مقالات تخص انتخابات مجلس الشعب المزمع اجرائها في سورية تحديث 18 أيلول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
——————————
أسئلة الديمقراطية في الانتخابات السورية/ حسين عبد العزيز
15 سبتمبر 2025
في مناخ سياسي حسّاس تمرّ به سورية منذ سقوط نظام الأسد، قرّر الرئيس أحمد الشرع إجراء انتخابات برلمانية وفق صيغة وآلية قيل إنّهما تتناسبان مع خصوصية المرحلة هذه. وقد يبدو أنّ الركون إلى الخصوصية التاريخية أصبح ظاهرة مُنتشرة في دول كثيرة في العالم الثالث منذ تسعينيات القرن الماضي، لا سيما حينما يتعلّق الأمر بتشكيل نظام سياسي جديد على أنقاض نظام الاستبداد القديم، أو حين يتعلّق الأمر بإجراء إصلاحات سياسية جادة.
هنا، يتساءل مراقبون كثيرون: هل الآلية الانتخابية المُعتمدة في سورية الأمثل في هذه المرحلة، وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان؟ أم ثمّة خيارات واسعة لتشكيل نظام انتخابي، حتى لو كان مرحلياً، أفضل مما هو مُعتمد حالياً؟ ويحقّق شروط تمثيل سياسي وتقاسم للسلطة، وهو الغرض النهائي من إجراء الانتخابات؟
تتطلّب الإجابة عن هذه الأسئلة إلقاء نظرة على آلية الانتخابات، وما الغاية من هذه الآلية تحديداً؟ ثم تناول العملية الانتخابية من حيث الشكل والمضمون ضمن إطار النظام السياسي ككل، أي من خلال وضع العملية الانتخابية في سياق ما ستنتجه من صلاحيات للبرلمان والحكومة والرئيس، وبالتالي، تحقيق نظام فصل السلطات. لذلك، السؤال الرئيس المطروح هو، هل تحقّق انتخابات مجلس الشعب هدف الديمقراطية الرئيس، حتى لو في الحدود المقبولة ضمن سياق تاريخي محكوم بخصوصية سورية؟ والمقصود بهدف الديمقراطية تحقّق السمات الأولية لأيّ عملية انتخابية، أي توافر مواصفات الحدّ الأدنى، أن تكون الانتخابات حرّة وشاملة لمجموع الشعب ونزيهة.
انتخابات بلا أحزاب
تجري “الانتخابات البرلمانية” المُرتقبة في سورية على مستوى الأفراد، وليس على مستوى الأحزاب، وهي ظاهرة موجودة في بعض الدول التي تمتلك خصوصية اجتماعية.
ثمة ثلاثة أنواع من الأنظمة السياسية التي لا تتبنّى نظام الأحزاب: الأولى، الأنظمة الدينية الخالصة، مثل الفاتيكان وإيران. والثانية، الملكيات التقليدية كما في حالة دول الخليج العربي. والثالثة، الأنظمة التي تشبه قديماً ما سُمّيت المدينة ـ الدولة، مثل جزر كوكوس قرب أستراليا، جزر الفوكلاند قرب الأرجنتين، ولايات ميكرونيزيا الموحّدة قرب أستراليا، توفالو المعروفة باسم جزر إليس في عمق المحيط الهادئ، إقليم سانت هيلانة جنوب المحيط الأطلسي.
في كلّ هذه الحالات الثلاث السابقة (باستثناء إيران والسعودية) ليس ثمّة انعكاسات سلبية تهدّد النسيج السياسي ـ الاجتماعي لهذه الدول، كلّ لأسبابه الخاصة، ففي حالة الفاتيكان، ليست ثمّة دولة بالمعنى العملي كما هو حال باقي الدول، إذ لا وجود لشعب في الفاتيكان، وإنما أخذت صفة الدولة باعتبارها كياناً دينياً مستقلاً له إرثه التاريخي ومكانته الوجدانية والروحية لدى المسيحيين، ورمزاً للأبهة الدينية التي تشكّلت عبر التاريخ. وفي دول الخليج العربي، ثمّة قليل من السكان، مع تجانس هُويّاتي في أغلبها، وفورة مالية كبيرة تجعل الجميع متساوين في الفرص الاقتصادية، وبالتالي، لا وجود لفقراء وأغنياء بالمعنى الموجود في الدول الكبيرة، غنية أم فقيرة. والتفاهمات الاجتماعية ـ السياسية ذات البُعد القبلي مع الفورة المالية تجعل الدولة والمجتمع في حالة استقرار ورغد.
وفي الحالة الثالثة، ثمّة دول صغيرة جدّاً بعدد سكان قليل جدّاً، ففي حالة سانت هيلانة، لا يتجاوز عدد السكان ستة آلاف نسمة، أي نحن هنا أقرب إلى تجمّع سكاني صغير منه إلى المجتمع الواسع. لكن هذا النوع من الأنظمة ستكون له تأثيرات سلبية كبرى في الدول والمجتمعات الكبيرة، كحال إيران والسعودية، وإذا كانت الوفرة المالية من جهة وشرعية الملكية من جهة ثانية تضمنان الاستقرار في السعودية، فإنّ الأمر مختلف في إيران، إذ كان غياب الأحزاب السياسية من أجل إيجاد نظام سياسي مستقر لا تنشأ فيه قوى تهدّد المرجعية الدينية الحاكمة، ممثّلة بمرشد الثورة، الأمر الذي حال دون تطوّر الديمقراطية الإيرانية، وجعل من العملية الانتخابية أداة للهيمنة أحادية الجانب عقوداً.
وعلى الرغم من أنّ المادة 14 من الإعلان الدستوري تقول: “تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقاً لقانون جديد”، إلا أنّ الانتخابات الحالية ستجرى من دون أحزاب سياسية، وهو إجراء يبدو أنه مقصود، للحيلولة دون نشوء منظومة أو سلطة سياسية متنوّعة بما يهدّد السلطة الحالية التي تنظر إلى الحكم ضمن منظار “ولاية التغلب” الموجودة في الثقافة الإسلامية التاريخية، أو ربّما نتاج رؤيتها الأيديولوجية السياسية التي تعتبر نظام الأحزاب يشكّل عامل فرقة في حالة المجتمع السوري، بما يذكّر بموقف حسن البنا من الأحزاب السياسية، أو ربّما في حالة ثالثة اجتهدوا أنّ المرحلة الحالية لا تتحمّل وجود أحزاب لن تكون ذات توجّهات سياسية خالصة.
وبغضّ النظر عن أسباب غياب منظومة الأحزاب، ستكون النتيجة على النحو التالي: هيئة “تشريعية” وحكومة تابعتان أو ذواتا ولاء تام للسلطة الحالية، وبالأحرى لرئيس الجمهورية، لأنّ هرمية النظام السياسي مبنية تنازلياً من أعلى إلى أسفل، وليس العكس من الأسفل إلى الأعلى. فضلاً عن ذلك، وفي غياب أحزاب سياسية، ستنعدم البرامج السياسية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية الكبرى في بلد يتلمّس طريقه بعد عقود من الاستبداد وتصحّر الحياة السياسية.
والأهم أنّ الأصوات الأخرى، خصوصاً أصوات الأقلية، ستغيب عن هذا المجلس، وإن وجِد بعض الشخوص من الأقليات أو شخصيات ذات توجّهات أيديولوجية وسياسية مختلفة تماماً عن توجّهات السلطة، فسيبقى تأثيرها صفريّاً في غياب الأحزاب بوصفها مؤسّسات وسيطة بين الدولة والمجتمع، وجزءاً رئيساً في أيّ مجتمع سياسي حديث.
يتفق علماء السياسة على أنّ غياب الأحزاب في الانتخابات التي تجرى في مجتمعات مفتوحة يضعف التمثيل الشعبي ويخلق فراغاً في البرامج السياسية، ما يؤدّي إلى انتشار الخطاب الشعبوي والاعتماد على الانتماءات الشخصية والقرابية بدلاً من الرؤى الوطنية، الأمر الذي يضعف مؤسّسات الدولة ويجعل الهيئات التشريعية غير فعّالة، حيث تتشكّل التحالفات المؤقّتة لمصالح ضيقة بدلاً من بناء برامج قوية ومستقرة.
قد يُحاجج بعضهم بأنّ الوقت لا يسمح بتشكيل أحزاب يتطلّب تشكيلها وقتاً طويلاً، غير أنّ هذا الرأي لا يمتلك مقوّمات مُقنعة، إذ ستجرى الانتخابات بُعيد سقوط نظام الأسد بنحو عشرة أشهر، وإذا ما كانت هذه المدّة غير كافية لتشكيل الأحزاب، فكان بالإمكان تأجيل العملية الانتخابية أشهراً أخرى، إذا كان المُراد تشكيل منظومة انتخابية تكون مقدّمة لبناء نظام ديمقراطي تعددي حقيقي، خصوصاً أنه لا توجد ظروف ضاغطة لإجراء الانتخابات مع الانقسام الاجتماعي السياسي القائم.
في هذه الحالة، ثمة خياران لا ثالث لهما: إجراء انتخابات وفق منظومة سياسية تشمل الجميع وتساوي بين الجميع، أو تؤجّل الانتخابات إلى حين توفّر المناخ السياسي واللوجستي المناسب.
مجمع انتخابي
بغضّ النظر عن الحجج والأسباب التي قدّمتها السلطة في دمشق حيال اعتماد هذه الآلية الانتخابية، وهي، في نظر الكاتب، غير منطقية لا يمكن الدفاع عنها، فإنّ الآلية الحالية تحول دون مشاركة شعبية في الانتخابات.
تقوم الآلية الانتخابية على تأليف لجان مُختارة من قبل السلطة، مهمّتها اختيار هيئات ناخبة، على أن يكون أعضاء هذه الهيئات بمجملها سبعة آلاف شخص، تشمل 11 محافظة من أصل 14 محافظة، ويحقّ لهؤلاء في الهيئة وحدهم الترشّح للانتخابات، ثم ينتخب هؤلاء المرشّحون داخل الهيئة الناخبة نفسها أعضاء مجلس الشعب، أي نحن هنا أمام انتخابات غير مباشرة لا يُشارك الشعب فيها.
لماذا هذا النموذج من الانتخابات؟ يمكن الرجوع إلى حالتين، واحدة محلية وإقليمية وأخرى دولية… في عشرينيات القرن الماضي، شهدت سورية والعراق انتخابات برلمانية، واستُحدث نظام انتخابات مزدوّجة، ينتخب فيها الذكور أعضاء هيئة انتخابية محلية تقوم بدورها بانتخاب واحد من أعضائها ليمثّل الدائرة. كان الهدف ضمان وصول مُلاكي الأراضي الكبار إلى البرلمان، والحيلولة دون تحويل الانتخابات إلى منصّة عامة تسمح بدخول أفراد من طبقات الشعب الدنيا. وقد أنتج هذا النموذج ردّ فعل شعبياً لم يظهر بوضوح في حالة سورية إلا مع سيطرة حزب البعث على السلطة عام 1963، وما نتج عنه لاحقاً من هيمنة الريف على المدينة، فجرت عملية ترييف للسلطة ظلّت مستمرّة.
اعتمدت الولايات المتحدة بُعيد الاستقلال نهاية القرن الثامن عشر نظام المجمع الانتخابي جواباً عن مشكلتين رئيسيتين وحلّاً لهما: الأولى الموازنة بين الولايات الكبيرة والصغيرة من حيث عدد السكان، والثانية إبعاد أصوات السود من الانتخابات مع إصرار ولايات الجنوب على إشراكهم للحصول على أصوات أكثر مقارنة بولايات الشمال التي يغلب فيها عدد المواطنين البيض الذين يحقّ لهم الانتخاب. وجاء الحل بإجراء انتخابات غير مباشرة لمجلس النواب، حيث يقوم سكان كلّ ولاية بانتخاب مُمثلين عنها في المجمع الانتخابي، وهؤلاء ينتخبون الرئيس، وبهذا تصبح العملية الانتخابية في نهاية المطاف محصورة بالنخب.
وعلى الرغم من استمرار هذا النموذج في الولايات المتحدة، جعلت الثقافة السياسية المُتجذّرة في النُخب والشعب من جهة، وقوّة المؤسسات والمجتمع المدني من جهة أخرى، هذا النموذج تقليداً سياسيّاً خاصّاً بأميركا، لا يؤثّر سلباً على النظام الديمقراطي. غير أنّ تطبيق مثل هذا النموذج في سورية الآن يعني إبعاد الشعب عن ممارسة حقيقية للديمقراطية، وبالتالي، جعل السلطة ومؤسّسات الدولة السيادية محصورة بأيدي فئة معينة. وهكذا يصبح المشهد السياسي في سورية: رئيس على رأس السلطة التنفيذية من دون انتخابات، وبرلمان مُختار من فئة قليلة، هي نفسها مُختارة من السلطة.
حكومة ورئيس غير منتخبين
في الحالة السورية، نحن أمام نظام سياسي جديد، لا هو برلماني كامل ولا هو رئاسي كامل وفق الأنظمة البرلمانية والرئاسية في الدول الديمقراطية… الحكومة في النظم البرلمانية تُنتج من البرلمان المنتخب، وهي مسؤولة أمام البرلمان، ولها صلاحيات واسعة تمكّنها من تنفيذ سياساتها، ويعتبر رئيسها أعلى سلطة تنفيذية في النظام البرلماني. غير أنّ عدم وجود رئيس حكومة في سورية وعدم وجود أحزاب في البرلمان وعدم تمثيل البرلمان لمجموع الشعب تجعلنا أمام نظام غير برلماني. في المقابل، يُعتبر النظام الرئاسي الديمقراطي النظام القائم على الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكلّ منهما مهامه، وهو نظام يتسم بازدواجية الشرعية: شرعية الرئيس المُنتخب بشكل مباشر من الشعب، وشرعية البرلمان المُنتخب أيضاً بشكل مباشر من الشعب، ويمكن للعمليتين الانتخابيتين أن تجريا في وقت واحد أو في وقتين مختلفين.
في الحالة السورية الحالية، ثمّة نظام سياسي لا يتمتّع الرئيس فيه بشرعية أحادية ولا ثنائية، إذ إنه غير منتخب، وبالتالي، يفتقر هذا النظام إلى الشرعية الرئاسية، في وقتٍ يفتقر فيه أيضاً إلى الشرعية البرلمانية، لأنّ البرلمان غير مُنتخب من عموم الشعب.
يمكن وصف النظام السياسي السوري بأنه استبدقراطي، أي هو نظام استبدادي، بمعنى احتكار أحادي للسلطة، وديمقراطي من حيث اعتماده أدوات ديمقراطية (الانتخابات). وينطبق تعريف جانو بونوا لمثل هذا النوع من الأنظمة الرئاسية، فهو “لا يحترم ما هو أساسي في النظام الرئاسي، وهو التقاسم المتوازن للسلطات نتيجة استئثار الرئيس بالنفوذ السياسي كله”.
لمنصب رئيس الوزراء أهمية كبيرة في النظم المختلطة (رئاسية، برلمانية) لأنه يخفّف من سطوة صلاحيات الرئيس ويُحدث توازناً بين السلطات، حتى لو كانت صلاحية رئيس الوزراء متوسّطة القوّة كما هي الحال في دول مثل النمسا وبلجيكا الدنمارك واليابان والسويد، أو مُنخفضة الصلاحيات كما هي الحال في دول مثل هولندا وأيسلندا وإيطاليا والنرويج. وتشبه الحال السورية الراهنة حال الولايات المتحدة التي لا يوجد فيها رئيس حكومة، لأنّ الوزراء تابعين مباشرة لرئيس الدولة، لكن فوارق جوهرية بين الحالتين: في أميركا نحن نتحدّث عن دولة ذات إرث تاريخي عريق في الديمقراطية والليبرالية، والرئيس وحكومته يتغيّران دورياً، فضلاً عن أنّ قراراتهما المصيرية تتطلّب موافقة الكونغرس بشقيه: مجلس النواب ومجلس الشيوخ المنتخبين مباشرة من الشعب. وهذا التشابه في الشكل السياسي لا يؤدّي إلى تشابه في النتائج، فثمّة هوة سياسية ودستورية هائلة بين الحالتين وتاريخ من الكينونة السياسية متباين للغاية.
القضاء وفصل السلطات
وفق معايير عصرنا الحالي، لا يمكن وصف نظام سياسي ما بأنه ديمقراطي من دون وجود قضاء مُستقل ضمن نظام فصل السلطات، فإلى جانب انفصال السلطتين التشريعية والتنفيذية عن بعضهما، مُنحت السلطة القضائية استقلالية أيضاً باعتبارها السلطة المنوط بها ضمان الحقوق والحريات في دولة القانون والمؤسسات.
في سورية الأمس واليوم، لا وجود لهذا الفصل، وكما هو الأمر بتبعية السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية كما جاء أعلاه، تخضع السلطة القضائية هي أيضاً للسلطة التنفيذية، إذ ينصّ البند الثاني في المادة 47 من الإعلان الدستوري على: “تتكون المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة”.
هذا البند يتعارض تماماً مع نص (المادة 2) “تؤسس الدولة لإقامة نظام سياسي يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات”.
وهذا واقع يذكّرنا بالدستور السوري لعام 2012 الذي نصّ على أنّ نظام الحكم في سورية جمهوري ديمقراطي (المادة 1 من الباب الأول المخصص للمبادئ الأساسية للدستور)، وأنّ السيادة للشعب (المادة 2 من المبادئ الأساسية للدستور) ويُعتبر مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في الدولة (المادة 50) والسلطة القضائية مستقلة (المادة 132). وحين مَنح الدستور رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة نسفت مبدأ فصل السلطات، حيث السلطات الممنوحة لرئيس الجمهورية، تبدّد مبدأ فصل السلطات.
وقد أخذت مسألة استقلالية القضاء خلال الخمسين عاماً الماضية اهتماماً كبيراً في الدول الديمقراطية غير العريقة تمييزاً لها عن الديمقراطية العريقة التي تمتلك مؤسسات وتقاليد ديمقراطية ليبرالية تاريخية. وفي هذه الدول ذات الديمقراطيات الناشئة، حدث صراع مرير إلى أن أخذت السلطة القضائية تمارس دوراً فعالاً ساهم في دفع عجلة الديمقراطية في دول مثل إسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا والهند والبرازيل وغيرها. في الهند مثلاً، لم تكن المحاكم حازمة للغاية قبل العودة إلى الديمقراطية عام 1977، العام الذي انتهت فيه حالة الطوارئ التي أعلنتها أنديرا غاندي عام 1975، وقد أصبحت المحاكم الهندية منذ ذاك التاريخ، وفقاً لكارل بار، السلطة القضائية الأكثر نشاطاً في العالم. وقد ذهبت المحكمة العليا الهندية أبعد من ذلك، إذ أعلنت أنّ سلطة المراجعة القضائية الخاصة بها هي جزء لا يتجزّأ من الدستور، ولا يمكن نزعها ولا حتى عن طريق التعديل الدستوري. وفي كوستاريكا، حدث تطوّر كبير نقل السلطة القضائية من مرحلة السلبية القضائية إلى مرحلة النشاط القضائي.
في هذه الدول والدول العريقة، لا يمكن لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء في النظام البرلماني أن يعيّن كل أعضاء المحكمة العليا وحده، على سبيل المثال لا الحصر، ينتخب ثلثي أعضاء المجلس العالي للقضاء في إيطاليا جميع القضاة العاديون، وينتخب البرلمان الثلث الباقي. وفي الهند، يُعيّن رئيس الدولة (سلطاته محدودة جدّاً ويعتبر منصبه حياديّاً) قضاة المحكمة العليا بعد التشاور، وفي إسبانيا، يُعيّن الملك الذي لا يحكم رئيس المحكمة العليا و12 قاضياً من أصل 20 قاضياً هم أعضاء المحكمة، فيما يرشّح الكونغرس أربعة أعضاء ومجلس الشيوخ أربعة أعضاء، وينتخبهم ثلاثة أخماس أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ، وفي البرازيل، يعيّن رئيس الجمهورية قضاة المحكمة الاتحادية العليا بعد موافقة الأغلبية المُطلقة من أعضاء مجلس الشيوح الاتحادي على ترشيحه.
وفي الولايات المتحدة، يعيّن رئيس الدولة (لا يزيد حكمه عن ثمانية أعوام) رئيس المحكمة العليا وأعضاءها، ولكن بشرط موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ المئة، وفي فرنسا، يعيّن رئيس الجمهورية ثلث أعضاء المجلس الدستوري، ويعيّن رئيس البرلمان الثلث الآخر، فيما يعيّن مجلس الشيوخ الثلث الأخير. وفي جميع هذه الحالات والحالات الأخرى في الدول المتطوّرة، تخضع المحاكم العليا فقط للدستور، وفي جميع المحاكم العليا، يبقى أعضاؤها، إمّا طيلة حياتهم، أو عندما تبلغ أعمارهم 65 سنة.
الغاية من إنشاء سلطة قضائية أن تكون حكماً ومرجعاً قانونياً للبتّ في الخلافات والإشكالات القانونية المتعلّقة بآليات الحكم المؤسساتي في الدولة، ومن دون تحقيق هذه الغاية، تصبح السلطة القضائية أداة في يد رئيس السلطة التنفيذية.
العربي الجديد
———————————–
الانتخابات البرلمانية في سوريا من وجهة نظر نسوية/ د. ميّة الرحبي
مقدمة …………………………………………………………………………………. 1
سقوط النظام وبدء المرحلة الانتقالية……………………………………………………. 2
مؤتمر الحوار الوطني …………………………………………………………………. 3
الإعلان الدستوري المؤقت……………………………………………………………… 4
الانتخابات في الإعلان الدستوري المؤقت ……………………………………………… 4
الحكومة السورية المؤقتة ……………………………………………………………… 5
انتخابات مجلس الشعب ……………………………………………………………….. 5
لماذا الكوتا النسائية؟ ………………………………………………………………….. 11
ما العمل؟ …………………………………………………………………………….. 11
مقدمة:
بدأ الحكم الشمولي في سوريا عام 1963 بعد استلام حزب البعث الحكم، والذي تحول إلى حكم عائلي استبدادي للأسدين الأب والابن، امتد من عام 1970 وحتى نهاية 2024، حكم اتسم بالوحشية في معاملة خصومه، وظهرت هذه الوحشية بأبشع مظاهرها بعد اندلاع الثورة السورية السلمية عام 2011، والتي تحولت إلى نزاع مسلح بين النظام والفصائل المسلحة المعارضة له، بتدخل أطراف دولية وإقليمية عدة مناصرة هذا الطرف أو ذاك.
لم يقتصر إجرام العائلة الأسدية على استخدم شتى أنواع الأسلحة ضد معارضيه من قصف وأسلحة كيمياوية، بل اتبع سياسة النهب والفساد والإفساد، واستباحة البلد وأهله.
تسبب النزاع المسلح في مقتل ما لا يقل عن نصف مليون سوري[1]، واختفاء أكثر من 125 ألفاً اختفاء قسرياً، ويقدر عدد النساء المعتقلات والمختفيات قسرياً بأكثر من 10 آلاف حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان[2].
هُجّر ثلثا الشعب السوري تقريباً من أماكن سكانهم الأصلية، نزح نصفهم داخل البلد، وهاجر نصفهم الآخر إلى منافٍ في كافة أصقاع الأرض.
يشير تقرير الاتجاهات العالمية لعام 2022 لل UNHCR إلى وجود 6.5 مليون لاجئ، و6.8 نازح[3]سوري. تعاني معظم اللاجئات في دول الجوار من الفقر والعيش في مخيمات أو مراكز إيواء تفتقر لأبسط الشروط الإنسانية، ما يعرضهن للعنف والاستغلال[4]، من تزويج مبكر والعمل بأجور زهيدة والاستغلال الجنسي[5] وفقدان الأوراق الثبوتية، والقبول بالزواج العرفي غير المسجل.
وبحسب تقارير العديد من المنظمات الحقوقية فقد كان النظام البائد مسؤولاً عن النسبة الأعلى من الانتهاكات.
عاش غالبية الشعب السوري 14 سنة مريرة في فقر مدقع وأوضاع أمنية مروعة. ومورس خلال تلك السنوات كل أشكال القمع والاضطهاد والتنكيل ضد فئات الشعب، وخاصة من اتخذ منهم موقف المعارض للنظام، وزادت العقوبات الاقتصادية غير المدروسة من قبل الدول الخارجية من سوء الوضع وترديه.
تدهور الاقتصاد السوري تدريجياً في السنوات الأخيرة نتيجة عوامل عديدة، أهمها توجيه الموارد نحو آلة الحرب، وقُدر في عام 2022 أنّ 90% من السوريات والسوريين يعيشون تحت خط الفقر، وكان ما لا يقل عن 12 مليون سوري من أصل نحو 16 مليونا من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، حسب “برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة”[6][7]
في أجواء انعدام حس المواطنة يعود المواطنون إلى انتماءات ما قبل الدولة دينية، وطائفية وعرقية ومناطقية، علّهم يجدون فيها ملاذاً وحماية من نظام يستبيح حياة أي مواطن دون مساءلة أو محاسبة، في ظل فوضى أمنية وانعدام سيادة القانون. وقد ساهم النظام الأسدي في تغذية تلك الانتماءات وتأليبها ضد بعضها البعض تكريساً لسيطرته على البشر. ونشأت مظلوميات وأحقاد لم يجرؤ الناس على الجهر بها علناً، فكانت تتضخم في القلوب وخلف الجدران بصمت، خاصة أن النظام الأسدي اصطبغ بصبغة طائفة، استفاد قلة منها، ودفع غالبيتها ثمن حكم العائلة الأسدية باسمها.
تخللت سنوات الحكم الأسدي هده انتخابات تشريعية، كان الترشيح والانتخاب فيها شكلياً يتم تحت سيطرة الأجهزة الأمنية، التي كانت ترشح من تشاء، وتنتخب من تشاء، بمعيار الانتهازية والولاء للنظام الحاكم.
سقوط النظام وبدء المرحلة الانتقالية:
أسقطت مجموعة من الفصائل المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام النظام البائد في 8 كانون الأول 2024، ليبدأ عهد جديد في سوريا، بتركة ثقيلة تركها النظام الاستبدادي، ودخلت سورية عهداً جديداً، يبدأ بما اصطلح على تسميته دولياً بالمرحلة الانتقالية، والتي تحاول القوة التي استلمت السلطة خلالها اكتساب الشرعية على المستويين الداخلي والدولي، كي تستطيع إدارة شؤون الدولة وتمثيلها.
وكان لابد لها لاكتساب هذه الشرعية من القيام بإجراءات ذات طابع متعارف عليها دولياً، كالحوار الوطني والدستور المؤقت وانتخابات مجلس الشعب، وهي إجراءات مستمدة من النظام الديمقراطي، حتى ولو كانت شكلية ولا تعبر عن جوهر الديمقراطية المرتكز على القيم التي تحمي الحقوق والحريات الفردية والعدالة والمساواة.
في 29 كانون الثاني، تم الإعلان عن حل مجلس الشعب، خلال “مؤتمر النصر” الذي شاركت فيه فصائل المعارضة المسلحة التي أطاحت بنظام الأسد، وشهد المؤتمر تنصيب الشرع رئيساً للبلاد، وبالطبع حضر المؤتمر ممثلو الفصائل من الرجال بغياب أي عنصر نسائي. ولم يكن خافياً على أحد الطبيعة الإسلامية الجهادية التي تميّز أغلب تلك الفصائل.
بدا منذ الأيام الأولى لاستلام الفصائل المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام أن الصفات الغالبة عليها الانغلاق والحذر، حتى من بعضها البعض، ورفضها الانفتاح أو التشاور حتى مع جهات المعارضة السورية أو منظمات المجتمع المدني التي نشأت بعد الثورة، وكان لها دور فاعل، حتى أنها حملت في بعض المناطق المسؤوليات التي تحملها الدولة عادة.
وكان لابد لهيئة تحرير الشام التي أوكل إليها قيادة الحكومة المؤقتة، بعد مبايعة الفصائل الأخرى، أن تقع تحت وطأة أعباء ثقيلة، على رأسها بسط سيطرة الدولة والأمن في أنحاء البلاد، وإدارة مؤسسات الدولة، واكتساب الشرعية على المستويين المحلي والدولي، لذا ظهر التناقض واضحاً في كل القرارات التي اصدرتها، والتي تأرجحت بين محاولة إرضاء الفصائل المسلحة، والتي حمل بعضها فكرا تكفيرياً جهادياً متطرفاً من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى سعياً إلى اكتساب الشرعية ورفع العقوبات ودعم إعادة الإعمار. وقد وسم هذا التناقض جميع الآليات “الديمقراطية” التي أنجزتها الحكومة المؤقتة، ما حولها إلى آليات شكلية، قد ترضي المجتمع الدولي، إلا أنها ستزعزع يوماً بعد يوم الثقة بين أفراد الشعب والسلطة القائمة، خاصة بعد الأحداث الدموية، ذات الصبغة الطائفية، التي حدثت في الساحل والسويداء.
وكان واضحاً اختيار الأشخاص في جميع الهيئات التي شكلت الحكومة من الدائرة الضيقة التي تتفق معها برؤاها، مع تطعيم تلك الهيئات بعدد قليل من الأشخاص من خارج تلك الدائرة، كإجراء شكلي يعبر عن الشمولية.
مؤتمر الحوار الوطني:
عقد مؤتمر الحوار الوطني في 25 شباط 2025، والذي لا يمكننا توصيفه بأكثر من اجتماع شكلي لمواطنين، تم اختيارهم من دون أي معايير واضحة، خاصة بعض رفص الحكومة المؤقتة لدعوة أي شخص كممثل لقوى المعارضة السياسية أو الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني، والتي لم تعترف القوة التي استلمت الحكم في سوريا بوجودهم أصلاً.
لم يدم الحوار في المؤتمر الوطني لأكثر من أربع ساعات، ومن ثم أعلن البيان الختامي معتمداً العديد من المخرجات أهمها:
الحفاظ على وحدة الجمهورية العربية السورية وسيادتها على كامل أراضيها، حصر السلاح بيد الدولة، والعمل على إعلان دستوري مؤقت، وتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، وتعزيز الحريات واحترام حقوق الإنسان، وترسيخ مبدأ المواطنة، دون تمييز، والتعايش السلمي والعدالة الانتقالية، والتنمية السياسية على أساس المشاركة، وإطلاق عجلة التنمية الاقتصادية، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.[8] لا يوجد إحصاء دقيق لنسبة تواجد النساء اللاتي حضرن المؤتمر ولكنه قدر بحوالي 20%، وقد ذُكر عرضاً في مخرجات المؤتمر جملة دعم دور المرأة في كافة المجالات، وضرورة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في دعم المجتمع.
الإعلان الدستوري المؤقت:
شُكّلت لجنة لصياغة الإعلان الدستوري المؤقت، لم يكن من ضمنها الحقوقيون الدستوريون السوريون المعروفون بخبرتهم في هذا المجال، وأصدرت الرئاسة السورية في 13 آذار 2025 الإعلان الذي أكد على:
الدولة: سورية دولة مستقلة موحدة، نظامها يقوم على الفصل بين السلطات والمساواة بين المواطنين.
الحقوق: ضمان حقوق الإنسان، حرية التعبير والمشاركة السياسية، وحماية المرأة والطفل ومنع التعذيب.
السلطات: مجلس شعب مؤقت، رئيس جمهورية وحكومة لتنفيذ القوانين، وقضاء مستقل مع محكمة دستورية جديدة.
العدالة الانتقالية: إلغاء القوانين القمعية، إنصاف الضحايا، وتجريم تمجيد نظام الأسد أو إنكار جرائمه.
المرحلة الانتقالية: مدتها 5 سنوات تنتهي بدستور دائم وانتخابات عامة.
وقد قدمت دراسة لمحتواه ومن وجهة نظر نسوية، يمكن للمهتم العودة إليها[9] وخلاصتها أن الإعلان الدستوري السوري الجديد، لم يختلف جوهرياً في موقفه من المرأة عن الدساتير أو الإعلانات الدستورية السورية السابقة، فهو لم ينص على ضمانات حقيقية لحقوق النساء. واستند إلى الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع، وأعطى الطوائف الدينية حق صياغة قوانين أحوال شخصية خاصة بها، ما يفتح الباب للإبقاء على قوانين أحوال شخصية مميزة ضد النساء، ويجعل المساواة المعلنة في بعض المواد متناقضة مع الواقع.
وكان من أبرز النقاط المتعلقة بالمرأة في الإعلان الدستوري:
تكريس التمييز ضد النساء في الأسرة والأحوال الشخصية، رغم الاعتراف بحقوقهن في الحياة العامة.
غياب نص يضمن حق المرأة في منح جنسيتها لعائلتها.
إغفال آليات خاصة لحماية ضحايا العنف الجنسي ضمن العدالة الانتقالية.
احتفاظ النص بلغة مذكرة لا تراعي المساواة بين الجنسين.
الاعتراف لأول مرة بحق حماية النساء من القهر والعنف، لكن دون تحديد آليات للتنفيذ.
غياب مبدأ الكوتا النسائية أو ضمان التمثيل السياسي المتكافئ.
الانتخابات في الإعلان الدستوري المؤقت
نصّت المادة (24) من الإعلان الدستوري على أن يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة، فيما ستبلغ مدة ولاية المجلس 30 شهراً قابلة للتجديد.
ويتولى مجلس الشعب وفقاً للمادة (30) مجموعة من المهام، تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وإقرار العفو العام.
