إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 18-25 أيلول 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
=====================
تحديث 25 أيلول 2025
——————————
المأساة الصامتة لبدو هُجّروا من السويداء/ سانتياغو مونتاغ سولير
25.09.2025
لم تتسبب أزمة السويداء في كارثة إنسانية فحسب، بل عمّقت أيضًا الانقسامات الطائفية في سوريا. وعلى رغم أن الهدوء الهش يسود حاليًا، فإن جذور النزاع لم تُحل بعد. بدو المنطقة لهم حصتهم من المعاناة
في أكثر من 12 قرية في محافظة درعا السورية، تنتظر آلاف العائلات البدوية العودة إلى منازلها، بعدما وجدت نفسها عالقة وسط اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلّحة بدوية – مدعومة من جهاز الأمن العام – وميليشيات درزية.
تحرير محمود الخدّام، أب لخمسة أطفال، يقول وهو جالس على سجادة في أحد صفوف المدرسة البلدية في المليحة الغربية، التي تحوّلت اليوم إلى مأوى:”أطلقوا النار على بيوتنا واقتحموها. لم يكن أمامنا خيار سوى الفرار إلى الصحراء. واصلوا إطلاق النار علينا حتى ونحن نهرب مع الشيوخ والأطفال الصغار. سرنا أكثر من كيلومترين بلا ماء، كدنا نهلك عطشًا”، ثم يضيف: “في النهاية اضطررنا للعودة”.
يخبرنا محمد الخدّام:”احتمينا بالمسجد، حيث عانينا من الجوع والعطش، بعدما تواصلنا مع الهلال الأحمر، الذي نسّق عملية إجلائنا بعد سبع ليالٍ”. يتابع:”نقلونا عبر السليم ودوّار العمران. وفي اللحظة الأخيرة، وبعد إذلالنا، قالوا لنا: لا تعودوا أبداً”.
بحسب تحرير، كان المهاجمون من ميليشيا موالية لحكمت الهجري، الزعيم الديني الدرزي البارز المعروف بمعارضته للحكومة الانتقالية. ومع ذلك، مثل كثير من البدو، يؤكد أن قبيلته سكنت في بريكة منذ أكثر من خمسين عاماً، يقول: “نحن أصلاً من هناك”، ويتابع بحيرة: “كانت هناك مشاكل نعم، لكنها بسيطة، وكنا نحلّها بسرعة. أما الآن… فانظروا كم تغيّرت الأمور”.
السويداء على الحافة
مرّ أكثر من شهرين على دخول محافظة السويداء في جنوب سوريا، واحدة من أكثر أزماتها دموية في تاريخها الحديث. ما بدأ كسلسلة من عمليات الخطف المتبادلة بين الفصائل البدوية والدرزية على طريق دمشق، سرعان ما تصاعد إلى صراع مسلّح شامل، استدعى تدخلًا واسعًا من الحكومة الانتقالية. دخلت قوات الأمن العام والجيش إلى المحافظة بذريعة «استعادة النظام». لكن وجودهم أجّج العنف الطائفي، وانتهى بكارثة إنسانية هائلة.
بين 14 و23 تموز/ يوليو، وقعت عمليات انتقام ومجازر، بالتزامن مع غارات جوية إسرائيلية وتعبئة واسعة للمقاتلين البدو من مختلف أنحاء سوريا. وتداولت وسائل التواصل عشرات الفيديوهات – تحققت منها منظمات مثل العفو الدولية – أظهرت إعدامات وتعذيبًا وأعمال عنف مروّعة.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 1677 شخصًا، بينهم 452 أُعدموا. ومن بين الضحايا 250 امرأة وطفلًا، معظمهم من الطائفة الدرزية.
ومنذ 19 تموز/ يوليو، تسود هدنة هشة على حدود السويداء، لكن السكان ما زالوا يبلّغون عن هجمات يومية، ما يدل على أن الوضع لا يزال شديد التقلّب. وبينما دفعت الطائفة الدرزية الثمن الأكبر – واتُّهمت القوات الأمنية بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين – فقد هُجّرت أيضًا آلاف العائلات البدوية قسرًا من بيوتها.
لا تزال السويداء تحت سيطرة صارمة من جهاز الأمن العام، من دون أي حوار علني بين الدولة وميليشيات الدروز. وقد أدّى الحصار الفعلي إلى شبه انهيار كامل في الخدمات الأساسية. ووصف مبعوث الأمم المتحدة الوضع قائلاً: «إن كثيرين يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة، والأضرار الواسعة بالبنية التحتية تفاقم مأساتهم».
البدو في المجهول
نُقلت آلاف العائلات البدوية العالقة في مرمى النيران، إلى عشرات المدارس التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة في درعا. ووفق بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 192 ألف شخص جراء القتال. وبسبب الطابع الطائفي للنزاع، توزّع النازحون اليوم بين ثلاث مناطق: السويداء ودرعا والأرياف المحيطة بدمشق.
تقول أمينة، وهي امرأة بدوية تبلغ 30 عامًا وتعيش مع عائلتها في الحراك شرق درعا: “نحن هنا منذ بداية الأزمة، لكن الأمور تزداد سوءًا ونحن ننتظر العودة، إن شاء الله”، وتضيف بقلق: “نحصل على بعض الطعام، لكن لا غاز للطهو، فقط نار صغيرة”.
وتتابع:”الآن لدينا سقف فوق رؤوسنا. لكن المدرسة ستفتح بعد أسبوعين، وربما يطردوننا”. وأمينة معلّمة هربت من قرية المسرة في السويداء حيث وُلد جميع أطفالها.
من حولها، نساء أخريات يروين أنهن فررن خوفًا من هجمات فصائل درزية، خصوصًا ميليشيا الهجري. كلهن يأملن بنوع من المصالحة. وتقول درة، وهي امرأة بدوية مسنّة: “كل هذا غير منطقي. عشنا بسلام لعقود. لم تكن لدينا مشاكل. هذا العنف جديد علينا”.
الاستجابة الإنسانيّة قاصرة
في المليحة الغربية بريف درعا، يستخدم المختار بشار الحراكي المبنى البلدي لتخزين المساعدات الغذائية التي يقدّمها برنامج الأغذية العالمي لتوزيعها، يقول:”حتى قبل الأزمة، كانت الأوضاع سيئة. أما الآن فازدادت سوءًا. استقبلنا أكثر من 8000 شخص في هذه القرية الصغيرة – من البدو والدروز. الجميع مرحّب بهم. نحن جميعًا سوريون”.
يفرغ الرجال صناديق المساعدات خارج مكتب الحراكي، وهو يحدثنا قائلاً: “العائلات تعيش في المدارس والمنازل الخاصة والخيام على الأطراف… إسرائيل وراء كل هذا، تريد أخذ أرضنا. تدخّلها جعل الأمور أسوأ. هذه لحظة حرجة لبلدنا، والتوترات الطائفية عادت الى الظهور بعد سقوط النظام”.
في الكرك، قرية في درعا، تعيش خمس عائلات في مدرسة متضررة بشدة ، لا كهرباء، لا غاز، والسقف بالكاد صامد. يقول أحمد إن والدته لم تعد قادرة على الكلام، يضيف مذهولاً: “عاشت عائلتي في السويداء أكثر من 100 عام. لم يكن بيننا وبين الدروز أي خلاف”.
وعلى بعد أقل من كيلومتر، تعيش درة مع أختها وأمها في مدرسة أخرى مع عشرات العائلات. وهي جالسة في مأوى مؤقت، تروي كيف اختُطفَت عائلتها بكاملها لمدة أسبوعين على يد رجال الهجري.
تقول وسط أكوام من الأغطية والملابس: “قبضوا علينا ونحن نهرب باتجاه درعا، كنّا نحو 15 شخصًا – نساءً وأطفالًا. إحداهن وضعت طفلها أثناء الأسر، وحسب علمنا ما زالت عندهم”.
تجلس والدة درّة على سجادة، تبكي من ألم في ساقها، بينما تشير إليها درة قائلة: «لا نعرف ما بها. نحن فقط ننتظر أن يأتي أحد ليفحصها”.
مسؤوليّة الدولة
لم تتسبب أزمة السويداء في كارثة إنسانية فحسب، بل عمّقت أيضًا الانقسامات الطائفية في سوريا. وعلى رغم أن الهدوء الهش يسود حاليًا، فإن جذور النزاع لم تُحل بعد. وقد زاد أسلوب تعامل الحكومة مع الوضع من عزلة السويداء، مضيفًا بُعدًا طائفيًا إلى الصراع في لحظة حرجة لإعادة إعمار سوريا بعد 14 عامًا من الحرب.
صاغ كل فصيل روايته الخاصة لحشد قواعده الإثنية والدينية، غالبًا بدعم من أطراف خارجية – تاركًا المدنيين محاصرين في الوسط. ومعاناة العائلات البدوية تذكير صارخ بأن هذه الانقسامات لم تعد سياسية فحسب، بل صارت نتاج حرب طويلة دمّرت الأرواح وشتّتت المجتمعات ودَفعت البلاد إلى حافة الانهيار.
يبدو أن أفق المصالحة أبعد من أي وقت مضى. ومع استمرار التهجير وتفاقم العزلة، تواجه سوريا ليس فقط تحدي إعادة بناء مدنها، بل أيضًا مهمة شاقة في ترميم النسيج الاجتماعي لأمّة ممزّقة.
ويختتم تحرير محمود الخدّام برسالة واضحة:”مستقبلنا لا يجب أن يكون حياة الخيام من جديد. مصيرنا يجب أن تقرّره الدولة بالعدل. هذا هو الأساس”.
– صحافي تشيلي
درج
——————————
سورية وإسرائيل نحو اتفاق “خفض تصعيد”: ماذا سيتضمن؟/ عدنان علي
25 سبتمبر 2025
انخفضت التوقعات في المفاوضات الجارية بين الجانبين السوري والإسرائيلي بشأن التوصل إلى اتفاق أمني شامل بينهما، إلى الحديث عن اتفاق “خفض تصعيد”، بما يذكر بالتسميات التي كانت سائدة في شمال غرب سورية برعاية روسية تركية، بين النظام السوري السابق والمعارضة. وذكر المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، أن الجانبين السوري والإسرائيلي يقتربان من الوصول إلى اتفاق “خفض التصعيد” الذي سيكون خطوة أولى نحو الاتفاق الأمني الذي يتفاوض عليه الجانبان. وقال برّاك في تصريح للصحافيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مساء الثلاثاء الماضي، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “سعى إلى التوصل إلى اتفاق بين الجانبين سيتم الإعلان عنه هذا الأسبوع، لكن لم يتم تحقيق تقدم كاف حتى الآن، كما أن عطلة رأس السنة العبرية هذا الأسبوع أبطأت العملية”. وأوضح أن اتفاق “خفض التصعيد” ينص على أن توقف إسرائيل هجماتها على سورية، بينما توافق الحكومة السورية على عدم نقل أي آلات أو معدات ثقيلة قرب الحدود مع الأراضي المحتلة، معتبراً أن “الجميع يتعاملون مع الأمر بحسن نيّة، وأن الاتفاق سيمثل انتصاراً لإدارة الرئيس ترامب”.
الاعتداءات الإسرائيلية على سورية
وتجري سورية وإسرائيل محادثات للتوصل إلى اتفاق تأمل دمشق أن يضمن وقفاً لاعتداءات إسرائيل على أراضيها، وانسحاب قواتها التي توغلت في جنوب سورية. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد قال إن إسرائيل قامت باعتداءات كثيرة على سورية بلغت نحو ألف غارة و400 توغل، وما زالت تحتل الجولان، لكن سورية تسعى لتجنب الحرب، لأنها في مرحلة بناء. وأضاف الشرع خلال لقائه بقمة كونكورديا في نيويورك، الاثنين الماضي: “نحن متجهون نحو التهدئة وأن تعطى سورية فرصة للبناء، وإذا نجحت التهدئة وكان هناك التزام من إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه فربما تتطور المفاوضات”. وأوضح انه إذا نجحت المرحلة الأولى من المفاوضات وتم التوصل إلى الاتفاق الأمني الذي يعيد إسرائيل إلى اتفاقية 1974، فستمضي دمشق نحو مناقشة ملفات أبعد، تتعلق بمصير الجولان المحتل، والعلاقة بين سورية وإسرائيل على المدى البعيد. وأكد استعداد سورية لمناقشة مخاوف إسرائيل الأمنية.
وأرجع الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني عدم توصل الطرفين إلى اتفاق كامل لعدة أسباب، أولها “إصرار سورية على العودة إلى اتفاق فض الاشتباك 1974 بينما ترفض إسرائيل ذلك، وترى ضرورة الحفاظ على ما كسبته خلال توغلاتها البرية التي بدأت في 2022 واستمرت لما بعد سقوط النظام وسيطرتها على قمة جبل الشيخ”. وأضاف حوراني في حديث لـ”العربي الجديد” أن السبب الثاني هو عدم وجود “ضغوط جدية من الادارة الأميركية على إسرائيل تلزمها بالعودة إلى اتفاق 1974 رغم أنها هي من رعت هذا الاتفاق”. وإضافة إلى ذلك “تدخّل دول إقليمية في مسألة الجنوب السوري كتركيا والأردن، وتخوّف إسرائيل من دعم هذه الدول مستقبلاً للحكومة السورية وتقويتها، خصوصاً أن تركيا ترفض إخلاء الجنوب من السلاح الثقيل، كما تتخوف إسرائيل من التعاون العسكري المتنامي بين سورية وتركيا وما يمكن أن ينتج عنه من آثار مستقبلاً”.
وحول ما يمكن أن يتضمنه الاتفاق المرحلي (خفض التصعيد) الذي يجري الحديث عنه، قال حوراني إنه سيتضمن على الأرجح “وضع حد للتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ومعالجة وضع المهجرين من القرى التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية، ووضع ضمانات ألا تعود سورية ممراً وشريان حياة لحزب الله وتمرير الدعم الإيراني له عبرها”، مشيراً إلى أن “إسرائيل تتخوف في حال استمرار ضغطها على الجانب السوري، من أن يتم هناك تحالف ضمني ما بين الأطراف المنزعجة من العربدة الإسرائيلية في سورية المتمثلة بتركيا وسورية وإيران. كما أن الاتفاق يمكن أن يشمل ما يعالج التخوفات الأمنية للكيان”.
من جانبه، أعرب الباحث السوري رضوان زيادة عن اعتقاده بأن التعنّت في الموقف الإسرائيلي ورفض العودة لاتفاق 1974، ومحاولة فرض شروط جديدة، هي ما حدا بالجانب السوري إلى رفض هذه الطروحات. وعبّر زيادة في حديث لـ”العربي الجديد” عن اعتقاده أن الأولوية الآن هي محاولة الوصول، بدعم أميركي، إلى اتفاق مرحلي يوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. وحول ما إذا كان الإخفاق في هذه الجهود انتكاسة لترامب الذي ربما سعى للوصول إلى اتفاق أمني كامل بين الجانبين يقدمه بمثابة إنجاز له، اعتبر زيادة أن الملف السوري ليس أولوية لدى الإدارة الأميركية الحالية رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها المبعوث توم برّاك والتي هي غالباً جهد شخصي من جانبه.
أطماع إسرائيل في سورية
في الصدد، صدرت دراسة موسعة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ومقره في بيروت، بعنوان “الجنوب السوري ومخاطر السيطرة الإسرائيلية” للباحث إبراهيم عبد الكريم، جاء فيها أن لإسرائيل أطماعاً في أراضي الجنوب السوري، وأن إسرائيل قدمت وثائق خلال المفاوضات مع سورية عام 2000 في عهد حكومة إيهود باراك تزعم أن هناك 58 ألف دونم مملوكة لليهود في سورية، منها خمسة آلاف دونم في الجولان، والباقي في أنحاء سورية، خصوصاً في منطقة حوران (محافظة درعا). وقال الباحث عبد الكريم لـ”العربي الجديد” إنه وفق تقارير إسرائيلية فإن مساحة الأرض التي استولت عليها إسرائيل في سورية منذ سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي بلغت 400 كيلومتر مربع، أقامت فيها عشر قواعد عسكرية من جبل الشيخ شمالاً إلى درعا جنوباً. وأضاف أنه حسب تقارير إسرائيلية، فقد أكد الجانب الإسرائيلي خلال الاجتماعات مع الأتراك في باكو عاصمة أذربيجان في إبريل/نيسان الماضي، على “خطين أحمرين” في سورية، هما: “نزع كل الأسلحة من المنطقة الواقعة في جنوبي سورية، حتى عمق 80 كيلومتراً من الحدود، وحرية طيران سلاح الجو الإسرائيلي في أجواء سورية ولبنان”.
ووفق التقارير، فإن إسرائيل لن تسمح بإدخال أنظمة رادار أو أنظمة أخرى إلى سورية من شأنها أن تحد من أنشطة طيرانها، وأن الجيش الإسرائيلي يعمل على منع أي جيش أجنبي من الحصول على موطئ قدم في سورية. ولفت التقرير إلى أن جيش الاحتلال قسم المناطق الجنوبية بين الحدود ودمشق إلى ثلاثة مجالات عمل، الأولى منطقة الفصل بعمق حتى خمسة كيلومترات عن الحدود، والثانية مجال الأمن حتى 15 كيلومتراً عن الحدود، والثالثة مجال النفوذ الذي يتواصل حتى طريق دمشق السويداء، بعمق 60 إلى 65 كيلومتراً. وأوضح أن المسؤولين الأمنيين في إسرائيل يقولون إنهم بحاجة إلى الاحتفاظ بـ”منطقة سيطرة” بعمق 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، لضمان عدم إطلاق الصواريخ نحو الجولان، إضافة إلى الاحتفاظ بـ”منطقة نفوذ” تمتد بنحو 60 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، تكون خاضعة للسيطرة الاستخباراتية الإسرائيلية للتأكد من عدم نشوء تهديد في المستقبل.
العربي الجديد
————————————
بين إرث التنوخي والمشروع الصهيوني: معركة الهوية الدرزية/ نزار غانم
الأربعاء 2025/09/17
الخلاف مع التيار الدرزي الانعزالي أو الانفصالي لم يعد خلافاً فكرياً عابراً، بل تحوّل إلى صراع على الهوية والتاريخ والمستقبل. هذا التيار يقدّم رواية مشوّهة عمادها تحميل القومية العربية والإسلام السياسي مسؤولية تراجع حضور الدروز، متجاهلاً السياق الاستعماري الذي دمّر البنية التاريخية، ويقفز فوق الإصلاحات الدينية والسياسية التي صنعت موقع الدروز في المشرق مثله مثل الخطاب التكفيري الذي يدعي محاربته. من هنا تأتي الحاجة إلى مواجهة هذا الخطاب بقراءة تاريخية وسياسية دقيقة، ووضع النقاط على الحروف.
يبرز في السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته بـ”اليمين الدرزي الجديد”، وهو تيار يتشكّل أساساً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويتغذّى من خطاب اليمين العالمي والدعاية الرقمية لمؤثرين دروز يعملون داخل المنظومة الصهيونية. هذا التيار يعيد صياغة هوية الدروز في اتجاه انعزالي، يقدّم العداء للعروبة والتحالف مع إسرائيل باعتباره السبيل الوحيد لـ”حماية” المجتمع الدرزي، متجاهلاً الإرث التاريخي للشراكات مع المشرق العربي. عبر مقاطع فيديو ومنشورات قصيرة، يروّج هؤلاء المؤثرون لرواية مشوّهة ترى في الانخراط القومي خطراً، وفي الانغلاق الطائفي خلاصاً.
كما لا يمكن فصل صعود هذا التيار عن أفعال التيارات التكفيرية ذاتها، إذ أن جرائمها ومجازرها ضد المدنيين الدروز لم تُضعف فقط الثقة بالبيئة العربية الأوسع، بل منحت إسرائيل هدايا مجانية، إذ ساعدتها على تسويق نفسها كـ”ملجأ” وحامٍ وحيد للأقليات. بهذا، تتحمل التيارات التكفيرية مسؤولية مباشرة في تقوية نزعة الانعزال لدى بعض الشباب الدروز، وإتاحة أرضية خصبة لاستراتيجية إسرائيلية أوسع تقوم على تفتيت المجتمعات المشرقية.
الاستعمار لا القومية: الجرح الأول
يصرّ الخطاب الانعزالي على أن القومية العربية أدّت إلى تهميش الدروز، لكن الوقائع تقول غير ذلك. الاستعمار الفرنسي والبريطاني هو الذي فكّك المجال الدرزي التاريخي إلى أربع دول: لبنان، سوريا، فلسطين والأردن. هذا التقسيم لم يقتصر على رسم حدود سياسية، بل ضرب العمق الاجتماعي والاقتصادي الذي مكّن الدروز لقرون من الحفاظ على وزنهم السياسي والديموغرافي.
ثورة سلطان باشا الأطرش عام 1925، لم تكن مجرد تعبير عن وطنيّة عاطفية، بل ردّ فعل مدروس من النخب الدرزية التي رأت أن التنظيم الاستعماري يهدّد سطوتها الإقطاعية ومجالها الحيوي . وفي هذا السياق، يجدر الذكر ان الأمير شكيب أرسلان لعب دوراً بارزاً في مؤتمر القدس الإسلامي عام 1931، حيث دعا إلى توحيد الصفوف والدفاع عن القدس باعتبارها قضية الأمة كلها. مشاركته عكست التزام النخب الدرزية بالانخراط في الحركة العربية-الإسلامية ومواجهة المشروع الصهيوني بعيداً عن أي نزعة انعزالية. عرض الفرنسيون والبريطانيون على الدروز خياراً بديلاً: الانسحاب إلى جيب صحراوي مغلق مقابل ضمان بقاء محدود. لكن هذا الخيار كان يعني العزلة والانكماش، أي “مخيم اعتقال” أو محمية هنود حمر على أفضل تقدير. الدروز رفضوا، وكان قرارهم ثمنه باهظاً، لكنه حافظ على حضورهم في قلب بلاد الشام.
