحمد علي أن صعود الدولار لم يحدث مصادفة، بل هو نتيجة عوامل بنيوية متراكمة، تشمل انحسار السيولة النقدية بالليرة والدولار للأسر والأفراد وقطاع الأعمال، خاصة مع الانفتاح على الاستيراد وخفض الرسوم الجمركية، ما دفع الناس إلى شراء السيارات والأجهزة المستوردة، مستنزفاً المدخرات ومقلصاً النشاط الإنتاجي المحلي. كما ساهم الانخفاض النسبي في تحويلات السوريين من الخارج، رغم توسع قنوات الدفع بعد رفع العقوبات جزئياً، في زيادة الضغط على العملة المحلية، إضافة إلى الزيادة الأخيرة في الرواتب وتصريحات مصرف سورية المركزي عن طباعة عملة جديدة.
ويشير الخبير الاقتصادي لـ”العربي الجديد” إلى أن ارتفاع الدولار هو انعكاس لأزمة ثقة متراكمة في الليرة، وليست مجرد نتائج ظرفية، وأن الحل طويل المدى يتطلب سياسات نقدية متوازنة، وتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الصادرات، ومراقبة السوق الموازي، لكي تستعيد الليرة قيمتها وثقة المواطنين بها. ويؤكد أن أي استقرار قصير المدى سيكون هشّاً إذا لم تُعالَج العوامل البنيوية الاقتصادية.
في ريف دمشق، يقول شفيق العبد الله “أبو يوسف”، تاجر مواد غذائية لـ “العربي الجديد”، إن “الأسعار ترتفع يومياً. كلما جلبنا بضاعة جديدة، وجدنا أن سعرها قد زاد بسبب ارتفاع الدولار. المواطنون لا يستطيعون الشراء كما في السابق”. أما في حلب، فيؤكد عماد المصطفى “أبو محمود”، صراف في السوق السوداء، لـ”العربي الجديد”، أن “الطلب على الدولار مرتفع جداً. الناس يفضلون الاحتفاظ بالدولار خوفاً من تدهور قيمة الليرة. حتى التجار أصبحوا يتعاملون بالدولار في معاملاتهم”.
الموظف سليم الموسى يعاني ثبات راتبه بالليرة أمام ارتفاع الأسعار، ويقول لـ”العربي الجديد”: “كل شهر أرى أن ما أملكه من النقود يفقد جزءاً من قيمته أمام الدولار. كل شيء أصبح أغلى، من الخبز إلى الكهرباء وحتى التنقل”. ورانيا سليق، ربة منزل، تضيف لـ”العربي الجديد” أن “شراء الذهب أصبح حلماً بعيد المنال. الأسعار تتغير كل ساعة، والليرة تنهار يومياً أمام الدولار. كيف يمكن للأسرة أن تخطط لمستقبل أولادها في ظل هذه الارتفاعات المستمرة؟”.
—————————–
حاكم المصرف المركزي: سوريا ستكون نَمِر الشرق الأوسط
أيلول 15, 2025
أكّد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أن سوريا ستشهد حركة استثمارات قوية خلال 5 أعوام، لتصبح نمر منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح حصرية في لقاء مع سكاي نيوز عربية، الإثنين 15 أيلول، أن عملية استبدال الليرة تمر بثلاث مراحل وستستمر لمدة 5 سنوات، منوهاً أن المصرف ملتزم باستبدال أي ليرة قديمة خلال هذه المدة.
وأشار إلى أن حذف صفرين من الليرة لن يؤثر على قوتها الشرائية، بل يهدف إلى تبسيط المعاملات المالية، مؤكداً أن عملية تغيير العملة ستكون مضبوطة وستخضع للرقابة، إذ لن يتم المساس بأي وديعة في البنوك تحت أي ظرف.
وفيما يخص ازدهار القطاع المصرفي، توقع حصرية ارتفاع عدد المصارف في سوريا إلى 35 مصرفاً في 5 سنوات.
وتابع بالقول: “ملتزمون بسداد جميع الديون على المصرف والحكومة”.
ولفت إلى أن المصرف سيلتزم بتاريخ محدد لرفع القيود عن السحوبات البنكية، مشدداً على أن لا خطط حالياً للاستدانة من صندوق النقد والبنك الدوليين.
وكشف حاكم مصرف سوريا المركزي، في لقاء خاص على شاشة الإخبارية في آب الماضي، أن المصرف سيطلق حملة توعوية شاملة لشرح آلية استبدال العملة وتوضيح خطواتها للمواطنين، مؤكداً أن كل مواطن سيتمكن من تسجيل مبالغ الاستبدال مسبقاً ليكون رصيده جاهزاً للسحب دون تأخير.
وأشار إلى أن المصرف أدرج مواصفات أمنية متطورة في الإصدار الجديد من الليرة لتعزيز الثقة بالعملة وحمايتها من أي عمليات تزوير، موضحاً أن ست فئات مختلفة من العملة الجديدة قيد الطباعة حالياً.
——————————–
سورية وتركيا توقعان مذكرة لتعزيز التعاون الزراعي وتطوير الإنتاج المحلي/ نور ملحم
15 سبتمبر 2025
وقّعت سورية وتركيا في دمشق مساء الأحد، مذكرة نيات حسنة في مجال الزراعة، خلال اجتماع موسع جمع وزير الزراعة السوري أمجد بدر ووزير الزراعة والغابات التركي إبراهيم يوماكلي ، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون بين الجانبين وتطوير الإنتاج المحلي، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات شراكة مستقبلية في القطاع الزراعي.