بينما تنص المادة (38) على أن يُصدر رئيس الجمهورية القوانين التي يقرها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها خلال شهر من تاريخ ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها، ولا تقر القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، وفي هذه الحالة يصدرها رئيس الجمهورية حكماً.[10]
لم ترد في الإعلان الدستوري كلمة ديمقراطية لكن الآليات التي تضمنتها مواده هي آليات مستمدة من النظام الديمقراطي كالانتخابات والسلطات الثلاث ومن بينها السلطة التشريعية التي يفترض أن يُمثل أعضاؤها الشعب عن طريق انتخابات حرة.
كما لم يرد في المواد المتعلقة بالانتخابات أي إشارة إلى المشاركة السياسية للمرأة، أو أي إجراءات انتخابية تشجع على ذلك، كالكوتا النسائية.
الحكومة السورية المؤقتة:
في 29 آذار 2025، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم 9 لعام 2025[11]، القاضي بتشكيل الحكومة السورية الانتقالية ومجلس الوزراء رقم 98 في تاريخ الجمهورية السورية. وقد ضمّ التشكيل الوزاري الجديد 22 وزيراً من الذكور ووزيرة واحدة هي السيدة هند قبوات. وضمّ التشكيل وزيرين سابقين في حكومات بشار الأسد، هما يعرب بدر ومحمد نضال الشعار، إضافة إلى ثمانية وزراء يمثلون هيئة تحرير الشام، من بينهم وزراء شغلوا مناصب سابقة في حكومة الإنقاذ (الحكومة التي شكلتها هيئة تحرير الشام في إدلب).
وهنا برز التهميش الواضح لدور النساء بتعيين وزيرة واحدة من أصل 22 وزيراً.
انتخابات مجلس الشعب:
لا يخفى على أحد التحديات الجمّة التي تواجهها أي حكومة انتقالية لديها النيّة الحقيقية بإجراء انتخابات برلمانية حرّة نزيهة، تغبر فعلاً عن كل أطياف المجتمع، ومن هذه التحديات:
التحديات الأمنية
استمرار خطر العنف أو الهجمات من جماعات مسلحة يمكن أن يعرقل عملية الاقتراع أو يثني الناخبين عن المشاركة.
صعوبة تأمين مراكز الاقتراع وحماية القضاة، الموظفين، والمراقبين.
احتمال استخدام السلاح أو الترهيب للتأثير على إرادة الناخبين.
التحديات السياسية
انعدام الثقة بين الأطراف السياسية والمجتمعية نتيجة النزاع السابق.
احتمال مقاطعة بعض الفصائل أو التشكيك في شرعية الانتخابات إذا شعروا بعدم تمثيلهم أو بوجود تمييز.
ضعف المؤسسات الانتقالية أو حداثة التجربة الديمقراطية، ما يجعل الإدارة الانتخابية عرضة للضغط أو الاختراق.
التحديات المرتبطة بالمهجرين واللاجئين
صعوبة تمكين المهجرين واللاجئين من ممارسة حقهم الانتخابي بسبب تواجدهم خارج البلاد أو في مناطق نائية.
مشكلات لوجستية وقانونية تتعلق بآليات تسجيلهم وتصويتهم (هل عبر السفارات، البريد، أو العودة المؤقتة؟).
احتمال تهميش أصواتهم، مما يؤثر على شمولية وعدالة العملية الانتخابية.
التحديات المتعلقة بالأوراق الثبوتية
فقدان أعداد كبيرة من المواطنين لوثائقهم الرسمية بسبب النزوح أو الدمار، ما يحرمهم من التسجيل والتصويت.
مخاطر التزوير إذا جرى استخدام وثائق بديلة أو مؤقتة دون آليات تحقق قوية.
الحاجة إلى إنشاء نظام تحقق بيومتري أو سجلات بديلة في وقت قصير وهو أمر مكلف وصعب.
التحديات الإدارية واللوجستية
ضعف البنية التحتية (طرق، اتصالات، كهرباء) بفعل الحرب.
نقص الكوادر الإدارية المدربة على تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة.
الحاجة لتمويل خارجي وضمانات رقابية دولية، مع ما يحمله ذلك من تحديات سيادية.
التحديات الاجتماعية
انتشار الخوف وانعدام الثقة في المؤسسات، ما قد يؤدي إلى عزوف جماهيري.
الانقسامات المجتمعية (عرقية، دينية، مناطقية) قد تترجم إلى صراع انتخابي بدلاً من تنافس سياسي صحي.
في ظل تلك التحديات قد تختار الحكومة المؤقتة آليات انتخابية تختلف عن تلك الآليات التي تتبع عادة في البلدان المستقرة سياسياً، ولكن مهما كان النظام الانتخابي الذي يمكن اختياره فلن ينجح في نيل ثقة الشعب إذا لم يتوفر فيه شروط عدّة أهمها:
الشمولية: بحيث يكون هنالك مندوبون يعبرون عن كل فئة منطقة وفئة مجتمعية وخاصة النساء والشباب والمهجرون والأقليات، بحيث لا يستثنى أي طيف من أطياف الشعب من هذه المعادلة.
الرقابة المستقلة: القضاء، منظمات المجتمع المدني، والمراقبون الدوليون سيشرفون على العملية لضمان الحياد والنزاهة
الشفافية الكاملة بحيث تعرف جميع أسماء المندوبين ومعايير اختيارهم ، وتكون جلسات الاختيار والقرارات متاحة للجمهور والإعلام.
أولاً: تشكيل اللجنة العليا للانتخابات
في 13 حزيران 2025 صدر المرسوم الرئاسي لاقم 66 لعام 2025 بتشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب[12] من 10 أشخاص بينهم سيدتان. وكلّف اللجنة العليا للانتخابات بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، تنتخب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، في حين يعين الرئيس الشرع الثلث الباقي.
بعد تشكيلها أعلنت اللجنة العليا للانتخابات أنها نفذت زيارات ميدانية إلى كافة المحافظات السورية حيث التقت بثلاث شرائح من المواطنين:
السلطات المحلية ممثلة بالمحافظين ومديري المؤسسات الرسمية في المحافظات.
ممثلو المجتمع المحلي والهيئات الأهلية والشعبية.
رموز المنطقة ووجهاؤها.
وأوضحت أن الغاية من هذه اللقاءات استمزاج الرأي العام حول نظام الانتخابات المؤقت، والبرنامج الزمني لانتخابات، إضافة إلى الشروط والمعايير المطلوبة وتوزيع المقاعد على المحافظات والمناطق[13].
ولم يأت الخبر الرسمي الذي نشر على الصفحة الخاصة بمجلس الشعب بأي ذكر للقاءات ستجرى مع فعاليات سياسية أو مدنية (منظمات مجتمع مدني، نقابات)، أو هيئات المعارضة السورية، والتي عملت جميعها خلال الأربعة عشر سنة الماضية على وضع تصورات ودراسات وأبحاث عن الآليات التي يمكن أن تتم بها الانتخابات خلال الفترة الانتقالية، ومن بينها تلك التي قامت بها العديد من المنظمات النسوية والمدافعة عن حقوق النساء.
وكما هو متوقع لم تمثل النساء في الشرائح الثلاث، فغالباً ما تكون الشرائح السابقة ممثلة برجال، وهذا ما حدث فعلا، إذ غاب العنصر النسائي عن جميع هذه اللقاءات غياباً شبه كامل، كما أوضحت الأخبار والصور التي نشرت عن هذه اللقاءات. وقد رشح من تلك القاءات وتصريحات اللجنة العليا للانتخابات أن تواجد النساء في مجلس الشعب سيكون محدداً بنسبة 20%.
عقدت اللجنة العليا للانتخابات لقاءً وحيداً مع ممثلات بعض الهيئات والمنظمات المدافعة عن حقوق النساء، تحدث فيه عضو اللجنة حسن الدغيم عن أن النقاش تضمن “أهمّية استمزاج في الآراء بين المواطنين، حيث تضمن نقاش اليوم نسبة تمثيل المرأة وذوي الإعاقة وفئة الشباب في المجلس”.
كما صرحت عضوة اللجنة لارا عيزوقي: “إن هذه اللقاءات مع مختلف الشرائح إضافة إلى الجولات التي قمنا بها في المحافظات من شأنها إغناء العمل، عن طريق الاستماع إلى مختلف الآراء والطروحات والنقاش حولها”، مبينة أهمية دور المرأة في العمل السياسي والبرلماني، وأن تكون نسبة مشاركتها مرتفعة استناداً إلى الكفاءة والقدرة على العطاء بشكل فاعل وحقيقي في كل مفاصل الحياة.
في حين طالبت ممثلات المنظمات النسائية برفع نسبة مشاركة المرأة في المجلس من 20 إلى 30% كحد أدنى، لدورها المهم الذي برز رائداً خلال العقود الماضية وخاصة خلال سنوات الحرب، داعيات إلى العمل على تحسين نظرة المجتمع للمرأة، وزيادة الحرص على توفير جو آمن من كل الأخطار المحتملة لإجراء العملية الانتخابية، وتحقيق أعلى قدر ممكن من العدالة في توزيع المرشحين وتمثيلهم لمحافظاتهم.
من جهتها أشارت رواد إبراهيم عضوة منظمة مساواة إلى ضرورة رفع نسبة تمثيل النساء في العملية الانتخابية والمجلس وصولاً إلى تحقيق مساواة كاملة بين المرأة والرجل، مؤكدة أهمية دور الإعلام في تسليط الضوء على هذا الجانب والعمل لدعم المرأة في تلبية مطالبها[14].
بعد تلك اللقاءات أنجزت اللجنة العليا مسودة النظام الانتخابي وقدمته إلى رئاسة الجمهورية.
ثانياً: النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب
صدر عن رئاسة الجمهورية المرسوم رقم 143 الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب بتاريخ 20/8/2025 [15].
حدد المرسوم في مادته الثانية عدد أعضاء مجلس الشعب ب 210، ينتخب الثلثان منه وفق النظام الانتخابي ويعين الثلث الباقي من قبل رئيس الجمهورية.
كما حدد المرسوم الآليات التي ستتم فيها الانتخابات.
في المادة (9) تشكّل اللجنة العليا لجاناً فرعية في المحافظات مهمتها تنظيم الانتخابات في المنطقة.
ووزعت المقاعد على المحافظات السورية على الشكل التالي:
حلب (32)، دمشق (10)ريف دمشق (12)حمص (12)حماة (12)إدلب (12)اللاذقية (7) دير الزور (10)الحسكة (10)طرطوس (5)درعا (6)الرقة (6)السويداء (3)القنيطرة (3).
وقسّمت كل محافظة إلى عدة دوائر انتخابية. حسب قرار اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب رقم 24 الصادر في 26 آب/أغسطس 2025، حيث ستجري الانتخابات في 60 دائرة انتخابية.
وحددت المادة (5) عدد أعضاء الهيئة الناخبة في كل دائرة انتخابيّة، بعدد المقاعد المخصّص لتلك الدّائرة مضروباً بالرقم خمسين (50).
وفي المادة 10 من المرسوم حددت شروط عضوية اللجنة الفرعية والتي شملت بعض المواد ذات المفاهيم المطاطة غير الواضحة قانونياً، والتي يمكن تفسيرها تفسيرات شتى يستبعد على أساسها الشخص مثل: ألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابيّة بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج، أو أن يكون على معرفة واسعة بكفاءات وأعيان دائرته الانتخابيّة، أو ألا يكون له عداوة ظاهرة مع أيّ من مكوّنات دائرته الانتخابيّة.
وهنا يمكن إسباغ تهمة الاستقواء بالخارج على أي شخص منتم إلى منظمة مجتمع مدني ذات علاقة أو تتلقى تمويلاً من جهة دولية، وعلى الأخص الناشطات النسويات اللاتي سبق وأن طالتهن حملة منظمة في المناطق التي كانت تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، حيث تم اتهامهن علناً بأنهن يعملن ضمن “مؤسسات تبدأ بالأمم المتحدة وتصل إلى «منظمات بعناوين خيرية، عناوين إغاثية، عناوين تنموية، عناوين تدريبية» جندت «نساء من أبناء جلدتنا» لينشرن «بين فتياتنا خاصة، ما يسمونه بتحرير المرأة، ما يسمونه بالجندر، وأن تُمكَّن المرأة من حريتها»، عبر دورات مجانية «بعناوين مغرية ولكن فيها السم». هذا «أخطر من معركة القتال»”.[16]
وفي المادة 13 تقوم اللجنة الفرعيّة باقتراح القائمة المبدئيّة لأعضاء الهيئة النّاخبة إلى اللجنة العليا.
وتحدد المادة 21 شروط العضوية في اللجان الناخبة وفيها بعض الشروط المبهمة والتي يمكن تفسيرها تفسيرات عديدة مثل: ألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابيّة بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج.
وتحدد المادة 22 مفهوم فئتي الكفاءات والأعيان اللتين سيتم اختيار اللجان الناخبة منهما بما يلي:
يُقصد بفئة الكفاءات الأشخاص الحاصلون على مؤهلات جامعية في مختلف الاختصاصات.
يُقصد بفئة الأعيان الشخصيات ذات التأثير الاجتماعي، ممن يعرفون بالنشاط والخدمات المجتمعية.
وتجاهلت هذه المادة تمثيل الهيئات المدنية والسياسية بأشخاص ضمن اللجان الناخبة.
أما آلية اختيار أعضاء اللجان الناخبة فيتم تحديدها بالمادة 23 وهي آلية التشاور التي تقوم بها اللجان الفرعية مع الفعاليات المجتمعية والرسمية (وهي على ما يبدو نفس الشرائح الثلاث التي حددتها اللجنة العليا في المشاورات التي سبقت صياغة النظام الانتخابي). ومن ثم ترفع اللجنة الفرعية قائمتين تشملان “قائمة الأعيان” و” قائمة الكفاءات” إلى اللجنة العليا التي تعتمدها ما لم تعترض لجنة الطعون عليها.
وتكمن المفاجأة الحقيقية في النظام الانتخابي هذا في المادتين 24 و26.
حيث تنص المادة 24 على أن يُرَاعى – ما أمكن – في اختيار أعضاء الهيئة النّاخبة الأمور الآتية:
أن تكون نسبة الكفاءات (70) %، ونسبة الأعيان (30) %.
التنوع المجتمعي والتوزع السكاني في الوحدات الإدارية ضمن الدائرة الانتخابية.
تنوع الاختصاصات في قائمة الكفاءات.
تمثيل المهجّرِين داخلياً وخارجياً.
تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن عشرين بالمئة من عموم الهيئاتِ الناخبة.
تمثيل ذوي الشُهداءِ ومصابي الثورة وِذْوِي الإعاقة والناجين والناجيات من الاعتقال.
فما هو مفهوم الكفاءات وما هو مفهوم الأعيان قانونياً؟ صحيح أن المادة 21 تشترط أن يكون الشخص من قائمة الكفاءات حاصلاً على شهادة جامعية معتمدة أو ما يعادلها، وأن يكون حاصلاً على الشهادة الثانوية بالنسبة لفئة الأعيان، ولكن هل هذا المعيار كافٍ؟
كما يرد في المادة على أنه يراعى ما أمكن تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 20%، أي أن النسبة قد تكون أقل من ذلك وهذا هو الأرجح، كونهن أصلاً لم يكن متواجدات بما يكفي في عملية التشاور.
وبذا ذهبت أدراج الرياح جميع الجهود التي قامت بها المنظمات النسوية السورية في العقدين الماضيين من أبحاث ودراسات وتدريبات وحوارات مجتمعية عن أهمية المشاركة النسائية في الحياة العامة وخاصة الحياة السياسية، وأهمية تواجدهن في مواقع صنع القرار، وأهمية تطبيق الكوتا النسائية بنسبة لا تقل عن 30% سعياً إلى المناصفة مستقبلاً، إذ لا يمكن الادعاء بتمثيل شعب، نصفه غير ممثل في مجلس الشعب، ولا يوجد من يحمل صوته واحتياجاته ومطالبه إلى الساحة السياسية الوطنية.
لكن المفاجأة الأكبر تكمن في المادة 26 والتي تحصر التَرشُحُ لعضويّة مجلس الشّعب بأعضاء الهيئات النّاخبة المعتمدة في القوائم النهائيّة، وضمن دوائرهم الانتخابيّة. وتنص المادة 28 على أن المرشّح يجب أن تنْحَصر دعايته الانتخابيّة ضمن الهيئة الناخبّة.
هنالك موضوع آخر لابد من الانتباه إليه في حال حصول انتخابات حرّة في سورا مستقبلاً، وهو موضوع اشتراط أن تكون المنطقة التي يمكن أن يرشح فيها الشخص نفسه للانتخابات هي المنطقة التي يوجد فيها سجله المدني، لا المنطقة التي يقيم فيها، وهذا غير واقعي، بعد حركة النزوح الكبيرة من الريف إلى المدينة، التي تمت خلال العقود السابقة أو التي تمت خلال النزاع المسلح، بحيث يوجد الكثير من الأشخاص الذين أقاموا وباشروا نشاطهم المجتمعي والمدني في مناطق جديدة، وغدوا مطلعين على أحوالها، ومعروفين من قبل مجتمعاتها، في حين تكون معرفتهم سطحية بأحوال المجتمع في مناطق سجلاتهم المدنية، وغير معروفين فيها، ففي هذه الحالة لا يمكن اعتبارهم ممثلين لمناطقهم الأصلية، وستكون فرص نجاحهم في الانتخابات ضئيلة فيها، ومن المنطقي أن يكون ترشيحهم على أساس مكان إقاماتهم، لا على أساس أمكنة سجلاتهم المدنية. وهذا ما يؤثر خصوصاً على فرص النساء في الفوز بالانتخابات، نظراً لعدم امتلاك المرأة في سوريا لسجل مدني مستقل، فهي تكون مسجلة في سجل عائلتها، ومن ثم ينتقل تسجيلها إلى سجل زوجها، ليعود تسجيلها إلى سجل عائلتها في حال طلاقها، وهذا أحد الأسباب إضافة لأسباب أخرى عديدة جعلت من مطالبة المدافعات عن حقوق النساء بسجل مدني مستقل للمرأة أحد المطالب المشروعة.
ثالثاً: الاستنتاجات:
إذاَ الرئيس هو من عين اللجنة العليا للانتخابات، والتي عينت اللجان الفرعية، والتي بدورها عينت اللجان الناخبة، التي يحصر ضمنها الترشح وانتخاب أعضاء مجلس الشعب، مع وجود مفاهيم فضفاضة وتهم جاهزة يمكن أن تلصق بأي كان لاستبعاده عن التعيين في اللجان الانتخابية، وبالتالي اختياره لعضوية مجلس الشعب.
والخلاصة أن النظام الانتخابي برمته هو نظام تعيين لأعضاء مجلس الشعب من قبل السلطة التنفيذية، ما يضع شرعيته كلها كسلطة تشريعية مستقلة موضع تساؤل، فهل سيمثل مجلس الشعب المنتخب بهذه الآلية الشعب حقاً؟ وهل يمكن أن تكون السلطة التنفيذية في موقع مساءلة من قبل مجلس قامت هي نفسها بتعيينه؟
تُختزل الديمقراطية في العلوم السياسية عادةً في بعدين رئيسيين:
البعد الإجرائي (Procedural): يركز على الآليات مثل الانتخابات الحرة والنزيهة، الفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة.
البعد الجوهري (Substantive): يركز على القيم التي تحمي الحقوق والحريات الفردية، العدالة، والمساواة، وليس فقط الإجراءات الشكلية.
وباعتقادنا فإن النظام الانتخابي المؤقت لن يكون سوى ألية شكلية، لا تفرز تمثيلاً حقيقياً للشعب، وكان يمكن تدارك ذلك بآليات تسمح بإشراك المجتمع المدني والمهجرين، مع كوتا نسائية لا تقل عن 30%، وآلية رقابة تتضمن إشراك منظمات مجتمع مدني محلية ومنظمات دولية مستقلة، خاصة بوجود أجواء من انعدام الثقة الآن بين الحكومة وشرائح مجتمعية عدة بعد الأحداث المؤلمة التي حدثت في الساحل والسويداء، واستياء الكثير من فئات الشعب لاستبعادهم تماما من العملية الانتخابية ذات المعايير الغامضة، والتي اعتمدت على التقسيم الجغرافي والزعامات المحلية، والتي تتألف غالباً من رجال دين وشيوخ عشائر، وإرجاء الانتخابات في المناطق التي لا زالت غير مستقرة أمنياً، إضافة إلى انعدام الشفافية التي شكلت جداراً عازلاً بين السلطة وأفراد الشعب، الذين باتوا يشعرون أنهم خارج المعادلة تماماً في تقرير مصيرهم ومصير البلاد برمتها.
إضافة إلى ذلك كله بدا واضحاً من القرارات والإجراءات التي مارستها الحكومة المؤقتة، أنها تهمش النساء، وتعتمد الصورة النمطية لهن والتي برزت واضحة في المادة 21 من الإعلان الدستوري بعبارة “تحفظ الدولة المكانة الاجتماعية للمرأة، وتصون كرامتها ودورها داخل الأسرة والمجتمع”، فالعقلية التي تتبناها الحكومة المؤقتة لا تنظر للنساء على أنهن مواطنات كاملات الأهلية، يمتعن بالكفاءة التي تؤهلهن للمشاركة الفاعلة في الحياة العامة، بل تحصر دورهن الأساسي في العناية بالأسرة أولاً كأمهات ومربيات.
لذا لا نعتقد أنه سيكون للنساء حصة كافية ضمن نسبة ال 70% التي حددها في النظام الانتخابي للكفاءات، وقد يتم اختيار نسبة ضئيلة منهن كواجهة للتنوع تحتاجها الحكومة، عدا أنهن مستبعدان بالطبع تماماً من نسبة 30% التي حُددت للأعيان، والذين هم دائماً من الرجال.
لماذا الكوتا النسائية؟
طالبت المنظمات المدافعة عن حقوق النساء منذ أيام ربيع دمشق عام 2000 وإلى اليوم بكوتا نسائية لا تقل عن 30% سعياً إلى المناصفة مستقبلاً، في جميع مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، كتعويض عن الظلم التاريخي المتمثل باستبعاد النساء اللاتي يمثلن نصف الشعب عن إدارة مؤسسات الدولة ورسم خطط وسياسات الحكومات، وتضمين احتياجات النساء ومطالبهن في تلك الخطط.
وقد طبق نظام الكوتا النسائية في العديد من دول العالم كإجراء مؤقت ومدخل لتذليل العقبات أمام التمثيل النيابي للمرأة، حتى يصبح وجود المرأة في البرلمان أمرًا واقعًا يتقبله المجتمع، ووقد أثبت نظام الكوتا نجاحه في العديد من دول العالم التي تمرست فيها النساء في المجال السياسي نتيجة تطبيقه، بحيث لم تعد النساء بحاجة إليه للوصول إلى مراكز صنع القرار في السلطات الثلاث.
وحسب قاعدة بيانات “Gender Quotas Database”، تهدف النظم المعاصرة للكوتا إلى ضمان وجود أقلّ نسبة فعّالة تتراوح بين 20% و40%، مع وضع سقف وسطٍ فعال غالباً ما يقع حول 30%؛ حيث تُعتبر هذه النسبة ضرورية لوجود تأثير حقيقي وليس مجرد حضور شكلي (International IDEA) ، فنسبة أقل مثل 10–20% لا تكفي لتكوين كتلة حرجة مؤثرة، أما 30% فأكثر يجعل النساء قادرات على التأثير والمشاركة الفعلية في التشريع، ويُتيح لهن مجالا أكبر لتغيير السلوكيات السياسية السائدة.
ما العمل؟
ما الذي يمكننا فعله اليوم كمنظمات وناشطات مدافعات عن حقوق النساء؟
بداية نحن لا نؤمن بالعنف، ولا بالحلول المسلحة لتحقيق تطلعات وأماني الشعوب، بل نناضل سلمياً للوصول إلى القيم العليا التي نؤمن بها لتحقيق السلام والأمان والعدالة والمساواة وضمان حقوق كل أفراد الشعب في دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية دون تمييز بين المواطنين على أي أساس كان. كما أننا نؤمن بالديمقراطية الحقّة التي يحكم بها الشعب نفسه بنفسه ويوصل ممثليه بآليات ديمقراطية حرة ونزيهة لإدارة البلاد بما يحقق السلام والعدالة والازدهار للبلد ومواطنيه، ومستقبلاً مشرقاً للأجيال القادمة.
قد يبدو في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد، وحالة الضياع والتشتت التي تسيطر على السوريين بشكل عام، والناشطين بشكل خاص، استحالة الوصول سريعاً إلى ما كنا نطمح إليه من دولة ديمقراطية قائمة على أساس العدال والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، إلا أننا كنسويات وضعنا نصب أعيينا أن النضال النسوي هو نضال طويل الأمد، لا يهدف فقط إلى الاعتراف بحقوق النساء ومناهضة كل أشكال التمييز والعنف ضدهن، بل على مبادئ نصرة المظلوم واللاعنف وإحلال السلام واتباع الحلول السلمية لحل أي نزاع أو اختلاف، ما يقود إلى ضرورة الاستمرار في النضال السلمي لتحقيق هذه المبادئ.
ولازالت المنظمات المدافعة عن حقوق النساء مستمرة في العمل على:
حشد الطاقات للضغط على اللجان الفرعية لاختيار أكبر عدد ممكن من النساء في اللجان الانتخابية، ومن ثم ترشيحهن وانتخابهن بأعلى نسبة ممكنة، إذ تجتمع المدافعات عن حقوق النساء الموجودات في بعض المحافظات السورية، وخاصة في مدينة حلب بهذا الهدف.
الدعوة المستمرة إلى إنهاء العنف، وتعزيز السلم الأهلي، ومحاربة خطاب الكراهية، الذي تصاعد مؤخراً وبات يهدد بشكل خطير تماسك المجتمع. وذلك بنشر رسائل التماسك الاجتماعي، عن طريق الحوارات المستمرة ونشر أفكار السلم الأهلي، والتنبيه إلى مخاطر النزاع المسلح الذي سيقود فقط إلى مزيد من الضحايا وتمزيق الوحدة الوطنية، واستلهام التجارب التاريخية من الدول الأخرى، التي لعبت فيها النساء دوراً حاسماً في تثبيت السلم الأهلي وحل النزاعات.
الضغط من أجل بناء دولة تشاركية تشميلية: بدستور وقوانين تنص على المواطنة المتساوية دون أي تمييز، والضغط في سبيل ذلك على إشراك النساء في جميع الهيئات والمؤسسات المعنية بنسبة لا تقل عن 30% سعياً إلى المناصفة، وخاصة في لجنة صياغة الدستور الدائم.
الضغط للوصول إلى التعافي الاقتصادي والاجتماعي: بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتمكين المرأة والشباب، وتعبئة جميع الجهود لإعادة الإعمار بسياسات تتحرى مصلحة المواطن السوري، وتحفظ حقوق المواطنين نساءً ورجالاً.
المساهمة في كل الجهود التي تحقق العدالة الانتقالية: بتعزيز الوعي بحقوق المرأة، والتأكيد على مشاركتها في جميع لجان العدالة الانتقالية، ودعم ضحايا العنف، وخاصة النساء منهن، بتأمين الحماية لهن، لتشجيعهن على تقديم الشكاوى، دون الخوف من العواقب الاجتماعية الناتجة عن ذلك، ودعمهن في مسار التقاضي وجبر الضرر.
التعليم والتوعية: التركيز على ضمان حق التعليم للفتيات والفتيان، خاصة من حرموا منه خلال سنوات النزاع المسلح، والتطبيق الجاد لقانون التعليم الالزامي، ومحو الأمية، وتغيير المناهج التعليمية والحرص على تضمينها المبادئ العالمية لحقوق الإنسان والتعريف بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ونشر الوعي المجتمعي بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة.
ضمان الحقوق القانونية والمدنية بتأمين الوثائق المدنية للجميع.
الضغط من أجل تغيير جميع القوانيين المميزة ضد المرأة، واستصدار قانون يناهض ويجرم العنف ضد النساء، والذي يشكل عائقاً رئيسياً أمام مشاركتها في الحياة العامة، وخاصة الحياة السياسية.
دعم المجتمع المدني: الدعوة إلى حرية حركة وعمل منظمات المجتمع المدني، ودورها في حوكمة المرحلة الانتقالية.
انتخابات نزيهة: الدفع نحو قانون انتخابات دائم يضمن انتخابات شفافة وشاملة، مع إقرار كوتا نسائية لا تقل عن 30%، ونظام تمثيل نسبي يعزز المشاركة السياسية للمرأة.
[1] المرصد السوري: مقتل أكثر من نصف مليون شخص منذ بداية الثورة السورية، جلال بكور
[3] https://www.unhcr.org/ar/global-trends
[5] https://daraj.media/18694/
[7] https://www.wfp.org/countries/syrian-arab-republic
[11] https://www.facebook.com/photo?fbid=1086174226886861&set=pcb.1086174280220189
[12] https://archive.sana.sy/?p=2231640
[14] https://archive.sana.sy/?p=2247893
[15] https://sana.sy/presidency/2267661/
مساواة
—————————————–
الانتخابات السورية… هل يُصلح العطّّار ما أفسده الأسد؟/ أحمد مظهر سعدو
16 سبتمبر 2025
كان لا بد (وحتى تستقيم المرحلة الانتقالية في سورية) من إجراء انتخابات تشريعية، تسدّ الثغرة وتملأ الشواغر، وتصدق أو تشرع، وتعدل القوانين المطلوبة تماشيًا وتساوقًا موضوعيّاً مع حالة التغيير الكبرى التي حدثت إبّان سقوط نظام بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الفائت. لذلك، فإن الاشتغال حثيثًا اليوم م اللجنة العليا للانتخابات التشريعية، على ضرورة إنتاج العملية الانتخابية غير المباشرة، بين 15 و20 من سبتمبر/ أيلول الحالي ضرورة حقيقة، علها تقوم عمليّاً بسد الثغرة وتعيد إنتاج الواقع السوري الجديد والمرحلي، وفق معطيات تمثيلية نيابية تُمسك بناصية المسألة التشريعية في سورية، ثم تكون عونًا جديًا للحالة الوطنية السورية، وصولًا إلى انتخابات أخرى مقبلو وحقيقية ومباشرة، لتكون في حينها معبّرة بحق عن جملة متغيرات الواقع السوري الجديد، بعد أن جرى كنس نظام آل الأسد والطغيان الأسدي بقضّه وقضيضه.
مع ذلك، تبقى الأسئلة في هذا الصدد كثيرة وعديدة، شعبيّاً ونخبويّاً، داخليّاً وخارجيّاً، وكلها تتمحور حول أهمية هذه الانتخابات وضرورتها، وماهيتها، وإمكانية أن تخرج من عنق الزجاجة، ثم تتجاوز كل الإشكالات الكبرى التي خلفتها أحداث الساحل السوري، وما أتى بعدها من أحداث الجنوب السوري في السويداء، وما خلّفته من جروح غائرة، قد لا تندمل سريعًا، ثم انتظارًا لأحداث قد تكون مشابهة لما جرى في حيز متوتر آخر شمال شرق سورية، حيث تمضي سريعًا تلك المهلة التي أُعطيت لاتفاق 10 مارس (الماضي) بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتوابعها، مظلوم عبدي زعيم ، والتي ستنتهي مع نهاية العام.
السؤال الأهم اليوم ضمن الحالة السورية، وعلى مشارف العملية الانتخابية التشريعية الجارية: هل يمكن عمليّاً وواقعيّاً أن نتحرّك في سورية نحو انتخابات ديمقراطية حرّة تعبر ميدانيّأً عن آراء كل الأيديولوجيات والإثنيات وكل الطوائف الكثيرة في سورية وأفكارها، ومن ثم أن نخرج من تخرّصات ما خلفه نظام الاستبداد المشرقي، الذي حكم وخطف سورية إلى ما يزيد عن 54 عاماً خلت، حيث اتّسمت في تلك المراحل بتلك الأجواء المعلبة مما يسمّونها الديمقراطية، التي كان يريدها نظام الأسد تصفيقاً لنظامه وحكمه، وليس معارضة له، فلم يكن في كل مجلس الشعب ذاك في خمسة عقود أي صوت حقيقي معارض، حتى أن العضو منذر موصللي الذي تجرّأ على قرار تعديل الدستور كي يكون عمر بشّار الأسد مناسبًا ليكون رئيسًا للجمهورية، جرى تخوينه، وهو الموالي البعثي وليس المعارض، وهو الذي طلب باقتراحه تخريجاً مقبولاً للمسألة في حينها، وهو لم يعترض أصلا على انتخاب بشّار خليفة في الرئاسة لأبيه حافظ الأسد.
كان واقع الحال يقول: لم يتعوّد السوريون، طوال عقود خمسة، على إنتاج حالاتٍ معارضةٍ داخل البرلمان، ولم يكن أصلاً حال السوريين داخل البرلمان ولا خارجه يسمح لهم بوجود أي صوت ينتج وضعاً يلامس أي معطى ديمقراطي، وإلا يكون مصيره السجن والمعتقلات الكثيرة جدًا. أما اليوم فيُنتظر من المجلس القادم في دمشق سلوك آخر، ولا يمكن أن يقبل السوريون بأي مجلس تشريعي أو برلماني يكون نسخة مصغّرة عن الذي تعوّدوا على أن يكون مصفقاً للسلطات طوال فترته البرلمانية. ولكن هل تسمح الأجواء الحالية في سورية بوجود معارضة داخل المجلس الجديد؟ وهل آليات الانتخاب غير المباشرة بشكلها الحالي، وأيضاً بوجود الثلث المعين من الرئاسة، تسمح أو تعطي مجالاً من أجل سماع أصوات معارضة جديدة تكون بمثابة جائزة كبرى للسوريين على تضحياتهم خلال 14 عاماً من الثورة؟
أمام مجلس الشعب القادم الكثير الكثير من حالات تجديد القوانين وتشريعها، وملء الفراغات الفاقعة، ومنها العمل على إنتاج قانون عصري للإعلام السوري، يكون سقفه عالياً، ويتساوق مع أجواء الحرية التي يبتغيها السوريون. قانون للإعلام والمطبوعات، وقانون عصري حداثي للإدارة المحلية، أشبه ما يكون باللامركزية الإدارية، حسمًا لإشكالات “قسد” ومناداتها باللامركزية شرطاً ضرورياً للانخراط بالعملية السياسية.