درع الأمير السيّد
شكّل إصلاح الأمير السيّد عبدالله التنوخي في القرن الخامس عشر نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدروز، إذ أعاد صياغة فقههم بما ينسجم مع المذاهب السنية، ورسّخ شراكتهم مع المؤسسة الأشعرية. فبحسب دراسة وسام حلاوي (Les Druzes en marge de l’islam)، لم يقتصر دوره على تقنين الممارسات الدينية أو إعادة تنظيم المؤسسات المحلية، بل أرسى تقليداً دينياً متجذراً في الثقافة الإسلامية، خصوصاً السنية، مستفيداً من معارف الفقهاء والمتصوفة في عصره.
هذا التفاعل جعل من الفقه الدرزي أكثر رسوخاً ومرونة في آن واحد: رسوخاً لأنه استند إلى أدوات تأويل وتفسير استعارها من التجربة الإسلامية الكبرى، ومرونة لأنه سمح بتمييز داخلي بين طبقتين في المجتمع، العامة من جهة، وأهل العلم الباطني من المشايخ من جهة أخرى. هذا التمايز لم يكن قطيعة مع الإسلام السني، بل وسيلة لصياغة هوية فقهية خاصة بالدروز تعترف بجذورها الإسلامية وتبني عليها في الوقت ذاته. بذلك، أسس التنوخي لنظام فقهي ضامن لاستمرارية الجماعة، وموطّد لشرعية المشايخ، ومكرّس لشراكة تاريخية مع المركز السني جعلت الدروز جزءاً من معادلة الحكم المشرقية.
هذا الإرث التوحيدي لم يكن مجرد اصلاح ديني، بل كان ضمانة سياسية واجتماعية مكّنت الدروز من الحفاظ على موقعهم في قلب المشرق. وفي العصر الحديث، أصدرت هيئات من داخل الأزهر مواقف واضحة باعتبار الدروز مسلمين، وهو ما منح غطاءً فقهياً إضافياً لرؤية الأمير السيّد عبدالله التنوخي. بهذا، اكتمل جانب مهم من مشروع التنوخي التاريخي.
غير أن إسرائيل، منذ حرب الجبل عام 1984 حين استهدفت مقام الأمير السيّد في عبيه، عملت على ضرب هذا الأساس الرمزي والفقهي، محاولة إعادة إنتاج دروز معزولين ومقطوعين عن عمقهم الإسلامي والعربي، وتحويلهم إلى أداة وظيفية في مشروعها الأمني. وليس صدفة أن الشيعة والسنة لعبوا دوراً أساسياً في تأمين الظهير السياسي في معركة حماية إرث التنوخي في ذلك الوقت. إسرائيل تدرك أن هذا الإرث هو ما يحول دون تحويل الدروز إلى أداة طيّعة. لذلك تعمل على ضربه، سواء عبر الدعاية الدينية الزائفة أو عبر إشعال الفتن الميدانية.
من هنا، فإن الخطر الحقيقي على مشروع السيد عبدالله العابر للانعزال المذهبي يتأتى من اتجاهين: من التيارات التكفيرية السنية التي تنكر تاريخها الوسطي الجامع، ومن التيار الدرزي الانفصالي الذي يتنكر لإرث التنوخي نفسه. مواجهة هذا المشروع المزدوج تتطلب تمسك الدروز والسنة بخيار الشراكة التاريخية، وتعميق انفتاحهم على المكوّنات الإسلامية الأخرى، باعتبار ذلك الدرع الحقيقي في مواجهة محاولات التفتيت والاستتباع.
مقام النبي شعيب
من بين البدع المستحدثة التي يتبنّاها بعض الجهلة، تصوير مقام النبي شعيب على أنه مركز ديني خاص بالدروز. الحقيقة أن زيارة المقام تاريخياً لم تكن ذات بعد عقائدي، بل نتجت عن اتفاق سياسي-عسكري مع صلاح الدين الأيوبي. الأخير، بعد أن رأى رؤيا قبل معركة حطّين، أوزع ببناء المقام وطلب من الدروز حماية طريق الحج المسيحي من الغزوات الفرنجية. كانت وظيفة المقام سياسية استراتيجية لا أكثر.
اليوم، تحوّل هذا الإرث إلى مادة للدعاية الصهيونية التي تبالغ في رمزية المقام وتقدّمه كمرتكز لهوية دينية مزعومة. الأخطر أن بعض الدروز صدّقوا هذه السردية، فيما الواقع أن أهمية المقام كانت دوماً في سياق التحالف مع المركز السني. المفارقة أن بعض السنّة بدورهم يكفّرون الدروز لزيارتهم هذا المقام دون معرفة أو وعي بالعلاقة الرمزية لهذا المكان، كرمز لاتفاق سني درزي!
وفي السياق نفسه، تحاول إسرائيل في السنوات الأخيرة التأثير على الوعي الدرزي عبر تشجيع مقاربة “إثنية” مغلقة. فقد رعت دراسات وأبحاثاً في الأوساط الأكاديمية تروّج لفكرة أن للدروز تركيبة جينية مميزة تجعلهم جماعة منفصلة عن محيطهم العربي والإسلامي. هذه المحاولات ليست بريئة، بل هي جزء من ماكينة دعائية أوسع تسعى إلى إعادة صياغة الهوية الدرزية بما يخدم مشروع العزل والتوظيف الأمني داخل الاستراتيجية الإسرائيلية.
عاطفة بلا بديل
على المستوى السياسي الراهن، يظهر التيار الانعزالي في صورة أكثر هشاشة. فخطابه يقوم على جلد الذات وتحميل التيارات العروبية والاشتراكية مسؤولية كل الخراب، من ثورة سلطان باشا حتى تجربة كمال جنبلاط. يقولون إن دماء الدروز أُهدرت ولم تجد تقديراً من الأمة الكبرى. في جانب معيّن، هذا الإحساس مفهوم بعد الهجمة التكفيرية الأخيرة على السويداء، لكن المشكلة أن هذا التيار لا يطرح بديلاً. هو فقط يكتفي بالرفض والتذمّر.
لكن التجربة أثبتت أن إسرائيل لا تعترف إلا بمصالحها. في السويداء نفسها، تخلّت عن 35 قرية درزية وتركتها لمجزرة، فقط كي تزرع شقاقاً بين الدروز والسنّة، وتستخدم المأساة ورقة تفاوضية مع الحكومة المركزية في دمشق، وفي الوقت نفسه تُرضي البدو المنخرطين ضمن الجيش الاسرائيلي. هذه السياسة هي ذاتها التي مارسها النظام السوري السابق، عبر تهديد الدروز بالبدو لإبقائهم في “بيت الطاعة”.
حتى الشيخ موفق طريف من موقف حرصه الديني، وبعدما تبيّن أن إسرائيل تسعى إلى سياسة “فرّق تسد” واستثمار الانقسامات الطائفية، دعا الدروز في سوريا إلى معالجة قضاياهم مباشرةً مع دمشق، مؤكداً أن الحلول لا يمكن أن تأتي من الخارج بل من إطار وطني جامع. بينما اعتبر الشيخ حكمت الهجري أن حق تقرير المصير “مقدس” وطرح الانفصال كخيار مطروح لأهالي السويداء. هذا التباين بين الشيخين طريف والهجري، يعكس حجم الارتباك الداخلي، لكنه في الوقت نفسه يوضح كيف تحاول إسرائيل الاستثمار في النزعات الانعزالية على حساب الشراكة التاريخية مع بقية المكوّنات.
وهذا لا ينفي مسؤولية الجماعات التكفيرية عن طعن العلاقات الدرزية السنية في الصميم وتقديم خدمات مجانية لإسرائيل ومشروعها التوسعي وفتح المجال أمام الخطاب الانعزالي المدفوع من الخارج. وهنا يأتي أهمية أن يكون الشريك السني واعٍ لكل هذه الإشكاليات ويتحرك لاحتواء المسألة من التفاقم بتأكيد الخطاب الوسطي التاريخي.
المشروع الجامع أو الفوضى
التاريخ علّم الدروز أن العزلة لا تحمي، وأن الانغلاق لا يصنع موقعاً. ما حمى هذا المكوّن تاريخياً هو الإصلاح الفقهي والسياسي الذي قاده الأمير السيّد عبدالله التنوخي، وما هدّد وجوده فعلياً هو الاستعمار والتقسيم والانعزال. الخطاب الانعزالي والانفصالي اليوم ليس إلا استعادة لمقولات قديمة أُثبت فشلها، ومحاولة لإعادة الدروز إلى السجن الطائفي الصغير.
المطلوب اليوم رؤية أوسع: أن يتشبّث الدروز بشراكتهم التاريخية مع السنّة، وأن يعمّقوا انفتاحهم على الشيعة، في مواجهة مشروع يريد للجميع أن ينزف بلا نهاية. إسرائيل لا تستهدف الزعامات الآنية، بل تريد اقتلاع الحجر الأساس في الهوية الدرزية والمشرقية: إرث الأمير السيّد عبدالله. هذا الإرث الذي عماده الحقيقي ليس التقية أو الذمية كما يحاججون، وإنما مشروع توحيدي جامع وضامن ليس للمسلمين فقط وإنما لكافة الأديان في بلاد الشام.
الجواب على هذا المشروع لا يكون بتبنّي الانعزال، بل بالتمسّك بالتاريخ، وبمشروع جامع يرفض التفتيت ويعيد رسم العلاقة بين المكوّنات على قاعدة الاحترام والشراكة. تلك هي المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها الدروز وحلفاؤهم اليوم، لا سجالات الانعزال ولا أوهام الهوية المنعزلة.
المدن
—————————————-
رويترز: نتنياهو يرهن المفاوضات مع سوريا بضمان مصالح إسرائيل
2025.09.24
قال مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن المفاوضات مع سوريا مرهونة بضمان مصالح إسرائيل بما في ذلك نزع السلاح في جنوب غربي سوريا وأمن الدروز، وفق ما نقلت وكالة رويترز.
وأضاف مكتب نتنياهو الأربعاء: “تُجرى حاليا مفاوضات مع سوريا”.
وخلال خطابة أمام الجمعية العام للأمم المتحدة في دورتها الـ 80، توقف الرئيس السوري أحمد الشرع عند التهديدات الإسرائيلية المستمرة منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، معتبراً أنها محاولة لاستغلال المرحلة الانتقالية، وأكد التزام سوريا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، داعياً المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانبها في مواجهة المخاطر واحترام سيادتها.
وقال الشرع في جلسة حوارية بمعهد الشرق الأوسط بنيويورك يديرها مدير برنامج سوريا بالمعهد، الأربعاء، إن أي حديث عن تقسيم سوريا يضرّ بها أولاً وباستقرار دول الجوار، لا سيما تركيا والعراق، داعياً إسرائيل إلى العودة إلى ما قبل الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ومؤكداً: “قلنا لن نكون مصدر خطر لأحد”.
والأسبوع الماضي، كشف الرئيس السوري، أن المفاوضات الجارية مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قد تؤدي إلى نتائج “في الأيام المقبلة”.
ووصف الشرع للصحفيين في دمشق الاتفاق الأمني بأنه “ضرورة” وذكر أنه سيتطلب احترام مجال سوريا الجوي ووحدة أراضيها وأن يخضع لمراقبة الأمم المتحدة. وفق رويترز.
وأضاف أنه إذا نجح الاتفاق الأمني مع إسرائيل قد نتوصل إلى “اتفاقيات أخرى”، مشيرا إلى أن “السلام والتطبيع” مع إسرائيل ليسا على الطاولة الآن، موضحا أن واشنطن لا تضغط على دمشق للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل.
ويوم الأحد، قال مسؤول في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن الاتفاق الأمني الناشئ بين إسرائيل وسوريا “اكتمل بنسبة 99%”، متوقعاً أن يتم الإعلان عنه خلال الأسبوعين المقبلين.
وأوضح المسؤول في تصريحات لصحيفة “تايمز أو إسرائيل”، أن ما تبقى يرتبط بتوقيت الإعلان والاعتبارات الداخلية في سوريا، مضيفاً: “نحن في 99% من الطريق، والأمر يتعلق فقط بعرضه على الشعب السوري”.
—————————–
مسؤول أمريكي يوضح ما سيتم حال توصل سوريا وإسرائيل لاتفاق أمني
نشر الأربعاء، 24 سبتمبر / ايلول 2025
قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، للصحفيين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، إن سوريا وإسرائيل تسعيان للتوصل إلى اتفاق لخفض التصعيد بدعم أمريكي، سيكون بمثابة خطوة أولى نحو اتفاق أمني بين البلدين.
وأضاف باراك أنه بموجب الاتفاق، ستوقف إسرائيل هجماتها على سوريا، وستتوقف سوريا عن نقل الآليات والمدفعية والطائرات بالقرب من الحدود الإسرائيلية.
وتابع أن الاتفاق “سيمثل انتصارا لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تعمل خلف الكواليس مع الجانبين للتوصل إلى اتفاق أمني”، لكن ليس من الواضح متى سيتم التوصل إلى الاتفاق- خاصة مع حلول عيد رأس السنة اليهودية هذا الأسبوع، والذي أبطأ المفاوضات، وقال باراك: “أعتقد أن الجميع يتعامل مع الأمر بحسن نية، أنا متفائل”
لكن البلدين لطالما كانا عدوين، وسيكون وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق أمني شامل أمرًا معقدًا.
قد يهمك أيضاً
بعد تصريحات الشرع.. نتنياهو يتحدث عن تطورات “محادثات السلام” مع سوريا
وتحدث رئيس الإدارة السورية الحالية أحمد الشرع عن “المواقف العدوانية لإسرائيل”، وقال إن “سوريا لا تزال خائفة من جارتها”، وأضاف أنها تسعى إلى “تهدئة” العلاقات مع جميع دول المنطقة، وذلك خلال فعالية استضافها معهد الشرق الأوسط.
وسيلقي الشرع كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، في أول خطاب من نوعه لرئيس سوري منذ 1967.
ويأتي هذا الخطاب بعد 4 أشهر من لقاء الشرع، “الجهادي” السابق الذي كانت الولايات المتحدة قد رصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض عقب الإطاحة بنظام الأسد الذي استمر نصف قرن.
و بعد ذلك الاجتماع، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا لكن المسؤولين الأمريكيين يدركون أن الكونغرس سيحتاج إلى إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، الذي وضع آليات عقوبات صارمة على البلاد، لإفساح المجال أمام الاستثمار العالمي الحر في سوريا.
———————————
=========================
تحديث 24 أيلول 2025
——————————–
“خريطة طريق” السويداء… بين الاحتياجات الوطنية السورية والتدخّلات الخارجية
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
23 سبتمبر 2025
جرى توقيع “خريطة طريق لحلّ أزمة السويداء” في سورية، وذلك في 17 أيلول/ سبتمبر 2025، استكمالًا لاجتماعات عمّان، في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2025، التي جرت بين الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة. وقد أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا تضمّن تفاصيل الاتفاقية الجديدة، التي تسعى إلى تجاوز تداعيات الأزمة الدامية في المحافظة منذ تموز/ يوليو 2025، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وتهجير الآلاف من السكان المدنيين.
خلفيات أزمة السويداء
شهدت محافظة السويداء، التي تبعد نحو 100 كيلومتر عن دمشق، جنوب سورية، وتقطنها غالبية من المواطنين السوريين الدروز أحداث عنف طائفي دامية، 13-18 تموز/ يوليو 2025، ذهب ضحيّتها عشراتٌ من أبناء المحافظة من المدنيين، وقوات الأمن السورية، وأبناء العشائر من البدو، وعناصر فصائل ومليشيات محلية. واستغلت إسرائيل هذه الأزمة، التي اندلعت على خلفية حادث اعتداءٍ على طريق دمشق السويداء، فقدّمت نفسها حاميةً للمواطنين السوريين الدروز الذين تعرّضوا لانتهاكاتٍ وجرائم قتل موثّقة من رجال الأمن، وشنت هجمات جوية ضد قوات الحكومة السورية، التي حاولت استعادة السيطرة على المدينة، وأجبرتها على الانسحاب، بموجب اتفاقٍ مع بعض الوجهاء والأعيان. وقصفت إسرائيل مؤسّسات سيادية في دمشق أيضًا. وفي إثر انسحاب القوات الحكومية، تعرّض المدنيون البدو لانتهاكات انتقامية وعمليات تهجير ارتكبتها مليشيات محلية درزية؛ ما فتح الباب واسعًا أمام احتمال اندلاع صراع أهلي كبير.
وفي 19 تموز/ يوليو، جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وإسرائيل بوساطة أميركية؛ ما جعل إسرائيل (نسجت، كما يبدو، علاقاتٍ مع شخصياتٍ دينيةٍ درزية قبل هذه الأزمة) طرفًا رئيسًا في أزمة يُفترض أن تكون داخلية سورية، وحلها وطني سوري. ومنذ ذلك الحين، باتت السويداء خارج سلطة دمشق، وتزايدَ اتّساع حجم الهوّة بين الطرفين.
مضامين “خريطة الطريق”
أكّدت خريطة الطريق أن الحلّ في السويداء يجب أن يكون على أساس وحدة الأراضي السورية، وأنّ معالجة الأوضاع في المحافظة لا يمكن أن تجري خارج الإطار الوطني السوري، مع التأكيد على دمجها في الدولة السورية. ويعني ذلك استبعاد واضح للمطالب الانفصالية، التي رفعتها بعض الأطراف في المحافظة. وتشمل بنود خريطة الطريق محاور رئيسة، هي:
1. انسحاب القوات الأمنية وإنشاء إدارة محلية مع ترتيبات أمنية وإدارية
نصّت خريطة الطريق على سحب جميع المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، ونشر قوات شرطية، مؤهلة ومدرّبة ومنضبطة على الحدود الإدارية للمحافظة؛ ما يعني سحب المقاتلين والسلاح الثقيل، مع احتفاظ الدولة بحضورها الرمزي من خلال وزارة الداخلية، بدلًا من الجيش. وتُنشر قوات عسكرية على طول الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، لضمان الحركة الآمنة للمواطنين والتجارة، وتشكيل قوة شرطية محلية، تحت قيادة شخصية (من المحافظة) تعيّنها وزارة الداخلية، على أن تحدّد المفاوضات تركيبة هذه القوة وتكوينها. وقد عيّنت وزارة الداخلية، سليمان عبد الباقي، الذي كان قائدًا لـ “تجمع أحرار جبل العرب” مديرًا لمديرية أمن السويداء، في حين لم تعلن عن أسماء قادة قطاعَي قنوات وشهبا ضمن الهيكلية الجديدة للوزارة في المحافظة، مع التأكيد على وجود إمكانية للتفاوض حول التركيبة العسكرية الخاصة بالسويداء، من دون ذكر الجهة التي ستتفاوض مع وزارة الداخلية. ويعوّق هذا تنفيذ عديد من بنودها، ولا سيّما مع وجود تيار الشيخ حكمت الهجري الذي احتكر القرار داخل المحافظة على صعيد تمثيل قوى المحافظة المجتمعية والسياسية، عبر تحييد شيخي العقل حمود الحناوي ويوسف الجربوع عن المشهد، فضلًا عن التواصل مع الاحتلال الإسرائيلي وتلقي الدعم منه.
ونصّت الاتفاقية على تشكيل مجلس محافظة، يمثّل كل مكونات المجتمع المحلي، “يتعاون” مع الحكومة السورية؛ أي إقرار نموذج إداري لا مركزي موسّع. ويرجّح أن يحصل المجلس على صلاحياتٍ خدميةٍ ومدنية كاملة، في حين تبقى “الملفات السيادية” (الأمن، السياسة، القضاء) بيد حكومة دمشق. وبخصوص الترتيبات الأمنية، سوف تكون على شكل إجراءات قصيرة ومتوسّطة الأمد، تُنفَّذ بالتعاون بين الدول الثلاث والمجتمعات المحلية في السويداء، وذلك في سياق فترة انتقالية تنتهي بإعادة الاندماج الكلّي للمحافظة في المؤسّسات الحكومية السورية. ويُمثّل هذا النصّ نوعًا من التسوية بين مطالب السويداء والتزامات حكومة دمشق، من خلال التأكيد على أن السويداء جزءٌ من سورية، مع ضرورة تفعيل كل المؤسّسات الحكومية والخدمية فيها. ومن ثم، سيكون إطار أي مفاوضات هو الشكل الحوكمي الداخلي، سواء المدني أو الأمني، بعيدًا عن أي مطالبات انفصالية، أو توجهات نحو حكم ذاتي. وقد دفع ذلك تيارًا في المحافظة إلى الرد بإطلاق حملة لتوقيع عريضة تدعو إلى “حقّ تقرير المصير”، من أجل منح أبنائها الحق في تقرير شكل المحافظة إداريًا وعلاقتها بدمشق، وقد نُظمت تظاهرات في المحافظة لهذا الغرض.
2. إدخال المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح المختطفين وضمان عودة النازحين
تؤمّن الحكومة السورية بالتعاون مع الأردن والولايات المتحدة إيصال المساعدات الإنسانية والطبية إلى السويداء، وإطلاق برنامج لإعادة إعمار القرى المتضرّرة. وستكون هذه العملية، غالبًا، مشروطةً بإحداث تقدّم على الأرض في مجالَي الأمن والحوكمة، في محاولة لإقناع الأطراف المحلية بقبول الترتيبات الأمنية المقترحة. وتؤكد الاتفاقية على إطلاق سراح المحتجزين والمختطفين، وتسريع عملية التبادل، ودعم جهود الصليب الأحمر الدولي، وتمكين النازحين من العودة إلى قراهم، بعد ضبط الأوضاع الأمنية، وإعداد آلية متابعة من خلال إنشاء لجنة ثلاثية مكوّنة من الأطراف الموقِّعة لمراقبة التنفيذ. ومن المتوقّع تشكيل غرفة عمليات مشتركة تتولى التنسيق والإشراف على تنفيذ الاتفاق بين أطراف الأزمة. ورغم أن الاتفاقية نصّت على احترام السيادة السورية، شرعنت هذه الفقرة بوضوح التدخّل الخارجي في معالجة أزمة داخلية سورية. ويرتبط بذلك تفويض الأردن دعوة وفود من المجتمعات المحلية (السنية، المسيحية، الدرزية) في السويداء إلى اجتماعات لتعزيز عملية المصالحة؛ ما يمنح الأردن دورًا أكبر في الجنوب السوري، في مسعاه نحو بناء الثقة بين الأطراف المتصارعة.
3. وقف التدخل الخارجي بالتوازي مع إقرار تفاهمات أمنية إقليمية
تضمّنت الاتفاقية نصًّا واضحًا حول “تكريس سردية وطنية، تحتفي بالوحدة والتعددية والمساواة بين جميع السوريين وسيادة القانون، وإنهاء خطاب الكراهية”. وأن السويداء جزءٌ لا يتجزأ من سورية، ولا يجوز أن تكون ساحة نفوذ خارجي. والمقصود هنا التدخّل الإسرائيلي. وتضمّنت إجراء مباحثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل للتوصّل إلى تفاهمات أمنية حول الجنوب السوري، تتعلق بالشواغل الأمنية لكل من سورية وإسرائيل “مع مشاورة الحكومة السورية”؛ أي إن الولايات المتحدة ستتولى تلك الترتيبات، وفي هذا انتقاص واضح من السيادة السورية.
4. التحقيق والمساءلة
دعت الاتفاقية لجنة التحقيق المستقلة الدولية بشأن الجمهورية العربية السورية إلى إجراء تحقيق حول الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء، وهو مطلب رئيس للقوى الموجودة في السويداء، ويُعدّ أمرًا جديدًا، قد تكون الحكومة السورية قبلت به بسبب الضغط، في ضوء انتهاكات واسعة ارتكبتها قوات حكومية وأخرى غير نظامية متعاونة معها في أثناء أزمة السويداء.
مواقف الأطراف الموقِّعة
وقّعت الحكومة السورية والأردن والولايات المتحدة خريطةَ الطريق. وكان لكل منها أهدافه؛ إذ تسعى الحكومة السورية إلى تثبيت سيادتها وشرعيتها في السويداء، وقطع الطريق أمام المطالب الانفصالية، أو دعوات التدخل الخارجي، وضبط الأوضاع الأمنية بغية إطلاق عملية إعادة الإعمار، والحدّ من الضغوط التي تتعرّض لها بسبب هذا الملفّ. ويبدو أن حكومة أحمد الشرع تعطي إشارات إلى رغبتها في أن تكون هذه الاتفاقية نموذجًا لاتفاقيات محتملة في منطقة الجزيرة السورية، مثلًا، خصوصًا فيما يتعلق بنظام اللامركزية الإدارية الموسّعة، ويدل على ذلك موافقة دمشق على دعوة لجنة التحقيق الدولية إلى التحقيق بالأحداث، وسحب الجيش، ونشر قوات شُرطية فقط، والقبول بتشكيل مجلس محافظة يمثّل المجتمع المحلي.
أما الأردن، فيخشى من تأثير أزمة السويداء في أوضاعه الأمنية، سيّما في حال استمرارها؛ ما يؤدّي إلى استغلال بعض القوى ذلك، وفي مقدّمها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، للتمدّد في الجنوب السوري، فضلًا عن التمدّد الإسرائيلي على حدوده الشمالية. ويخشى الأردن زيادةَ نشاط تهريب المخدرات والكبتاغون من تلك المناطق، وتهديد أمنه الداخلي، فضلًا عن أن تفاقم الأزمة قد يولّد موجة هجرة جديدة إليه. ومن جانب آخر، يدرك الأردن أن تأديته دور الضامن والوسيط قد يزيد من نفوذه في الجنوب السوري، ويعزّز شراكته مع واشنطن في ضبط الأمن الإقليمي.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، تسعى إلى تثبيت التهدئة في الجنوب السوري لتحقيق عدة أهداف؛ أبرزها: تأكيد التزامها بأمن إسرائيل، عبر طمأنتها أن الجنوب السوري لن يكون منصّة تهديدٍ لها، إضافة إلى رغبتها في توطيد حكم الإدارة السورية الجديدة، ومنع خصومها مثل “داعش” وإيران من استغلال الأزمة لإعادة التموضع والانتشار. وبتوقيعها بوصفها شريكًا وضامنًا للاتفاق، تكون قد ورثت الدور الروسي السابق في الجنوب، إضافة إلى نفوذها في الشمال الشرقي، وهذا يعزّز موقفها في سورية، ويجعلها الفاعل الرئيس في شؤونها. ويقوم الموقف الأميركي على مبدأ تحقيق الاستقرار منخفض التكلفة، عبر ضبط منطقة الجنوب بما يضمن أمن حلفائها في إسرائيل والأردن، ويحول دون دخول هذه المنطقة في فوضى قد تزعزع الأمن الإقليمي.
الموقف الإسرائيلي
رغم أن إسرائيل ليست طرفًا في اتفاقية السويداء، فإنها كانت طرفًا رئيسًا في أزمتها. ففي 19 تموز/ يوليو، جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل في الجنوب السوري برعاية أميركية. بناءً على ذلك، جرت اتصالاتٌ سياسيةٌ مباشرة كانت أولى جولاتها في باريس، نهاية تموز/ يوليو 2025، تلتها جولة ثانية في آب/ أغسطس، ضمّت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، بإشراف المبعوث الأميركي توم برّاك. وهدفت هذه الاجتماعات إلى بحث ترتيبات أمنية في كامل الجنوب السوري، انطلاقًا من الوقائع الميدانية التي فرضتها إسرائيل في المنطقة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
مع ذلك، شملت اتفاقية خريطة الطريق بنودًا مقلقة لإسرائيل؛ منها إعادة سلطة الحكومة السورية إلى حدود السويداء الإدارية، ما يتناقض مع استراتيجية إسرائيل القائمة على إبقاء الوضع الأمني في الجنوب هشًّا، من خلال رفضها العلني أي وجود رسمي للقوات السورية. وشدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح بانتشار قوات تابعة للحكومة السورية جنوب دمشق، معتبرًا أي وجود عسكري دائم هناك يمثّل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل. ولم تقتصر على إبداء التحفّظات، بل ارتبط موقفها أيضًا بمسار تفاوضي تقوده الولايات المتحدة ضمن مقاربة سياسية أوسع، مارست الأخيرة بموجبها ضغوطًا مباشرة على دمشق لتسريع المحادثات مع إسرائيل، بغية تحقيق تقدّم قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحيث تُقدَّم الاتفاقية بوصفها إنجازًا دبلوماسيًا لإدارة الرئيس دونالد ترمب.
بهذا، شكّلت التطورات الميدانية في السويداء أداة ضغط إضافية في مسار المفاوضات؛ فقد وظّفت إسرائيل أحداث العنف، وسعت إلى تعزيز خطابٍ يقوم على ضرورة توفير الحماية لأهالي المحافظة من الدروز. وعملت على إعادة تنظيم الفصائل المحلية في السويداء، من خلال التسليح والتمويل، في محاولة لترسيخ بنية أمنية بديلة تُبقي الجنوب مرتبطًا بالوصاية الإسرائيلية، وتحدّ من قدرة الدولة السورية على بسط سيادتها الكاملة على أراضيها. من هذا المنظور، تبدو خريطة طريق السويداء مزدوجة الأثر بالنسبة إلى إسرائيل، فهي تمنحها هدوءًا ميدانيًا مؤقتًا، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام عودة تدريجية للدور المركزي للحكومة السورية. ويتناقض هذا المسار مع المقاربة التي اتبعتها إسرائيل في فترة ما بعد سقوط نظام الأسد؛ إذ سعت من خلالها إلى إضعاف الدولة السورية ومنع إعادة تماسكها الوطني، ما يفسر استمرار تل أبيب في الجمع بين المشاركة في المفاوضات من جهة، والحفاظ على أدوات الضغط العسكري والسياسي من جهة أخرى.
تحدّيات تواجه تطبيق خريطة الطريق
يواجه تنفيذ خريطة الطريق هذه عدة تحديات؛ أبرزها: (1): أعلنت اللجنة القانونية العليا في السويداء رفض الاتفاقية، متهمةً الحكومة السورية بالتنصّل من مسؤوليتها تجاه ما جرى، ومطالبةً باستقلال المحافظة أو إدارة شؤونها ذاتيًا.
(2): القدرة على إجراء تحقيقٍ كاملٍ وشفاف، والقدرة على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من كل الأطراف، وهي مسألة قد لا ترضي كل الأطراف وتبقي جذوة الأزمة قائمة.
(3): على الرغم من أن بعض البنود يمكن تطبيقها، فإن هناك بنودًا أخرى تشتمل على تعقيداتٍ كثيرة؛ إذ يجمع النصّ بين عباراتٍ متناقضة وفضفاضة، مثل “الإدماج الكامل في الدولة السورية”، وتشكيل مجلس محافظة يمثّل كل مكوّنات المجتمع المحلي و”يتعاون” مع الحكومة السورية؛ أي الإقرار بلامركزية إدارية موسّعة في السويداء.
(4): الموقف الإسرائيلي ومدى جدّية الولايات المتحدة في ضبط السلوك الإسرائيلي في سورية.
(5): موقف شبكات الحرب ومهرّبي المخدرات، الذين سيسعون إلى تخريب هذه الاتفاقية؛ لأن تطبيقها يؤدّي إلى تضرّر مصالحهم، وهم يستفيدون من الفوضى، وقد يسعون إلى تنفيذ عمليات اغتيال أو خطف.
(6): قد يؤدّي أي خلل في تطبيق أحد البنود إلى انهيار الاتفاقية، والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع.
خاتمة
رغم التوصل إلى خريطة طريق لحل أزمة السويداء، يبقى الوضع في المحافظة مفتوحًا على كل الاحتمالات من النجاح في إنشاء نموذج حكم محلي، إلى عودة المواجهات العسكرية بين مختلف القوى المحلية، وحتى التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر. وترى قوى قريبة من حكومة دمشق أن الخريطة ربما تضمّنت نقاطاً تخلّ بالسيادة السورية وتنتقص منها، مثل دعوة لجنة التحقيق الدولية إلى التحقيق، بدلًا من لجنة محلية، والإشراف الأردني – الأميركي على تنفيذ عديدٍ من بنودها، ولا سيما المشاركة في ترتيبات الأمن والإدارة، والإشراف على الوساطة بين الأطراف المحلية في السويداء. وتتزايد المخاوف من أن تمثل الخريطة جزءًا من ترتيباتٍ أوسع في الجنوب السوري، تتمثل في اتفاقياتٍ أمنيةٍ تحدّ من سيادة الدولة، وتصبّ في مصلحة إسرائيل؛ ما يجعل المشهد المستقبلي في السويداء مرتبطًا بتوافقاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ أكثر من كونه خلاصة تفاهماتٍ بين الحكومة وفئات مختلفة من الشعب السوري، تخشى التهميش والتعامل معها بوصفها أقليات، ما يفتح المجال لتدخّلاتٍ خارجية. ولا بدّ من التأكيد أن أي ترتيبات دولية أو إقليمية لا تُغني عن سياسة سورية داخلية قوامها المساواة في الحقوق بين جميع أطياف الشعب السوري، بحيث ينعكس ذلك في مؤسّسات الدولة كلها، بما فيها الجيش والأمن.
——————————
السويداء بعد الاتفاق الثلاثي وفي أثنائه/ حسين عبد العزيز
23 سبتمبر 2025
منذ أحداث السويداء الدامية في يوليو/تموز الماضي، تعيش سورية حالة من الهدوء السياسي والعسكري، باستثناء الغارات والتوغلات الإسرائيلية التي أصبحت متقطعة، وهي حالة تحتاجها البلاد بشدة من أجل إيجاد حلول خلّاقة للملفات العالقة والقابلة للانفجار في أية لحظة إذا ما توفّرت لها شروط الفعل. أخطر هذه الملفات ملف السويداء. غير أن النظر بروية للمشهد الحالي في سورية، يجعلنا نُدرك أن هذا الستاتيكو/ السكون السياسي ـ الاجتماعي لم يؤدِّ إلى إيجاد الحلول المرجوّة لهذا الملف.
الاتفاق الثلاثي والموقف منه
شكل الاتفاق الثلاثي الذي وقع في دمشق بين سورية والأردن والولايات المتحدة خطوة متقدّمة في مسار إيجاد حل للسويداء يحظى بدعم عربي ودولي، وهو ما ظهر جلياً في تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الذي قال “الخطة الثلاثية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية المدنيين”، ثم في تصريحات المبعوث الأميركي توماس برّاك الذي شدد على “التزام الولايات المتحدة بدعم الحكومة السورية لتحقيق الأمن والاستقرار، مع تعزيز الثقة والتسامح في المجتمع المحلي”.
أهمية هذا الاتفاق الثلاثي أنه وضع خريطة طريق لحل ملف السويداء تحت عناوين ثلاثة: عودة الثقة بين الدولة والمجتمع، حفظ أمن المحافظة وحقوق مواطنيها، رفض أي تدخل خارجي في الجنوب السوري. ولتحقيق هذه العناوين، نص الاتفاق على دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق المستقلة الدولية التحقيق في أحداث السويداء، التزام الحكومة السورية بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات، وإعادة الخدمات الأساسية في المحافظة، مع دعم الأردن والولايات المتحدة لتأمين التمويل الدولي اللازم، وسحب المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية للسويداء، ونشر قوات شرطية مدرّبة، وتمكين سكان القرى المتضررة من العودة، إعلان الحكومة خططها لإعادة بناء القرى والممتلكات المتضرّرة، تشكيل قوة شرطية محلية تضم جميع المجتمعات تحت قيادة شخصية محلية تعينها وزارة الداخلية، على أن تحدد المفاوضات تركيبة هذه القوة وتكوينها.
من الواضح أن بعض بنود الاتفاق فُرضت فرضاً على دمشق من الولايات المتحدة، فهي لا تستقيم مع رؤية الرئيس الشرع وحكومته حول مركزة السلطة، وبنظرة محايدة يمكن القول إن الاتفاق يمثل منزلة بين المنزلتين، أو حلاً وسطاً بين دمشق والسويداء، فهو يجعل التحقيق في حوادث يوليو منوطاً بلجنة دولية لا بلجنة تابعة للحكومة السورية، وهو يجعل أيضاً مسؤولية الأمن في المحافظة مشتركة بين الدروز ووزارة الداخلية، ويمنع دخول أي قوة عسكرية إلى المحافظة من دون التوافق مع مشايخ العقل، وفي مقدمتهم شيخ العقل حكمت الهجري. غير أن “اللجنة القانونية العليا في السويداء” (شكلها الهجري أخيراً ورفضت الاتفاق الثلاثي، تحت عنوان أنه يتضمن تناقضات صارخة وتنصلاً من المسؤولية، ومنها أن دعوة لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسورية بالتوازي مع تأكيد المحاسبة وفق القانون السوري يفرّغ العدالة الدولية من مضمونها.
هذا موقف مسبق مبني على الظنون النفسية، ولا يخضع لاعتبارات موضوعية، طالما أن الحكم سيكون بيد لجنة التحقيق الدولية، ومن الطبيعي أن تكون المحاكمة داخل سورية ووفق القانون السوري، إلا إذا كان الهجري يريد محكمة دولية على غرار محكمة رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، وهو مطلب ميتا ـ واقعي غير مطروح على المستويين العربي والدولي.
وما ينقل ملف السويداء من المستوى الوطني إلى المستوى الانفصالي، هو رفض “اللجنة القانونية العليا في السويداء” لتشكيل مجالس محلية من أبناء السويداء وحدهم، وقوات شرطية مشتركة من وزارة الداخلية ومن أهالي السويداء ممن يختارهم مشايخ العقل من الدروز.
جاء الرفض تحت عنوان ما سمته “اللجنة القانونية العليا” الحق القانوني والأخلاقي لأبناء السويداء في تقرير مصيرهم بحرية واستقلال، سواء عبر صيغة إدارة ذاتية أو حتى الانفصال.
لم يكن مفاجئاً لأي مراقب موقف الهجري الرافض لاتفاق عمّان الثلاثي الموقع في دمشق، ليس لأنه لا يقبل بأقل من الحكم الذاتي لمحافظة السويداء فحسب، بل لأنه لم يكن شريكاً في الاتفاق أيضاً، وهذه ثغرة مهمة في الاتفاق الثلاثي، فوجود ممثل للهجري وللشيخين الحناوي وجربوع سيجعل أي اتفاق يتم التوصل إليه مُلزماً للجميع.
لكن يبدو أن الشرع لم يرد ذلك حتى لا يجعل من الهجري نداً لدمشق من جهة، ولقناعته بأن حل الملفات السورية الداخلية العالقة لا يتم إلا بالخارج (الولايات المتحدة) ومنها محافظة السويداء الخاضعة للحماية الإسرائيلية من جهة ثانية، وأول دلالات ذلك، إعلان وزارة الداخلية السورية استحداث منصب قائد الأمن الداخلي في مدينة السويداء، وعينت فيه قائداً محلياً درزياً لا يحظى بتأييد الهجري، وهو سليمان عبد الباقي قائد فصيل “أحرار جبل العرب” المعروف بموقفه القريب من السلطة في دمشق على غرار الشيخ ليث البلعوس.
وليس مصادفة أن تنجح قوى الأمن الداخلي في السويداء وريف دمشق بتحرير عدد من أبناء المحافظة الذين كانوا مختطفين في اليوم ذاته الذي تم فيه تعيين سليمان عبد الباقي الذي سرعان ما دعا الدروز إلى الانضمام للأمن العام. ومع أن قرار تعيين عبد الباقي يعتبر أحادي الجانب، أي من دون موافقة الهجري، فإن اختيار شخصية درزية معروفة بموقفها المناهض للأسد زمن النظام السابق، خطوة ذكية ومهمة، لأنها ستحدث انقساماً داخل الصف الدرزي بين مؤيد ورافض له، والأهم أن الشرع سحب أول بساط من تحد أقدام الهجري بالرضوخ لمطلبه أن تكون مسؤولية الأمن في المحافظة من حصة الدروز.
إسرائيل بين دمشق والسويداء
على الرغم من أن المفاوضات بين سورية وإسرائيل مرتبطة بمصير الجولان وبوجود القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري بعد “8 ديسمبر”، إلا أنه لا يمكن استبعاد ملف السويداء عن هذه المفاوضات، ليس لأن نتنياهو أكد التزامه بحماية دروز سورية، بل لأن أي اتفاق سوري إسرائيلي سينعكس سلباً على السويداء من منظور الهجري.
قبل نحو شهر أبلغ شيخ عقل الدروز في إسرائيل موفق طريف شخصياً الشيخ الهجري بأن إسرائيل لن تدعم خططه في الانفصال، لكن الهجري الذي كان يعول على فشل المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية استمر بموقفه التصعيدي، فبعد يومين من اتفاق عمّان، انطلقت في السويداء وتحت رعايته فعاليات الحملة الميدانية لحق تقرير المصير للمحافظة، ثم أعقب ذلك بتصريح له أعلن فيه رفضه التام التفاوض مع دمشق.
وما يلفت الانتباه ويطرح تساؤلات عديدة، لماذا يستمر الهجري في تصعيد خطابه بعيد اتفاق عمّان الذي توجد فيه الولايات المتحدة ويحظى بدعم عربي ودولي، وبعيد ورود تقارير عن اقتراب حدوث اتفاق بين سورية وإسرائيل؟
بلغة السياسة، لا يبدو موقف الهجري مفهوماً، اللهم إلا إذا كانت إسرائيل وراء ذلك، أي منحه تطمينات إسرائيلية من أجل الاستمرار في خطابه المتشدد، لكن هذا التحليل تدحضه المعطيات على أرض الواقع، فالاتفاق مع دمشق حول السويداء جاء مع الأميركيين مباشرة وبمشاركة أردنية، ولم يأت في سياق التفاوض السوري ـ الإسرائيلي، ومعنى ذلك أن إسرائيل لا تقيم وزناً حقيقياً بالمعنى الاستراتيجي للسويداء كما توقع الشيخ حكمت الهجري، بقدر ما كان ملفاً استخدمته إسرائيل ورقة ضد الشرع، وهذه رسالة إسرائيلية لم يلتقطها الهجري الذي أثبت سذاجة سياسية منقطعة النظير، وما زال غير قادر على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية الحاصلة حيال ملف السويداء.
وما يؤكد أن التطورات الحاصلة تسير في صالح دمشق وليس في صالح الهجري ومعاونيه، هو التسريبات التي نشرها موقع “نتسيف” العبري نقلاً عن دوائر أمنية إسرائيلية تقول إن أن الاتفاق السوري ـ الإسرائيلي يتضمن تعهداً إسرائيلياً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، والاعتراف بحكومة الشرع التي سوف تعمل، حسب الاتفاق، على بناء نسيج وطني يضمن مشاركة الأقليات بالحياة السياسية في البلاد في إطار سوريا موحدة.
معنى ذلك، أن ملف السويداء أصبح معزولاً عن أي تدخل خارجي، وأصبح ملفا سورياً ـ سورياً، الغلبة ستكون لمنطق الدولة، مهما كان رأينا في هذه الدولة. وبطبيعة الحال لن تقدّم إسرائيل تنازلاً مجّانياً لسورية إلا إذا حصلت على ثمن أكبر، وهذا الثمن وفقاً للموقع العبري، هو بقاء الجيش الإسرائيلي في نقطتين على جبل الشيخ والانسحاب من باقي النقاط، وأن يُترك مصير الجولان إلى المستقبل.
سيناريوهات محتملة
بناء على التطورات السابقة، يمكن القول إن ملفّ السويداء فقد حمولته الخارجية، لكنه لم يفقد حمولته الداخلية إلى حد ما، بمعنى أن ثمة قوى مهمة من دروز السويداء ودروز جرمانا وصحنايا في محيط دمشق، تؤيد مواقف الهجري، وهم يمتلكون مقاتلين أشداء.
