سوريو “بني أمية”.. أو نقد الهوية الموهومة/ شادي العمر

2025.09.18
أدركت منذ سنوات أن أي حديث عن الهوية محفوف بجملة من المغالطات، أقلّها اللبس والتحيز والتشوه الإدراكي والإخفاق بسبب التعميم واستحالة البرهنة. جرّب مثلاً أن تطّلع على الأخطاء المنطقية الشائعة، ستجد دائماً في الأفكار المتداولة حول “الهوية” مثالاً صالحاً على كل واحدة من هذه المغالطات. لكن المفارقة الأكثر طرافة هي أن “الهوية” في الأصل مفهوم منطقي، إلا أنه حين ننظر في دلالاتها خارج فضاء المنطق، وخصوصاً في السياسة والدين والمجتمع، تتحول إلى مفهوم مختلف ومغلوط، ومشوَّش من جهة الضبط، وعلى قطيعة تامة مع أصلها المنطقي.
والهوية منطقياً هي علاقة تعني التطابق بين الشيء ونفسه، تعني – بقول آخر – احتفاظ الكائن أو الشيء بصفاته الجوهرية. بهذا المعنى تغدو الهوية علاقة ضرورية وشرطًا لازمًا لكل وجود؛ وجود هذا الكائن أو الشيء، لأن أي تغير يصيب صفاته الجوهرية سيحيله إلى كائن آخر، فيصبح الكائن الأول معدوماً.
أما أول انزياح مفاهيمي للهوية عن هذا الضبط المنطقي الحاد والواضح، والشبيه بالضبط الرياضي، فجاء عبر علم النفس وفي موضوعه المركزي: الشخصية، والتي تصنعها علاقة الفرد بذاته، وتقوم على ثبات سمات وخصائص الشخص الفردية (أي الجوهرية) واستقرارها – ولو نسبيًا – بدرجة ما، مقارنة بالثبات والاستقرار المطلقين في الاشتراط المنطقي السابق. وبالمناسبة فإن قانون الذاتية هو الرديف المطابق لقانون الهوية، ويُستخدمان بالمعنى نفسه في التعبير المنطقي.
أما الهوية اليوم، وكما نتناولها كمصطلح شائع في الحديث عن الجماعة والمجتمع، وننسبها لأحد جوانب الوجود البشري، فنقول: هوية سياسية، أو مجتمعية، أو ثقافية، أو اقتصادية، فهي متحررة تمامًا من عقال الضبط والتحديد الصارمين كما في معناها المنطقي. وهذا لا يعني أن نسبة الهوية إلى أي من المجالات السابقة هو فعل خاطئ، إنما الخطأ أن يبقى معنى “الهوية” هنا هو المعنى المنطقي ذاته، لأنها لم تعد مرتبطة بموجود واحد بعينه، ولا بظرف محدد في زمان ومكان ثابتين، ولذلك يفشل الحديث عن صفات جوهرية وثابتة للجماعة البشرية.
ولا يستند الفهم المغلوط للهوية على تراخي الضبط المنطقي الذي يسبب الوهم والتشويش فحسب، بل يعززه أيضًا استثمار الخديعة التي تقوم على إيهام الآخرين، ومن ثم خديعتهم للاعتقاد بوجود ما هو غير موجود، أو أهمية ما هو غير مهم. وفي كلتا الحالتين، حين نعتقد بوجود شيء غير موجود، أو أهمية شيء غير مهم، فنحن نقع في حالة من الجهل المركب، فلا نعود نرى ما هو موجود، ولا نعود نهتم بما هو مهم.
بسبب هذه الخديعة التي تقع فيها العقول بشكل جماعي، نجد أن للتلاعب بمصطلح الهوية مكانًا أثيرًا عند السياسيين ومثقفيهم.. وزبانيتهم أيضًا كما هو الحال اليوم. ولذلك يتجدد “الصراع الهوياتي” في كل مكان نوجد فيه، من أصغر شارع خلفي في مدينة مهملة، إلى العالم كله بتقسيماته المختلفة: شرق وغرب، وحضارة وتخلف، وهيمنة واستلاب؛ وبتصنيفاته الكثيرة: إثنيات وأعراق، وأديان وطوائف، وجنسيات، ولغات، وثقافات، وقيم.. إلخ.
في سوريا اليوم، البلد الغارق في كافة أنواع الصراعات، وعلى كافة مستويات الصراعات (والتعميم هنا ليس للمبالغة أو التهويل بقصد التحذير، بل واقع الحال هو كذلك حرفيًا)، يبدو الصراع بين الهويات، قبل الصراع بين قوى الداخل والتنافس بين قوى الخارج، هو الأكثر خطورة من جهة ما سيجرّه من عنف، وما سيستغرقه من زمن، إلا إذا – وإذا فقط – وعى السوريون أزمة الهوية عن قصد وإرادة واختيار (وهذا مُستبعد)، أو إذا امتثلوا – ولو مكرهين – لما يجب أن تفرضه سلطة رشيدة حين يعي القائمون عليها مخاطر أن تتحول الهوية إلى أزمة، أزمة يمكن أن تُسعّر نار الصراع إلى ما لا نهاية، ويعوا أيضًا ما الذي ينبغي القيام به كي لا يحدث ذلك كله (وهذا ممكن صعب المنال)!