على عاتق المجلس القادم البتّ في جملة قوانين مرتبطة بتسهيل إجراءات، كانت معوّقة للاستثمار وتحديث الاقتصاد. تشريعات تعدل تلك القوانين العتيقة التي عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأيام، ثم قانون للأحزاب وقوننتها، وإعطاء مجال رحب للحياة السياسية في سورية، التي كان نظام الأسد يمنعها ويحظرها نظام الأسد ويسمح بالحركة فقط للمطبّلين والموالين والتابعين.
لا يحتاج السوريون اليوم قوانين أحزاب تكون مرجعيتها دوائر المخابرات أو وزرارة الداخلية. هناك عطش حقيقي لدى الشارع السوري نحو قوننة حقيقة للأحزاب وسيادة منطقية للقانون أولاً وآخراً. فهل يتسع صدر الحكم الجديد في دمشق لإقامة أجواء من الحرية والعدالة والقوننة، تسمح بوجود أحزاب سورية منافسة؟ أم ما زالت المسألة محكومة بإجراءات هي أشبه ما تكون بأمراض المرحلة السابقة ذات الطابع التبعي والمحدد والموجه.
الأنظار موجّهة اليوم إلى هذه التجربة الجديدة الانتخابية الانتقالية التي لن تكون كافيةً من أجل مستقبل سورية، بل يمكن أن يقبلها السوريون مرحلة مؤقتة وتجربة جديدة، تؤسّس للمرحلة الدائمة دستوريّاً ومؤسّساتيّاً وإجرائيّاً، بحيث ينتظر الشعب السوري مراحله المقبلة ليتم تجاوز المؤقّت، لأن المؤقّت لا يمكن أن يكون دائماً، والنقد المزدوج سيبقى طريقاً مهمّاً للاستيعاب، وهذا ما يتطلع إليه السوريون، ويأملون بأجواء تعينهم للعبور نحو مرحلة أخرى، يحلمون فيها بدولة المواطنة الديمقراطية، فهل ذلك بات ممكناً؟
العربي الجديد
——————————–
حرّيات وانتخابات ومرحلة انتقالية/ معن البياري
16 سبتمبر 2025
قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية، مساء الجمعة الماضي، إن الحالة الصحّية والسليمة أن تكون في البلاد أصواتٌ ناقدة، وأن تكون هناك حرّيةٌ واسعةٌ للإعلام، وأن تكون الضوابط قليلة. وأوضح أنه يجب أن ترتّب القوانين والأنظمة والدستور حتى يعرف العامل السياسي المساحة التي ينبغي أن يعمل فيها. وفي النهاية، ستكون هناك تعدّدية سياسية وآراء مختلفة، وهذه الحالة الطبيعية التي تليق بسورية. وقال أيضاً إنه لا يريد لسورية أن يقرّر الرئيس فيها كل شيء، والشعب لن يقبل هذا. … ولا يمكن لأيٍّ منّا أن يسمع هذا كله من دون أن يقابله باستحسانٍ وتثمين، سيّما وأن أيَّ متابعٍ للمشهد السوري الراهن يلحظ، بيُسر، أن مساحات حرّّية التعبير عن الرأي فيه واسعة، وأن ما قد يتردّد عن تبرّم أو استياءٍ لدى السلطة، أو أحد ممثليها، من مقالةٍ هنا أو تقرير إخباري هناك، لا يتوازى مع إجراءٍ أو تصرّفٍ يستهدف المنبر الذي نُشر فيه هذا أو ذاك. وإذ تواترت، أخيراً، أنباءٌ غير مُرضيةٍ عن تدخّلات جهاز الرقابة أو الجهة المختصّة بإجازة العروض الفنّية (المسرحية مثلا) أو إصدار الكتب، بالمنع والحذف وعدم الترخيص (…)، فملحوظٌ أن بعض قراراتٍ مثل هذه جرى التراجع عنها، فور أن شاعت أخبارٌ في هذا الصدد. ومع الثناء على هذا، يحسُن أن تتمأسس سعة الصدر الملحوظة تلك، وهي مما لا يجدُر أن يعدَّ منحةً من السلطة، وأن تكون أوضح في قوانين معلومة، وإجراءاتٍ يُؤخَذ بها ويُقاس عليها.
وإذ يُسمع من الرئيس كلامُه الطيّب أعلاه (وغيره)، فإن لمنتقدين كثيرين أن يتحدّثوا عما يُرى من عدم مشاركة أطيافٍ عريضةٍ في الحقل السياسي السوري في صناعة القرار، وأن يذيعوا أن الجاري حالياً نوعٌ من استفراد هيئة تحرير الشام بكل شيء. والقول هنا إن هذا، في عمومه، ظاهرٌ وبيّن. ولكن، لأهل الحكم أن يقولوا، في الوقت نفسه، إنها مرحلةٌ انتقالية، وإن ما بعدها سيكون مختلفاً. وقد جاء الرئيس في المقابلة معه على هذا، بشيءٍ من الوضوح، عندما أفاد بأن دستوراً جديداً سيُصاغ “وسيكون فيه الكثير من التفاصيل” بعد الانتخابات المقبلة، والتي ستأتي بمجلس الشعب الذي “صيغ بطريقةٍ مقبولة كمرحلة انتقالية وليس كمرحلة دائمة”. والرأي عند بعض أهل الرأي، ومقبولٌ من كثيرين، إن أي تحفّظاتٍ على الكيفيّة التي سيجري فيها “انتخابُ” أعضاء مجلس الشعب “المعيّنين” والمُختارين من هيئةٍ ناخبة، وإنْ توفّرت لها كل أسباب الوجاهة، فالمرجوّ ألا يغفل أحدٌ عن الطبيعة الانتقالية الخاصّة التي تمر ّفيها سورية، فلا ظروف مكتملة الشروط لإنجاز انتخاباتٍ حقيقيةٍ تمثيليّة، عدا عن أن طرائق تشكيل المجالس في المراحل الانعطافية التي تمرّ بها الشعوب والأمم والدول عديدة ومتنوّعة، ومع الغواية التي يتضمّنها القول عن وجوب “إشراك الشعب”، فإنها في المنعطف السوري الخاص في حاجةٍ إلى بعض الفحص والتدقيق، عدا عن درس ممكناتها.
إلى هذا كله، له وجاهة ذلك الرأي الذي يذهب إلى أن العبرة في النتائج، فالدستور الذي سيكتُبه مجلس الشعب المنتظر (أعتقد أنه منتظرٌ حقّا) سيكون موضع نقاش سياسي وإعلامي واسع، ويُفترض أن يخوض الجميع من أهل المعارضة والموالاة الراهنتين فيه. ويُفترض، أيضاً وأيضاً، أن يضم المجلس أهل اختصاصٍ وخبرةٍ ومعرفة بالدساتير وتفاصيلها. والمأمول أن ينفتح الإعلام الرسمي (الإخبارية وغيرها) على تنوّع الآراء واتّساعها في الذي سيتضمّنه مشروع الدستور، بحرّية ومسؤولية. والمأمول، من قبلُ ومن بعد، ألا يستنكف الغاضبون وغير الراضين عن الحكم في طوْره الراهن عن هذا النقاش، فالدستور الذي سيصير دستورَ الجمهورية العربية السورية يتعلّق بجميع مواطنيها، وأظنُه (لستُ متأكداً) سيخضع لاستفتاء الجمهور العام، كما حدث في كل الدول التي عبرت في تجربةٍ مماثلةٍ أو مماثلةٍ بعض الشيء.
لنا أن نستعجل بناء أحزاب وتجمّعات سياسية في سورية، وبناء مؤسّساتٍ ومنصّات إعلامية متنوّعة المرجعيات. ولنا أن ننتظر العموم السوري يتساجل ويتجادَل في مشروع دستورٍ منتظر، وفي قوانين مأمولة، وحياةٍ سياسيةٍ راشدةٍ وحيوية، مؤطّرة بقوانين ضامنة للحرّيات وحقوق الإنسان … لنا هذا كله وغيره، والله الموفق.
العربي الجديد
——————————
ديمقراطية من دون صحة وتعليم؟ الإنسان أولًا لا البرلمان/ أحمد عسيلي
16 أيلول 2025
تُجرى حاليًا في سوريا تحضيرات لتشكيل مجلس تشريعي انتقالي يضم 210 مقاعد، 140 بانتخاب غير مباشر تديره لجان مناطقية، مع مراعاة التنوع الديني واللغوي والطبقي، و70 يعيّنهم الرئيس بهدف إدخال التكنوقراط وأصحاب الخبرة في الاقتصاد والقانون والإدارة (أو هكذا يفترض على الأقل).
منذ البداية، يجب أن ندرك، بل ونعترف، أن هذا البرلمان سيكون شكليًا، فهو بالنهاية ليس منتخبًا من الشعب، ولا يعبّر حقًا عن إرادته، ودوره يجب أن يقتصر على إدارة المرحلة الانتقالية لا أكثر، ثم إن جزءًا من البلاد ما زال خارج سلطة الدولة، مثل شرقي سوريا ومحافظة السويداء، ما يجعل أي مجلس ناقص الشرعية ما لم يتم الوصول إلى تسوية سلمية شاملة، وهو ما يمكن أن يستغرق أشهرًا وربما سنوات.
على كل حال، تجارب الشعوب الأخرى، المتقدمة منها والمتأخرة، تذكرنا بأن شكل الحكم بعد الانهيارات الكبرى لا يستقر من أول مرة. خذوا فرنسا مثلًا، هذه البلاد عاشت 13 عامًا تحت الجمهورية الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت مرحلة تخبط سياسي رهيب، قبل أن تنتقل إلى الجمهورية الخامسة بدستور 1958، الذي ما زال نافذًا حتى اليوم. البرتغال بعد سقوط دكتاتورية سالازار عاشت شيئًا مشابهًا تقريبًا، وكذلك إسبانيا لفترة محدودة بعد سقوط فرانكو، ثم استقرت جميعها لاحقًا. في المقابل، أخفق العراق حين بدأ بمجلس حكم انتقالي، وكذلك لبنان، الذي كرّس اتفاق “الطائف” صيغة المحاصصة فيه، فتحولت من حل مؤقت إلى نظام دائم، يعيد إنتاج نفسه بأسماء ووجوه متشابهة، بل أحيانًا هي نفسها، منذ أكثر من ثلاثة عقود، الفارق بين الحالتين ليس صيغة البرلمان بحد ذاتها، وإنما قدرة المجتمع على أن يرى في البرلمان ومراحله الانتقالية جسر عبور لا فخًا أبديًا، لذلك فالأولوية اليوم ليست لشكل الحكم، لأنه قابل للتغيير، بل لـبناء الإنسان السوري نفسه، ليصبح قادرًا على تحقيق ديمقراطيته والدفاع عنها، الخطوة الأولى في هذا المسار واضحة: تلبية الحاجات الأساسية، هذا ما أكده عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو في هرمه الشهير، إذ يبدأ الإنسان بالبحث عن الغذاء والماء ثم الأمان، قبل أن يفكر بالانتماء وتحقيق الذات، القفز مباشرة إلى قمة الهرم، أي إلى الحرية السياسية، يعني مؤسسات فارغة فوق مجتمع جائع، الفكرة نفسها بلورها إريك فروم في كتابه الشهير “الهروب من الحرية”: “حين يفتقد الإنسان الأمان، قد يرى الحرية عبئًا ثقيلًا فيهرب منها إلى أحضان دكتاتورية توفر له وهم الطمأنينة”.
هذا المنطق لم يقتصر على علماء النفس فقط، بل أكده أيضًا علماء الاقتصاد والاجتماع، من بينهم أمارتيا سن، الحائز على جائزة “نوبل” في الاقتصاد، وهو كاتب لا أخفي انبهاري به وبأفكاره، فقد درس تجربة الهند بعمق، وشدد في نظرياته على مفهوم القدرات (capabilities’) أي أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل قدرة فعلية للإنسان على أن يتعلم ويعمل ويعيش بكرامة، فإذا غابت هذه القدرات فلن تصمد الديمقراطية. المثال الهندي كان لافتًا: صحيح أن الفقر ظلّ قائمًا، لكن وجود الصحافة والانتخابات منع وقوع مجاعات كما حدث في جارتها الصين، لأن الحكومة لم تعد قادرة على تجاهل أصوات الناس، كما فعل الزعيم الصيني ماو، ومع ذلك، بقيت ديمقراطية الهند ناقصة بسبب ضعف الاستثمار في التعليم والصحة.
وما قاله سن يلتقي مع ما توصل له كارل ماركس قبل قرن، وإن طرحه بلغة حالمة ثورية، فالمجتمع اللاطبقي، حيث المساواة المطلقة كما تخيلها ماركس، لا يمكن أن ينشأ إلا في دول صناعية قوية مثل ألمانيا أو إنجلترا، حيث توجد طبقة عاملة منظمة ونقابات نشطة، أما المجتمعات الفقيرة والضعيفة، فلم يكن يعول عليها في بناء العدالة الكاملة، حتى لينين، حين بدأ تجربته في روسيا، كان يعي أن نجاحها يظل ناقصًا ما لم تنتصر الثورة في ألمانيا، الفكرة إذًا واحدة: لا حرية ولا مساواة ولا عدالة من دون قاعدة قوية.
من هنا يصبح واضحًا أن البنية الفوقية للدولة الآن ليست ذات أهمية كبرى، حتى لو أُنجز أعظم برلمان أو أُقرت أفضل القوانين، فلن تصمد إذا لم يُبنَ الإنسان أولًا، والمقصود ببناء الإنسان ليس شعارًا أدبيًا أو مصطلحًا ثوريًا، بل حقيقة واقعية: تأمين مقومات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب وفرص عمل وتعليم وصحة، ثم الحفاظ على أمن الفرد وحريته، وتعليمه فن الاعتراض ورفض الاستكانة.
والاعتراض هنا ليس اختلاقًا ولا كذبًا ولا حربًا إعلامية، بل مواجهة الأخطاء الحقيقية وتسمية التجاوزات كما هي، عندها فقط يصبح بناء الدولة ممكنًا بحق، دولة تقف على أقدامها وتستمد قوتها من مواطنين أحرار وواعين.
لذلك، فإن مشروع بناء مستشفى، أو مدرسة، أو توفير فرصة عمل، أو منصة إعلامية تتمتع بحرية كاملة، هو اليوم أهم بكثير من أي قانون برلماني، فالمؤسسات لا تحمي الناس ما لم تُلبَّ حاجاتهم الأساسية، بينما الإنسان الذي يملك عملًا وعلاجًا وتعليمًا هو وحده القادر على حماية مؤسساته وصون ديمقراطيته، الأولوية ليست في القوانين على الورق، بل في الحياة اليومية التي تمنح المواطن القدرة على أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة.
عنب بلدي
—————————–
الانتخابات السورية: بوابة التعددية أم استمرار الهيمنة؟/ أحمد العقلة
الخميس 2025/09/18
تشكل انتخابات مجلس الشعب السوري لعام 2025، الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، محطة تاريخية في المسار الانتقالي بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
يتكون المجلس من 210 أعضاء، يعين الرئيس ثلثهم (70 مقعدًا) بموجب المرسوم الرئاسي رقم 143 لعام 2025، بينما يُنتخب الثلثان (140 مقعدًا) عبر هيئات ناخبة غير مباشرة، تشرف عليها لجان فرعية تابعة للجنة العليا للانتخابات. هذه الآلية، المُعلنة في تموز/يوليو الماضي، تهدف إلى ضمان تمثيل متوازن في ظل الظروف الانتقالية، لكنها تثير تساؤلات حول استقلالية المجلس وإمكانية تحقيق تعددية سياسية حقيقية. وتتصدر محافظة حلب توزيع المقاعد بـ32 مقعداً، مما يعكس وزنها السكاني والسياسي.
الثلث المعطل
سياسياً، يُنظر إلى الثلث المُعين كأداة محتملة لتعزيز نفوذ السلطة التنفيذية، مما قد يحد من تنافس القوى السياسية ويؤثر على دور المجتمع المدني. لكن المرشحة المستقلة عن دائرة حلب ندى الرشيدة، عبّرت عن تفاؤل كبير في تصريحات لـ”المدن”، قائلة: “هذه الانتخابات فرصة ذهبية لبناء سوريا جديدة تعبر عن طموحات شعبها، خصوصاً في حلب التي تمثل قلب سوريا النابض”.
وأضافت أن “الهيئات الناخبة تتيح مشاركة واسعة للمستقلين والقوى المحلية، مما يعزز التمثيل العادل للمناطق المتضررة”. وقالت: “أركز في حملتي على إعادة الإعمار، تمكين المرأة، وإشراك الأقليات في حلب، وأرى أن هذه العملية خطوة أمل نحو تعددية سياسية حقيقية”. وتابعت أن “الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، رغم تحدياته، يمنحنا إطاراً للبدء، ويجب استغلاله لتعزيز الوحدة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات.”
في المقابل، يرى الخبير السياسي السوري عبد الله الخير، أن الآلية قد تكرس هيمنة تنفيذية. وقال لـ”المدن”: “الثلث المُعين آلية لتوجيه السياسات الرئاسية، خصوصاً مع غياب دستور دائم. هذا يُضعف استقلالية المجلس، حيث يسيطر الرئيس على 33% من المقاعد، مما قد يعيق قوانين إصلاحية”.
واعتبر الخير أن “الإعلان الدستوري المؤقت يفتقر إلى ضمانات الحريات السياسية، مما يجعل الانتخابات أقرب إلى التشريع المؤقت من الديمقراطية الحقيقية”. وقال: “يجب إشراك المجتمع المدني والمعارضة لضمان تمثيل شامل، وإلا ستبقى العملية ناقصة”. وأضاف أن “تأجيل الانتخابات في مناطق مثل الحسكة، يعزز الشكوك حول الشمولية، مما يتطلب مراقبة دولية لتعزيز الشفافية”.
مناطق بلا انتخابات
لوجيستياً، تواجه العملية تحديات النزوح والتشتت السكاني. واعتمدت اللجنة العليا، برئاسة محمد طه الأحمد، آلية غير مباشرة استناداً إلى إحصاء 2011، مع تخصيص مقاعد (32 لحلب، 35 لدمشق). لكن تأجيل الانتخابات في السويداء والحسكة والرقة، بسبب التوترات الأمنية، يثير مخاوف من استبعاد مناطق حيوية، خصوصاً الشمال الشرقي الخاضع جزئياً لقوات سوريا الديمقراطية، التي وصفت التأجيل بـ”الاستبعاد السياسي”.
أمنياً، تشكل الاشتباكات في الحسكة والرقة، عقبات أمام التسجيل والمشاركة، مما قد يقلل من شرعية المجلس باستبعاد الأقليات مثل الأكراد والدروز. يبرز المجتمع المدني كعامل حاسم لتعزيز الشفافية، حيث تدعو منظمات مثل “مركز الإصلاح السوري” إلى مراقبة دولية ومشاركة نسائية بنسبة 20% على الأقل.
وأكدت الرشيدة لـ”المدن”، أنه “في حلب، يمكن للمنظمات المدنية مراقبة اللجان لضمان الشفافية، مما يجعل الانتخابات نموذجاً لسوريا المستقبل. أدعو المواطنين للمشاركة بقوة لضمان تمثيل حقيقي”. بينما حذر الخير قائلاً: “بدون مراقبة مستقلة، ستظل الانتخابات تحت الهيمنة التنفيذية”.
تمثل الانتخابات اختباراً لسوريا الجديدة. إذا تجاوزت التحديات اللوجيستية والأمنية، قد تكون بوابة للتعددية، كما ترى الرشيدة، أو تعزز الهيمنة التنفيذية، كما يحذر الخير. الشفافية والشمولية ضروريتان لانتقال ديمقراطي حقيقي، كما أكدا في تصريحاتهما لـ”المدن”.
المدن
——————————–
فسيفساء الأقليات السورية والرئيس الشرع.. هل يفعلها؟/ أحمد الشمام
2025.09.16
لا بد بداية من ضبط بعض المصطلحات التي أضمرت وكرست تفتيتا للبنى الاجتماعية السورية وسادت في الخطاب الثقافي عموما، حيث تم تشكيل جزء من المخيال السوري دون تمييز بين الأقلية كوجود تاريخي مسلم به، وجزء من الشعب يتساوى فيه مع الأكثرية وينشط أفرادها كممثلين لمدنهم وبلداتهم بعيدا عن الانتماء الديني والعرقي من جهة، وبين الأقلوية التي تتلفع بحقوقها الدينية وحضورها الاجتماعي؛ لتلعب دورا سياسيا كجماعة تنتدب أبناءها للعمل السياسي الدولتي كممثلين لها رغم اعتبارها جماعة ما دون الدولة.
أما مفهوم الفسيفساء كصفة لسوريا فهو رغم بريقه ونضارته ينضوي على تلفيق وإيهام وقع فيه الكثير عبر النظر للدولة باعتبارها فسيفساء متعددة، وليس بخافٍ على أحد أن الفسيفساء توحي بمجموعة قطع متجاورة متساوية أو متقاربة الأحجام لتصبح هوية اللوحة التي تضمها مشتتة وقابلة للتشظي بأي لحظة، “إن الانطباع السائد حول سوريا بوصفها، فسيفساء من الأقليات، يمكن أن يكون مضلِّلا، وذلك ليس لتجاهله الغلبة الكبيرة للسكان المسلمين السنة فحسب، بل ولتشديده على نحو غير مطابق للواقع على العناصر التي تفصل الأغلبية عن بقية السكان وتقليله من شأن الأرضية المشتركة الواسعة التي يلتقي عليها الجميع”.
هذه المقولة الافتتاحية كتبها ستيفان هامسلي ردا على الرؤية التفتيتية التي أطلقها المستعمر الفرنسي على الشعب السوري، وكشف الباحث تركيزها على عوامل التفارق والتمايز وإغفال متعمد “عن الوحدة الجوهرية للبلاد، والعهود الطويلة من التعايش المألوف، والأصول السلالية المشتركة، وتراث العروبة العظيم المشترك”.
الآن سورياً، وبعيداً عن أي التفاف على المعنى بات واضحاً أن القيادة السورية سارت على مبدأ من يحرر يقرر؛ وقد كانت صريحة في طرح نفسها لقيادة المرحلة الانتقالية. قد تنحصر مقولة حق التقرير بمن أنجز التحرير عسكريا وأمنيا على شخصيات غرفة ردع العمليات ومحيطها؛ لكنا إذ نشهد مرحلة بناء الدولة فهي تتسع لتشمل نظريا كل ثوار سوريا؛ سواء بالشراكة، أو بفعل التدافع السياسي الذي يؤثر في سلوك دمشق وقيادتها؛ وبات لزاما اشتراك طيف واسع في بناء الدولة وظيفيا؛ لضمان اشتراك السوريين – الثوريين منهم على الأقل- في بناء الدولة ومؤسساتها ورؤاها الحاضرة والمستقبلية في شتى المستويات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى إعداد الأرضية المناسبة لفعل سياسي وأحزاب مدنية ينحصر بدء العمل بها بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي يتشارك بها عموم الشعب السوري.
بدا الخطاب السياسي للرئيس الشرع ووزير الخارجية حاملا ابتعادا عن التعامل مع السوريين وفقا لانتماءاتهم، ومُطلِقا رؤية تسعى للبناء الوطني. بالتوازي مع تلك الرؤية حصلت لقاءات بدأت مع المرجعيات التقليدية للأقليات من شيوخ الطوائف، في تجاوز واضح للمثقفين والناشطين؛ ما أوقع السلطة في إرباك كبير من محاولة تلك المرجعيات طرح نفسها كوسيط بين الجماعة والدولة-أو اعتبار السلطة لها كذلك بادئ الأمر، وبالتضاد مع ما يمكن أن يطرحه المثقف والناشط الذي تهتك دوره بذلك وضعفت جبهة عمله مقارنة بتلك المرجعيات.
في اختيار مجلس الشعب المزمع تشكيله كمجلس تشريعي؛ تقف القيادة الآن أمام استحقاق مفصلي -قد يراه البعض ثانويا- لكنه فرصة لرأب بعض الصدوع، وطرح ما من شأنه تخفيف حدة التوتر والاستقطاب الطارئ بعد أن سال حبر كثير ودم ليس بالقليل، وتحشيد أعاد جزءا من الجماعات إلى مرجعياتها المُفوَّتة تاريخيا.
هناك مشكلة ما زالت ماثلة حتى اللحظة تتسم بها الحكومة الحالية وهي ضيق دائرة الثقة؛ التي يجب أن تتسع لترفد أعضاءها بشخصيات وأنماط تفكير وتقييم للظروف والشخصيات والجماعات الاجتماعية بعيدا عن ثقل وتأثير مرجعياتها الطائفية والقبلية، وتعتمد مبدأ الفعل السياسي الوطني غير المتحشد ضدها ولا ضد نهجها الإسلامي، أمام ذلك يتجلى واجب الإدارة بدمشق بالبحث خارج دائرة علاقات الثقة السابقة، وأن تقوم بدراسة حصيفة ودقيقة للشخصيات التي تسعى لتعيينها، ورغم التململ في مختلف الأوساط من ذلك؛ تبدو بيضة القبان بيد الرئيس الشرع وقائمته، وهنا تكمن الفرصة في أن يقوم الرئيس الشرع باعتماد لجنة مختصة من المستشارين تختص بدراسة البيئات التي تشهد تحشيدا أقلويا، للحصول على قائمة أسماء وطنية من قواعد تلك البيئات خارج أطر التحشيد التقليدي والطائفي والقبلي؛ ليكونوا ضمن قائمة رئيس الجمهورية التي تشكل الثلث، من مثقفين وناشطين ممن حملوا فكرا وثقافة وطنية وأيدوا السلطة لقيادة المرحلة الانتقالية دون ارتباط معها، ما يعطي العملية زخما ويفرض على الدوائر المحيطة بالرئيس شكلا آخر من السعة وتوسيع دائرة الثقة في عملية تأسيس الدولة وتكريس سلطتها.
تبدو مشيخات القبائل هنا خارج المعادلة الانتخابية- الانتقائية؛ وهي سياسة صحيحة وفي مكانها -رغم صعوبتها- لضبط تنافس المشيخات والوجاهات الاجتماعية؛ لتكريس ما طرحته السلطة من اعتماد التكنوقراط وتجاوز نمط التحشيد والتخادم بين السلطة والمشيخات في زمن الأسد، وباعتبار أن قواعد الجماعات القبلية ثائرة وتوالي القيادة بدمشق. وبفضل ما شهدناه من حنكة الشرع في السياسة -رغم صعوبة الظروف- لا بد أن يفجر الشرع مفاجأة في أن تكون قائمة الرئاسة لمجلس الشعب المنتظر؛ من النخب الوطنية من أبناء الأقليات بدءا من مثقفي الطائفة الإسماعيلية وناشطيها ومثقفي الساحل السوري الذين تشهد لهم مرحلة تحشيد الفلول وقوفا إلى جانب الدولة بعيدا عن اختلافهم الأيديولوجي مع السلطة، والمسيحيين والأكراد خارج قسد.
أما بخصوص الأطراف التي تحكمها قوى أقلوية تحتكر تمثيل جماعاتها الطائفية والإثنية، وترفض أي تمثيل لأبنائها إلا عبرها ووفقا لمصالح محددة لا تعبر عن مصلحة ولا رؤى أبنائها بل تختطفهم وتؤطرهم بمشروعها، وتتسلح بحمى الاستحواذ التي تفرضها عبر سلطات أمر واقع في السويداء والجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث استدعت تغييرا في برنامج اللجنة العليا للانتخابات، حيث تم تأجيل الأمر لأجل غير محدد، ماينبئ عن تسليم دمشق بحلول سياسية تخوضها القوى الدولية في تلك الملفات، ومن ضمنها مجلس الشعب لتلك المناطق وترحيله ليكون جزءا مما يطرح على الطاولة، وهو ما يشكل خطأ فادحا على الأقل فيما يخص ممثلي الرقة ذات النسبة 3% من الأكراد، ودير الزور لا تصل نسبتهم 1%، والحسكة التي يعتقد البعض بغالبية كردية في حين أنها لا تتجاوز 30% في آخر الإحصائيات المعتمدة دوليا، وبعيدا عن هذه النسب فإن تأجيل تعيينات مجلس الشعب تعني رهنها كقضية داخلية ودستورية لتكون جزءا من ملفات التفاوض المتوقفة بين الطرفين لحين توفر الرغبة الدولية بحسم النتائج، وجعلها جزءا من بازار الملفات السياسية العالقة. تبدو هنا السلطة مفرطة في حقها وحق ثوار المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى غافلة عن خطة سياسية تملكها؛ وهي السير قدما في الانتخابات المقررة لأبناء المحافظات الثلاث من عرب وكرد ومسيحيين، لتفرض تمثيلا ثوريا حقيقيا لأبناء تلك المناطق لشغل المقاعد المخصصة للجزيرة، وباعتبار أن التفاوض بوجود راع دولي ضاغط تحت شعار التعددية والحقوق، يحق لدمشق أن تشترط تمثيلا حقيقيا يتناسب مع التوزع الديمغرافي للسكان فيمن تطرحهم قسد كممثلين عن المنطقة في المفاوضات، مع إمكانية أن يقوم الرئيس الشرع عند الوصول إلى اتفاق نهائي بإصدار مرسوم رئاسي بتوسعة مجلس الشعب ليضم ممثلي قسد، الذين لن يشكلوا ثقلا أمام أعضاء المجلس بكليته، كما سيضعف دورهم ضمن أعضاء من نفس المناطق من ثوارها وناشطيها المهجرين، ويفقدها احتكار تمثيل الجزيرة عبر مرشحيها؛ لأنها إن احتكرت تمثيلهم تحت سلطتها فلا يمكن لدمشق أن تعطيها مكافأة تمثيل الجزيرة بعد بسط سلطتها عليها وشهادة حكم المنطقة تحت الطاولة، ناهيك عن حق ثوار المنطقة في التمثيل وألا تكون حقوقهم في تمثيل ثوارهم وبيئاتهم عرضة لبازار السياسة.
تلفزيون سوريا
—————————————-
الرقة والحسكة على خريطة الانتخابات.. ارتياح شعبي ورسالة طمأنة من اللجنة العليا/ سامر العاني
2025.09.14
بعد أسابيع من الجدل الذي أثاره قرار إرجاء الانتخابات في محافظتي الرقة والحسكة، أصدرت اللجنة العليا للانتخابات في سوريا القرار رقم (30) لعام 2025، والذي يقضي بتشكيل لجان فرعية للإشراف على العملية الانتخابية في بعض مدن وبلدات المحافظتين، أبرزها رأس العين، الرقة، وتل أبيض.
القرار، الممهور بتوقيع رئيس اللجنة العليا محمد طه الأحمد، يعد رسالة رسمية لإعادة الثقة وطمأنة السكان بأن المشاركة السياسية حق لا يمكن تجاوزه، حتى في المناطق التي تعاني “ظروفًا خاصة”.
من الجدل إلى القرار
البداية كانت مع قرار سابق للجنة يقضي بإرجاء الانتخابات في الحسكة والرقة بداعي “صعوبات أمنية ولوجستية” والذي أثار استياءً واسعًا بين سكّان المحافظتين، إذ اعتبروا أنه يرسخ شعورًا بالتهميش والعزلة السياسية.
غير أن الضغوط الشعبية والإعلامية، دفعت اللجنة العليا إلى إصدار قرارها الجديد الذي يفتح الباب أمام مشاركة أبناء المحافظتين في الاستحقاق النيابي.
القرار رقم (30) نصّ على تشكيل لجان فرعية للإشراف على العملية الانتخابية، وفق الآتي:
الدائر الانتخابيّة في مدينة رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة، تشكّل فيها لجنة تضم عددًا من القضاة والمحامين المحليين، أوكلت إليهم مهمة إدارة العملية وضمان نزاهتها.
الدائرة الانتخابيّة لمدينة الرقّة تشكّل فيها لجنة مكونة من شخصيات قانونية واجتماعية، كلّفت بتأمين مراكز الاقتراع ومتابعة سير العملية.
الدائرة الانتخابيّة لمدينة تل أبيض التابعة لمحافظة الرقّة تشكّل فيها لجنة محلية من ثلاثة أعضاء، عهد إليها تنظيم العملية وضبط آليات التصويت.
كما شدد القرار على أن عمل هذه اللجان سيكون خاضعًا للرقابة المباشرة من اللجنة العليا، وأنها ستقدّم تقارير يومية حول سير العملية، وحدد تاريخ بدء العمل في 10 من أيلول 2025.
ارتياح حذر
إعادة تفعيل الانتخابات بثّ شعور بالارتياح لدى أبناء تلك المدن، إذ اعتبروا أن صوتهم أصبح مسموعا لدى المعنيين، وأنّ مشاركتهم تمثّل جزء من الشعور بالاهتمام في تلك المحافظتين
يقول الناشط سلمان الأحمد، من محافظة الحسكة، لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ القرار الأخير خفّف كثيرًا من شعور العزلة الذي ولّده استبعاد المحافظة في المرة الأولى، الناس هنا يريدون أن يشعروا بأن أصواتهم مسموعة، حتى لو كان التصويت في نطاق محدود.”