وأمام هذا الوضع ثمة ثلاثة سيناريوهات للحل في السويداء: الأول، معالجة أمنية للسويداء من خلال شخصيات أمنية درزية وفي مقدمهم سليمان عبد الباقي رئيساً لقوى الأمن في المحافظة، مع تأمين كل مستلزمات الدعم المادية له من وزارتي الدفاع والداخلية لإحداث انقلاب في موازين القوة داخل المحافظة، مدعوماً بالسكان السُنة القليلين وبعدد ليس بالقليل من أهلنا الدروز.
الثاني، معالجة أمنية ـ سياسية، تضم في جانبها الأمني ما ذكرناه أعلاه، وتضم في جانبها السياسي فتح باب الحوار مع الهجري وتياره، على أمل التوصل إلى اتفاق يرضي الجميع، وإن تطلب الأمر وقتاً طويلاً.
الثالث، استخدام القوة العسكرية اللازمة لإخضاع المحافظة بالقوة، وهو سيناريو بعيد الاحتمال ومخاطره كبيرة، ولا يستقيم مع الوضع الداخلي المتشنج في عموم سورية.
ويبدو أن حكام سورية الحاليين تعلموا من درسي الساحل والسويداء، بالعمل على إيجاد تحالفات في داخل الطائفة الدرزية ممن هم مؤمنون بوحدة سورية وبدولة ديمقراطية قائمة على المواطنة الجامعة، في وقت الاستمرار بتقديم خطاب سياسي رسمي تصالحي تجاه السويداء على أمل إحداث تغيير في المزاج الشعبي.
العربي الجديد
——————————————
ما بعد خريطة الطريق للسويداء/ بشير البكر
23 سبتمبر 2025
توقيع خريطة الطريق للحل في السويداء خطوة أولى، على طريق معالجة تداعيات الأحداث الدامية التي عصفت بالمحافظة في 13 يوليو/تموز الماضي، واستمرّت أياماً، وانتهت إلى نتائج كارثية. جاء على قدر من الأهمية النص إن محافظة السويداء جزء أصيل من سورية، ولا مستقبل لها خارجها، ليضع حدّاً لدعوات الانفصال وأحلامه، ولذا جرى التركيز على إعادة الإدماج الكامل للمحافظة في الدولة السورية. وما يبعث على الاطمئنان أن الخريطة ألقت على عاتق الحكومة السورية مسؤولية لجنة دولية مستقلة، لإجراء تحقيقٍ في الأحداث، ووضعت الحدث ضمن مسار سياسي لتعزيز عملية سياسية شاملة، بقيادة سورية، تعيد بناء المؤسّسات السورية، وتضمن تمثيل جميع السوريين فيها، وتحتفي بتعدّدية المجتمع السوري وتضمن المساواة بين جميع السوريين، بموجب القانون وعلى أساس المواطنة، وهذه إحالة صريحة إلى بنود قرار مجلس الأمن 2254، الخاص بعملية نقل السلطة.
لم يكن ممكناً التوصل إلى هذه الخريطة لولا وجود أمرين أساسيين. الأول إبداء مرونة من السلطة السورية، التي تجاوبت مع مساعي الحل والتهدئة، وقد صرح رئيس الدولة أحمد الشرع للفضائية السورية إن الأطراف جميعها أخطأت بما فيها الدولة. أي معها العشائر، وشيخ العقل حكمت الهجري، والفصائل التي يقودها. ويعكس ذلك إدراكاً لحجم الأزمة، وعدم التهرّب من مسؤولية الأجهزة الرسمية، وهذا تعهّد من أعلى مسؤول رسمي بقبول مبدأ محاسبة المخطئين من الجيش والأمن. الثاني استمرار الولايات المتحدة والأردن في دعم جهود التسوية وتطويق ذيول الأزمة، من خلال آلية لجنة المتابعة الثلاثية التي تشكلت في أغسطس/ آب الماضي خلال اجتماع عمّان بين وزيري خارجية الأردن أيمن الصفدي وسورية أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي توم برّاك. وفي حينه، تعهدت اللجنة بالتوصل إلى أسس تضمن أمن سورية، واستقرارها وسيادتها ووحدتها وعدم التدخل بشؤونها، والعمل على جملة إجراءات متدرّجة من أجل تسوية مستدامة.
هناك خطوات أخرى حتى تعود المياه إلى مجاريها، الأولى أن تلتزم الأطراف المحلية بتنفيذ بنود خريطة الطريق. ويشكّل تفعيل عمل لجنة تحقيق دولية مستقلة عاملاً أساسياً، فهي تستطيع أن تحدّد المسؤوليات، وطرق محاسبة الذين ارتكبوا تجاوزات من الأطراف كافة. وتحقيق العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب أمران أساسيان لتحقيق تسوية دائمة للوضع في السويداء، ومن شأن إرسال لجنة مهنية تحظى بالمصداقية أن يحدد المسؤوليات، ويضع حداً للشائعات والأخبار الزائفة، وتبادل الاتهامات، وتفنيد التضخيم الذي انتشر بقوة. وهذا امتحان للدولة قبل بقية الأطراف، وفرصة لها كي تبرهن أنها على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، ولا تميّز بين منتسبي الأجهزة والمواطنين.
الخطوة الثانية أن يكمل الراعيان، المساعدان على الاتفاق، الولايات المتحدة والأردن، مساعيهما، ويكثفا جهودهما إلى التوفيق ما بين السوريين، وتبدو مسؤوليات واشنطن وعمّان مضاعفة، ويرتقي دورهما إلى الشراكة، من منطلق حرصهما على ترسيخ مبدأي المصالحة والسلم الأهلي على كامل الجغرافية السورية، واهتمامهما بتحقيق الاستقرار بسورية.
والخطوة الثالثة أن تمارس الولايات المتحدة ضغطها على إسرائيل كي تتوقّف عن العبث بالساحة الداخلية السورية، وما لم يحصل ذلك ستظل محافظة السويداء ورقة، تلعب بها دولة الاحتلال من اجل هزّ استقرار سورية، وابتزاز السلطة لتقديم تنازلات بصدد توقيع اتفاق أمنى يتحول فيه الجنوب السوري إلى منطقة عازلة، تحتفظ فيها إسرائيل بالنفوذ وسلطة القرار، وتجرّد الدولة السورية من كل مقومات السيادة. ومن المأمول أن تتم ترجمة العنوان العريض “خريطة طريق لحل الأزمة في السويداء واستقرار الجنوب” إلى إجراءات ملموسة، أولها وقف العبث الإسرائيلي في الشأن السوري، واحترام وحدة الشعب والتراب السوريين، ويتطلب ذلك خطوات عاجلة لتطبيق ما نصت عليه الاتفاقية “إنهاء التدخل الخارجي في محافظة السويداء”.
تبقى عقبة أساسية في طريق التنفيذ التام لخريطة الطريق، تتمثل في رفضها، الذي صدر عن الشيخ حكمت الهجري. ورغم أن موقفه لا يمثل إجماعاً داخل الطائفة الدرزية في محافظة السويداء وخارجها، فإنه لا يزال يتصرّف كأنه زعيم أوحد مفوّض للحديث باسم المحافظة، ويواصل التمسّك بأطروحة الانفصال، وإنشاء كيان مستقل بدعم من إسرائيل. وبناء على ذلك صار واضحاً أن حل هذه العقدة ملقى على عاتق أصحاب القرار والرأي ونخب المحافظة، لأن بقاءها على هذا النحو لا يعطل الاتفاق فقط، بل يحول دون عودة المحافظة إلى سورية.
العربي الجديد
—————————–
هل بتنا أمام “أوسلو جديدة” في الجنوب السوري؟/ مروان قبلان
24 سبتمبر 2025
رغم أن الاتفاق الأمني الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه على سورية، يتمثل، أو يحيل، بحسب موقع أكسيوس الإخباري الأميركي، إلى الترتيبات التي اتفقت عليها إسرائيل مع مصر في سيناء بموجب معاهدة السلام (1979)، أي تقسيم الجنوب السوري إلى مناطق، بحسب القدرات العسكرية المسموح وجودها فيها، إلا أن المقترح الإسرائيلي، يعبر، برأيي، أكثر عن روحية اتفاق أوسلو، الذي أبرمته منظّمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عام 1993، وجرت مراسم توقيعه في واشنطن تماماً قبل 32 عاماً. فعدا أن مصر استعادت في اتفاقاتها مع إسرائيل سيناء كاملة (بما في ذلك جيب طابا الصغير)، في مقابل سكوت سورية، في مقترح الاتفاق الأمني الذي تعرضه إسرائيل، عن الجولان المحتل عام 1967، والإقرار فوق ذلك باحتفاظها بأجزاء من الأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، (قمة جبل الشيخ وتل الحارة) بذرائع أمنية واهية، فإن قبول مناقشة الإدارة التي “حرّرت” السوريين من سلطة الأسد، وصارت، من ثم، “تقرّر” مصير البلاد نيابة عنهم، مناقشة المقترح الإسرائيلي، يعطي انطباعا بأن همّها الأول هنا انتزاع اعتراف إسرائيلي بها، والتسليم بسلطتها، لقاء التخلي عن أجزاء من الأرض السورية، ونزع سيادتها كليّاً عن أجزاء أخرى، دع جانبا مسألة الأجواء، حيث يحظر مقترح الاتفاق الإسرائيلي على أي طيران سوري، بما في ذلك المروحي، التحليق فوق مناطق الجنوب ابتداءً من حدود مدينة دمشق الإدارية. ويعدّ هذا العرض حتى أقل من مناطق حظر الطيران التي فرضها التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، فوق جنوب العراق وشماله، عقب ما سميت “الانتفاضة الشعبانية” (تمرّد الكرد في الشمال والشيعة في المحافظات الجنوبية) ضد نظام الرئيس صدّام حسين بعد هزيمة العراق في حرب “تحرير الكويت”، حيث سمح التحالف للطيران المروحي العراقي بحرّية الحركة فوق أجواء العراق، خلاف الطيران الحربي. المفارقة، هنا، أن صاحب الحقّ ينشد اعترافاً به من المُعتدي، في مقابل أن يسامحه بحقه، وهذه أيضاً نقطة تشابه أخرى مع “أوسلو”. وإمعانا في الخذلان، توحي الأجواء السائدة أن دمشق تتّجه، في حال إبرام الاتفاق، إلى الاحتفاء به على أنه إنجاز، كما حصل عام 1967، عندما خسرنا الأرض، لكن خسارة إسرائيل كانت أكبر، بزعمنا، كونها “فشلت” حينها في إسقاط النظام (!).
أوجه الشبه بـ”أوسلو لا تقتصر فقط على مساعي منظّمة التحرير الحصول على اعترافٍ إسرائيلي بسلطتها، ولو على جزء من فلسطين، بل قبلت، فوق ذلك، أن تكون سلطة منزوعة السيادة، لا تكتفي بالعمل، كما تفعل دول الجوار العربي، بما فيها نظام الأسد البائد، حارساً لحدود إسرائيل، بل تحوّلت عمليًا إلى جهاز أمني يعمل لصالحها، ينسّق معها في ضبط السكان المدنيين، يمنع تهريب السلاح، ويحبط أي عملية مقاومة ضدها، وهو عين المطلوب من سلطة دمشق أيضا، وفوقه، السماح لإسرائيل بحرية الحركة لضرب أي تهديد أمني محتمل انطلاقه من أراضي السلطة السورية. جرى في “أوسلو”، كذلك، تقسيم أراضي السلطة الفلسطينية إلى مناطق متمايزة (A, B, C) تتفاوت فيها السيطرة بحسب أهميتها لإسرائيل، بحيث تترك للسلطة الفلسطينية السيطرة، بما فيها الأمنية، على الكتل السكانية الكبيرة، فيما يبقى الجزء الأكبر من أراضي الضفة الغربية تحت السيطرة الأمنية المباشرة أو غير المباشرة لإسرائيل. وفي نهاية المطاف، ستضم إسرائيل هذه المناطق، على الأرجح، وهو احتمال مرجّحٌ حدوثه أيضا في بعض مناطق الجنوب السوري الأقرب إلى الحدود مع إسرائيل.
هذا تماماً جوهر مقترح إسرائيل الأمني الذي تعرضه على حكومة دمشق لقاء الاعتراف بها، وتركها تحكم. وقد تحسب الإدارة السورية أن لا مفر أمامها من قبوله من أجل الاستمرار في السلطة. هذا وهم، فما تقدّمه إسرائيل ليس إلا مقترحاً مسموماً سوف يضرب شرعية إدارة أحمد الشرع في الصميم، ويحوّلها إلى سلطة فاقدة للسيادة، تماماً كما سلطة محمود عبّاس. يجب أن نتفق، بالنتيجة، أن شرعية الحكم لا تأتي إلا من الداخل، وأن البقاء في السلطة يعتمد على الشعب ومرهونٌ بإرادته، وليس بإرادة خارجية. هذا يعني أن هناك بديلاً حقيقياً لاتفاق الإذعان الذي تعرضه إسرائيل، ويتمثل في وقف المفاوضات غير المتكافئة معها فوراً، والالتفات إلى الداخل لإيجاد إجماع وطني حول متطلبات المرحلة الانتقالية، وتوحيد الجبهة الداخلية وتعزيز قوى سورية الذاتية، والانطلاق بعدها إلى مفاوضاتٍ تكون فيها مواقعنا أفضل. خلاف ذلك يعني فقط أننا استبدلنا الإذعان لمستبدٍّ بالإذعان لمحتل.
العربي الجديد
————————–
اتفاقية أمنية سورية إسرائيلية: هل تُرضي نتنياهو؟
22 – سبتمبر – 2025
اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المحادثات التي تجريها دولة الاحتلال مع الحكومة الانتقالية في سوريا أحرزت «بعض التقدم» حتى الساعة، مضيفاً بأن «الطريق لا يزال طويلاً» في هذا المسار. وإذا كان قد تقصد إحاطة تصريحاته هذه بنبرة تحفظ لعلها تستبق احتمالات ضغوط أمريكية مقبلة تستهدف التوصل إلى صيغة اتفاقية أمنية تشبه أو تسير على غرار اتفاقية فصل القوات لعام 1974، فإنه في الآن ذاته حرص على ردّ السياق إلى «انتصارات لم تكن تخطر على البال» حققتها دولة الاحتلال في المنطقة.
ولم يعد سراً أن سلسلة مباحثات مباشرة سرية أو معلنة جرت في عواصم عديدة إقليمية وعالمية بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، كثير منها كان برعاية المبعوث الأمريكي توماس براك. كذلك بات مكشوفاً الآن أن دولة الاحتلال فوجئت بسقوط نظام «الحركة التصحيحية» على نحو سريع ومباغت، ولم تكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على دراية بالتطورات التي تلاحقت، أو كانت متحسبة لها على الأقل، الأمر الذي انطوى على تعديل سريع بدوره لقواعد اشتباك قديمة مع النظام السوري البائد ظلت راسخة خلال 54 سنة.
فمن جانب أول اعتادت دولة الاحتلال أن تقصف في سائر الأراضي السورية، خاصة تلك التي كانت تعود مباشرة للحرس الثوري الإيراني أو لميليشيات تابعة لطهران، ومن جانب ثان ظل جيش النظام بمثابة حارس للاحتلال الإسرائيلي في الجولان، منشغل أيضاً بقمع انتفاضة الشعب السوري، وبالتالي كان سقوط نظام الأسدين بمثابة خسارة لدولة الاحتلال.
بذلك لم يكن غريباً أن تبدأ أولى قواعد الاشتباك الإسرائيلية الجديدة من عمليات قصف منهجية ومنتظمة تستهدف تدمير ما تبقى في الترسانة العسكرية السورية من أسلحة صاروخية ومدفعية ثقيلة، وأن تتوزع القواعد الأخرى على إسقاط متعاقب لاتفاقية 1974 والتوغل في المنطقة العازلة واحتلال مساحات جديدة في محيط جبل الشيخ والقنيطرة، ووصولاً إلى التدخل في الاشتباكات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء بما يشجع على صيغة انفصالية للدروز في الجنوب السوري تتولى تحريكها مجموعات مسلحة تابعة للشيخ حكمت الهجري، برعاية وإشراف شيخ عقل الدروز في دولة الاحتلال.
وفي الطور الراهن من هذه المعادلة بين دمشق وتل أبيب، يلوح أن أبرز العوائق أمام الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة هي وجود توجّه لدى غالبية عظمى إقليمية وعالمية، والإدارة الأمريكية ذاتها أيضاً، في منح سوريا الجديدة فرصة الاستقرار والتحول وإعادة الإعمار. عقبة أخرى هي أن مقاربة الحكومة السورية لهذه الملفات الشائكة اعتمدت عدم توفير الذرائع للحكومة الإسرائيلية كي تذهب أبعد في التصعيد العسكري، وربما الشروع في احتلال مساحات أوسع على امتداد جنوب سوريا، أو الانتقال بمستويات إذكاء التوتير على الساحة الدرزية إلى طرائق أشد خبثاً وخطورة.
وبهذه المعاني وسواها قد لا يكون نتنياهو سعيداً بالتوصل إلى اتفاقية أمنية جدية مع سوريا، خاصة وأنها لن تفضي إلى صياغات تطبيعية، ولعله يفضل الإبقاء على معادلة الأمر الواقع، ومواصلة سياسات في القصف والعربدة والتدخل تتلاءم أكثر مع شخصيته كمجرم حرب مدان حسب القانون الدولي.
القدس العربي
———————————-
“الاتفاق الثلاثي” حول السويداء.. أزمة “محافظة” أم الاستعصاء الوطني العام؟/ فيصل علوش
22 سبتمبر 2025
تضمن الاتفاق الثلاثي الذي تم الإعلان عنه بشأن “السويداء” العديد من النقاط والخطوات التي يمكن أن تنعكس في شكل إيجابي لصالح حل الأزمة وتجاوز مضاعفاتها، في حال صدقت النوايا وتُرجِمت البنود المعلنة إلى خطوات فعلية على الأرض، من قبيل تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للنظر في الانتهاكات المرتكبة واتخاذ الإجراءات القانونية الواجبة لمحاسبة مرتكبيها، تأمين طريق دمشق ــ السويداء، سحب كل المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، ونشر قوات شرطية مؤهلة ومدربة ومنضبطة على حدودها الإدارية، (وفي هذا البند إقرار ضمني بمسؤولية الحكومة السورية سواءً عن نشر المسلحين المدنيين، أم عن استخدام قوات شرطية غير “مؤهلة ومدربة ومنضبطة”، وما يمكن أن يعنيه ذلك لجهة الارتكابات والانتهاكات التي حصلت). إضافة إلى إيصال المساعدات الإنسانية والطبية للمحافظة، والعمل من أجل إعادة الخدمات الأساسية إليها.
وكان من الطريف أن ينص أحد بنود الاتفاق على أن “الدول الثلاث ستدعم جهود (…) لاستكمال إطلاق المحتجزين والمختطفين وتسريع عملية التبادل”، إذ تبدو هنا “الدولة السورية” وكأنها طرف محايد في هذا الشأن، (مثلها مثل الأردن وأمريكا)، في حين أن الجزء الأعظم من هذا “الملف” يقع تنفيذه على عاتق الحكومة السورية وحدها!
وفي المقابل، فقد قدم الاتفاق مكسبًا مهمًا للحكومة السورية حين أكد على وحدة سوريا، وعلى أن “محافظة السويداء جزء أصيل منها، ولا مستقبل لها خارجها”، فمثل هذا النص يُفترض أن يقطع الطريق على النزعة الانفصالية في المحافظة، لأنه يعني، ببساطة، أن مسألة التقسيم ليست واردة في حسابات الإدارة الأميركية، وهو ما يمكن استنتاجه أيضًا من تصريحات معظم المسؤولين الأميركيين تجاه سورية. وعليه، فقد كان على الجهات المعنية في السويداء، (التي يقع على عاتقها مسؤولية أخلاقية وسياسية تاريخية)، أن لا تسارع إلى رفض الاتفاق، لأن ذلك لن يكون في صالحها، وسيظهرها كالطرف المتعنت الذي لا يريد التوصل لأيّ حل للمشكلة القائمة، وسيقوي، تاليًا، من موقف السلطة، ويدعم سرديتها تجاه الأزمة، إذ لطالما تم التذرع برفض أهل السويداء للحلول المقترحة لتبرير التجاوزات والانتهاكات بحقهم.
اتفاق خاص أم عام؟
وعلى العموم، فقد بدا الاتفاق وكأنه يتأرجح بين حديّن؛ أحدهما كونه اتفاقًا خاصًا بمحافظة السويداء وحدها، وثانيهما كونه أقرب إلى “مقاربة” تصلح لمعالجة الأزمة الوطنية العامة في سوريا ككل، (وهو ما كان ينبغي التركيز عليه في الواقع)، إذ ليست أزمة السويداء، في النتيجة، سوى واحدة من تجليات تلك الأزمة العامة، (وإن كانت إحدى نتائجها الأفدح حتى الآن)، وذلك بعد إخفاق السلطات السورية في إدارة مرحلة الانتقال السياسي على نحو آمن وسلمي، بل ودفع البلاد إلى أتون الحرب والفوضى والمزيد من التفكك والدمار، وإيصالها إلى شفا الحرب الأهلية التي قد لا تبقي ولا تذر.
نقف على هذه “المقاربة” العامة من خلال الديباجة أو المقدمة التي تضمنها الاتفاق، والتي تعبر عن مضمون وروحية القرار الأممي 2254 ، وإن لم تفصح عن ذلك صراحة، حيث نصّت على أن الدول الثلاث ستعمل، (وبالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين)، على “تعزيز عملية سياسية شاملة، بقيادة سوريّة، (وليس بقيادة الحكومة السورية)، تعيد بناء المؤسسات السورية وتضمن تمثيل جميع السوريين فيها، وتحتفي بتعددية المجتمع السوري وتضمن المساواة بين جميع السوريين بموجب القانون وعلى أساس المواطنة”. فمثل هذا الكلام يُحيل إلى “خارطة طريق” لحل سياسي شامل في سوريا، وليس للأزمة في السويداء فحسب.
وحسب “المقاربة العامة” هذه، تكون السلطة السورية الانتقالية أحد الأطراف المشمولة التي يقع على عاتقها الانخراط في “العملية السياسية الشاملة”، والتفاهم مع بقية الأطراف السورية لإنجازها، أي أنها تجرد “السلطة” من الصلاحيات التي منحتها لنفسها وفق الإعلان الدستوري، وتضعها على قدم المساواة مع بقية الأطراف والقوى السورية التي عليها أن تعمل جميعًا، تحت وصاية أطراف خارجية، للوصول الى حل سياسي شامل يضمن تمثيل جميع السوريين. ويشير الاتفاق علانية إلى إشراف أميركي وأردني، (إضافة إلى غيرهما من الشركاء الإقليميين والدوليين، وخاصة إسرائيل/ الغائب ــ الحاضر الأكبر في هذا الاتفاق)، ودعم هذه الدول لمساعدة الحكومة السورية على تجاوز التحديات التي تواجه هذه العملية.
تناقضات الاتفاق
ولكن ما نصّ عليه الاتفاق، في إطاره العام، يتناقض مع ما جاء في أماكن أخرى، مثل قوله بأن الحكومة السورية ستعمل على “تكريس سردية وطنية تحتفي بالوحدة والتعددية والمساواة بين جميع السوريين وسيادة القانون، وإنهاء خطاب الكراهية الذي يروج للانقسام والعنف والطائفية والتمييز العرقي والطائفي، بما في ذلك اعتماد التشريعات التي تجرم خطاب الكراهية”. فهنا يعوّل الاتفاق على الإدارة السورية أن تعود إلى إدارة التنوع والتعددية في المجتمع السوري على نحو صحيح، والبدء ببناء دولة المواطنة المتساوية بين السوريين، مع أن كثيرًا من السوريين يعتبرون أنها لو تمكنت من ذلك، لما برزت واستفحلت الأزمة في السويداء، وقبلها في الساحل السوري، والتي قد تكون مرشحة للتكرار مجددًا، وربما على نحو أفدح وأسوأ من سابقاتها في شمال شرقي سوريا.
يضاف إلى ذلك، أنّ التشريعات الخاصة بتجريم خطاب الكراهية موجودة ومنصوص عليها في القوانين الجزائية السورية، وليست بحاجة سوى إلى إعادة تفعيل والتشدد في تطبيقها، وهو ما لم تكن ترغبه السلطة كما يبدو، سيما وأنّ أغلب مسؤوليها ورموزها والمدافعين عنها يلجؤون إلى هذا الخطاب في تعبئة الناس وتجييشهم، وخصوصًا قبل وأثناء الدعوة إلى “النفير العام” وتحشيد الفزعات والعشائر والبدو ضد مناطق الساحل ومن ثم السويداء. وقد استمر هذا الخطاب على لسان الكثيرين منهم في “السوشيال ميديا”، ومن على منابر الكثير من الجوامع في خطب أيام الجمعة.
وإلى ذلك، فثمة حلقة مفقودة في الاتفاق الثلاثي، يمكن ملاحظة غيابها فور انتقاله إلى الحديث عن “الأحداث المؤسفة” في السويداء، والتي تتطلب “إنهاء فجوة الثقة بينها وبين الحكومة السورية، واعتماد “نهج متدرج لتجاوزها”، قبل الانتقال إلى “حلول تؤدي إلى إعادة الإدماج الكامل للمحافظة في الدولة السورية.. الخ، إذ يمكن لهذا الكلام أن يحتمل قراءات مختلفة ومتباينة من لدن كل طرف. يمكن للحكومة السورية، مثلًا، أن تفسره على أنه يعني إعادة إدماج المحافظة في إطار “الدولة المركزية” التي ما انفكت تشدد عليها، في حين أنه من المتاح “إعادة بناء سوريا على الأسس التي تحفظ أمنها واستقرارها ووحدتها وسيادتها”، (كما جاء في الاتفاق)، من خلال شكل من “الحكم اللامركزي” الذي تتمتع فيها المحافظات السورية بحقوق إدارية خاصة ومحددة، من دون أن يؤثر ذلك على وحدة البلاد وسيادتها.
وفي الواقع، فإن ما نص عليه الاتفاق من ترتيبات أمنية وإدارية، كتشكيل قوة شرطية محلية في السويداء تحت قيادة شخصية من المحافظة، وتشكيل “مجلس محافظة” تناط به مهمة التفاعل مع الحكومة السورية، وقيادة الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية، يشي بأن المحافظة ستتمتع بشكل من أشكال الإدارة الذاتية، في ظل حكم، سيكون لامركزيًا، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة وبوضوح كافٍ.
وهنا، كان يمكن لهذا الاتفاق أن يكون فرصة، أو مدخلًا واضحًا وليس مواربًا، للولوج إلى اختيار نظام حكم لامركزي لإدارة البلاد، بوصفه حاجة سورية ملحة، من جهة، ومخرجًا مناسبًا لمعالجة الاستعصاء الوطني العام في سوريا، من جهة ثانية، وذلك عبر منح سلطات واسعة نسبيًا للإدارات المحلية المنتخبة ديمقراطيًا في مختلف المحافظات السورية، مع الحفاظ على سلطة المركز في قضايا سيادية متفق عليها، حسب التجارب المعروفة عالميًا.
تبقى نقطة أخيرة لا بد من التطرق إليها، وهي الفقرة 12 من الاتفاق، التي نصّت على “سعي الولايات المتحدة إلى التوصل لتفاهمات أمنية بين الحكومة السورية وإسرائيل حول الجنوب السوري تعالج الشواغل الأمنية المشروعة لكل من سوريا وإسرائيل”. والتساؤل الذي يتبادر إلى الذهن أولًا، يتصل بالأسباب التي دعت إلى إيراد هذه الفقرة في إطار الاتفاق الخاص بالسويداء؟ وهو ما يدفع إلى الظن بأن أي “تفاهم أمني” محتمل مع إسرائيل سيشكل جزءًا لا يتجزأ من الاتفاق الثلاثي، وأقله جزءًا مكملًا له. في وقت تتزايد فيه الأخبار والمؤشرات عن قرب التوصل لاتفاق أمني سوري إسرائيلي، سيحرص الرئيس ترامب على إبرامه خلال زيارة الرئيس الشرع لنيويورك.
وقد يقال الكثير بشأن الاتفاق المتوقع، (وهو ما يحتاج إلى معالجة مستقلة)، ولكن بات من الواضح والثابت أن إسرائيل تحولت إلى لاعب سياسي أساسي في الداخل السوري، وليست مجرد قوة عسكرية ضاربة تطالب بترتيبات أمنية فحسب. فهل سيتكفل الاتفاق الوشيك بإغلاق ملف الجنوب وإنهاء الاعتداءات والتجاوزات الإسرائيلية؟ أم أنه، وعلى الرغم من كل المكاسب التي حظيت بها تل أبيب جرّاءه، لن يكون أكثر من “اتفاق هش” الغرض منه منح إدارة ترامب فرصة التسويق لإنجاز ديبلوماسي تحققه، على رغم هزال وضحالة هذا الإنجاز مقارنة مع الوعود الضخمة التي روج لها ترامب كـ”صانع للسلام” في بدء ولايته الجديدة؟ وفي الوقت نفسه، فإن “الاتفاق” قد يمنح دمشق مدخلًا جديدًا لنيل الشرعية والاعتراف الدولي (الخارجي)، بعد الهزات والخضات القوية التي تعرض لها حكمها وشرعيتها في الداخل السوري.
الترا سوريا
—————————–
تسريبات الاتفاق الأمني مع إسرائيل.. أسئلة وهواجس حول التنازلات السورية المحتملة/ محمد سليمان
23 سبتمبر 2025
يثير الحديث عن اتفاقية أمنية مرتقبة بين الحكومة الانتقالية في سوريا والعدو الإسرائيلي جدلًا واسعًا، خصوصًا مع ما تحمله من بنود تتعلق بإقامة مناطق عازلة، نزع السلاح الثقيل من الجنوب السوري، وفرض حظر جوي على السويداء. ورغم أن السلطات الجديدة تسوّق الاتفاقية كضرورة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، إلا أن ناشطين سوريين يرون فيها تهديدًا خطيرًا لمستقبل البلاد وتكريسًا لأمن الاحتلال على حساب السيادة الوطنية.
يرى الصحفي والناشط جعفر مشهدية أن “أي اتفاقية مع الاحتلال مرفوضة بشكل كامل، خصوصًا وأنها تأتي في ظرف لا يمكن لسوريا فرض أي شروط تضمن لها حقوقها ومصالحها. أي اتفاق مع العدو يجب أن يكون وفق أدبيات وطنية خالصة تحفظ حقوق السوريين وتضحياتهم منذ 1948 حتى اليوم، مع التأكيد أن أي اتفاق لن يتجاوز حدود الحبر الذي كتب به فالشعب السوري يعرف عدوه منذ عقود ويشاهد ما قام به في سوريا والإقليم وتحديدًا في غزة الجريحة ويعلم أن الكيان لا أمان له ولا أمان بجانبه وإن كانت البلاد حاليًا لا يمكنها المجابهة فالأجدر ألا تسعى لأي اتفاق ظاهر على شكل استسلام كما أن غياب القدرة الحالية على المجابهة لا يعني انعدامها مستقبلًا، والأهم أن الشعب السوري لن يقبل التطبيع فيمكن لأي حكومة فرض اتفاقات سياسية لكنها لن تتجاوز ذلك.. الصهيوني مرفوض جملةً وتفصيلًا شعبيًا”.
وأضاف مشهدية: “أما فيما يخص الحديث عن الاتفاق الأمني الحالي فهو مازال ضمن إطار التسريبات من حيث التفاصيل فالسلطات الجديدة تقول أنها تتفاوض وفق مبدأ 1974 ولن تتنازل عن هذا الاتفاق وتطالب بالعودة إليه. أما الكيان وفق ما يتم تسريبه يرفض الاعتراف بهذا الاتفاق ويعتبره ساقطًا مع سقوط نظام الأسد، واليوم يجري الحديث عن خريطة أميركية توضح تفاصيل الاتفاق جغرافيًا وتكشف أن جبل الشيخ كاملًا سيكون مع الاحتلال وأن مساحة المنطقة العازلة ستكون أكبر من الجهة السورية دون أي توسع من جهة الاحتلال، إضافة لتقسيمات جغرافية حتى حدود دمشق قائمة على مناطق حظر طيران وحظر سلاح مع كوريدور جوي للاحتلال يحافظ خلاله على حرية الحركة وهذا كله ينسف اتفاقية 1974 التي يُظهر النظام السوري الجديد إعلاميًا أنه لن يتنازل عن تنفيذ بنودها، وهنا بما أن المسؤولين السوريين لم يعلقوا على التسريبات علينا انتظار توقيع الاتفاقية لمعرفة من تنازل ومن توسع”.
وتابع الصحفي والناشط السوري: “الاتفاق ضمن أي صيغة فيه انكسار لسوريا قبل أي سلطة فهو يفرض فرضًا والحل الوحيد الواجب على السلطات الجديدة اتخاذه اليوم هو توحيد الجبهة الداخلية مع ما تعانيه من انقسامات حادة تتحمل السلطات مسؤوليتها بالمقام الأول. وإن لم تلجأ السلطات للداخل وتجعل خيار التنازل للداخل أهم من التفاوض مع الخارج ستكون النهاية كارثية على البلاد فالاحتلال أوضح بشكل جلي مطامعه بسوريا ورفضه للسلطات فيها”.
بدوره الناشط السياسي حسين الشبلي يقول: “لست ممن يرفضون الاتفاق مع العدو الإسرائيلي لاعتقادي بحتمية الصراع ولا لأني أرى في المقاومة اللغةَ الوحيدة التي يفهمها العدو الإسرائيلي. طبعًا أعي تمامًا الاختلال الكبير في توازن القوى بين سوريا والعدو الإسرائيلي لكنني بالمقابل أرفض من يقدم هذا الاتفاق كضرورة دون أن يكون واضحًا، ودون أن يقول لنا ضرورة لمن تحديدًا؟. إن كنا نتحدث بأنه ضروري لسوريا فينبغي أن أوضح أن عدم خوض حرب اليوم مع العدو هو أمر طبيعي لكن الذهاب إلى توقيع اتفاق أمني موسع يمنح العدو الإسرائيلي ميزات أكبر من الميزات التي امتلكها في اتفاق 74 هو أمر يُرد عليه، فالحقيقة أن منح إسرائيل ميزات أمنية إضافية في تقسيم الجنوب السوري، حتى دمشق، إلى مناطق إحداها عازلة من الممكن أن تشغلها قوات دولية وأخرى منزوعة من السلاح الثقيل بشكل كامل وثالثة تتضمن السويداء تخضع لحظر جوي.. هو أمر خطير، فالاتفاق وإن كان باعتقاد البعض يضع حدًا للاعتداءات الإسرائيلية ويسمح للحكم الحالي في دمشق بتثبيت أركانه، لكنه في المقابل يضع مستقبل سوريا في خطر، بدايةً لأنه يُغفل أن المشكلة ليست في شكل العلاقة القائمة بين سوريا والعدو الإسرائيلي، المشكله أصلًا في العدو الإسرائيلي نفسه. نحن نتحدث عن دولة توسعية قائمة على أيديولوجيا تجاهر صراحة بأن بلادنا ليست سوى جغرافيا تعود ملكيتها بالأصل لهم، بالتالي لسنا أكثر من متطفلين على هذه الأرض، ومن هنا كل تنازل نقدمه قد يُسهم بالمستقبل بتمكينها من تحقيق دعواها التوسعية على حسابنا”.
وأضاف الشبلي: “لذلك أرى من الأجدى أن نأخذ ما جرى في مصر بعد توقيعها اتفاقية كامب ديفيد بالحسبان حيث اعتقدت الدولة المصرية أنها بعد اتفاقها ستتفرغ لشؤونها الداخلية وتركز على البناء والتطوير لكن الربط بين الأمرين ليس دقيقًا أصلًا فلم يقدم الاتفاق لمصر أي ميزة حقيقية سوى أنه حرمها من حماية حدودها وأمنها الإقليمي فنشطت في صحراء سيناء مجموعات من البدو الخارجين عن القانون وانتهى الحال فيها إلى ظهور تنظيم داعش واضطرار مصر للحصول على إذن من اسرائيل لتعالج المسألة”.
وتابع: “بالتالي لا يمكننا النظر الى أي اتفاق أمني يفرغ الجنوب السوري من أي قوة عسكرية بوصفه ضرورة سورية بقدر كونه ضرورة لأمن إسرائيل، بالتالي علينا أن نسأل من يروج لضرورة الاتفاق أن يشرح لنا مصلحة سوريا منه وأن يقدم لنا الضمانات التي قد تضمن للسوريين في المستقبل ألا تستغل إسرائيل خلو الجنوب السوري من أي دفاعات عسكرية لكي تتوسع على حسابها فنصبح بذلك أشبه بالضفة الغربية فتعاملنا إسرائيل كجغرافيا تديرها أمنيًا، وتُعتبر مصالح اسرائيل أسمى من مصالح سوريا ومقدمة عليها”.
واختتم حسين الشبلي قائلًا: “صدقوني لو كان في هكذا اتفاق أي مصلحة لسوريا فإن نتنياهو لن يوقعه، فقد أرانا اليمين الإسرائيلي سابقًا موقفه من أي اتفاق جدي مع سوريا عندما اغتالوا رابين لنيته إعادة الجولان. باختصار العرب منذ احتلال فلسطين يتنازلون بحجة البراغماتية أما إسرائيل فتزداد تصلبًا، فأي فائدة قد نجنيها من تنازل جديد؟”.
ما بين رفض التنازلات التي تمنح إسرائيل ميزات أمنية إضافية، والتحذير من أي اتفاق يُفرض على سوريا دون ضمانات وطنية، تظهر هذه الاتفاقية بأنها ليست ضرورة سورية كما يروّج لها البعض، بل ضرورة لإسرائيل. وأي خطوة في هذا الاتجاه ستكون بمثابة انكسار جديد، ما لم تُبن على وحدة داخلية سورية، تحصّن البلاد من الضغوط الخارجية وتعيد الصراع إلى أساسه: ضد الاحتلال ومطامعه التوسعية.
الترا سوريا
————————–
ما فرص إبرام اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب؟ خبراء يجيبون/ أحمد العكلة
24 أيلول 2025
دمشق- يشهد الملف السوري الإسرائيلي تطورات سياسية ودبلوماسية، تزامنا مع مناقشات حول اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب يهدف إلى ترتيب الأوضاع الأمنية في الجنوب السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ويركز الاتفاق على إنشاء مناطق منزوعة السلاح وضمانات أمنية متبادلة بوساطة أميركية، لكن تساؤلات عن استدامته وتأثيره على السيادة السورية تظل قائمة.
وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدفع نحو إتمام الصفقة بنسبة 99%، بوساطة مبعوث أميركي.
ويأتي ذلك بعد انسحاب إسرائيل من اتفاق الفصل (فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل) عام 1974 وسيطرتها على المنطقة العازلة، مما أثار مخاوف دمشق من توسع إسرائيلي.
صعوبات التطبيق
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسين بن طلال، البروفيسور حسن عبد الله الدعجة، إن الضغط الأميركي هو المحرك الأساسي للاتفاق، بهدف تقليل التوترات الإقليمية وتعزيز مصالح واشنطن وحلفائها، مشيرا إلى أن الاتفاق قد يكون خطوة لتسويات إقليمية في ظل رغبة القوى الكبرى في احتواء الأزمات.
ويضيف الدعجة -للجزيرة نت- أن الاتفاق قد يُستغل إقليميا لتأكيد ابتعاد سوريا عن تحالفاتها مع إيران وحزب الله، مما قد يضعف تأثيرها في ميزان القوى.
وتنص البنود الرئيسية للاتفاق المقترح على إقامة:
منطقة عازلة أولى بعمق 2 كيلومتر، تحت إشراف الأمم المتحدة، تمنع نشر أسلحة ثقيلة وتسمح بقوات شرطة فقط.
منطقة منزوعة السلاح من غرب درعا إلى غرب دمشق، بعمق 20-30 كيلومترا، وتحظر فيها الأسلحة الثقيلة والصواريخ.
منطقة محظورة الطيران من شرق درعا إلى السويداء، ويحظر فيها الطيران العسكري السوري، مما يوفر ممرا جويا لإسرائيل.
احتفاظ إسرائيل بنقطة مراقبة على جبل الشيخ لرصد سوريا ولبنان.
ويحذِّر الدعجة من أن هذه البنود تضمن عمقا أمنيا لإسرائيل، لكنها تُقلل من سيطرة دمشق على حدودها، ويعتبر أن احتفاظ إسرائيل بجبل الشيخ تهديدا للسيادة السورية، فضلا عن أنه قد يُثير رفضا شعبيا ويجعل الاتفاق هشا إذا لم يُعالج جذور الصراع.
ويوضح أن نجاح الاتفاق يعتمد على آليات واضحة لوقف الاشتباكات وضمانات دولية، مؤكدا أن السلطة الجديدة في دمشق ستواجه تحديات مؤسساتية وانقسامات داخلية، مما يصعّب تطبيق الاتفاق، وقد ترى المعارضة فيه تنازلا عن السيادة، مما يُثير احتجاجات أو مواجهات مسلحة.
لكن الاتفاق -بحسب الدعجة- قد يفتح الباب لدعم دولي يُعزِّز شرعية السلطة الجديدة، شريطة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
عامل السيادة
من جهته، يقول مدير مركز جسور للدراسات محمد سرميني -للجزيرة نت- إن الاتفاق يهدف لتثبيت الاستقرار في درعا والسويداء، لكنه قد يُثير مقاومة محلية إذا رأت الجماعات أنه تنازل عن السيادة.
فالاتفاق -يوضح سرميني- لا يعالج الأسباب الجذرية للصراع، مما يجعله عرضة للانهيار، مضيفا أن التفاصيل الفنية، مثل تحديد المنطقة العازلة وتمويل إعادة الإعمار، قد تُعرقل التنفيذ.
ويشير إلى أن الجماعات المحلية في السويداء قد تعارض الاتفاق، معتبرة إياه انتقاصا من السيادة، مما قد يُعرقل تنفيذه، لكن ضمانات دولية وإعادة إعمار قد تُخفِّفُ التوتر، مضيفا أن إشراك المكونات الدرزية في مناصب أمنية قد يُسهم في تقليل التوتر في المنطقة.
في حين يعتبر الباحث السوري أسامة آغي أن الاتفاق محاولة إسرائيلية لفرض السيطرة، مؤكدا أن قضايا السيادة يجب أن تُناقش في ظل حكومة منتخبة، وليس حكومة انتقالية غير مخولة بذلك.
وحذَّر آغي -في حديثه للجزيرة نت- من أن الاتفاق قد يُنظر إليه كانتقاص من السيادة، داعيا إلى العودة لاتفاق 1974 ليكون مدخلا لإدارة التوازن مع إسرائيل.
وشدد على ضرورة انفتاح الحكومة الانتقالية على جميع المكونات الوطنية وتعزيز العلاقات العربية والتركية لتجاوز الأزمات الاقتصادية والخدمية.
ولفت الباحث إلى أن السويداء قضية داخلية تتطلب منح السوريين حقوقا متساوية، ودعا إلى مؤتمر وطني شامل يضمن مشاركة الجميع، مع رفض المساومة على الجولان.
من مداهمة قوات جيش الدفاع إلى منطقة جبل الشيخ في شقه السوري وذلك في إطار انتشارها في المنطقة العازلة وفي عدة نقاط دفاعية ضرورية وذلك لضمان أمن سكان بلدات هضبة الجولان ومواطني دولة إسرائيل في ضوء الأحداث في سوريا.-الصورة من حساب افيخاي على x
الانسحاب أولا
من ناحية أخرى، قال المحلل العسكري العقيد أديب عليوي إن الاتفاق لن ينجح دون ضغط أميركي على إسرائيل للانسحاب من المنطقة العازلة والعودة لاتفاق 1974، مضيفا للجزيرة نت أن احتفاظ إسرائيل بجبل الشيخ وإنشاء ممر جوي يُهددان الأمن القومي السوري والعربي.
وفي حال فشل الاتفاق، يتوقع عليوي تحول الصراع إلى حرب شعبية مدعومة من الدولة، مع دعم تركي لتطوير دفاع جوي، مشيرا إلى أن استقرار المنطقة يتطلب إلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاق 1974 لتجنب التصعيد.
وحول فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح وممر جوي إسرائيلي في الجنوب، قال عليوي إن ذلك لا يشكل تهديدا للأمن القومي السوري وحده، بل للأمن العربي والتركي أيضا.
وأكد أن الممر الجوي يعني استباحة الأجواء السورية واستخدامها لتهديد دول المنطقة، ومن ثم فإن نزع السلاح عن محافظات كاملة، مثل القنيطرة ودرعا والسويداء، أمر مرفوض كليا، وفق عليوي.
المصدر: الجزيرة
—————————-
بضع كلمات أوّلية عن سوريا وأقليّاتها/ موفق نيربية
24 أيلول 2025
نَدُر أن تَقبل أقليّة ما قديماً أن “توصم” بذلك، وتلك ظاهرة غريبة أحياناً. كان ذلك ملائماً للروح الوطنية ذات الأناشيد، ولعقلية الأكثرية التي من مصلحتها المباشرة إنكار وجود الأقليْات أيضاً: كلّنا أبناء شعب واحد، ووطن واحد. كان من السيئ وصف شخص بأنّه من أقلّية، وبالأحرى وصف الإنسان لذاته بذلك. هي حالة كانت – وربّما لا تزال- أشبه ما تكون بحالة إنكار “وطنية”، اصطدمت بقوة بجدار من الدماء في الأشهر القريبة الماضية في سوريا.
ذلك الإنكار في سياق قضايا الأقليات، يشير عادةً إلى عدم الاعتراف، أو الامتناع العنيد عن مواجهة التفاوتات المتعدّدة، والتمييز، والظلم الذي تواجهه عموماً الجماعات الأقلية. يمكن أن يتجلى هذا الإنكار بطرق متعددة، بما في ذلك:
*إنكار التاريخ أوّلاً، حيث يكافح العديد من المجتمعات لطمس وتزييف تاريخها المتعلق بالجماعات الأقلية كسرديات مظلوميّتها، ومدى أصالة وجودها على أرضها وعمقه في التاريخ. إنكار هذه الأحداث التاريخية يمنع الفهم الكامل للاختلالات الراهنة.
*وإنكار الثقافة ثانياً، عندما ما يكون هناك إنكار لهوية وثقافة ومساهمات الجماعات الأقلية، ما قد يشمل ذلك تجاهل لغاتهم، وتقاليدهم، أو تواريخهم على أنها أدنى أو غير مهمة مقارنة بالثقافة السائدة.
*وإنكار اجتماعي ثالثاً، يتضمن عدم الاستعداد للاعتراف بالتمييز المستمر الذي تواجهه الجماعات الأقلية في مجالات مختلفة، مثل العمل، والإسكان، والتعليم، وتطبيق القانون. إن الاعتقاد بأن المجتمع عادل ومتساوٍ بطبيعته، يمكن أن يؤدي إلى تجاهل العنصرية، أو التمييز الرسمي، كما قد تتمّ الإشارة إلى أمثلة وأحداث منفردة وعابرة بصفتها ظاهرة ثابتة وشاملة أحياناً.
*وإنكار سياسي رابعاً، قد ينكر فيه بعض القادة وصانعو السياسات، أو المنظّمات وجود التفاوتات، أو يرفضون تنفيذ السياسات التي تعالج هذه الفجوات. يمكن أن يعيق هذا الرفض التغيير الجذري ويعزز الوضع الراهن ومقاومته للتقدّم والتحديث.
وأخيراً إنكار نفسي، قد ينكر الأفراد فيه تحيزاتهم أو ميولهم ولا يرونها. يمكن أن يحدث هذا بسبب التنافر المعرفي، حين يتعارض الاعتراف بالتحيز مع صورة الذات، كفرد عادل ومنصف. هذا النوع من الإنكار يكون لدى “أصحاب الضمير”.
قد يتسبّب ذلك الإنكار- ونرى بعض ذلك- في استمرار المشكلة/ القضية وتفاقمها، ويعرقل الرؤية المشتركة. كما يمنع تيسير الحوار والتوافق حول مسائل أساسية للتقدّم والتغيير، بل يقسّم القوى اللازمة لتحقيق ذلك. وليس نادراً أبداً أن يدفع ذلك بأفراد الأقليات المعنية نحو التهميش الذاتي، إضافة إلى الموضوعي، ممّا ينشأ عنه غياب لشرائح مهمة يجب أن تتمثّل في الحوارات وصناعة القرار. وقد يكون لذلك أثر هائل وخاص في فترات تأسيس الدول. إنّ إعلان الالتزام بحقوق الأقليات بالغ الأهمية لضمان حماية هذه المجموعات وتمتّعها بثقافتها بما فيها دينها ولغتها وهوّيتها، والمشاركة بفعالية في المجتمع. في حين أنه إذ يتمّ إنكاره وتجاهله، أو نفيه سوف يصبح قنبلة كامنة تختزن التوتّر حتى تصل به مضاعفاً لحظة الصدام. وها هو في سوريا، يغدو كذلك، بعد طمسه منذ آخر إحصاء شمل تلك التفاصيل عام 1943، وأيّة أرقام في المسألة وردت بعد ذلك هي انعكاس للرغبات المتعارضة بطبيعة الحال. وقبل التجاوز إلى نقطة أخرى. لا بدّ من التأكيد على أن مفهوم الأقليّات وحقوقها وحمايتها، أصبحت من ضمن القانون الدولي منذ ما بعد الربع الأول من القرن العشرين، واتّسع وشاع بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح أحد أهمّ المعايير في تقييم مدى شرعية دولة ما. وقد بدأت المحاولة الرسمية لتعريف الأقليات عام 1971 عندما عيّنت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لمنع التمييز وحماية الأقليات، فرانشيسكو كابوتورتي، مقررا خاصا، لبدء دراسة حول تطبيق المبادئ المنصوص عليها في المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بشأن حماية مصالح الأقليات، مع التركيز بشكل خاص على تحليل مفهوم الأقلية. كُلّف كابوتورتي بدراسة حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، أو إثنية، أو دينية أو لغوية، التي اكتملت عام 1979، وقدّمت أيضا تعريفا للأقلية. وفّر تعريف كابوتورتي- الأكثر شهرة وقبولاً- المعايير الأكثر شمولا لتحديد مجتمع الأقلية وتمييزه عن مجتمع الأغلبية، وعرّف الأقلية بأنها مجموعة أقل عددا من بقية سكان دولة ما، في وضع غير مهيمن، ويتمتع أعضاؤها، وهم مواطنون في الدولة، بخصائص عرقية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص بقية السكان، ويُظهرون، ولو ضمنيا، شعورا بالانتماء يجمعهم معاً.
في المشرق، شرقي البحر المتوسّط، إحدى أهم مشكلات ” المسألة الشرقية”، وقد أنتجت ويلات في العقود الأخيرة في العراق ولبنان وسوريا، وما زالت. وهي تظهر بمظاهر معقّدة، خاصة في كلٍّ من البلدان الثلاثة. هنا نتحدث خصوصاً عن سوريا.
حصل تغيير ديمغرافي لا بأس به خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية على بنية سكان سوريا، التي كان أهلها يغازلون تنوّعها بتشبيهها بالفسيفساء. ولم يجرِ أيّ إحصاء فعلي في البلاد يذكر الانتماءات العرقية والقومية والدينية والمذهبية منذ عام 1943 مع نهايات الانتداب الفرنسي. هنالك محاولات أكثر حداثة تقلّ فيها الثقة- كإحصاء 1962 الذي استهدف الكرد في طريقه – بسبب مدى تأثير ذلك في مسار تحوّلات عقلية كلّ فئة وقلقها على قدرتها التنافسية. يمكن الإشارة هنا إلى مصدرين حديثين أحدهما ورد في “كتاب حقائق” المخابرات المركزية الأمريكية منذ ثلاث سنوات، وثانيهما في بحث لمركز الملك فيصل للدراسات والبحوث:
في المصدر الأول ورد أن التركيبة الإثنية المدروسة تعطي أن العرب يشكلون 50% من تعداد السكان (2022 أو العام الذي سبقه)، والعلويين 15%، والكرد 10%، والمشرقيين 10%، وآخرين 15%، ومن الناحية الدينية والطائفية يشكل المسلمون 87%، ومنهم السنة 74% والمسيحيون 10%، والدروز 3%.
وفي المصدر الثاني (يناير 2017) الذي يعتبره كثيرون أكثر ثقةً – في بحث بعنوان” قضية الأقليات في سوريا: من الحظر إلى الوجود الطاغي”- ورد أن معظم التقديرات تشير إلى “أن الأقليات الدينية تشكل ّ نحو ربع السكان، بينما تشكل الأقليات العرقية نحو 13% من السكان؛ أي أن نحو 40% من السكان هم ّ من الأقليات العددية. ويشكل السنة نحو 74% من ّ سكان سوريا، وتشكل الطوائف المسلمة الأخرى نسبة 13% ويشكل الدروز 3% ويمثل المسيحيون بطوائفهم المختلفة بقية السكان”.
لا بدّ أيضاً من الإشارة إلى أنه بكلّ الأحوال، فإن الأقليات السورية مع سكان المدن والطبقة الوسطى والمحافظين المعتدلين، يشكلون أغلبية بالتأكيد، تمثيلها غائب ومهمل. كما يمكن الإشارة هنا كذلك إلى أن عمليات اللجوء والتغيير الديموغرافي منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن، أحدثت بدورها شيئاً مهماً على هذه الأرقام لا يمكن احتسابه بدقة، من الأصحّ اعتباره قد استهدف السنّة أكثر من غيرهم، كذلك تَرِد من الأرقام كمية ومجموعات لا تحصى، لا بدّ أن الكثير منها قد تمّ بناؤه “رغبوياً” كما يقال، حسب الجهات الدارسة وهوّياتها.
كانت هنالك بعض الآراء التي تتخوّف بقوة من أن يحدث ما حدث في سوريا مؤخّراً، بل أكثر منه بكثير، ممّا لم يعد ممكناً أيضاً نفي احتمال حدوثه الآن، أو فيما بعد. لكن آراءً أخرى كانت أكثر تفاؤلاً، اعتمدت على وجود موقف دولي قويّ سوف يوفّر حماية للأقلّيات، وقلّلت ذلك الاحتمال. توقّعت الآراء الأخيرة أن يؤدّي ما رآه معظم الباحثين من حياد الأقليات، إلى أن تقوم بدور مهم في التوصل للحلول وللحفاظ على السلم الأهلي. بالطبع كان هنالك استثناء، أو نظرة خاصة للعلويين لما يرونه من حجم مساهمتهم في دعم النظام. وجاء ما حدث للدروز حالياً ليثبت أن النظرة تحمل نسبة مهمة من الخطأ، الذي لا يكفي التدخّل الإسرائيلي لمحوه أو محو آثاره اللاحقة.
وإذا خرجنا من مجال الأقليات الدينية إلى تلك الإثنية أو القومية، تضيف القضية الكردية وزناً حاسماً عملياً إلى ضرورة تخفيف مقاومة طروحات اللامركزية كسمة أساسية من سمات مستقبل سوريا، أو تفريغها من مضامينها الفاعلة، قبل استفحالها وخروجها عن نطاق التسويات.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————-
برّاك: سورية وإسرائيل تقتربان من اتفاق “خفض التصعيد“
24 سبتمبر 2025
قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس برّاك إن سورية وإسرائيل تقتربان من إبرام اتفاق “خفض التصعيد” الذي ستوقف بموجبه تل أبيب هجماتها بينما توافق دمشق على عدم تحريك أي آليات أو معدات ثقيلة قرب الحدود الإسرائيلية. وفي حديثه للصحافيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمس الثلاثاء، قال برّاك إن الاتفاق سيكون الخطوة الأولى نحو الاتفاق الأمني الذي يتفاوض البلدان عليه.
وتجري سورية وإسرائيل محادثات للتوصل إلى اتفاق تأمل دمشق أن يضمن وقف ضربات إسرائيل الجوية وانسحاب قواتها التي توغلت في الجنوب السوري. وقال برّاك إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سعى للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين سيعلن عنه خلال الأسبوع الحالي، لكن لم يُحرز تقدم كاف حتى الآن، كما أن عطلة السنة العبرية الجديدة هذا الأسبوع أبطأت العملية. وأضاف “أعتقد أن الجميع يتعاملون مع الأمر بحسن نية”.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن انهيار اتفاق “فضّ الاشتباك” الموقع مع سورية عام 1974 بعد أيام قليلة من سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأصدر أوامر لجيشه بالاستيلاء على المنطقة العازلة (مساحتها 235 كيلومترا مربعا) التي تنتشر فيها قوات “أندوف” التابعة للأمم المتحدة. وسارع الجيش الإسرائيلي إلى احتلال أعلى قمة في جبل الشيخ والتي كانت تحت سيطرة القوات السورية نظرا للأهمية العسكرية والاستراتيجية التي تحظى بها في سياق الصراع القائم بين سورية وإسرائيل منذ عام 1948.
وقال الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، إن إسرائيل شنت منذ سقوط نظام الأسد أكثر من ألف غارة على سورية ونفذت أكثر من 400 توغل بري. وفي حديثه عن إسرائيل خلال جلسة حوارية في معهد الشرق الأوسط في نيويورك، فجر اليوم الأربعاء، قال الشرع إنّ “القوة فقط لن تأتي لإسرائيل بالسلام”، وأكد أنّ “نجاح أي اتفاق مع إسرائيل يمهد لاتفاقات أخرى تساعد على تعميم السلام في المنطقة”، كما شدّد على أنّ “أي حديث عن تقسيم سورية يؤذي سورية أولاً ودول الجوار، لا سيما تركيا والعراق”، مذكّراً بأنّ “على إسرائيل أن تعود إلى ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، ونحن قلنا لن نكون مصدر خطر لأحد”.
(رويترز، العربي الجديد)
————————–
الشرع يحذر من فشل المفاوضات مع إسرائيل على استقرار المنطقة
الرئيس السوري يؤكد قبل خطابه أمام الجمعية العامة أن أي حديث عن تقسيم لبلاده سيضر بالعراق وتركيا، ويكشف مماطلة إسرائيل في المفاوضات.
شرعنة المطالب السورية
الأربعاء 2025/09/24
الامم المتحدة (الولايات المتحدة) – حذّر الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك الثلاثاء من خطر حدوث اضطرابات جديدة في الشرق الأوسط إذا لم تتوصّل بلاده وإسرائيل إلى اتفاق أمني.
ويأتي هذا التحذير في وقت دقيق تشهد فيه العلاقات السورية الإسرائيلية مفاوضات مباشرة تهدف إلى إرساء قواعد جديدة للتعايش، بعد سنوات من النزاع المسلح والتوترات.
ويُعدّ تصريح الشرع تحذيرا استراتيجيا يهدف إلى دفع المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، فالإشارة إلى “اضطرابات جديدة” ليست مجرد تخويف، بل هي إقرار بأن فشل المفاوضات قد يزعزع استقرار المنطقة بأسرها.
يُظهر الشرع أن الصراع تجاوز كونه قضية ثنائية ليصبح قضية إقليمية ودولية، مما يفرض على جميع الأطراف العمل بجدية لإيجاد حل.
وبربطه الأمن الإقليمي بالاتفاق، يسعى الشرع لإظهار أن سوريا هي الطرف الذي ينشد السلام والاستقرار، بينما تتحمل إسرائيل مسؤولية أي عرقلة للعملية الدبلوماسية، مما يضع عليها ضغطا دوليا مباشرا.
ويحمل تصريح الشرع رسالتين رئيسيتين، واحدة للداخل وأخرى للخارج، فهو يؤكد أن القيادة الجديدة متمسكة بسيادتها وحقوقها، مما يعزز شرعيته السياسية، وفي نفس الوقت يُقدم نفسه كقائد مسؤول يسعى للحلول الدبلوماسية، مما قد يفتح أبوابا جديدة للتعاون الدولي.
يُعد التصريح بمثابة تحد مباشر لإسرائيل لاتخاذ قرار حاسم: إما القبول بالحل الدبلوماسي أو تحمل مسؤولية أي تصعيد قادم.
والشرع، القيادي الجهادي السابق الذي وصل إلى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، سيصبح اليوم الأربعاء أول رئيس سوري يلقي خطابا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو حدث غير مسبوق منذ عام 1967.
وخلال جلسة حوارية نظّمها في نيويورك مركز الأبحاث الأميركي “معهد الشرق الأوسط”، قال الشرع “لسنا نحن من يسبّب المشاكل لإسرائيل. نحن نخاف من إسرائيل وليس العكس”.
هذه الكلمات تكسر القالب التقليدي للعلاقات بين الخصمين، وتضع سوريا في موضع الطرف الذي يخشى من تصعيد غير مرغوب فيه.
وأضاف “هناك مخاطر متعدّدة مرتبطة بواقع أن إسرائيل تؤخّر المفاوضات وتواصل انتهاك مجالنا الجوي واختراق أراضينا”.
ورفض الشرع الخوض في أيّ نقاش بشأن تقسيم بلاده، وهو موضوع حساس يتردد صداه في المنطقة في ظل التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا بذريعة الدفاع عن مصالح الأقلية الدرزية.
وقال الرئيس السوري إنّ “الأردن يتعرّض لضغوط، وأيّ حديث عن تقسيم لسوريا سيضرّ بالعراق وسيضرّ بتركيا”.
وأضاف أنّ “هذا الأمر سيعيدنا جميعا إلى المربّع الأول”، مشيرا إلى أنّ بلاده خرجت لتوّها من حرب أهلية استمرت عقدا ونصف العقد.
وتكشف هذه التصريحات عن رؤية الشرع الاستراتيجية للمنطقة، وإدراكه بأن مصير سوريا مرتبط ارتباطا وثيقا بمصير جيرانها.
وتُظهر المحادثات المباشرة بين سوريا وإسرائيل، والتي بدأت بعد سقوط نظام الأسد، رغبة الطرفين في إيجاد حلول دبلوماسية. ومع ذلك، استبعد الشرع الاثنين أي اعتراف سوري بإسرائيل في الوقت الراهن ما لم يتم الانسحاب الكامل من هضبة الجولان المحتلة، ما يجعل التطبيع خطوة غير قابلة للنقاش قبل استعادة الأراضي.
ويعكس هذا الموقف الحازم التحديات الجوهرية التي تواجه عملية السلام، ويؤكد على أن قضية الأراضي المحتلة لا تزال حجر الزاوية في أي اتفاق مستقبلي.
وتزامنت تصريحات الشرع مع تأكيد المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، توماس باراك، أن سوريا وإسرائيل تقتربان من إبرام اتفاق “خفض التصعيد”.
وفي حديثه للصحافيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الثلاثاء، قال باراك إن الاتفاق سيكون الخطوة الأولى نحو الاتفاق الأمني الذي يتفاوض البلدان عليه.
وبموجب هذا الاتفاق، ستوقف إسرائيل ضرباتها الجوية، بينما تتعهد سوريا بعدم تحريك أي آليات أو معدات ثقيلة بالقرب من الحدود الإسرائيلية.
وأشار باراك إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سعى للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين كان سيعلن عنه الأسبوع الحالي، لكن لم يحرز تقدم كاف حتى الآن، كما أن عطلة السنة العبرية الجديدة هذا الأسبوع أبطأت العملية.
وعلى الرغم من ذلك، أعرب باراك عن تفاؤله، قائلا “أعتقد أن الجميع يتعامل مع الأمر بحسن نية”.
ويكشف هذا التطور عن تعقيد المشهد السياسي بشكل عميق، فبينما تتجلى رغبة أميركية في تحقيق تقدم دبلوماسي، تظل الشكوك المتبادلة بين الخصمين القديمين حجر عثرة، مما يضع عملية السلام على شفا الهاوية.
وتتجسد هذه الشكوك في العداء الإسرائيلي للحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع، بسبب خلفيته الإسلامية وصلاته السابقة بجماعات متشددة، حيث ضغطت إسرائيل على واشنطن لإبقاء سوريا ضعيفة وغير مركزية، وهو ما يفسر التوغل العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بعد الإطاحة بالأسد.
وبعد التوغل في المنطقة المنزوعة السلاح لأشهر، تخلت إسرائيل عن هدنة عام 1974 في الثامن من ديسمبر، وضربت أصولا عسكرية سورية وأرسلت قواتها إلى مسافة 20 كيلومترا من دمشق.
وقال الشرع الأسبوع الماضي إن إسرائيل شنت منذ ذلك الحين أكثر من ألف غارة على سوريا ونفذت أكثر من 400 توغل بري.
ويعكس خطاب الشرع قلقه العميق من أن إسرائيل ربما تحاول عرقلة المحادثات، خاصة وأنها لا تزال الطرف الأقوى عسكريا.
وتواجه الدبلوماسية تحديا هائلا في التغلب على عقود من العداء، بينما تظل التوترات قائمة وتهدد بإعادة المنطقة إلى دائرة العنف مرة أخرى.
————————–
قطر تدعو إلى عملية سياسية شاملة في سوريا وترحب بخارطة طريق السويداء
23 سبتمبر 2025
أكدت دولة قطر على أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الثقة وبناء المؤسسات وبسط الأمن، إلى جانب النهوض بالتنمية والمضي في عملية سياسية شاملة بقيادة سورية وبمشاركة واسعة من جميع مكونات الشعب.
جاء ذلك في بيان ألقاه عبد الله بن علي بهزاد، السكرتير الثاني لدى الوفد الدائم لدولة قطر بجنيف، خلال مشاركته في النقاش العام (البند الرابع) ضمن أعمال الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان.
وأوضح بهزاد أن سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، لافتًا إلى أن القرارات والسياسات المتخذة بعد أربعة عشر عامًا من الصراع وعقود من الحكم الاستبدادي سيكون لها أثر مباشر على الاستقرار والسلم الاجتماعي.