وتنص المذكرة على تشكيل لجان مشتركة لدراسة مجالات التعاون الزراعي، سواء في الإنتاج النباتي أو الحيواني، مع بحث إمكانية إدخال تقنيات الزراعة الذكية، ووضع معايير جودة موحدة للمنتجات الموجهة للتصدير، وتطوير روزنامة زراعية مشتركة بين البلدين، إضافة إلى تشجيع استثمارات القطاع الخاص في المشاريع الزراعية السورية.
وقال وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، في تصريح خاص لـ”العربي الجديد” إن: “القطاع الزراعي في سورية تضرر بشدة خلال السنوات الماضية نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية والجغرافيا الزراعية، إضافة إلى موجات الجفاف والحرائق التي طاولت مساحات كبيرة وأثرت في مجمل الإنتاج المحلي”. وأضاف أننا ” نفتح اليوم، صفحة جديدة من التعاون مع تركيا، ليس فقط لتبادل الخبرات، بل لإدخال تقنيات الزراعة الحديثة وإنشاء معايير جودة موحدة، وتطوير روزنامة زراعية مشتركة تتيح تصدير المنتجات وفق مواصفات موحدة إلى الأسواق الخارجية”.
معبر باب الهوى الحدودي بين تركيا وسورية – 1 يونيو 2024 (رامي السيد/ Getty)
اقتصاد الناس
توافق أردني سوري تركي على إعادة تشغيل معبر باب الهوى
وأشار بدر إلى أن “أحد المحاور المهمة التي تم اقتراحها للعمل مع الجانب التركي هو تطوير الغابات وإعادة تأهيلها، إضافة إلى تعزيز القدرة على مكافحة الحرائق”، منوها إلى أنه ” تم وضع هذا المحور ضمن خطة العمل مع برنامج زمني واضح، وهو حالياً في طور المراجعة لصياغة كل النشاطات المتعلقة به، وما سيأتي بعد توقيع المذكرة، بحيث يتحول لاحقاً إلى اتفاق رسمي بين البلدين. هذا التعاون يشمل أيضاً تطوير الصحة والإنتاج الحيواني، وتنمية الثروة النباتية، وتحسين آليات الإحصاء الزراعي، بما يضمن سياسات زراعية دقيقة ونتائج أفضل على الأرض”.
وأوضح الوزير أن “الجانب السوري سيؤمّن بيئة استثمارية مناسبة، ويوفر كل ما يلزم من موارد طبيعية وخبرات وأيدٍ عاملة لإنجاح المشاريع الزراعية المشتركة. نحن نؤمن بأن الاستثمار في الزراعة هو استثمار في الأمن الغذائي والمائي لسوريا، ونرحب بأي شراكات تحقق هذه الغاية”.
وبدأ مسار التعاون بين البلدين قبل أشهر، وفق ما كشف سعيد إبراهيم، مدير التخطيط والاقتصاد في وزارة الزراعة السورية، والذي قال في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”، إن “نواة الاجتماعات بدأت منذ زيارة وزير الزراعة السوري إلى تركيا في أبريل/نيسان الماضي، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة توجيهية مشتركة عقدت اجتماعها الأول في حلب خلال أيار/مايو، بهدف إعداد لجان تنفيذية ميدانية لمتابعة الملفات المتفق عليها”.
وأضاف إبراهيم، أن “هناك خمس نقاط أساسية شكلت محور النقاشات، تشمل تطوير الصحة والإنتاج الحيواني، وتنمية الثروة النباتية، وتحسين آليات الإحصاء الزراعي، وحماية الغابات، وتعزيز إدارة الموارد المائية. وركز الجانب التركي بشكل خاص على تطوير الإحصاء الزراعي، لأن وجود بيانات دقيقة يعني سياسات دقيقة ونتائج أفضل على الأرض”. وأوضح مدير التخطيط أن الجانب السوري يعمل على وضع روزنامة زراعية مشتركة لتبادل المنتجات وفق الفائض الإنتاجي، ما يمهّد الطريق لتوقيع اتفاقيات ثنائية تمنح تسهيلات جمركية، وممرات موحدة، وفحوصات جودة مشتركة، لتعزيز التكامل التجاري بين البلدين.
وأكد المسؤول السوري أنه “في ظل تحديات الجفاف وندرة الموارد المائية، نركّز على زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، بما يحقق الأمن الغذائي والسيادة الغذائية لسورية”. من جهته، أكد وزير الزراعة والغابات التركي إبراهيم يوماكلي خلال الاجتماع دعم بلاده للاستقرار في سورية والحفاظ على وحدتها، مشيراً إلى أن تركيا وقفت إلى جانب الشعب السوري خلال السنوات الماضية وقدمت الدعم في مجالات المياه والزراعة والتدريب.
وكشف لـ”العربي الجديد” عن خطة طريق تتضمن مشاريع لإصلاح الأراضي المتضررة، وتطوير البيوت البلاستيكية على مساحة 50 ألف متر مربع، إضافة إلى تقديم 60 ألف جرعة من اللقاحات البيطرية ودعم مختبرات البذار السورية بالمعدات اللازمة. كما ناقش الجانبان ملف المياه، حيث دعا معاون وزير الطاقة السوري أسامة أبو زيد إلى تفعيل الاتفاقيات السابقة حول نهر الفرات، وتعزيز التعاون في مجالات الري الحديث وتحلية المياه وإنشاء مراكز أبحاث مشتركة لدراسة آثار التغير المناخي على الموارد المائية. وتعد المذكرة الجديدة خطوة أولى نحو تعاون أوسع في مجالات الزراعة والمياه، بما يعيد رسم ملامح شراكة اقتصادية وتنموية بين دمشق وأنقرة في المرحلة المقبلة.
