إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

عن خطاب الكراهية والسلم الأهلي/ رباب هلال

16 سبتمبر 2025

حدّدت منظّمة الأمم المتحدة، عام 2021، يوم 18 يونيو/ حزيران يوماً عالميّاً لمكافحة خطاب الكراهية المتنامي والمتفشّي كوباء فتّاك، إلى درجة إقلاق العالم، وذلك بهدف تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات ونشر التسامح. يرمي هذا الخطاب إلى تهجّمٍ أو تمييزٍ ضدّ أفراد وجماعات على أساس هويّاتهم الدينيّة أو العرقيّة أو الجندريّة. ويظهر لأسباب عديدة سياسيّة، اقتصاديّة، اجتماعيّة. وينتشر بكثافة في مناطق النزاع والحروب، وفي البلدان التي يغيب فيها القانون والعدالة. ومن تبعاته المدمّرة: تدمير السلام وعمليّة التنمية، التضليل وطمس الحقائق، تكريس العنف والتمييز، ازدياد الانقسامات والتشرذم المجتمعيّ، تمزّق الهويّة الوطنيّة، وغياب الديمقراطيّة.

ويعدّ خطاب الكراهية، كما اتُّفق “تمهيداً للجرائم الفظيعة، بما في ذلك الإبادة الجماعيّة.” وعلى أنّه، سلاح في يد الدول لتحقيق مآرب سياسيّة. خطاب مدمّر طاحن، مثل حجريّ رحى حبوبها الشعوب؛ الناس الأبرياء. وقد شهدنا في الأمس غير البعيد مجازر شنيعة حدثت في البوسنة والهرسك، في راوندا، في ميانمار، وفي فلسطين المحتلّة منذ عقود وليس آخرها الإبادة في غزّة، ولا نغفل المجازر المرتكبة في سوريّة في العهدين؛ الساقط والقائم حاليّاً. ومع التقدّم التكنولوجيّ، وانتشار وسائط التواصل الاجتماعيّ والذكاء الصنعيّ، توسّع انتشار هذا الخطاب واشتدّ سعاره القاتل، الأمر الذي نشهده يوميّاً، تحت شعار حريّة التعبير. فيجد المتلقّي الذي لا حول ولا قوّة له، يجد نفسه مكبّلاً وسط أدغال وأحراش ووحوش مخيفة، لا فكاك من تأثيرها السامّ. يحدُث مثل هذا في سوريّة اليوم. وبعيداً عن المقارنة بين سلطتي الأمس واليوم، نجد أنّ مياهنا الحمراء مستمرّة في جريانها إلى درجة أنّها أوشكت على رسم خطوط تقسّمنا، نحن السوريّين، حدوداً لجغرافيا نجهلها وبشدّة نرفضها. وما اختلف أنّ ما سمّي شهداء الأمس باتوا قتلى اليوم، وأسماء قتلى الأمس، اليوم شهداء. حسناً، وماذا عن يوم غدٍ؟ وماذا عن سوريّة الضحيّة، القتيلة، الشهيدة، الأمس واليوم؟

ما تشهده سوريّة حاليّاً ظاهرة لا سابق لها من حيث الانتشار والمضامين المدمّرة للشعب والبلاد، ظاهرة خطاب الكراهية. في المقابل، نشهد أخيراً نشاطات مناهضة تسعى إلى مكافحة هذا الخطاب الآثم، لرأب الشرخ الفظيع، وتعزيز السلم الأهليّ عبر دعوات ظهرت في التوقيت نفسه، وكأنّما كانت تنتظر رنين جرس الخطر المهدّد، أو جرساً (أونجي أوزيّاً) غير خافٍ. ولتحسين النيات فلأقل إنّ في الأمر فضيلة ما، فالسلم الأهلي حلمنا المشترك، كاشتراكنا في المنبت، والعيش، والخبز والهواء، والموت على أرضنا جميعاً عبر التاريخ. إنّما اللّافت، على صفحات بعض الناشطين والناشطات في هذا المجال، والداعين والداعيات إلى مجالس حواريّة، ندوات تثقيفيّة، أو ورشات تدريبيّة، تناقضاتهم في طرح الآراء وإعلان المواقف ما يثير الريبة حدّ القلق والخوف، وأخصّ من بينهم، المتعلّمين، والمثقّفين ومدّعيّ الثقافة، والفنّانين والكتّاب، فنجدهم يساهمون في التضليل الإعلاميّ وقلب الحقائق، وتكذيب عيون الضحايا وصرخاتهم، وإنكار وجود مخطوفين ومخطوفات، وتوجيه الاتهامات والتخوين.

أعتقد أنّ هذه الدعوات اليوم فارغة أو غائيّة، فالسلم الأهليّ مسؤوليّة الدولة بالدرجة الأولى، والمؤسّسات الرسميّة من إعلاميّة وتربويّة وتعليميّة وتثقيفيّة، فلا جدوى من هذه الدعوات الفرديّة على أرض منكوبة ومهدّدة بمخاطر عديدة، يعلوها ذباب إلكترونيّ قذر، وترابها رخو، تُغذّي جُبلته حتّى الساعة، دموع السوريّين ودماؤهم، دونما استثناء. وتحويراً لمقولة جبران، أقول: “إن غنّيت للخائفين، ولذوي الضحايا، سمعوك بمقائيهم المُرّة وجراحاتهم المريرة”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى