سينما مؤجلة.. من يُقيّد الإنتاج السوري بعد سقوط النظام؟/ لبنى شاكر

11 سبتمبر 2025
تُمثّل حكاية فيلم “نجوم النهار” لأسامة محمد نموذجًا مُصغرًا للقمع الرقابي الذي مارسته ديكتاتورية الأسد (الأب والابن) ضد أي إنتاجٍ سينمائيٍّ مُعارضٍ أو مُغاير، فمع أنها منعت عرضه على شاشاتها، بعد تقديمه مرة واحدة فقط في سوريا عام 1988، إلا أنها سمحت له بالمشاركة في المهرجانات الدولية، مُحاولةً إعطاء صورة تقدميّة ومُنفتحة للعيون الأوروبية، وهذا ما ينسحب على الإنتاج السينمائي السوري عمومًا، فلم يكن للقبضة الرقابية المُشددة، قوانين واضحة بقدر ما كانت خاضعةً لأهواء وأوامر اعتباطية، هدفت في جوهرها إلى تكميم أي صوتٍ مُعارض أو مُختلف، ومن ثم لم يكن المنع مجرد إجراءٍ روتيني، بل كان حكمًا بالإعدام الإبداعي، دافعًا بتلك الأعمال إلى النسيان والإخفاء القسري، مُقابل الترويج لما يتماشى مع سياسة السلطة، وإظهار المُشتغلين فيه على أنهم نجوم سينمائيون لم تُنجب البلاد غيرهم.
ومع سقوط النظام السابق، لم يكن عرض “نجوم النهار” وما يأتي في السياق ذاته من أفلامٍ مُنعت لسنوات، مثل “الابن السيء” لغطفان غنوم، و”الداخل مفقود والخارج مولود” لوليد المدني، مُجرد حدثٍ فني، بل إحياء للذاكرة السينمائية كجزء من إعادة بناء الهوية، سارعت إليه عدة مبادرات ثقافية منها “صالون دمشق السينمائي” الذي استضاف عددًا من صنّاع تلك الأفلام، بينهم المخرج أسامة محمد، بعد 14 عامًا من المنفى، لكن حتى اليوم لم نسمع عن فكرة أو رغبة لإنتاج فيلم سوري، فما الذي يقف عائقًا أمام السينمائيين السوريين بعد سقوط النظام وزوال الرقابة السياسية المباشرة، هل هي الخشية من أن تحل رقابة المجتمع أو الجماعات المُحافظة محل رقابة النظام، مما يقيد حرية الإبداع من زاوية أخرى، أم صعوبات التصوير داخل سوريا، ولا سيما مع الدمار الكبير في البنية التحتية، والحاجة لإعادة بناء وتأهيل الصالات ومعدات الإنتاج، أم ربما رغبة السينمائيين في السفر، بموازاة كل ما تمر به البلاد، والذي لا يبدو مُلائمًا للبدء بمشروع سينمائي؟
أسباب تعثّر الإنتاج السينمائي
يعود المخرج محمد سمير طحان إلى ما شهدته السينما السورية في سنوات الحرب، محاولًا تحديد الأسباب أو الظروف الاستثنائية، التي ساهمت جميعها في تراجع الإنتاج السينمائي، يقول لـ “ألترا سوريا”: “الهجرة الجماعية للكوادر الفنية المتخصصة لعبت دورًا في إضعاف البنية التحتية للإنتاج، كذلك كانت الخلافات السياسية الحادة سببًا في تفكك الروابط المهنية وتباعد الرؤى الإبداعية، كما عانى القطاع من عزلة دولية حقيقية حالت دون مشاركته المنتظمة في المهرجانات، وعلى الرغم من وصول بعض أفلام الثورة إلى منصات مرموقة، إلا أنها بقيت إنجازات فردية لم تؤسس لبنية إنتاجية أو تنظيمية قادرة على الاستمرار، ولو أردنا بناء صناعة سينمائية مستقلة، فالأمر يتطلّب علاج جملة من الإشكاليات، في مقدمتها أزمة المؤسسة العامة للسينما التي تعاني من قصور بنيوي واضح”.
بدوره الناقد فراس محمد، يشير الى عدة أسباب أهمها “غياب التمويل سواءً على مستوى القطاع العام أو الخاص، وغياب أية رؤية واضحة لإعادة تفعيله حاليًا”.
إشكالية الرقابة والتمويل المفقود
بالطبع، الرقابة حاضرة دومًا في أي حديث عن السينما وعوالم الثقافة عامة، لكن ما يذهب إليه محمد في شرح أسباب العزوف عن إنتاج فيلم سوري بعد سقوط النظام، تحديدًا، هو “غموض مفهوم الرقابة، وعدم وجود ناظم شفاف لها، وهذا ليس إيحاءً بغيابها بل هو تأكيد لها”. في حين يُنبه طحان إلى أنه “من المعيب أن يظل استيراد الأفلام ومراقبتها محصورًا بالمؤسسة العامة للسينما فقط، كما أن استمرار الرقابة المسبقة على النصوص السينمائية يحدّ من حرية الإبداع وينفر المنتجين والمخرجين من العمل”.
ويرى طحان في المنحى نفسه أن “غياب فرص التمويل الجدي يُعد عائقًا أساسيًا أمام الإنتاج، كما أن عدم وجود اتفاقيات تعاون بين وزارة الثقافة السورية ووزارات الثقافة في بلدان العالم، يضعف حضور السينما السورية في المهرجانات الدولية، ويُضيع فرص تسويقها في المنصات العالمية مثل نتفليكس وسواها. كما أن هنالك افتقارًا لشركات إنتاج سينمائية متخصصة، خلافًا لوفرة شركات إنتاج الدراما التلفزيونية”.
إصلاحات مطلوبة لتفعيل الإنتاج
النقاش حول الإنتاج من الناحية العملية، يتشعّب في اتجاهات عديدة حسبما يلفت إليه محمد، وعلى حد قوله لـ “ألترا سوريا”: “مُحاولة الإنتاج حاليًا ستكون غير قادرة على تأسيس أي فعل فني أو سياق فني، خصوصًا لجهة المديريات العامة التابعة لوزارة الثقافة المسؤولة عن الإنتاج، كون القوانين والأنظمة الداخلية لم يتم تعديلها أو خلق أرضية قانونية جديدة فعالة أسوة بالدول العربية المحيطة، التي صار لها باع جيد في منطق الإنتاج بشكله الحديث، والذي أثبت كفاءته وفعاليته، بينما الأنظمة الداخلية لدى مؤسساتنا الفنية أثبتت فشلها منذ زمن طويل”، ومن ثم فإن “أي محاولة للحفاظ عليها أو تحقيق إنتاج تحت مظلتها لن يحمل نتائج يُؤسس عليها لاحقًا، ولن تعدو مجرد محاولات لتصدير إيحاء باستمرارية العمل بدل تطويره أو تحديثه، وهذا غير كافٍ لتفعيل الإنتاج الفني، بل هو تكريس لغرقه وانكماشه”.
وفي المجال العملي أيضًا، يُنوه طحان إلى ضرورة “إصدار قوانين تشجع الاستثمار في السينما، وتقدم إعفاءات ضريبية لاستيراد المعدات، وتحفز بناء استديوهات وصالات عرض جديدة”.
الترا سوريا