العربي الجديد
————————
سورية… ارتفاع جنوني في أسعار الدجاج والبيض/ هاديا المنصور
16 سبتمبر 2025
تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من الغلاء طاولت السلع الأساسية، خاصة البيض والفروج (الدجاج)، إذ ارتفع سعر صحن البيض خلال أسابيع قليلة من 20 ألف ليرة إلى نحو 43 ألفاً، فيما قفزت أسعار الفروج الحي والمنظف بشكل ملحوظ، حيث زاد سعر كيلوغرام الفروج الحي من 17 ألفاً إلى 23 ألف ليرة، والفروج المنظف بما بين خمسة وسبعة آلاف ليرة خلال أسبوع (الدولار يساوي 11500 ليرة).
وفي الشارع أثارت قائمة الأسعار الجديدة استياء الأسر وأعادت إلى الأذهان مستويات الأسعار التي كانت سائدة في فترة ما قبل سقوط النظام السابق. هذا الارتفاع السريع حوّل مادة أساسية على المائدة السورية إلى عبء يثقل ميزانية العائلات محدودة الدخل.
وقال الموظف من ريف حلب، أحمد الرفاعي: “كنا نشتري صحن البيض بشكل شبه يومي تقريباً، وكان جزءاً أساسياً من وجباتنا، أما اليوم فتغير الحال، لم نعد قادرين على شراء الصحن كاملاً، نضطر لشراء البيض بالوحدة فقط، وأحياناً نستغني عنه نهائياً لأن السعر أصبح فوق طاقتنا”.
وأضاف الرفاعي، في حديث لـ”العربي الجديد”: “حتى الأطفال اعتادوا أن يكون البيض حاضراً على مائدتهم، سواء في الفطور أو العشاء، والآن أصبحوا يسألونني لماذا لم أعد أشتريه كما في السابق، ولا أملك جواباً سوى أن الأسعار ارتفعت بشكل جنوني”.
وبحسب المواطن: “نحن أصحاب دخل محدود، وراتب الشهر بالكاد يغطي الحاجات الأساسية من خبز وخضار، ومع هذا الغلاء، لم يعد بإمكاننا التفكير بشراء البروتينات مثل الفروج أو البيض إلا في المناسبات، بعدما كانت من أبسط الأشياء المتاحة”.
اجتماع وزيرا الزراعة السوري والتركي، دمشق في 14 سبتمبر 2025 (العربي الجديد)
أما ربة المنزل من إدلب سميرة البكار، فأوضحت لـ”العربي الجديد”، أن ارتفاع الأسعار انعكس بشكل مباشر على حياة أطفالها، فالبيض الذي كان في السابق من أرخص وأيسر مصادر البروتين التي يمكن إدخالها ضمن وجباتهم اليومية، أصبح اليوم غائباً بشكل شبه كامل عن المائدة.
ووفق البكار فإن اعتمادها على البيض والفروج كان يخفف من عبء شراء اللحوم الحمراء مرتفعة الثمن، إلا أن موجة الغلاء الأخيرة جعلتها عاجزة عن تعويض النقص، لافتةً إلى أن أطفالها أصبحوا يفتقدون أبسط الأطعمة التي اعتادوا عليها، وأكدت أن هذا التغير المفاجئ في الأسعار أربك ميزانيات الأسر محدودة الدخل، إذ لم يعد متاحاً أمامها سوى الاعتماد على الخبز وبعض الخضروات، بينما تراجعت قدرتها على توفير وجبات متوازنة كما في السابق.
عوامل ارتفاع الأسعار في سورية
وتعليقا على موجة الغلاء، أرجع الخبير الاقتصادي مروان العلي في حديثه لـ”العربي الجديد”، القفزة الكبيرة في أسعار البيض والفروج إلى جملة من العوامل المتداخلة، أبرزها يتمثل في انخفاض الإنتاج نتيجة موجة الحر التي ضربت البلاد خلال الشهر الماضي، والتي تسببت بنفوق أعداد كبيرة من الدواجن البياضة، ما أدى إلى تراجع المعروض بشكل ملحوظ.
وأشار العلي إلى أن جانباً آخر من الأزمة يرتبط بارتفاع تكاليف التربية والإنتاج، بدءاً من أسعار الأعلاف والمتممات الغذائية، مروراً بالأدوية البيطرية، وصولاً إلى أجور النقل، وكلها تأثرت بارتفاع سعر صرف الدولار، وبيّن أن الطلب بقي مستقراً تقريباً عند مستوياته المعتادة، بينما العرض شهد تراجعاً كبيراً، وهو ما يفسر تضاعف الأسعار في فترة قصيرة، ويرى أن الأزمة مرشحة للاستمرار في حال لم تتخذ إجراءات عاجلة لدعم المربين وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة.
واعتبر أن غياب سياسات واضحة لضبط السوق أو حماية المستهلكين سيجعل الأسر السورية في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء متصاعدة، وسط مخاوف حقيقية من أن يتحول البيض والفروج إلى سلع “كمالية” بعدما كانا من أساسيات الغذاء اليومي.
————————–
سوق السلاح واقتصاد الحرب في سوريا/ مهيب الرفاعي
الاثنين 2025/09/15
يكشف اقتصاد السلاح في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عن تداخل معقّد بين منطق الطمع والمظلومية، بحيث يصبح من الصعب الفصل بينهما في تفسير سلوك الأفراد والجماعات. فمن ناحية الطمع، كانت الليالي الثلاث التي سبقت سقوط نظام الأسد، فرصة مواتية للسكان المدنيين وعناصر عسكريين للدخول إلى القطع العسكرية التي كانت تديرها قوات الأسد، والاستيلاء على أسلحة وذخائر وتهريبها خارج هذه القطع واستخدامها خارج إطار سلطة الإدارة الجديدة.