وأشار إلى أن تشكيل “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”اللجنة الوطنية للمفقودين”، إلى جانب لجنتي التحقيق الوطنيتين في أحداث الساحل والسويداء والتعاون مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة، يمثل خطوة مهمة نحو الاعتراف بالمسؤولية وضمان تحقيق العدالة والمساءلة.
ورحب بــ”خارطة الطريق” التي اتفقت عليها سوريا والأردن والولايات المتحدة لحل الأزمة في السويداء وتعزيز الاستقرار في الجنوب، داعيًا الأطراف كافة إلى تجنب أي أعمال من شأنها تأجيج التوتر وزعزعة الاستقرار.
كما جدد دعوة قطر للمجتمع الدولي إلى مواصلة تقديم الدعم الإنساني والتنموي، ورفع العقوبات، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء احتلالها للأراضي السورية.
——————————-
“اللجنة القانونية” في السويداء توقف عمل لجانها المحلية
2025.09.24
أوقفت ما تسمى بـ”اللجنة القانونية العليا” في السويداء، الثلاثاء، أنشطة اللجان المحلية والفرعية المشكّلة من قبلها، في “المدن والبلدات والقرى” إلى حين تحديد صلاحياتها بشكل واضح.
وأفاد المكتب الإعلامي للّجنة، على “فيس بوك” بأن الإيقاف جاء بعد اجتماع عقدته “اللجنة” طالبت خلاله بمنع أي لجان من القيام بمهام أو فعاليات قبل تثبيت الصلاحيات الممنوحة لها.
قرار من السويداء تشكيل لجان فرعية
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من إعلان “اللجنة”، المشكّلة بإشراف الشيخ حكمت الهجري أحد مشايخ العقل، عن تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لإدارة الشؤون الخدمية والأمنية في المحافظة، إلى جانب لجان فرعية تُعنى بما سمته بـ”الإغاثة وتقصي الحقائق والانتهاكات، ومتابعة قضايا المفقودين، وتوزيع التبرعات.”
رفض خارطة الطريق
وكانت “اللجنة” التي تضع نفسها كسلطة محلية بديلة، رفضت خارطة الطريق التي طرحتها وزارة الخارجية السورية لحل أزمة السويداء، ووصفتها بأنها “محاولة لفرض وصاية جديدة على المحافظة”، معتبرة أن الحكومة “تتجاهل الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين” وتسعى إلى “تعميق الانقسام الداخلي”.
———————————
بعد إخلاء المدارس.. مهجرو السويداء في درعا بلا مأوى
2025.09.24
بعد عودة العام الدراسي الجديد، أخلت محافظة درعا المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للمهجرين من السويداء جنوبي سوريا، على خلفية الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء.
ومع إخلاء المدارس، يواجه المهجرين مصيراً مجهولاً، بعد أن أصبحوا بلا مأوى، مما دفعهم لنصب الخيم في محيط المدارس وخصوصا مدرسة خربا في ريف درعا.
وقال المتحدث باسم عشائر السويداء، مصطفى العميري، لموقع تلفزيون سوريا، إن معظم المهجرين نصبوا خيماً في محيط المدارس التي كانوا يقطنون فيها، ولا يوجد مخيم موحد يجمعهم.
وأشار إلى أن الخيم التي وزعها الهلال الأحمر السوري على المهجرين من السويداء رديئة وغير مقاومة للرياح، الأمر الذي ينذر بكارثة مع قدوم فصل الشتاء.
وطالب المتحدث باسم عشائر السويداء، الحكومة السورية، بتأمين سكن بديل للعائلات المهجرة تليق بكرامتهم، مشيراً إلى أن هناك أماكن بديلة طُرحت لكنها تحتاج إلى تظافر الجهود الحكومية والمحلية، مثل معسكر طلائع زيزون بريف درعا الغربي.
وبحسب المتحدث باسم عشائر السوداء، فإن الجهات المعنية تماطل في قضية إعادة البدو إلى قراهم في السويداء، ويقع على عاتقها بالدرجة الأولى تأمين سكن بديل منعاً لحدوث “صدامات مسلحة” حسب تعبيره.
ظروف إنسانية قاسية في مراكز الإيواء
يعيش مئات من عائلات عشائر البدو النازحين من السويداء، ظروفاً إنسانية قاسية في مراكز الإيواء بمحافظة درعا، في ظل نقص الخدمات الأساسية ومصير لا يزال مجهولاً.
وعلى مقاعد دراسية في صفوف داخل عدد من مدارس درعا حوّلت إلى مراكز إيواء، يضع مئات النازحين من السويداء أغراضهم الشخصية، بانتظار العودة إلى منازلهم أو تأمين سكن بديل مؤقتاً لهم.
ومع اقتراب بداية العام الدراسي تتفاقم معاناة هذه العائلات النازحة إلى المدارس، والتي هجرتها المعارك من قراها في السويداء، لتضطر إلى مواجهة ظروف إنسانية صعبة في مراكز إيواء عاجزة عن استيعاب أعدادهم.
وخلال الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء في منتصف شهر تموز الماضي، وصل عدد العائلات النازحة من عشائر البدو إلى ما يقارب 400 عائلة موزعة على 63 مركز إيواء مؤقت معظمها في المدارس غير المستخدمة للامتحانات، وذلك في الريف الشرقي والأوسط من محافظة درعا.
ورغم الوعود بأن العودة إلى قراهم قريبة، خاصة بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى بين الحكومة السورية والفصائل المسلحة في السويداء، فإن الواقع يقول إن “المؤقت” بات طويلاً، والحلول غائبة أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
——————————
=====================
تحديث 22 أيلول 2025
————————–
الاتفاق الأمني المقترح بين سورية وإسرائيل… مضامينه وتداعياته
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
21 سبتمبر 2025
تشهد المفاوضات السورية – الإسرائيلية تسارعاً ملحوظاً، تتخلله ضغوط كبيرة يمارسها المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، للتوصل إلى اتفاق قبل انعقاد الدورة الثمانين لاجتماعات الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في نيويورك، والتي تنطلق في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري. وقد أشار الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى احتمال التوقيع على اتفاق مع إسرائيل أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية، قائلًا: “نحن قريبون جدًّا من التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بوساطة أميركية”. وعلى الرغم من تأكيده أن “الاتفاق مع إسرائيل سيكون مشابهًا لاتفاق فصل القوات لعام 1974، وأنه لا يعني تطبيع العلاقات أو انضمام سورية إلى اتفاقيات أبراهام”، فإن وزارة الخارجية السورية أفادت في المقابل أن الاتفاق، المزمع توقيعه في أيلول/ سبتمبر الجاري، يُعد جزءًا من “سلسلة من الاتفاقات المتتالية” التي ستُبرم قبل نهاية عام 2025 مع الجانب الإسرائيلي.
مفاوضات تحت النار
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، شهدت الجبهة السورية – الإسرائيلية تحولات ميدانية وأمنية عميقة؛ إذ استغلت حكومة بنيامين نتنياهو انهيار جيش النظام السوري، لتعلن انتهاء العمل باتفاق “فصل القوات” لعام 1974 “لأن أحد الطرفين لم يعد قادرًا على تنفيذ بنودها”، واقتحمت على إثر ذلك المنطقة العازلة في هضبة الجولان (235 كيلومتراً مربعاً) التي نشأت بموجب الاتفاق واحتلتها. ووسّعت أيضًا نطاق سيطرتها وتوغلاتها في الأراضي السورية، بمساحة إجمالية وصلت إلى نحو 600 كيلومتر مربع. وعلى نحو موازٍ لذلك، شنّت إسرائيل حملة جوية واسعة، أسفرت عن تدمير الجزء الأكبر من أسلحة الجيش السوري ومعدّاته. وقد بلغت الغارات الإسرائيلية في يوليو/ تموز 2025 محيط القصر الرئاسي في دمشق، خلال الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء.
وفي هذا السياق، بدأت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، برعاية مفاوضات مباشرة بين إسرائيل وسورية، تنقلت بين باكو وباريس ولندن، آملةً أن تضم سورية في نهايتها إلى سلسة “الاتفاقات الإبراهيمية” التي كانت إدارة الرئيس ترامب أطلقتها خلال ولايته الأولى (2017-2020). وكان ترامب قد وجه خلال لقائه أحمد الشرع في الرياض، في 14 مايو/ أيار الماضي، دعوةً إلى سورية للانضمام إلى مسار اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، متعهدًا في المقابل برفع العقوبات المفروضة عليها. وقد بدا واضحًا الربط الأميركي بين المسارين (تحقيق تقدّم في المفاوضات مع إسرائيل، في مقابل رفع العقوبات عن سورية) في تحركات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الذي توجّه إلى واشنطن لبحث مسألة رفع العقوبات عن سورية، بعد أن بحث في لندن مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، مسودة اتفاق أمني جديد قدّمته إسرائيل لسورية. وقد سبق ذلك نقاشات في باريس، ركّزت على خفض التصعيد، إضافة إلى مراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وهو ما قد جرى التوصل إليه بوساطة أميركية في تموز/ يوليو 2025، وإعادة تفعيل اتفاق 1974. ومع أن الاتفاقات المزمع التوقيع عليها هي اتفاقات أمنية وفقًا للتصريحات، فإن المفاوضات لم تَجْرِ بين عسكريين، بل بين سياسيين على مستوى رفيع في لقاءات مباشرة.
ملامح الاتفاق المحتمل
تسعى إدارة الرئيس أحمد الشرع إلى إحياء اتفاق فصل القوات لعام 1974، مع استعدادها لقبول تعديلات عليها (اتفاق 1974 “بلس”)، في حين تهدف إسرائيل إلى فرض اتفاق جديد، مستفيدةً من حالة الضعف التي تعانيها سورية، وتعثّر حكومتها الجديدة في إيجاد توافقات وطنية تحفظ وحدة البلاد واستقرارها. وبناءً على ذلك، قدّمت إسرائيل لسورية مقترحاً مفصّلاً لاتفاقية أمنية جديدة تتعلق بجنوب غرب البلاد، قبل أن يلتقي ديرمر بالشيباني، في لندن، لمناقشته، يوم 17 سبتمبر/ أيلول.
لم تُكشف التفاصيل الكاملة للاتفاقية بعد، لكن جوهرها يرتكز، بحسب تقارير إعلامية، على التزامات إسرائيلية بسحب قواتها تدريجيًا إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974، باستثناء موقعين متقدّمين في جبل الشيخ، وتأجيل البحث في مسألة البتِّ في مصير مرتفعات الجولان. وفيما تلتزم سورية بمنع استخدام أراضيها لِشَنّ هجمات ضد إسرائيل، تلتزم إسرائيل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لسورية والاعتراف بحكومة أحمد الشرع (!). وهذا أمر غريب ومستهجن أن تحتاج سورية إلى أن تعترف إسرائيل، وهي دولة عدوّ تحتل أراضيها، بحكومتها. وتشمل ترتيبات يجري فيها تقسيم جنوب سورية إلى ثلاث مناطق، في محاكاة لاتفاقية كامب ديفيد مع مصر (بخلاف أن مصر استعادت أراضيها المحتلة كاملة، أي استعادت سيناء)، لكل منها قواعد محددة لأنواع القوات والأسلحة المسموح بها، مع حظر وجود عسكري أو أسلحة ثقيلة في المنطقة العازلة، والسماح بوجود الشرطة وقوات الأمن الداخلي فقط. وهو ترتيب وافقت عليه مصر في سيناء، وفاوضت عليه سورية سابقًا ليكون في الجولان، أي الأرض المحتلة المستعادة، على أن تقابله إسرائيل بمناطق موازية منزوعة السلاح في أراضيها. ولكن فرض هذا الترتيب على المناطق الواقعة جنوب دمشق، يَعني نقل التعامل مع الجولان إليها، بدلًا من استعادته. وينص المقترح، أيضًا، على توسيع المنطقة العازلة بمقدار كيلومترين على الجانب السوري، وأن تُخصص المنطقة بأكملها من جنوب دمشق حتى الحدود منطقةَ حظرٍ جوي للطائرات السورية. ويُفصِح المقترح الإسرائيلي، عن محاولة لإعادة هندسة الجنوب السوري أمنيًا عبر تقسيمه إلى نطاقات جغرافية متمايزة، لكلٍّ منها وضعٌ خاص به يقيّد السيادة السورية، وهي تشمل:
• المنطقة الصفراء (محتلة فعليًا): يبقى هذا الشريط تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، ويُعدّ قاعدة انطلاق لعمليات استخباراتية وعسكرية ذات طابع استراتيجي بالنسبة إلى إسرائيل.
• المنطقة الزرقاء (شريط فصل القوات): هي المنطقة المجاورة مباشرة للحدود والمعروفة تاريخيًا بمنطقة فصل القوات وفق اتفاق 1974 المتعلق بإدارتها تحت رقابة دولية (مثل قوة مراقبة).
• المنطقة الحمراء (المنطقة المقترحة منزوعة السلاح): تمتد بعمق داخل الأراضي السورية، وتمثل نطاقًا يحظر فيه وجود أسلحة ثقيلة من الجانب السوري، وربما قيوداً على الوجود البشري العسكري المنظّم، من دون وجود ترتيباتٍ تقابلها على الجانب الإسرائيلي؛ ما يخلق شريطًا عازلًا فعليًا بين الحدود ونطاق السيطرة السورية المباشرة.
• المنطقة الخضراء (منطقة حظر جوي): تضم أجزاء واسعة من محافظتَي درعا والسويداء، وتمتد نحو محيط دمشق وفقاً للخريطة. وفيها تُفرض قيود على الطيران الحربي السوري؛ ما قد يحدّ من قدرة سورية على توظيف القوة الجوية في عمق الجنوب.
مضامين الاتفاق وتحدّياته
يعكس المقترح الإسرائيلي محاولةً لفرض واقع سياسي وميداني جديد، بحيث تصبح مساحات شاسعة من الجنوب السوري شبه معزولة عسكريًا عن سلطة سورية، وتحت رقابة مباشرة أو غير مباشرة من إسرائيل. وفضلاً عن ذلك، يكرس المقترح، في حال الموافقة عليه، النفوذ الإسرائيلي في محافظات الجنوب السوري (درعا والقنيطرة والسويداء وأجزاء من ريف دمشق الجنوبي الغربي)؛ إذ تستطيع إسرائيل، بذريعة ضمان الاستقرار والأمن وضمان تطبيق الاتفاقيات، أن تتوغل عسكريًا متى شاءت في هذه المناطق. ويفتح الاتفاق مجالًا واسعًا للتدخلات الإسرائيلية في شؤون سورية الداخلية، خاصة في المناطق التي تكون فيها تجمعات من أبناء الطائفة الدرزية، بحجة حمايتهم، بما في ذلك محافظتَا القنيطرة وريف دمشق، إضافة إلى السويداء. وفي مقابل ذلك، يحمل الطرح الإسرائيلي دلالات عديدة ذات أبعاد خطِرة؛ إذ إنه يقوّض سيادة الدولة السورية على جنوب البلاد ويهدّد وحدة أراضيها، بتعامله ضمنيًا معها على أنها منطقة خارجة جزئيًا عن سيطرة الدولة يجري إعادة تشكيل وضعها الأمني عبر التفاهم مع قوة خارجية محتلة، بدلًا من استعادة الجولان والتفاوض على الترتيبات الأمنية فيه. ويمثّل المقترح الإسرائيلي كذلك إحراجًا واختبارًا للحكومة السورية المؤقتة. فقبولها مثل هذه الترتيبات يعني تقديم تنازلات سيادية جسيمة في بداية عهدها؛ ما يهدّد شرعيّتها داخليّاً. وقد جاء المقترح بعد وقت قصير من إعلان سورية والأردن والولايات المتحدة اتفاقاً مبدئيّاً على خريطة طريق لتهدئة الأوضاع في السويداء واستيعاب مطالب أهلها. يُقوض التدخل الإسرائيلي، على هذا النحو الأمني البديل، فرصة البناء على خريطة السويداء بوصفه خطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار الداخلي؛ إذ يدلّ على انطباع مفاده بأن الترتيبات الأمنية مع القوى الأجنبية تتقدّم على الحلول السياسية المطروحة في الداخل لضمان وحدة الشعب السوري، وهو ما يضعف صدقية الحكومة السورية ويفتح مجالاً في المستقبل لتكرار نموذج المناطق المنزوعة السلاح، أو العازلة في أنحاء أخرى من البلاد؛ وهذا يعني تفكيكاً فعليّاً لوحدة البلاد وتحويلها إلى مناطق نفوذ أمنية لقوى إقليمية ودولية، بدلاً من الحفاظ على مبدأ الدولة ذات السيادة الكاملة سواء كانت دولة مركزية أو اتحادية. أمّا ادعاء المركزية، والتفريط في وحدة الشعب والأرض، فكلاهما البديل الأسوأ. وسيشجّع نجاح إسرائيل في انتزاع منطقة أمنية عازلة في الجنوب السوري قوى إقليمية ودولية أخرى على المطالبة بترتيباتٍ مماثلة، ووضع قيود سيادية على الدولة السورية عبر الضغط العسكري في حالِ فشلِ المفاوضات.
المقترح الإسرائيلي، في حال التجاوب معه، سيجعل الحكومة الانتقالية السورية في مواجهة تحدّيات سياسية وقانونية وأمنية كبرى، أهمها غياب الشرعية الدستورية والتفويض الشعبي اللازم لإبرامه؛ ذلك أن أيّ اتفاق مع إسرائيل (خصوصاً إذا تضمّن ترتيبات تمسّ السيادة والأرض)، يتطلب تفويضاً قانونيّاً وسياسيّاً، بما في ذلك التصديق من برلمان منتخب، وهو أمرٌ غير متاح حاليّاً. وبالنظر إلى أن الحكومة الحالية تُعَدّ، بنص الإعلان الدستوري، نتاج مرحلة انتقالية، فإن هذا سيجعل إبرامها اتفاقًا مثل هذا محل جدل قانوني كبير، وقد يعدّه البعض باطلًا دستوريًا، فضلًا عن إمكانية مواجهته رفضًا من قطاعات واسعة من الشعب السوري، ما زالت تعتبر التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، وتوقيع اتفاقات لا تحترم السيادة السورية معه، تجاوزًا للخطوط الحمراء الوطنية. وبحسب نتائج المؤشر العربي، يرى 78% من السوريين أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تهديدًا لأمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها، ويرفض 74% منهم الاعتراف بإسرائيل، فيما يعارض 70% عقد اتفاق مع إسرائيل لا يتضمن عودة الجولان. وفي حين يرى 88% من السوريين أن إسرائيل “تعمل على تهديد الأمن والاستقرار في سورية”، يعتقد 74% منهم أن إسرائيل “تقوم بالعمل على دعم بعض الفئات في المجتمع السوري من أجل تغذية النزاعات الانفصالية وتهديد وحدة التراب السوري”. وهذه المؤشرات قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية. فتوقيع اتفاقات أمنية مع قوة احتلال على عداء تاريخي مع الشعب السوري، وهي تشنّ حاليًا حرب إبادة في فلسطين، من دون توافق وطني شامل، قد يُحدث شرخًا بين مكوّنات المجتمع والقوى السياسية. ولا يُستبعد ظهور مواقف معارضة، بما في ذلك ضمن التحالف الحاكم من جانب قوى ترفض التفريط بسيادة البلاد. وإضافة إلى معارضة شرائح واسعة من السوريين لأي اتفاق لا يضمن لسورية حقوقها في أرضها، يُعد القبول بمنطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري سابقة خطِرة تمس الحق القانوني للدولة السورية في السيادة على كامل أراضيها، وقبولًا ضمنيًا بنفوذٍ إسرائيلي يستوجب ترتيبات خاصة، بدلًا من تأكيد حق سورية في استعادة الجولان المحتل وتعزيز قدراتها الدفاعية. إنّ أي اتفاق أمني مثل هذا ستعدُّه إسرائيل اعترافًا من جانب سورية بوضع أمني خاص للجنوب، وقد يشكّل خطوةً في اتجاه ترسيم حدود أمر واقع جديدة تفصل تلك المنطقة عن الوطن الأم، فضلًا عن وجود إسرائيل العسكري المباشر على قمة جبل الشيخ. وللاتفاق أيضًا مخاطر أمنية بعيدة الأمد؛ فهو يجرّد جزءًا من الأراضي السورية من السلاح ويجعلها منطقة مكشوفة أمنيًا أمام توغلات واعتداءات إسرائيلية في المستقبل. أخيرًا، إن القبول بمقترح المنطقة العازلة يرهن الجنوب لمعادلة غير متكافئة سنواتٍ طويلة، ويضعف موقف سورية التفاوضي حيال الاحتلال في أي مفاوضات مستقبلية لاستعادة الجولان المحتل.