أما في تل أبيض، فقد أوضح الوجه الاجتماعي خالد الحمود أن إعادة فتح باب المشاركة “يمنح أبناء المنطقة شعورًا بالانتماء السياسي”، مشددًا على أن “البقاء على هامش المشهد الوطني لم يعد مقبولًا.”
وفي الرقة، علّق عمار الحسين، أن القرار الأول ترك أثرًا سلبيًا كبيرًا، لكن التراجع عنه يثبت أن صوت الناس يمكن أن يُسمع. وهذه نقطة مهمة في ظل الظروف الحالية.”
اللجنة العليا تؤكد التمثيل العادل
وحول قرار إرجاء الانتخابات وإعادة تفعيلها أوضح رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، محمد طه الأحمد، في تصريح خاص لموقع “تلفزيون سوريا” أنّه “في البداية، تم تأجيل الانتخابات في كل من الرقة والحسكة بسبب عدم تلقينا ردًا من اللجنة المخولة بالتفاوض بين الحكومة السورية و”قسد”. ومن منطلق الحرص على عدم التأثير في مسار المفاوضات الجارية وعدم إعطاء أي ذرائع لتعطيل اتفاق آذار، قررنا التأجيل.
ولفت إلى أنّه لاحقًا ومع ازدياد الضغوط الشعبية من أبناء المحافظتين المطالبين بحقهم في المشاركة، جرى التواصل معهم عبر لقاءات مباشرة ومتكررة، وتم الاتفاق على إجراء الانتخابات في الأجزاء المحررة من الرقة والحسكة وفق المقاعد المخصصة لهما.
وشدّد على أنّهم يدركون أن بيئة الانتخابات يجب أن تكون آمنة وحرة ونزيهة وشفافة، بعيدًا عن أي تدخل في تشكيل اللجان الفرعية أو في اختيار المرشحين أو في عملية التصويت وفرز الأصوات، مضيفا “لقد شهدنا في تجارب سابقة، مثل امتحانات الشهادات العامة، صعوبات في ضمان النزاهة، ولم نرد تكرار ذلك في العملية الانتخابية، ولهذا جاء قرار التأجيل”.
وأكّد على أنّه انطلاقًا من التزامهم بتمثيل كل السوريين، فإنهم مستعدون — إذا استمر التعنّت ومنعت اللجنة العليا من دخول هذه المناطق — للنظر في إجراء الانتخابات في باقي الدوائر الخاضعة لسيطرة الدولة السورية.
وأكّد على أنّ “هدفنا الأساسي هو أن يحظى أبناء الرقة والحسكة بتمثيل عادل وحقيقي في مجلس الشعب، باعتباره مؤسسة تمثل جميع السوريين بمختلف مكوناتهم. هذه الخطوة ستعزز شرعية المجلس، مع التأكيد على أن مقاعد المحافظتين محفوظة، وأن الشرعية قائمة طالما أن حصتهما الانتخابية مضمونة.”
من النزوح إلى الانقسام
رغم صدور القرار وتحديد اللجان، فإن الواقع الميداني يطرح تحديات كبيرة مثل، النزوح السكاني، فمئات آلاف من أبناء الحسكة والرقة يعيشون خارج مناطقهم، كيف ستُتاح لهم المشاركة والتمثيل؟ وأيضا الانقسام العسكري، فوجود قوى متعدّدة للسيطرة على الأرض قد يعرقل تنظيم الانتخابات، فضلا عن البنية التحتية التي تزيد من صعوبة إجراء انتخابات في تلك المناطق.
ومع ذلك فإن قرار اللجنة لا يُقرأ فقط باعتباره إجراءً إداريًا، بل باعتباره فرصة لإعادة بناء الثقة، إذا نجحت العملية في إيصال رسالة جدية للسكان، فإنها قد تفتح الباب أمام توسيع العملية تدريجيًا لتشمل كل مدن وبلدات المحافظتين، وإشراك منظمات المجتمع المدني في الرقابة، لتعزيز الشفافية، وربط المشاركة بخطط تنموية تجعل الناس يشعرون بأن صوتهم الانتخابي يقترن بتحسن حياتهم اليومية.
تجارب سابقة واختبار جدية الدولة
التجارب الدولية تبيّن أن إشراك المناطق المهمشة في العملية الانتخابية يمكن أن يكون خطوة نحو الاستقرار، ففي رواندا بعد الحرب الأهلية، شكّلت الانتخابات المحلية رافعة لإعادة بناء الثقة، إذ لم تُطرح كإجراء شكلي، بل كخطوة لإعادة جميع الأطراف إلى ساحة المشاركة السياسية، ورغم الانتقادات لهيمنة السلطة المركزية، فإن العملية الانتخابية فتحت الباب أمام عودة المواطنين إلى الشعور بأن لهم صوتًا يمكن أن يغيّر.
يتساءل الوجه الاجتماعي خالد الحمود، هل سيكون هذا القرار مجرد “رسالة رمزية” لإرضاء الأهالي، أم بداية مسار جدي لإعادة دمج الحسكة والرقة سياسيًا؟ مؤكّدا على أن الخطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى متابعة عملية، وخطوات إضافية تثبت أن الدولة جادة في فتح الباب لمشاركة حقيقية.
خطوة أولى على طريق طويل
يمثّل القرار رقم (30) لعام 2025 نقطة تحوّل في التعاطي مع ملف الانتخابات في الحسكة والرقة، فهو يفتح نافذة جديدة للمشاركة، ويؤكد رسميًا أن لا تهميش بعد اليوم، لكن نجاحه مرهون بقدرة الدولة على تحويل الوعود إلى واقع، وضمان أن المشاركة لن تبقى شكلية أو محدودة.
وبينما ينظر الأهالي إلى الخطوة كإشارة إيجابية، يبقى الأمل أن تسهم هذه الانتخابات إلى تعزيز الثقة بين الدولة وأبناء المنطقة الشرقية، وأن تكون بالفعل بداية مرحلة جديدة من المشاركة الوطنية الجامعة.
تلفزيون سوريا
————————-
منظمات حقوقية تنتقد المرسوم الخاص بمجلس الشعب وتدعو إلى إصلاح النظام الانتخابي
15 سبتمبر 2025
أصدرت مجموعة من المنظمات السورية الحقوقية والمدنية ورقة موقف مشتركة، ناقشت فيها المرسوم الخاص بانتخابات مجلس الشعب المزمع إجراؤها بموجب المرسوم رقم (143) لعام 2025 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع.
وجاء في الورقة أن المرسوم يمنح الرئيس صلاحيات واسعة تمكنه من تعيين ثلث أعضاء المجلس واللجنة العليا للانتخابات، كما يخوله تسمية بدلاء عن أي نائب يفقد مقعده، مما قد يؤدي إلى هيمنة السلطة التنفيذية على المجلس ويقوض مبدأ التعددية.
وأشارت إلى أن المرسوم يستبعد أي شخص يُعتبر من داعمي النظام البائد أو من دعاة الانفصال أو التنظيمات الإرهابية، دون وجود تعريفات قانونية واضحة لهذه المصطلحات، مما يمنح السلطة التنفيذية سلطة تقديرية غير محددة في تحديد أهلية المرشحين.
ولفتت إلى أن شروط الترشح الخاصة بفئات الكفاءات والأعيان تفتقر إلى معايير دقيقة، مما يخلق مجالًا للتأثيرات المالية والسياسية. كما أن تمثيل المرأة والفئات المهمشة جاء ضعيفًا وبصيغة غير ملزمة مثل عبارة “ما أمكن”، مما يحول الالتزام القانوني إلى مجرد وعد شكلي.
وأكدت أن اللجنة العليا للانتخابات تُعيّن بالكامل من قبل الرئيس، ويُسمح لأعضائها بالانضمام لاحقًا إلى مجلس الشعب ضمن الثلث المعين من الرئيس، مما يشكل تضاربًا في المصالح ويقوّض استقلالية العملية الانتخابية.
وأشارت إلى أن لجان الطعون الانتخابية ترتبط بالسلطة التنفيذية وقراراتها نهائية وغير قابلة للطعن، مما يحرم المواطنين من حق اللجوء إلى رقابة قضائية مستقلة.
وأكدت أن المرسوم يقيد الدعاية الانتخابية ويجعل عملية المراقبة المحلية والدولية خاضعة لإرادة اللجنة العليا، محولًا إياها من حق إلى امتياز تمنحه السلطة.
وأضافت الورقة أن المرسوم ينص على مضاعفة العقوبات على الجرائم الانتخابية، وهو إجراء يخالف القوانين السورية وقد يُستغل لقمع حرية التعبير والحقوق السياسية للمواطنين.
ولفتت إلى أن أحكامه تتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتخالف الإعلان الدستوري السوري الذي يعطي المواثيق الدولية قوة القانون.
وشددت المنظمات على ضرورة مراجعة النظام الانتخابي المؤقت ليكون أكثر شمولًا، وضمان فصل السلطات، وتمكين مجلس الشعب الانتقالي من الإعداد لانتخاب لجنة صياغة الدستور الدائم والتمهيد لانتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية عبر الاقتراع المباشر.
ووقّعت على الورقة المنظمات التالية: المركز السوري للعدالة والمساءلة، العدالة من أجل الحياة، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، منظمة ملفات قيصر من أجل العدالة، مركز وصول لحقوق الإنسان، منظمة مساواة، حقوقيات، بدائل، منظمة بيل–الأمواج المدنية، رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، النساء الآن للتنمية، المركز السوري لبحوث السياسات، الحركة السياسية النسوية السورية، ودولتي.
————————————–
منظمات حقوقية سورية تنتقد النظام الانتخابي لمجلس الشعب
15 أيلول 2025
أصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية السورية “ورقة موقف” تنتقد فيها المرسوم رقم “143” لعام 2025، الخاص بالنظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب السوري.
وجاء في الورقة الصادرة عن مجموعة من المنظمات الحقوقية اليوم، الاثنين 15 من أيلول، أن المرسوم ينص على انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب عبر هيئات ناخبة، بينما يُعيّن الثلث المتبقي مباشرة من قبل الرئيس، كما يمنح المرسوم الرئيس صلاحية تسمية بدلاء عن النواب الذين يفقدون مقاعدهم، ما يمنحه قدرة على التأثير المباشر في تشكيل المجلس.
واعتبرت المنظمات أن المرسوم يحتوي على ثغرات بنيوية تجعله بعيدًا عن الحد الأدنى من المعايير الدولية للتمثيل والمشاركة السياسية، محذرة من أن الصياغات القانونية تمنح السلطة التنفيذية سيطرة واسعة على تشكيل مجلس الشعب، وتحد من مشاركة المواطنين والفئات المهمشة.
وتشير القراءة الحقوقية إلى أن هذه الصلاحيات تجعل مجلس الشعب عرضة للهيمنة التنفيذية، إذ يمكن للرئيس تشكيل أغلبية برلمانية من أشخاص يختارهم أو يضمن ولاءهم، ما يقوّض مبدأ التعددية ويحوّل المجلس إلى هيئة ذات لون سياسي واحد.
كما أن الأعضاء المفترض انتخابهم يخضعون لسلسلة من اللجان المرتبطة بـ”اللجنة العليا للانتخابات” المعيَّنة من قبل الرئيس، ما يجعل العملية الانتخابية في دائرة نفوذ الرئيس المباشر وغير المباشر، وبالتالي فإن مجمل هذه الترتيبات “تجعل الانتخابات شكلية، فاقدة لجوهرها كآلية ديمقراطية لضمان التمثيل والمساءلة”، بحسب “الورقة”.
شروط الترشح “فضفاضة”
اعتمد المرسوم، بحسب “الورقة”، لغة فضفاضة عند تحديد شروط الترشح، مستبعدًا كل من يُعتبر “من داعمي النظام البائد”، و”التنظيمات الإرهابية”، أو “من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج”، دون تعريف واضح لهذه المصطلحات، ما يترك مجالًا للتفسير الانتقائي من قبل السلطة التنفيذية، “لتحديد من يحق له الترشح ومن يُستبعد”.
كما تناول المرسوم فئات مثل “الكفاءات” و”الأعيان”، لكنه لم يوضح المقصود بفئة “الأعيان”، ما يفتح المجال أمام النفوذ الشخصي والمالي للوصول إلى المقاعد المخصصة لهذه الفئة، كما نصَّ المرسوم على تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 20%، مع عبارة “ما أمكن” التي تطول أيضًا المهجّرين وذوي الإعاقة والناجين من الاعتقال، ما يجعلها “إرشادية وغير ملزمة”، بحسب “الورقة”.
دور السلطة التنفيذية واللجنة العليا للانتخابات
يفترض أن تكون الجهة المشرفة على الانتخابات مستقلة عن السلطة التنفيذية، بحسب “الورقة” لكن المرسوم عكَس ذلك، إذ تُعيّن اللجنة العليا للانتخابات من قبل الرئيس، وتستمد صلاحياتها منه مباشرة، فيما ترتبط لجان الطعون القضائية بوزارة العدل، ويكون قرارها نهائيًا وغير قابل للطعن، وهذا الأمر يفتح الباب أمام احتمال صدور قرارات متناقضة عن تلك اللجان في قضايا متماثلة، من دون وجود جهة عليا مختصة بحسم هذه التناقضات وضمان وحدة المعايير القانونية.
كما يشير المرسوم إلى إمكانية انضمام أعضاء “اللجنة العليا” إلى مجلس الشعب ضمن قائمة الثلث المعيَّن من الرئيس، وهو ما يتعارض مع مبدأ نزاهة الانتخابات، إذ لا يجوز للجهة المكلّفة بالتحضير والإشراف على عملية انتخابية أن تصبح جزءًا من الجسم الذي تُشرف على تشكيلهما.
ويقيّد المرسوم الدعاية الانتخابية ضمن نطاق الهيئة الناخبة، ما يمنع النقاش العام حول المرشحين. كما لم يُكرّس المرسوم حق المراقبة المستقلة كحق قانوني، بل ترك الأمر خاضعًا لإرادة “اللجنة العليا”، ما يحوّل الرقابة إلى امتياز يمكن منحه أو سحبه حسب رؤية السلطة التنفيذية.
العقوبات الانتخابية والدعاية
ينص المرسوم على مضاعفة العقوبات لأي جريمة تقع في أثناء العملية الانتخابية أو بسببها، وبحسب خبراء “الورقة” يطرح هذا النص “إشكاليتين خطيرتين” الأولى: أن رئيس الجمهورية لا يملك صلاحية تعديل العقوبات الجزائية بهذا الشكل، لأن التشريع الجزائي من اختصاص السلطة التشريعية.
والثانية: أن هذه الصياغة قد تستخدم لتقييد حرية التعبير أو النشاط المدني (مثل التظاهر أو توزيع منشورات انتخابية)، ما يجعل من النص أداة محتملة لقمع المشاركة بدلًا من حماية نزاهة العملية الانتخابية بدلًا من حماية نزاهة الانتخابات.
وتتناقض أحكام المرسوم مع “العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية”، الذي يكفل حق كل مواطن في المشاركة في الشؤون العامة والاقتراع العام والمتكافئ. كما يخالف المرسوم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) من حيث ضمان التمثيل الفعلي والمتساوي للمرأة والفئات المهمشة، ويعتبر هذا التناقض مخالفًا أيضًا للإعلان الدستوري السوري الذي يدمج المعاهدات الدولية ضمن القانون الوطني.
وبذلك، وبحسب ما خلصت إليه “الورقة”، فإن المرسوم “143” لا يتعارض فقط مع المعايير والمعاهدات الدولية، بل يتعارض أيضًا مع الإعلان الدستوري نفسه، الذي يعتبر جميع المعاهدات الدولية التي صدقت عليها الدولة جزءًا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري (المادة 12).
توصيات المنظمات الحقوقية
قدّمت المنظمات الحقوقية الموقعة على “الورقة” عدة توصيات لتعديل المرسوم، من أبرزها:
إلغاء دور رئيس المرحلة الانتقالية في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب.
إعادة تشكيل الهيئات الناخبة بالتشاور مع المجتمع المدني السوري، ومع كافة التيارات والقوى السياسية الفاعلة في مختلف مناطق سوريا لضمان تمثيل كل المواطنين.
إلغاء القيود والعبارات الفضفاضة في شروط الترشيح الواردة في المرسوم (143)، والاكتفاء بشروط موضوعية واضحة كالسن والأهلية القانونية.
ضمان تمثيل فعلي وإلزامي للفئات المهمشة، بمن فيها النساء والمهجّرون، وذوو الإعاقة، والناجون من الاعتقال، من خلال مواد واضحة وملزمة، لا بصياغات إرشادية عامة.
إنشاء هيئة مستقلة فعليًا عن السلطة التنفيذية للإشراف على العملية الانتخابية، مع إشراف قضائي محايد متعدد الدرجات.
ضمان حرية الدعاية الانتخابية في الفضاء العام، وتكريس المراقبة المحلية والدولية كحق قانوني وليس خيارًا بيد “اللجنة العليا” للانتخابات.