ينقسم هؤلاء العناصر إلى عناصر كانوا محسوبين على المعارضة المسلحة حتى 2018 ومن ثم انخرطوا في برنامج المصالحة الوطنية الذي أعلن عنه نظام الأسد حينها، وتابعوا حياتهم إما مع الفيلق الثامن بإشراف روسي، أو عادوا مدنيين بشرط أن لا يحملوا سلاحاً ضد نظام الأسد؛ أو عناصر منتمية لجماعات مسلحة محلية تفرض أتاوات على المدنيين والسكان المحليين بحجة حمايتهم أو ردع أي اعتداء من جماعات مسلحة أخرى (وهؤلاء ينشطون في الأرياف و القرى البعيدة عن المراكز)؛ أو حتى عناصر كانت تعمل مع المعارضة واستغلت قدرتها العسكرية وامتلاكهم آليات لنقل هذا السلاح المستولى عليه خارج المناطق العسكرية ومن ثم البدء بعملية الاحتكار والبيع.
على المستوى الأعلى، شكّل انهيار مؤسسات الدولة وانفتاح الحدود المفاجئ والسريع أمام شبكات التهريب، فرصة ذهبية للميليشيات والتجار والمقاتلين السابقين، إذ تحوّل السلاح إلى عملة متداولة ومصدر رزق يوفّر لهم مكانة اجتماعية ونفوذاً سياسياً واقتصادياً؛ فبدلاً من أن يكون السلاح مجرد وسيلة قتالية، أصبح استثماراً مربحاً، يُستخدم للبيع والشراء والتخزين والمقايضة، ما عزّز اقتصاداً موازياً منفصلاً عن مؤسسات الدولة الرسمية، وصعّب المهمة أمام الإدارة الجديدة لضبط واحتكار هذا السلاح. هذا الانفتاح مدفوع بنظرية الطمع والأولوية في استغلال الفرصة في ظل غياب واضح لأي من مؤسسات الدولة لصالح انتشار عناصر وسكان غير منضبطين.
أما من ناحية المظلومية، فقد تراكمت ذاكرة طويلة من القمع والتهميش والانقسامات الطائفية والعرقية، ما ولّد شعوراً عميقاً بانعدام الأمان والخوف من الانتقام في مرحلة ما بعد النظام، من أي طرف ضد أي طرف آخر؛ هذا الشعور دفع الكثير من المجتمعات إلى التسلّح ليس فقط بدافع الحماية الفردية، بل أيضاً كآلية لبناء توازن رعب يحمي الجماعة ويضمن بقاءها في ظل فلتان أمنى واضح. هنا تصبح تجارة السلاح مشروعة في نظر حامليها، إذ تُقدَّم كخط دفاع أخير ضد عودة الاستبداد أو هجمات الخصوم، وهو ما يضفي على الطمع الاقتصادي غطاءً أخلاقياً واجتماعياً يعيق حركة تقدم الدولة نحو احتكار الموارد الأمنية والعسكرية.
اختفاء مفاجئ
تلاشت أسلحة حقبة الأسد على أربع مسارات رئيسية: جرى الاستيلاء على مخازن كبيرة في مواقعها من جانب مدنيين وعناصر من فصائل مسلّحة محلية عند انهيار القواعد العسكرية ومراكز الشرطة والفروع الأمنية؛ وسُحبت تدفقات أصغر بواسطة عناصر من الداخل، جنود وضباط يبيعون مخزونات الوحدات إلى الأسواق السوداء عبر وسطاء، كما أدّت سنوات من ضربات إسرائيل/التحالف إلى تدمير جزء من المستودعات أو تشتيته؛ فيما تسرّب تيار ثابت إلى مسارات التهريب الإقليمية نحو الأردن ولبنان والعراق. انتهى الأمر بامتلاك مدنيين عاديين للسلاح عبر نهب انتهازي خلال اجتياحات مفاجئة، وشراء عتاد من جنود يمرّون بضائقة مالية، ولاحقاً عبر غرف شبكية بالدعوة فقط تحاكي إعلانات الحرب المبوبة. اليوم تجري التجارة عبر أسواق أسلحة حقيقية في الشمال والجنوب السوري، أو عبر مجموعات دردشة مشفّرة متجدِّدة مع وسطاء وشحناتٍ مختلطة على مسارات التهريب العابرة للحدود. تحليلياً، نحن أمام اقتصاد حربٍ للسلاح بصيغته الكلاسيكية، فيها استحواذ عبر نهب مستودعات قوات النظام واستخدامها ضد الدولة الجديدة أو ضد أعداء محتملين، وشبكات حماية تُحوِّل هذه التجارة إلى مورد مالي، وتجزئة عبر المنصّات تقلّ.
سوق منفلتة
هذا التداخل بين المصلحية الاقتصادية والمظلومية الهوياتية أسّس لسوق سلاح معقدة ومجزأة، تتغذى على الطلب الدائم من جهة، وعلى العرض الواسع من جهة أخرى؛ في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على احتكار العنف، تحوّل في محيطها السلاح إلى ضامن للنفوذ ومصدر للدخل في آن واحد، ما جعل إنهاء الانفلات أقل جاذبية من استمراره. وبذلك، أصبحت سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وبعد وصول مدنيين غير خبيرين في السلاح وماهيته و طرق تخزينه ومسارات استخدامه القانونية والأمنية، مثالاً واضحاً على كيف يمدّ الطمع العرض بأسلحة متدفقة، فيما يحافظ الإحساس بالمظلومية من جهة والإحساس بالتفوّق من جهة أخرى، على طلب متواصل، لينتج كلاهما دائرة مغلقة من العنف والاقتصاد الحربي يصعب كسرها دون معالجة مزدوجة، نابعة من تجفيف مصادر الربح غير المشروع من جهة، وبناء مؤسسات سياسية واجتماعية جامعة قادرة على طمأنة المجتمع المحلي.