عاش السوريون، ومنذ قرن تقريبًا حتى سقوط نظام الأسد، جميع أشكال الصراع الهوياتي البارد فوق رماد حار تحته جمر ملتهب: أديان عدّة، وطوائف داخل الدين الواحد متعددة، وأعراق وإثنيات أكثر تعددًا، وريف ومدينة، وقبائل بدوية وعائلات مدنية. هذا على صعيد العامة، يزينهم على صعيد النخب تعدد أكثر تضادًا: إسلاميون، وقوميون، وأمميون، وتقدميون، وليبراليون، وملحدون، ولا بأس من إضافة جيل فتي شبه نخبوي مطلع الألفية ميّال لمزيج من النزعات الإنسانوية والعبثية واللاأدرية واللاانتماء. كل تصنيف من هذه التصنيفات وغيرها، يتضمن بشكل ما تصورًا عن هوية ما، رغم الإخفاق عادة في التعبير عنها. وفي زحمة هذه الهويات كلها، كانت الهوية الوحيدة التي يجب تمثّلها – أي الهوية الوطنية – ضائعة!
مع مطلع العام 2025 كان صعبًا أن ينتبه السوريون لهويتهم الوطنية، والتي تمزقت في أتون الصراع بين سقوط نظام مخلوع وانتصار فصائل متحالفة، لكن غير متجانسة. والأمر يزداد اليوم صعوبة في ظل رهاب الهويات القاتلة – بتعبير أمين معلوف – وهي ذاتها الهويات التي يغرق فيها السوريون فيَقتلوا أو يُقتلوا، بعضهم يُشهر هويته متنمّرًا، وآخر يخفيها طلبًا للسلامة. أما أشهر ما أُشهر فهو “الهوية الأموية”، والتي لا يمكن أبدًا عدّها هوية، لا منطقيًا، ولا اجتماعيًا، ولا حتى على سبيل الاستعارة الأدبية أو المجاز الشعري!
استحضار “بني أمية” كتسمية هوياتية ليس سوى تكريس لسردية تاريخية تم اجتزاؤها وتوظيفها في السياق السلطوي الحالي. وحتى “الدولة الأموية” ذاتها، وبكل تعقيداتها السياسية وتناقضاتها الاجتماعية، لا يمكن اختزالها في هوية جامعة أو نموذج يُحتذى، بل هي – إذا ما حيّدنا بعدها الديني – مجرد مشروع سلطوي توسعي يقوم على العصبية بمعناها الخلدوني، ولا يمتّ لما نعرفه عن مفهوم “الدولة المعاصرة” بصلة!
لذلك، فحين تُستدعى هذه الهوية اليوم، فإنما تُستدعى بوصفها قناعًا أيديولوجيًا لأصولية راسخة، يدخل في تكوينها البعد العرقي والديني والطائفي، ولا تصلح أبدًا للدلالة على الذات أو الجماعة أو المواطنة في الزمن السوري الحاضر. إذ مع “بني أمية” تنتفي الوظيفة الأساسية للهوية، أي التوحيد أو المطابقة، لتحل محلها وظيفة الإقصاء، فتُستخدم لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، وتتحول إلى أداة فرز وتمييز لا إلى وسيلة تعريف ومساواة، لتصبح بذلك أداة صراع لا أداة تواصل.
ولأنها – أي الهوية الأموية – تفتقر إلى أي جوهر قابل للاتفاق عليه بين السوريين، فهذا ما سيجعلها دائمًا ذريعة تُستدعى حسب الحاجة السياسية، وتُعاد صياغتها وفقًا لمصلحة السلطة ومنطقها. وبهذا المعنى، هي ليست هوية، بل وهم جماعي، يُسوَّق بوصفه حقيقة، ويُدافع عنه بوصفه انتماء، بينما هو في جوهره خطاب أجوف وطيّع، أي قالب فارغ.. املأه بما شئت.
واستدعاء “بنو أمية” كمكوّن هوياتي سوري، رئيس أو وحيد، ليس ليًّا لعنق التاريخ فحسب، بل للجغرافيا والديموغرافيا أيضًا. فالأموية كدلالة مكانية تاريخية هي أكبر بكثير من بقعة الأرض المأكولة من أطرافها، والتي يتعارف عليها الأفراد فيما بينهم بأنهم سوريون. ولكن الأموية أيضًا أضيق بكثير من جهة دلالتها الثقافية، على رحابة التنوع والاختلاف وغيرهما من التمايزات التي تزخر بها هذه الجماعة البشرية التي تُسمى سوريين.
أخيرًا، فإن بناء هوية وطنية سورية جديدة وجادة يتطلّب أن تُمنح فرصة التشكّل خارج منطق الصراع الهوياتي الحالي، وما “بنو أمية” إلا واحد من أشكاله. فالهوية الوطنية لمتعددي الأعراق والأديان والثقافات واللغات لا تُبنى على سردية واحدة، بل على عقد اجتماعي يضمن المساواة والعدالة والانتماء المشترك. ولن يجد السوريون – بالنظر إلى حالهم اليوم – ما يمكن أن يتشاركوا فيه جميعًا، دون استثناء أو إقصاء، سوى الاختلاف الأصيل فيما بينهم، وأنهم بالرغم من تمايزهم الحاد، والصارخ جدًا أحيانًا.. سوريون!
أي، وعطفًا على ما سبق في بداية المقال، الصفة الجوهرية في كينونتنا كسوريين هي اختلافاتنا وتمايزنا، وحين تنتفي صفتنا هذه، ستنتفي
تلفزيون سوريا