إلغاء المادة التي تضاعف العقوبات على الجرائم الانتخابية من المرسوم، والالتزام بالقوانين السورية النافذة، لا سيما قانون العقوبات السوري بما يتعلق بالجرائم الانتخابية، واعتماد تعريفات دقيقة لها تضمن عدم استخدام القانون لتقييد حرية التعبير.
مواءمة النظام الانتخابي مع المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها سوريا والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري، وبالتالي ضمان حق كل مواطن في المشاركة السياسية والاقتراع العام والمتكافئ.
المنظمات الموقعة
تضمنت قائمة المنظمات الموقعة على الورقة: المركز السوري للعدالة والمساءلة، العدالة من أجل الحياة، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، منظمة ملفات قيصر من أجل العدالة، مركز وصول لحقوق الإنسان، منظمة مساواة، حقوقيات، بدائل، منظمة بيل-الأمواج المدنية، رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، النساء الآن للتنمية، المركز السوري لبحوث السياسات، الحركة السياسية النسوية السورية، ودولتي.
انتخابات مجلس الشعب
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أنها تدرس طلبات الترشح لعضوية الهيئات الناخبة تمهيدًا لإجراء الانتخابات.
المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، قال لعنب بلدي، الأحد 14 من أيلول، إنه تتم حاليًا دراسة طلبات الترشح لعضوية الهيئات الناخبة، ومن المتوقع صدور اللوائح الأولية للأعضاء خلال ثلاثة أيام.
وستعرض اللوائح أمام المواطنين في حال الرغبة بتقديم طعون على أسماء الأعضاء لمدة ثلاثة أيام، ومن ثم ستعلن القوائم النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة، وفق نجمة.
وتابع أنه بعد الإعلان سيتم الانتقال إلى المرحلة الانتخابية، حيث يفتح باب الترشح لعضوية مجلس الشعب ضمن هذه الهيئات الناخبة، متوقعًا أن يتم إجراء الانتخابات قبل نهاية شهر أيلول الحالي.
عنب بلدي
———————————
لجنة الانتخابات السورية للعربية: استبعدنا الرقة والحسكة والسويداء بسبب الوضع الأمني
الناطق باسم اللجنة نوار نجمة: من المتوقع إجراء الانتخابات قبل نهاية سبتمبر
العربية.نت ووكالات
14 سبتمبر ,2025
صرحت لجنة انتخابات مجلس الشعب بسوريا، اليوم الأحد، بأنها ستضع جدولاً دقيقاً للانتخابات بمجرد اختيار الهيئات الناخبة.
قال الناطق باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب نوار نجمة في تصريحات خاصة لقناتي “العربية” و”الحدث” إن الانتخابات ستجرى في مناطق محددة بالرقة والحسكة والسويداء، ويمكن للرئيس أحمد الشرع تعيين شخصيات من هذه المناطق بعد استبعادها سابقاً بسبب الوضع الأمني.
وأوضح نوار نجمة أن نموذج الانتخابات عبر نظام “هيئات ناخبة” المعمول به في الولايات المتحدة وفرنسا.
فيما أفادت اللجنة أنها تدرس حالياً طلبات الترشح لعضوية الهيئات الناخبة.
وأوضح الناطق باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري، أنه سيتم تحديد
——————————-
اللجنة العليا لمجلس الشعب: أعداد المتقدمين للترشح للهيئات الناخبة بلغت نحو 14 ألف شخص
أيلول 16, 2025
أعلن المتحدث الإعلامي باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب نوار نجمة، الثلاثاء 16 أيلول، أن أعداد المتقدمين للترشح للهيئات الناخبة على مستوى سوريا بلغت نحو 14 ألف شخص، وسيتم دراسة طلبات المتقدمين بكل نزاهة.
وأكد المتحدث باسم اللجنة العليا في تصريحات نقلتها وكالة “سانا” أنه سيعلن خلال اليومين القادمين عن اللوائح التي تتضمن أسماء أعضاء الهيئات الناخبة الأولية.
وأضاف: “سيتاح للمواطنين التقدم بطعون على الأسماء المعلنة، ومن شروط التقدم بالطعون عدم مخالفة المعايير والتقيد بالشروط الموجودة في النظام الانتخابي المؤقت”.
وأشار نجمة إلى أن الأسماء النهائية ستعلن بعد ذلك، وسيتم إعداد جدول زمني دقيق للعملية الانتخابية بدءاً بفتح باب الترشح لعضوية مجلس الشعب مروراً بالحملة الانتخابية، وانتهاءً بفتح صناديق الاقتراع لإجراء الانتخابات.
وصرّح نجمة، يوم الجمعة 12 أيلول، أن أبواب الترشح للهيئات الناخبة أغلقت في اليوم السابق في جميع المحافظات.
وقال في تصريح للإخبارية إن مجلس الشعب هو أهم مؤسسة تعبّر عن تطلّعات الناس، والإقبال على الترشح كبير وشمل كل المكونات.
——————————–
اللجنة العليا للانتخابات السورية: الإعلان قريباً عن اللوائح الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة
نوار نجمة يكشف عن خطوات تحضيرية لانتخابات مجلس الشعب ومواعيد تقديم الطعون
2025-09-16
أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة اليوم الثلاثاء، أنه سيتم الإعلان خلال اليومين القادمين عن اللوائح الأولية التي تتضمن أسماء أعضاء الهيئات الناخبة، في إطار التحضيرات الجارية لانتخابات “مجلس الشعب” التابع للسلطة السورية المؤقتة.
وأضاف أن المواطنين سيُتاح لهم التقدّم بطعون على الأسماء المعلنة، بشرط عدم مخالفة المعايير والتقيد بالشروط المنصوص عليها في النظام الانتخابي المؤقت.
وأشار نجمة إلى أنه بعد البت في الطعون، ستُعلن الأسماء النهائية، وسيتم إعداد جدول زمني دقيق للعملية الانتخابية، بدءاً بفتح باب الترشح لعضوية مجلس الشعب، مروراً بالحملة الانتخابية، وانتهاءً بفتح صناديق الاقتراع لإجراء الانتخابات.
وفيما يتعلق بأعداد المتقدمين للترشح لعضوية الهيئات الناخبة على مستوى سوريا، أوضح نجمة أن العدد بلغ نحو 14 ألف شخص، مؤكداً أن اللجنة ستدرس هذه الطلبات بكل نزاهة وشفافية.
يشار إلى أن الانتخابات كانت مقررة بين 15 و20 أيلول/سبتمبر الجاري، إلا أن اللجنة العليا للانتخابات أوضحت أن تأخير الموعد يعود لأسباب لوجستية بحتة، مع التأكيد على استكمال الاستحقاق قبل نهاية الشهر الحالي.
ومن المتوقع أن تشكل هذه الانتخابات خطوة هامة نحو بناء مؤسسات تمثل الشعب السوري المتنوع، في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، وفق تصريحات مسؤولين مقربين من السلطة السورية المؤقتة.
———————————
“المجلس العلوي” يرفض انتخابات مجلس الشعب
رفض “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، الذي يرأسه الشيخ غزال غزال، في بيان اليوم، الخميس 18 من أيلول، انتخابات مجلس الشعب في سوريا.
وذكر مكتب التنسيق والعلاقات العامة للمجلس، أن مجلس الشعب الذي تروّج له ما وصفها بـ”سلطة الأمر الواقع”، لا يمتلك أي شرعية وطنية أو تمثيلية.
وأضاف البيان أن هذا “الكيان” لا يعكس إرادة الشعب السوري، بل يُدار مباشرة من قبل “هيئة تحرير الشام”، ويُشكّل امتدادًا لسلطة انتقالية غير شرعية تفتقر إلى أي تفويض شعبي.
يأتي بيان المجلس عقب إعلان اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب عن القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة في الدوائر الانتخابية بالمحافظات.
وقال المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، اليوم، إنه تم إصدار القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة، وسيفتح اليوم باب تقديم الطعون أمام المواطنين.
وذكرت اللجنة العليا أن الطعون على هذه القوائم تُقبل في 18 و19 و20 من أيلول الحالي.
بيان “المجلس العلوي” أكد أن “الظروف التي يُفرض فيها هذا المجلس تُسقط عنه الشرعية”، وبحسب المجلس، فإن العملية السياسية الجارية مرفوضة، لأنها وفق تعبيره “تُدار في بيئة قهرية لا تُمكّن الشعب من تقرير مصيره”.
ودعا “المجلس العلوي” من هم في الداخل والخارج، وخاصة في مناطق دمشق والساحل وحمص وحماة وريفها، إلى رفض الانتخابات وعدم المشاركة فيها.
وبحسب ما ذكره نجمة، فإن هناك تمثيلًا عاليًا لكل مكونات وشرائح وطوائف الشعب السوري ضمن الهيئات الناخبة، بمن فيهم الطائفة اليهودية في مدينة دمشق.
وأضاف أن مرحلة الطعون والرقابة الشعبية هي سلاح اللجنة العليا الأخير لمنع تسرب داعمي النظام السابق للهيئات الناخبة، داعيًا المواطنين إلى التعاون مع اللجنة لكشف أي خطأ في اختيار من لا يتوافق مع الشروط والمعايير.
انتقادات للتجاهل الحكومي
في 13 من أيلول الحالي، وجه “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، انتقادات للحكومة السورية متهمًا إياها بتجاهل المكوّن العلوي.
واعتبرت المتحدثة باسم مكتب التنسيق والعلاقات العامة في “المجلس”، منى غانم، أن السلطة الحالية في سوريا، والتي وصفتها بـ”سلطة الأمر الواقع”، تتجاهل المكوّن العلوي “بشكل مقصود منذ تسلّمها، ولا تهتم به أبدًا”.
ولفتت غانم إلى أن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لم يلتقِ أبدًا بأي من مكوّنات الشعب العلوي>
المتحدثة باسم “المجلس الإسلامي العلوي”، رحبت بحماية الأكراد و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لمناطق الساحل، محذرة من توطين أجانب غير سوريين في مناطق العلويين.
وحول “فدرلة” الساحل السوري، أكدت غانم أن العمل على هذا الأمر لم يبدأ أبدًا، ومن الأفضل أن يحصل الساحل على هذا المطلب من خلال عملية سياسية شاملة لكل السوريين، بحيث يكون جزءًا من عملية سياسية دبلوماسية تشرف عليها الأمم المتحدة.
“الإدارة الذاتية” ترفض الانتخابات
كما أصدرت “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، في 24 من آب، بيانًا رفضت فيه الانتخابات البرلمانية في البلاد، معتبرة أنها “خطوة شكلية لا تمت للديمقراطية بصلة، ولا تعبّر عن إرادة السوريين بأي شكل من الأشكال”.
وجاء في البيان أن “السوريين ضحّوا من أجل العدالة والحرية والمساواة وحق الانتخاب والترشيح الحر، إلا أن ما يجري اليوم هو إعادة إنتاج لسياسات التهميش والإقصاء التي عانى منها السوريون على مدى أكثر من خمسة عقود”.
العملية الانتخابية الحالية تُقصي قرابة نصف السوريين بفعل التهجير القسري والسياسات الممنهجة لمنع مشاركة المكونات الفاعلة في تقرير مستقبل البلاد، بحسب البيان، وهو ما يؤكد، أنها لا تمثل متطلبات الحل السياسي الشامل.
وختم بيان “الإدارة الذاتية” بالتأكيد على أن “الحل في سوريا لن يكون عبر إعادة إنتاج السياسات القديمة، بل عبر مسار سياسي شامل يشارك فيه جميع السوريين بمختلف مكوناتهم وإرادتهم الحرة، وصولًا إلى سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية تضمن الحقوق وتفتح آفاق السلام والاستقرار”.
منظمات تنتقد النظام الانتخابي
كانت مجموعة من المنظمات الحقوقية السورية، أصدرت “ورقة موقف” تنتقد فيها المرسوم رقم “143” لعام 2025، الخاص بالنظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب السوري.
وجاء في الورقة الصادرة عن مجموعة من المنظمات الحقوقية، في 15 من أيلول الحالي، أن المرسوم ينص على انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب عبر هيئات ناخبة، بينما يُعيّن الثلث المتبقي مباشرة من قبل الرئيس، كما يمنح المرسوم الرئيس صلاحية تسمية بدلاء عن النواب الذين يفقدون مقاعدهم، ما يمنحه قدرة على التأثير المباشر في تشكيل المجلس.
واعتبرت المنظمات أن المرسوم يحتوي على ثغرات بنيوية تجعله بعيدًا عن الحد الأدنى من المعايير الدولية للتمثيل والمشاركة السياسية، محذرة من أن الصياغات القانونية تمنح السلطة التنفيذية سيطرة واسعة على تشكيل مجلس الشعب، وتحد من مشاركة المواطنين والفئات المهمشة.
وتشير القراءة الحقوقية إلى أن هذه الصلاحيات تجعل مجلس الشعب عرضة للهيمنة التنفيذية، إذ يمكن للرئيس تشكيل أغلبية برلمانية من أشخاص يختارهم أو يضمن ولاءهم، ما يقوّض مبدأ التعددية ويحوّل المجلس إلى هيئة ذات لون سياسي واحد.
كما أن الأعضاء المفترض انتخابهم يخضعون لسلسلة من اللجان المرتبطة بـ”اللجنة العليا للانتخابات” المعيَّنة من قبل الرئيس، ما يجعل العملية الانتخابية في دائرة نفوذ الرئيس المباشر وغير المباشر، وبالتالي فإن مجمل هذه الترتيبات “تجعل الانتخابات شكلية، فاقدة لجوهرها كآلية ديمقراطية لضمان التمثيل والمساءلة”، بحسب “الورقة”.
شروط الترشح “فضفاضة”
اعتمد المرسوم، بحسب “الورقة”، لغة فضفاضة عند تحديد شروط الترشح، مستبعدًا كل من يُعتبر “من داعمي النظام البائد”، و ”التنظيمات الإرهابية”، أو “من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج”، دون تعريف واضح لهذه المصطلحات، ما يترك مجالًا للتفسير الانتقائي من قبل السلطة التنفيذية، “لتحديد من يحق له الترشح ومن يُستبعد”.
كما تناول المرسوم فئات مثل “الكفاءات” و”الأعيان”، لكنه لم يوضح المقصود بفئة “الأعيان”، ما يفتح المجال أمام النفوذ الشخصي والمالي للوصول إلى المقاعد المخصصة لهذه الفئة، كما نصَّ المرسوم على تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 20%، مع عبارة “ما أمكن” التي تطول أيضًا المهجّرين وذوي الإعاقة والناجين من الاعتقال، ما يجعلها “إرشادية وغير ملزمة”، بحسب “الورقة”.
واعتاد السوريون، خلال العقود الأخيرة، تسمية “مجلس الشعب” بـ”مجلس التصفيق”، لأنه كان ينفّذ ما يُطلب منه، وحصل هذا بشكل صارخ عندما جرى تعديل الدستور عام 2000، بما يسمح لرئيس النظام السابق، بشار الأسد، الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية بعد وفاة والده، وجرى تمرير قرار بهذا الشأن خلال دقائق.
عنب بلدي
—————————–
اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب تصدر القوائم الأولية للهيئات الناخبة
أيلول 18, 2025
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب اليوم 18 أيلول، صدور القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة في عدد من المحافظات، وبدء استقبال الطعون أمام اللجان المختصة خلال ثلاثة أيام من تاريخ نشر القرارات.
وقال المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب نوار نجمة عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، إن اللوائح تضم تمثيلاً عالياً لمختلف مكونات وشرائح وطوائف الشعب، بما في ذلك الطائفة اليهودية في مدينة دمشق.
وأكد المتحدث أن الرقابة الشعبية ومرحلة الطعون تمثلان السلاح الأخير للجنة لمنع تسرب داعمي النظام البائد إلى الهيئات الناخبة.
ودعا نجمة المواطنين إلى التعاون مع اللجنة والإبلاغ عن أي أخطاء أو مخالفات لا تتوافق مع الشروط والمعايير المعتمدة.
وأصدرت اللجنة القرار رقم /32/ لعام 2025 المتعلق بالقائمة الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة في محافظة إدلب، والقرار رقم /33/ لعام 2025 الخاص بمحافظة درعا.
ونشرت القرارات رقم /34/ و/36/ و/37/ لعام 2025 التي تخص كل من ريف دمشق وحمص وحلب، مع فتح باب الطعون أمام لجان الطعون في كل محافظة.
وكان نجمة أعلن، الثلاثاء 16 أيلول، أن أعداد المتقدمين للترشح للهيئات الناخبة على مستوى سوريا بلغت نحو 14 ألف شخص، وسيتم دراسة طلبات المتقدمين بكل نزاهة.
وأوضح في تصريح للإخبارية إن مجلس الشعب هو أهم مؤسسة تعبّر عن تطلّعات الناس، والإقبال على الترشح كبير وشمل كل المكونات.
—————————————–
==========================