دخلت سوريا مرحلة جديدة من فوضى السلاح يمكن تحليلها بعمق من خلال أطروحة تشارلز تيلي الشهيرة حول صناعة الحرب وصناعة الدولة، يشرح فيها كيف أن العناصر أو الجماعات العسكرية غير المنضبطة تتصرف بعنجهية مفرطة وسلطوية عالية ويختلقون التهديدات أو يستغلون القائم منها، ثم يعرضون الحماية مقابل الموارد. ومع مرور الوقت، أدى احتكارهم للعنف واستخراجهم للعائدات إلى تأسيس المؤسسات المركزية للدولة. أما في سوريا، فالمشهد مختلف تماماً؛ إذ إن انهيار السلطة المركزية والانفتاح المفاجئ لمخازن السلاح، لم يؤديا إلى احتكار جديد للقوة، بل إلى النقيض تماماً، وهو انتشار غير منضبط للأسلحة في المجتمع وصعود سوق سوداء واسعة النطاق.
سرعان ما أصبح اقتصاد السلاح شريان حياة لآلاف السوريين، مع انتقال البنادق الحربية والذخائر المتوسطة وحتى الأسلحة الثقيلة، من القواعد المهجورة إلى الأسواق غير الرسمية وشبكات التهريب والتجارة غير المشروعة؛ وهنا يتجلّى تشبيه تيلي للجريمة المنظمة، ولكن بشكل معكوس. فبدلاً من وجود دولة-عصابة تحتكر الحماية وتستخلص الموارد، برزت تشكيلة مجزأة من الميليشيات والزعماء المحليين والوسطاء المسلحين كمنافسين يمارسون دور العصابات. تشير التقديرات إلى أن أسعار السلاح في السوق السوداء في سوريا، تختلف بشكل كبير بحسب النوع والمنطقة والحالة، إذ يتراوح سعر البارودة (الكلاشينكوف عادة) بين 100 و500 دولار أميركي تبعاً للجودة ومصدر السلاح؛ بينما صاروخ غراد بمدى قصير (20 كم) قد يبلغ حوالي 1700 دولار، ويصل سعر الصاروخ الأبعد مدى (40 كم) إلى نحو 8000 دولار. على مستوى السلاح الفردي، مسدس 9 ملم في مناطق ريف دمشق، يُباع بين 400 و500 دولار، بينما سُجّل أن مسدس “براونينغ” عيار 9 يباع بـ3000 دولار، في حين يبدأ سعر مسدس عيار 14 ملم من نحو 1000 دولار في بعض المناطق مثل سعسع و كناكر و قطنا والكسوة. تعكس هذه الأرقام كيف تحوّلت تجارة السلاح إلى سوق متكاملة، تتحكم فيها عوامل العرض والطلب، ومستوى الصراع، والانفلات الأمني، لتجعل السلاح سلعة متداولة بأسعار مرتفعة تفوق في بعض الأحيان قدرة الأفراد العاديين وتبقى في متناول الميليشيات والشبكات المنظمة.
يكشف هذا الواقع حدود التسلسل الخطي الذي يمكن توضيحه على أساس توفير سلاح، يتبعه خلق حالة فوضى، يتبعه فرض حماية، يتبعه تدوير سق السلاح واحتكاره بيد أفراد أو جماعات بعيداً عن سلطة الدولة.
في سوريا لم تؤدِّ صناعة الحرب إلى ترسيخ السلطة، بل إلى تفكيكها، ودمج الجريمة المنظمة في نسيج الحياة اليومية، من خلال وجود تجار سلاح وميليشيات يعملون كسلطات ظل، لكن غايتهم ليست بناء مؤسسات، بل تحقيق أرباح سريعة ومكانة اجتماعية ونفوذ. ومن خلال تكريس الفوضى، يقوّضون أي إمكانية لاستعادة احتكار مركزي للعنف. وهكذا، بدلاً من أن تكون هذه المرحلة خطوة على طريق تشكل الدولة الحديثة، يوضح اقتصاد السلاح في سوريا ما بعد الأسد كيف يمكن للحرب أن تُؤَسْس للتجزئة، مولّدة ما يشبه السيادة المُجرّمة حيث تحل السوق السوداء للأسلحة محل الدولة كحَكَم أعلى للقوة.
احتكار العنف والسلاح
تصبح فكرة احتكار العنف وأدواته (سلاح خفيف ومتوسط وثقيل)، أكثر وضوحاً حين نقارن بين الإطار القانوني والديمقراطي للدولة الحديثة وبين حالة الفوضى التي عاشتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد. ففي الدولة الديمقراطية، يحتكر الجيش والشرطة استخدام القوة لكن ضمن ضوابط صارمة، إذ يحدد الدستور والقوانين من يحق له حمل السلاح ويخضع العسكريون للسلطة المدنية المنتخبة، كما أن هناك أجهزة تشريعية ورقابية مستقلة تراقب استخدام القوة، وتضمن أن يُمارس العنف وفق مبدأي الضرورة والتناسب وبما يحمي المجتمع لا بما يهدده. هذا الإطار يجعل من احتكار العنف مشروعاً لأنه مرتبط بالعقد الاجتماعي وبالشرعية السياسية، فلا يصبح وسيلة هيمنة أو مصدر رزق، بل أداة لتنظيم العلاقات داخل المجتمع وضمان الأمن والاستقرار. هنا لا بد أن نشير إلى ما وصفه ماكس فيبر بالحق المشروع في استخدام القوة، أي أن تكون القوة محصورة في مؤسسات رسمية مثل الجيش والشرطة وتُمارس وفق إطار قانوني ودستوري. ففي النظام الديمقراطي، يُحدد الدستور والقوانين من يحق له حمل السلاح، وتحدد ضوابط التعامل مع من يمتلك سلاحاً خارج سلطة الدولة، سواء أكانوا هؤلاء أفراداً او مليشيات من أي مرجعية.
أما في سوريا، فقد حدث العكس تماماً، حيث إن انهيار السلطة المركزية (المتمثلة بنظام الأسد حينها)، أدى إلى فقدان هذا الاحتكار، فانفتحت مخازن السلاح وتدفقت الأسلحة إلى المجتمع بلا ضوابط، فتحولت إلى سلعة متداولة في الأسواق السوداء. وبدلاً من أن يكون العنف مقنناً وتحت رقابة مؤسسات الدولة، صار مباحاً تمارسه الميليشيات والعصابات والوسطاء المسلحون والأفراد المدنيون وفق منطق الربح والمصلحة الخاصة. لقد استعار هؤلاء منطق الاحتكار، لكنهم مارسوه على نحو مجزأ؛ فكل ميليشيا أو مجموعة محلية ادعت لنفسها الحق في السيطرة على منطقة، تماماً كما تفعل عصابات الجريمة المنظمة. هكذا، تحولت حماية المجتمع من وظيفة الدولة إلى تجارة بحد ذاتها، وبات انعدام الأمن شرطاً لاستمرار أرباح هؤلاء الفاعلين. المقارنة بين النموذجين تكشف التناقض الجوهري، على اعتبار أنه في الدول الديمقراطية يُمارس احتكار العنف لحماية المجتمع وضمان العقد الاجتماعي، بينما في سوريا ما بعد الأسد جرى تفكيك هذا الاحتكار وتحويله إلى سوق مفتوحة للسلاح والعنف.
المدن
—————————–
الإسمنت المستورد يبتلع أسواق سوريا.. والمعامل خارج الخدمة/ دمشق – رهام علي
الثلاثاء 2025/09/16
يروي أحد العاملين في معمل إسمنت طرطوس لـ”المدن”، طالبًا عدم ذكر اسمه، أن قسم الرقابة الداخلية في المعمل أُلغي بقرار رسمي منذ سقوط النظام، من دون أن يوضع بديل عنه. ويشير إلى أن المعمل متوقف عن العمل منذ ما قبل سقوط النظام، وما يزال حتى اليوم في انتظار عروض الاستثمار، في حين تعتمد السوق المحلية على الإسمنت المستورد.
ويوضح هذا العامل أن تكلفة طن الإسمنت المحلي قبل سقوط النظام كانت كبيرة، وتجاوزت 2.5 مليون ليرة؛ أيّ حوالى 217 دولاراً على سعر الصرف في حينه. لكنَّ الإسمنت المستورد الذي يُغرق الأسواق السورية اليوم، يصل سعر الطن منه إلى نحو 1.4 مليون ليرة؛ أيّ ما يقارب 127 دولاراً.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يبقى العمال بلا عمل فعلي، يتقاضون رواتبهم من دون دوام، بعد أن تعطلت أنظمة الورديات ونقل الموظفين، وهو ما دفع الغالبية للبقاء في منازلهم بانتظار إعلان عودة الإنتاج.
هذه الشهادة لا تمثل حال معمل طرطوس وحده؛ بل تعكس واقعًا أوسع يطغى على معامل الإسمنت الحكومية في سوريا، التي توقفت عن الإنتاج نتيجة قِدم خطوطها، وارتفاع كلفة تشغيلها.
ومع تدفق الإسمنت التركي والمصري والأردني والسعودي إلى السوق المحلية، تتبدل معادلة العرض والطلب على نحوٍ جذري. فالفارق الكبير بين أسعار المنتج المحلي والمستورد لا يترك مجالًا للمنافسة، وهو ما ينعكس مباشرةً على سوق العقارات، وكلفة إعادة الإعمار، التي تحتاج إلى كميات ضخمة من هذه المادة الحيوية.
الإسمنت المحلي يواجه تحديات كبيرة
وفي تصريح خاص لـ “المدن” يوضح مدير الشركة العامة للإسمنت ومواد البناء “عمران” المهندس محمود فضيلة أسباب توقف معمل إسمنت طرطوس عن العمل، التي تعود وفق وصفه إلى “عدم وجود كميات كافية من المواد الخام الصالحة للمعمل، وقِدم المعدات التي انتهى عمرها الافتراضي، إلى جانب تعرّض المعمل للإهمال الشديد، والتدمير الممنهج للأصول، خلال زمن النظام السابق، في الوقت الذي تُسجل فيه شكاوى عدّة من المواطنين القاطنين بجوار المعمل، بسبب التلوث البيئي الكبير، والخطر الصادر منه”.
ويضيف فضيلة أن معمل إسمنت طرطوس طُرح للاستثمار فقط ليكون محطة طحن كلنكر، وإنتاج الإسمنت عبر استيراد الكلنكر، وطحنه، وإنتاج الإسمنت وفق المواصفات القياسية السورية، مع استمرار باب التقدم للعطاء حتى غاية 21/9، وقد يبلغ عدد المتقدمين من الشركات العالمية والعربية 20 شركة.
ويفسّر فضيلة أن خروج المعمل عن الخدمة سببه ارتفاع كلفة الطاقة، مع قدم خطوط الإنتاج، واستهلاك الكهرباء المرتفع. ويكشف أن “الشركة العامة للإسمنت ستعيد تأهيل بعض الخطوط لإدخالها في العملية الإنتاجية قريبًا، ذلك عبر استخدام أحدث التكنولوجيا الخاصة بصناعة الإسمنت، ليكون الإنتاج المحلي منافساً للمستورد”.
استيراد الإسمنت وسوق العقارات
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عامر ديب، أن دخول الإسمنت التركي والمصري والأردني والسعودي إلى السوق السورية بأسعار أقل من المنتج المحلي، الذي يتراوح بين 100 و123 دولارًا للطن، يجعل المنافسة صعبة جدًا على الصناعة الوطنية.
ويشير في حديث لـ “المدن” إلى أن السبب الأساسي لارتفاع سعر الإسمنت المحلي يعود إلى الكلفة التشغيلية العالية، حيث يشكل الفيول والكهرباء وقطع الغيار نحو 65% من الكلفة الكلية، وهو ما يعني “أن المنتج المحلي يفقد حصته السوقية تدريجيًا، إذا لم يتوافر دعم حكومي مباشر للطاقة، أو عقود استثمار حديثة تقلل من تكاليف التشغيل”.
ويضيف ديب أن انخفاض سعر الإسمنت المستورد ينعكس مباشرةً على كلفة البناء، وهو ما قد يخفف الضغوط السعرية على سوق العقارات. لكنه يوضح أن هذا التأثير يبقى محدودًا، لأن سعر العقار لا يتحدد فقط بسعر الإسمنت؛ بل أيضًا بأجور العمالة، وتكاليف التمويل، وأسعار الأراضي، ومخاطر السوق. ومع ذلك، يشير إلى أن استمرار انخفاض أسعار الإسمنت المستورد واستقرارها، قد يؤدي إلى تهدئة نسبية في أسعار البناء الجديدة، خصوصًا في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
أما في ما يتعلق بعملية إعادة الإعمار، فيوضح الخبير الاقتصادي أن سوريا تحتاج كميات ضخمة من الإسمنت تفوق بكثير الطاقة الإنتاجية الحالية، التي لا تتجاوز عشرة آلاف طن يوميًا. لذلك، يرى أن الاعتماد على الاستيراد يصبح شبه حتمي لتغطية الفجوة بين العرض والطلب. ويؤكد أن ارتفاع سعر المنتج المحلي يرفع كلفة إعادة الإعمار، في حين أنَّ وجود البديل المستورد يساهم في خفض التكلفة الإجمالية للمشاريع. لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن “الاعتماد المفرط على الاستيراد يخلق تبعية خارجية، ويضعف الصناعة الوطنية على المدى الطويل”.
ويشدد ديب على أن إعادة تدوير مخلفات الأبنية المهدمة يشكل خيارًا استراتيجيًا؛ إذ يساهم في تخفيض كلفة استيراد الإسمنت، ويقلل من الضغط البيئي الناتج عن ردم الأنقاض، فضلًا عن توفير مواد بديلة مثل الركام المعاد تدويره الذي يستخدم في صناعة الخرسانة. ويشير إلى أن دولًا عديدة اعتمدت هذا التوجه بعد الحروب، مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. ويؤكد أن إدماج إعادة التدوير ضمن خطة إعادة الإعمار يمكن أن يغطي بين 15 و20% من مستلزمات البناء، وهو ما يعد رقمًا مهمًا لتقليل الاعتماد على الخارج.
ويخلص ديب إلى أن دخول الإسمنت المستورد يحمل انعكاسًا سلبيًا على المنتج المحلي بسبب فجوة الكلفة، لكنه يقدم في الوقت نفسه أثرًا إيجابيًا قصير المدى على سوق العقارات، وخفض تكلفة الإعمار. ويقول في هذا السياق إن “استمرار توقف المعامل المحلية من دون عقود استثمار حقيقية، يؤدي إلى فقدانها حصتها السوقية”.
في المحصلة، يقف قطاع الإسمنت السوري بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاعتماد على المستورد الأرخص، مع ما يحمله ذلك من تبعية خارجية، أو ضخ استثمارات هائلة لإعادة تشغيل المعامل الحكومية القديمة. ومع هذه المعضلة يبقى السؤال: هل تستطيع الصناعة الوطنية استعادة دورها، أم أن السوق السورية ستبقى مرتهنة لعجلة الاستيراد؟
المدن
—————————-
أسوأ جفاف تشهده سوريا منذ عقود يدفع الملايين إلى حافة الهاوية
بي. بي. سي.
كان من المفترض أن تكون حقول القمح خارج منطقة السقيلبية، قرب مدينة حماة السورية، ذهبية اللون ومليئة بالحبوب.
بدلاً من ذلك، أصبحت أرض ماهر حداد، التي تبلغ مساحتها 40 دونماً (10 أفدنة)، جافة وخالية، بالكاد تُنتج ثلث محصولها المعتاد.
قال المزارع البالغ من العمر 46 عاماً، وهو يتأمل في الأرض التي كلفته زراعتها أكثر مما أعطته: “كان هذا العام كارثياً بسبب الجفاف”.
لم تُنتج حقوله سوى 190 كيلوغراماً من القمح للدونم الواحد – وهو أقل بكثير من 400- 500 كيلوغرام كانت تنتجها في عام عادي.
قال السيد حداد لبي بي سي: “لم نستعد ما أنفقناه على الزراعة، لقد خسرنا المال. لا أستطيع تمويل نفقات الموسم المقبل، ولا أستطيع تغطية تكاليف الطعام والشراب”.
لكي يستطيع إطعام ابنتيه المراهقتين، يقترض الآن المال من أقاربه ليتمكن من العيش.
تتردد أصداء معاناة السيد حداد في جميع أنحاء سوريا، حيث أدى أسوأ جفاف منذ 36 عاماً إلى انخفاض إنتاج محاصيل القمح بنسبة 40 في المئة، ويدفع البلاد – التي يعيش ما يقرب من 90 في المئة من سكانها بالفعل في فقر – إلى حافة أزمة غذائية أوسع نطاقاً.
يشير تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) إلى أن سوريا ستواجه نقصاً في القمح، قدره 2.73 مليون طن هذا العام، وهو ما يعادل الاحتياجات الغذائية السنوية لـ 16.25 مليون شخص.
وحذّر بيرو توماسو بيري، كبير مسؤولي برامج منظمة الأغذية والزراعة في سوريا، من أنه بدون المزيد من المساعدات الغذائية أو القدرة على استيراد القمح، فإن أزمة الجوع في سوريا ستتفاقم بشكل كبير.
وقال: “قد يصل انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات غير مسبوقة بحلول أواخر عام 2025 وحتى منتصف عام 2026″، مشيراً إلى أن أكثر من 14 مليون سوري – أي ستة من كل عشرة أشخاص – يكافحون بالفعل من أجل الحصول على ما يكفيهم من الطعام. ومن بين هؤلاء، يواجه 9.1 مليون شخص جوعاً حاداً، منهم 1.3 مليون شخص في ظروف قاسية، بينما يواجه 5.5 مليون شخص خطر الانزلاق إلى أزمة إذا لم يتم التدخل العاجل.
وأظهر التقرير نفسه أن هطول الأمطار انخفض بنحو 70 في المئة، ما أدى إلى بوار 75 في المئة من الأراضي الزراعية المروية بمياه الأمطار في سوريا.
وقال السيد بيري: “هذا هو الفرق بين قدرة الأسر على البقاء في مجتمعاتها أو إجبارها على الهجرة. بالنسبة للأسر الحضرية، يعني ذلك ارتفاع أسعار الخبز. وبالنسبة للأسر الريفية، يعني ذلك انهيار سبل عيشها”.
تبيع العائلات المشتغلة بالزراعة مواشيها لتعويض خسائرها من القمح، ما يقلل من عدد وجباتها اليومية، كما ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل.
ومع ذلك، فإن آثار الجفاف تمتد إلى ما هو أبعد من آلاف الكيلومترات من الأراضي الزراعية القاحلة.
يُعد القمح محصولاً أساسياً في سوريا. فهو المكون الرئيسي للخبز والمعكرونة، وهما غذاءان أساسيان يُفترض أن يكونا غذاءً منخفض التكلفة للأسر. لذا، مع نقص إمدادات القمح، ترتفع التكلفة.
أصبح توفير الخبز بالنسبة للأرملة سناء محاميد، البالغة من العمر 39 عاماً، معاناةً كبيرة.
مع ستة أبناء تتراوح أعمارهم بين 9 و20 عاماً، تعتمد سناء على أجر ولديها، لكن دخلهما لا يكفي لتغطية نفقات الأسرة الأساسية.
قالت: “أحياناً نقترض المال لشراء الخبز فقط”.
في العام الماضي، كان كيس الخبز يكلف سناء 500 ليرة سورية (4.1 دولار أمريكي)، أما الآن فهو يكلف 4500 ليرة سورية. لإطعام أسرتها، تحتاج سناء إلى كيسين يومياً – بتكلفة 9000 ليرة، قبل احتساب أي طعام آخر.
تقول: “هذا كثير جداً. هذا مجرد خبز، وما زلنا بحاجة إلى أشياء أخرى. إذا ارتفع سعر الخبز مرة أخرى، فستكون هذه مشكلة كبيرة. أهم شيء هو الخبز”.
تُمثل هذه الأزمة تحدياً للرئيس المؤقت، أحمد الشرع، في الوقت الذي تعمل فيه إدارته على إعادة بناء سوريا في أعقاب الصراع الذي استمر 14 عاماً، وانتهى بإزاحة الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2024.
تسارع الوكالات الدولية، مثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، إلى التدخل إلى جانب الحكومة لتقديم دعم الخبز للمعرضين لخطر انعدام الأمن الغذائي الحاد.
لكن مسؤولي الإغاثة يُحذّرون من أن الدعم ليس سوى حل مؤقت، وأن استقرار سوريا على المدى الطويل يعتمد على قدرة المزارعين على البقاء في أراضيهم ومواصلة الإنتاج.
صرحت ماريان وارد، مديرة برنامج الأغذية العالمي في سوريا: “نسعى لإبقاء الناس في مجال الزراعة”. وقد عملت المسؤولة الإغاثية على تقديم 8 ملايين دولار، كمدفوعات مباشرة لصغار المزارعين – حوالي 150 ألف شخص – الذين فقدوا جميع محاصيلهم.
وأضافت: “إذا لم تكن ستجني المال، فستترك الأرض. وعندها لن تجد من يعمل في القطاع الزراعي الضروري للاقتصاد”.
ولكن بعد أكثر من عقد من الحرب، عانى القطاع الزراعي في سوريا بالفعل من انهيار اقتصادي، وتدمير أنظمة الري، وزرع الألغام في الحقول.
يقول الدكتور علي علوش، مدير الزراعة في منطقة دير الزور، سلة غذاء سوريا، إن حقول القمح تحتاج إلى الري من أربع إلى ست مرات في الموسم، ولكن بسبب قلة الأمطار، لم يتمكن معظم المزارعين من تحقيق ذلك.
وأضاف: “الشغل الشاغل للمزارع هو تأمين المياه، والماء يتطلب وقوداً. وقد ارتفع سعر الوقود بشكل كبير، ليصل إلى 11 ألف إلى 12 ألف ليرة سورية للتر”.
أدى ارتفاع أسعار الوقود وانقطاع الكهرباء إلى صعوبة الحصول على مضخات المياه، وتراكم الديون على العديد من المزارعين.
ويقول الدكتور علوش إن من أولويات إدارته والحكومة الانتقالية في دمشق ضخ الأموال في مشاريع الري – مثل أنظمة الري بالتنقيط التي تعمل بالطاقة الشمسية – التي ستجعل المياه في متناول المزارعين.
لكن مشاريع كهذه تتطلب وقتاً ومالاً، وهي رفاهية لا يملكها مزارعو القمح حالياً.
لذا، بالنسبة لملايين السوريين في جميع أنحاء البلاد، ليس هناك سوى شيء واحد يمكنهم فعله في الأشهر المقبلة: الدعاء من أجل المطر.
———————————–
===========================