خاتمة
يشكّل المقترح الإسرائيلي لمنطقة منزوعة السلاح في جنوب سورية تهديداً ذا خطورة شديدة بالنسبة إلى وحدتها وسيادتها وأمنها على المدى البعيد؛ فهو يستغل الظرف الانتقالي الذي تعيشه البلاد، وضعف قدراتها العسكرية، وإمكاناتها الاقتصادية، وانقساماتها الداخلية، لفرض أمرٍ واقع يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي. إن القبول بهذا المقترح، من دون سند شعبي أو شرعية دستورية، من شأنه إلحاق ضرر تاريخي بالموقف السوري في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. وقد أثبتت التجارب التاريخية منذ اتفاقية كامب ديفيد (1978) مروراً بأوسلو (1993)، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية (2020)، أن تقديم تنازلات أو إبرام اتفاقات سلام منفردة مع إسرائيل لم يوقف سياستها التوسعية وانتهاكاتها، بل منحها هامشًا أوسع لترسيخ احتلالها وفرض الأمر الواقع. وفي ضوء ذلك، ينبغي أن تظل أي ترتيبات أمنية تبرمها سورية مع إسرائيل ضمن إطار اتفاق فصل القوات لعام 1974، من دون تقديم اعتراف سياسي، ضمنيًّا كان أو صريحًا، بالنفوذ الإسرائيلي، مع الحفاظ على الموقف المبدئي الذي يضمن عدم تنازل سورية عن حقوقها تحت الضغط، والامتناع عن توقيع أي اتفاقية تمس أمن سورية وسيادتها على أرضها ووحدة ترابها، ومع ضرورة العودة إلى الشعب (عبر استفتاء)، أو التصديق عليها من برلمان منتخب. فالمسائل المصيرية تتجاوز صلاحيات حكومة مؤقتة جاءت في ظرف استثنائي. وفضلاً عن ذلك، على الحكومة التزام الشفافية في التعامل مع هذه المسائل المصيرية ومصارحة الشعب بالتحدّيات والخيارات المطروحة، وإشراك النخب الوطنية في نقاشها. وينبغي أيضًا، حشد موقف شعبي وإقليمي وعربي رافض لأي محاولة إسرائيلية تستهدف فرض ترتيبات قسرية في الجنوب السوري، وعدم إظهار الضعف في التعامل مع التحديات التي تفرضها إسرائيل؛ فكلما لمست إسرائيل ضعفًا من خصومها تمادت في ممارساتها وسياساتها ضدهم. ينبغي بدلًا من ذلك، رغم الظروف الصعبة، إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية السورية بحيث يجري تعزيز القدرات العسكرية بطرائق مدروسة في الجنوب، لإفهام الجانب الإسرائيلي أن أي عدوان واسع أو توغل بري لن يكون بالأمر السهل.
———————————-
“تململ” من الهجري في السويداء.. حالة سياسية جديدة قيد التشكل/ جاد فياض
الاثنين 2025/09/22
ستشكّل خريطة الطريق التي اتفقت عليها السلطات السورية مع الأردن والولايات المتحدة حدثاً فارقاً، ليس على مستوى العلاقة بين دمشق والسويداء فحسب؛ بل داخل المجتمع الدرزي في المحافظة الجنوبية نفسها. اللجنة القانونية العليا التي شكّلها الشيخ حكمت الهجري رفضت الخريطة وتصلّبت في مواقفها، لكن الرفض هذا المرّة لم يقابل بدعم مطلق؛ بل بتساؤلات وتململات.
بدأت منذ فترة أوساط السويداء الفاعلة والاجتماعية ترصد ما تصفه بـ”التململ” داخل البيئة المجتمعية الدرزية في المحافظة، نتيجة تصلّب الهجري بمواقفه من دون طرح بدائل واقعية، كون الانفصال ليس منطقياً بسبب غياب الدعم الدولي له. موقف رفض خريطة الطريق كان الموقف الأبرز الذي لوحظ بأنّه لم يلق تأييداً واسعاً بين دروز السويداء، ودفع لطرح أسئلة كثيرة حول الأسباب والبدائل.
أسئلة شعبية للهجري
مصدر اجتماعي فاعل في مدينة السويداء، يفضّل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، إثر التهديدات التي تلقاها من مسلحين تابعين للهجري خلال الفترة الأخيرة، يوصّف الواقع عبر “المدن”. يقول المصدر إن حالة “تململ” تتسع رقعتها بين دروز السويداء، وخصوصاً بين النازحين وذوي المخطوفين، بسبب رفض الهجري خريطة الطريق التي يعتبرها الكثيرون في المحافظة أنها “تصب في مصلحة السويداء”.
وينقل الأسئلة التي يطرحها أهالي المحافظة الدروز: ماذا بعد رفض خريطة الطريق؟ ما البديل؟ متى ستكون العودة إلى القرى والمنازل؟ من سيعوّض؟ ويشير إلى أن النقمة تظهر أكثر في صفوف النازحين الذين تركوا قراهم وتضررت منازلهم، كونهم مقبلين على فصل الشتاء ولم يأمنوا مأوىً ومحروقات للتدفئة، إضافة إلى أهالي المفقودين الذين ينتظرون المخطوفين، خصوصاً النساء.
مصدر آخر يتحدّث عن خريطة الطريق، ويقول إنها بمجملها تلبّي مطالب الدروز، وعلى رأسها إعادة المخطوفين إلى ذويهم، والنازحين إلى قراهم، وتعويض أضرارهم بدعم خارجي، تشكيل قوات أمنية تابعة للحكومة، ولكن بعناصر من داخل المحافظة، وبقيادة شخصية من صفوفهم، إضافة إلى تأمين محيط السويداء والطريق إلى دمشق. وخريطة الطريق ترعاها دول ضامنة، على رأسها الولايات المتحدة.
حالة سياسية جديدة
مراقبة أفق هذا التململ المجتمعي من سياسة الهجري ضرور،ة كون هذه الحالة قد تشكّل في ما بعد حدثاً قد يكون له وقع على وضع السويداء السياسي. يقول مصدر أهلي إن المحافظة مقبلة على شتاء قاسٍ، والقلق من كيفية تأمين المنازل للنازحين والمحروقات للأهالي، ثم إن الرواتب مقطوعة منذ أشهر، ومساعدات الهلال الأحمر بالرغم من حجمها غير كافية ولا تعوّض الدورة الاقتصادية، وإسرائيل لا ترسل سوى “الفتات” (بضع مئات من صناديق الإعاشة لأكثر من مئة ألف نازح)، وبالتالي رقعة النقمة ستتسع مع تقدّم الوقت.
هذا الصوت التململي “واسع”، لكنه “ليس ضاغطاً” بعد، وفق المصدر الاجتماعي الأول، لجملة من الأسباب. أولاً بسبب حملات التخوين والتهديدات المسلّحة التي تطال منتقدي سياسات الهجري، وثانياً، خشية صدام داخلي بين الدروز، وخلخلة التوازن والوحدة في السويداء، وفق تعبيره.
تطور هذه الحركة يحتاج إلى مقومات عديدة، لكن المصدر نفسه يحدّد أبرز مفاتيحها: دعم عربي مباشر للصوت المعارض للهجري في السويداء، والمُطالب بالحل السياسي. يشيد المصدر بالدعم العربي والخليجي لخريطة الطريق، لكنه يشدّد على أهمية دعم عربي، وتشجيع عودة الدروز إلى تاريخهم العروبي، ومواجهة الموجة الانفصالية الإسرائيلية، فيقوّي الخط الدرزي السوري على الخط الانفصالي.
في المحصلة، فإن النقمة المرصودة تتسع مع الوقت. وإذ لا تلغي الجو الموالي للهجري، الذي يتظاهر في ساحات السويداء، لكنها تؤسّس لجو شعبي في المحافظة قد ينشط ويغتنم الفرص الكثيرة السانحة، فيشكّل حالة سياسية مقابلة للهجري، خصوصاً أن السويداء اعتادت على تعدّدية المراجع السياسي والاجتماعية منذ عقود.
————————
في “الفخ” الذي وقع فيه الشرع/ إياد الجعفري
الاثنين 2025/09/22
فيما يحتفي أنصار الحكومة الانتقالية في دمشق، بكثافة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بزيارة الرئيس أحمد الشرع للولايات المتحدة الأميركية، وبالكلمة المرتقبة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفها حدثاً “تاريخياً”، لم يتطرق أي منهم لـ”الفخ المدبر”، الذي أقرّ به الشرع ذاته، في أحداث السويداء، ونتائجه التي تبدو وشيكة، على هيئة اتفاق أمني، إن وُقِّع وفق النسخة الإسرائيلية المسرّبة، فسيمثّل أساساً مستقبلياً محتملاً لخسارة الجنوب السوري برمته.
كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ يرجع ذلك إلى لحظة فارقة في مسار المفاوضات السورية- الإسرائيلية، التي انطلقت منذ شهر أيار الفائت. قبل أيام، كشف مصدر حكومي لتلفزيون “العربي” عن رؤية المفاوض السوري مع إسرائيل، والتي تقوم على مبدأ “خفض التصعيد ضمن إطار اتفاق 1974″، وذلك وفق معادلة: “ضمان أمن الحدود مع الأراضي المحتلة، مقابل وقف العدوان الإسرائيلي. وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد 8 كانون الأول الفائت”. ونستطيع التخمين أن ذلك كان إطار الموقف التفاوضي السوري، منذ بدء مسار التفاوض مع الإسرائيليين. فيما كانت تل أبيب ترفض العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وتطلب التفاوض على اتفاق آخر، يضم ضمانات أمنية جديدة. وكانت الحجة التفاوضية الإسرائيلية ضعيفة في ظل عدم قيام الحكومة في دمشق بأي إجراء أو تحرك ينبئ برغبتها في تهديد “الأمن القومي الإسرائيلي”، بل على العكس، ظهرت تل أبيب بمظهر المخرّب لمسار الرعاية الأميركية للعهد الجديد في سوريا. ويمكن الرهان على أن الإسرائيلي كان يفتقد لأوراق تفاوضية تقوي موقفه أمام الراعي الأميركي، والرعاة الإقليميين الذين استضافوا المفاوضات الجارية، حينها. حتى جاءت اللحظة الفارقة.
في حديثه قبل أيام، لصحيفة “ملييت” التركية، قال الشرع إن “أحداث السويداء الأخيرة جاءت بمثابة “فخ مدبر”، وذلك في وقت كانت المفاوضات مع إسرائيل على وشك الانتهاء”. وهكذا أصبح لدى الإسرائيلي ورقة تفاوضية عززت موقعه. وها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقولها صراحةً، اليوم: “نناقش اتفاقاً أمنياً يضمن سلامة إخواننا من الدروز”. ولم يعد الأمر يتعلق بضمانات أمنية تطالب بها إسرائيل، لحماية “أمنها القومي”، فقط. بل تعدى ذلك، ليصبح حماية مكوّن محدد داخل سوريا، تربطه صلات مع أحد مكونات “المجتمع الإسرائيلي”. وهكذا وقعت الحكومة الانتقالية في دمشق، بـ”الفخ المدبر”، وانجرت بدفعٍ من شهوة السيطرة المطلقة بالقوة على كامل التراب السوري. فكانت أحداث السويداء، في منتصف تموز الفائت، وتداعياتها التي قد يدفع السوريون ثمنها، اتفاقاً أمنياً مستداماً، يُفقد دولتهم حق الوصول المسلح إلى ثلاث محافظات، بجنوب البلاد. وهو أمر قد يؤسس لحالة الانفصال غير المعلن، لجيوب بالجنوب السوري، برعاية إسرائيلية، وبإقرار رسمي سوري.
نأمل أن نكون مخطئين، وأن تكون الحكومة السورية، أكثر صلابة في التفاوض، وألا تقدّم تنازلات نوعية من قبيل المطلوب منها، وفق المقترح الإسرائيلي. لكن القلق يزداد حينما نقرأ تصريح الشرع، قبل أيام، وهو يقول إن “التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل لا مفر منه، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق موضع شك”. وهنا، لم يوضح الشرع السبب الذي يجعل الاتفاق المشار إليه، أشبه بـ”حتمية”. وفي سياق تخمين الإجابة، سيتبرع كثيرون ليخبرونك بأن السوريين لا يريدون الانجرار إلى حرب شاملة مع إسرائيل. هم يريدون التفرغ لإعادة بناء بلدهم المدمّر. ولتحقيق ذلك، يجب تحييد مشاغبات إسرائيل، من توغلات وقصف واستهدافات داخل أراضيهم. لكن ماذا عن إشارة الشرع إلى أن “الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق سيبقى موضع شك”؟. ألا يعني ذلك، أن الغاية من الاتفاق “الحتمي”، وهي تحييد مشاغبات إسرائيل، لن تكون محققة بالضرورة؟
يحيلنا ذلك إلى غاية أخرى تتعلّق بربط الإدارة الأميركية بين حصول تقدم في المفاوضات مع إسرائيل، وبين الرفع الكامل للعقوبات عن سوريا. وكان لافتاً، تصريح الشرع أمام عدد من الصحافيين في دمشق، قبل أيام، أن “واشنطن لا تضغط على دمشق للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل”. ليقول في التصريحات ذاتها، إن “المفاوضات الجارية مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قد تؤدي إلى نتائج في الأيام المقبلة”. تصريحاته تلك، تزامنت مع وصول وزير الخارجية، أسعد الشيباني، إلى واشنطن، لينخرط في محادثات مع مشرعين ومسؤولين أميركيين، بغية تحقيق الرفع الكامل للعقوبات الأميركية عن سوريا. وهو ما أفضى إلى الإعلان عن تسوية تقضي بإلغاء عقوبات “قانون قيصر”، مقابل التزام الحكومة السورية بتنفيذ جملة من الشروط والمطالب. وهكذا يصبح من الصعب أن نغمض أعينا عن الارتباط بين الملفين: التفاوض مع إسرائيل، والتفاوض لرفع العقوبات.
وبالعودة إلى تصريحات الشرع، لصحيفة “ملييت” التركية، حول المفاوضات مع إسرائيل عقب الهجوم الأخير على قطر، قال الشرع: “إذا كان السؤال هل أثق بإسرائيل؟ فالجواب: لا أثق بها”. إذاً بمن يثق الشرع في ضمان اتفاق “لا مفر منه” مع إسرائيل؟ يبدو الجواب جلياً من العرض السابق. فالشرع يراهن على واشنطن في لجم إسرائيل، وفي تحقيق تفاهمات معها، بضمانة أميركية. هي الضمانة ذاتها التي لم تقِ قطر من عدوان إسرائيلي صادم!
لكن، هل كان لدى الشرع، خيارات أفضل؟ إحدى الخيارات كانت، الاستناد إلى شرعية شعبية، تتمتع بتعبير تمثيلي موثوق، يمكن أن تشكّل ورقة قوة تفاوضية مع الإسرائيلي، ومع الأميركيين أيضاً. كان يمكن لذلك أن يحدث عبر وضع قوانين ناظمة لانتخاب مجلس شعب، يعبّر عن السوريين، بالفعل، ويؤدي لتشكيل سلطة تشريعية غير خاضعة للسلطة التنفيذية. سلطة تشريعية تشكّل رقيباً على نظيرتها التنفيذية. وفي الوقت نفسه، تشكّل حصناً لمصالح السوريين. فهي من سيقرّ اتفاقاً أمنياً مع إسرائيل.
لكن، مع القوانين واللوائح الحالية الناظمة لانتخاب مجلس الشعب المرتقب، من الصعب على أحد، داخل سوريا أو خارجها، أن يصدق أن المجلس المقبل لن يكون رهن إشارة الرئيس وتوجيهاته. وبذلك، لا حجة للمفاوض السوري يمكن الرهان عليها مقابل الضغوط الأميركية والإسرائيلية عليه. حجة من قبيل عدم القدرة على تجاوز إرادة السوريين المعبّر عنها في مجلس الشعب. هذا أحد الخيارات التي كان يمكن الاستناد إليها، لتقوية الموقف التفاوضي للوفد السوري، بدل الرهان المطلق على وضع كل “بيض” السوريين، في السلة الأميركية.
المدن
————————–
لقاءات نيويورك… فرصة ترمب لتحقيق “سلام معقول” في سوريا/ عمر اونهون
الوضع اليوم ازداد خطورة مع تصرف إسرائيل بقدر أكبر من التهور
آخر تحديث 21 سبتمبر 2025
تشنّ إسرائيل حربا متعددة الجبهات لإعادة تشكيل موازين المنطقة، متجاوزة كل شيء تماما، من الأرواح البشرية إلى قواعد الحرب والأعراف الدولية والقيم الإنسانية المشتركة.
ولا يسعى نتنياهو وحلفاؤه في اليمين المتطرف إلى القضاء على “حماس” والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى في غزة فحسب، بل يهدفون كذلك إلى تنفيذ عملية تطهير عرقي لإفراغ القطاع من سكانه الفلسطينيين، عبر إجبار أكبر عدد ممكن من سكانه البالغين نحو 2.3 مليون نسمة إلى الرحيل عنه.
وإذا ما قدّر الإسرائيليون أن القطاع أُفرغ بما يكفي من الفلسطينيين، فإنهم سيسعون إلى تنفيذ مشروع دونالد ترمب لتحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، عبر تشييد مبانٍ حديثة ومنتجعات سياحية فوق أنقاض حياة مئات الآلاف من البشر.
في مقال نشر في الصحافة التركية بتاريخ 4 أغسطس/آب، قلت: “إن إسرائيل طرف خارجي بالغ الأهمية سيؤثر في مستقبل سوريا، فهي تريدها ضعيفة ومفككة. ورغم أن إسرائيل وتركيا، اللتين عاشتا سنوات من العداء الشديد، تبدوان وكأنهما على وشك الاشتباك في أي لحظة، فإن قنوات الاتصال المباشر بينهما لم تُغلق، إذ لا يزال التواصل قائما بينهما، فيما تضطلع الولايات المتحدة بدور الوسيط وصانع السلام”.
لكن الوضع اليوم ازداد خطورة مع تصرف إسرائيل بقدر أكبر من التهور. وأصبح خطر وقوع احتكاك مباشر عرضي بين تركيا وإسرائيل في الشريط السوري الضيق أكثر احتمالا. كما أن ضعف رد المجتمع الدولي يشجع إسرائيل على المضي قدما في سياساتها. وفي الوقت نفسه، بات الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتبادلان الاستهداف علنا.
إذ يسعى نتنياهو إلى إقناع الإسرائيليين وداعميه في الخارج، ولا سيما في الولايات المتحدة، بأنه يواجه “زعيما إسلاميا متشددا يعادي إسرائيل واليهود”.
في المقابل، يعمل الرئيس أردوغان على تعزيز مكانته في تركيا والمنطقة عبر تقديم نفسه كقائد إقليمي يتصدى للصهاينة المتطرفين الذين يرتكبون إبادة جماعية بحق الفلسطينيين ويسعون إلى تقسيم سوريا.
كررت تركيا مرارا استعدادها لتقديم كل ما يلزم من دعم لدمشق في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. إلا أنها، وكما هو متوقع، لم تكشف عن طبيعة الوسائل التي تعتزم استخدامها لهذا الغرض. غير أن الرئيس رجب طيب أردوغان جدّد موقف بلاده، فيما التقى رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي إبراهيم قالين الرئيس السوري الشرع في دمشق قبل أيام قليلة.
أما إسرائيل فترى اليوم أن تركيا خصم لا يقل خطرا عن إيران، وتتعامل معها بوسائل متعددة، من بينها استهداف ما تعتبره نقاط ضعف تركية. ويُقال إن إسرائيل تقصف مواقع في سوريا يُعتقد أن أنقرة تنوي إقامة قواعد فيها، كما تعزز علاقاتها مع جماعات مناوئة لتركيا، وتسعى كذلك إلى تحريض الكونغرس الأميركي ضدها.
لكن تركيا ليست كسائر الدول التي واجهتها إسرائيل، فهي دولة واسعة المساحة وكبيرة من حيث عدد السكان، وتتمتع بتقدم ملحوظ في مجال الصناعات الدفاعية، وجيشها كبير ويمتلك خبرة قتالية واسعة. وفوق ذلك، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وهو ما يفترض أن يشكّل فارقا حاسما.
أما بالنسبة للوضع في سوريا:
– يبدو أن جميع الأطراف، سواء الخارجية أو الداخلية، بما فيها تركيا، تتفق على أن سوريا لم تعد قابلة للحكم بنظام مركزي قوي، وأن هيكلا إداريا يمنح بعض الصلاحيات للإدارات المحلية قد يشكّل خيارا قابلا للتطبيق. غير أن الخلافات ما زالت قائمة حول معايير هذا الهيكل الإداري وتعريفه.
– التقت الولايات المتحدة وسوريا والأردن مؤخرا في عمّان، حيث وقّعت الأطراف الثلاثة خارطة طريق تهدف إلى إرساء الاستقرار في السويداء، كما دعت الأمم المتحدة إلى اعتماد هذه الخارطة كوثيقة رسمية.
– أعلن الزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري، بدعم من إسرائيل، رفضه الاعتراف بهذا الاتفاق. وتسعى إسرائيل إلى جعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح وخالية من القوات الحكومية المركزية وحلفائها، إلى جانب مطالب أخرى.
– تتواصل المفاوضات بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمشق، غير أن “قسد” تتمسك بما تصفه بـ”حماية حقوقها وعدم التفريط بمكتسباتها”.
– أدلى المبعوث الأميركي الخاص بسوريا، توم باراك، بتصريحات دعا فيها “قسد” إلى التعقل والتوصل إلى اتفاق مع دمشق. غير أن “قسد” تعتقد أنه، وعلى الرغم من هذه التصريحات، فإن الولايات المتحدة لن تتخلى عنها، نظرا لدورها في مواجهة تنظيم “داعش” وإيران وخصوم آخرين محتملين.
– يواصل السفير باراك دبلوماسيته المكوكية سعيا إلى إبرام اتفاقات بين سوريا وإسرائيل، وبين دمشق والجماعات المتنازعة معها.
وتأمل الولايات المتحدة أن يجري توقيع هذه الاتفاقات خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، المقرر أن تبدأ الأسبوع المقبل في نيويورك، حيث ستقدّمها بوصفها مساهمة جديدة من ترمب في خدمة السلام العالمي.
قد يُوقّع اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل في نيويورك، وفي المقابل تستعد إلهام أحمد، رئيسة دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، للسفر إلى الولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يصدر اتفاق أو بيان مشترك بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
تُعدّ مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثا بارزا، إذ سيكون أول زعيم سوري يلقي خطابا في هذا المحفل منذ عام 1967. ومن المتوقع أن يحظى الشرع وإدارته ببعض الدعم خلال كلمات الدول المشاركة، غير أن هذا الدعم سيقترن بتحذيرات وما يمكن اعتباره شروطا من نوع ما.
وبالنظر إلى الهيكل القائم للأمم المتحدة، يبدو من غير الواقعي توقّع صدور قرارات ملزمة أو فعالة تجبر إسرائيل على وقف عدوانها ضد سوريا.
وتواجه سوريا عوائق عديدة تحول دون استقرارها، من بينها التداعيات السلبية الناجمة عن “هيئة تحرير الشام”، غير أن التحدي الأكبر يظل متمثلا في السياسة الإسرائيلية التي تستهدف زعزعة استقرار البلاد.
قال الشرع إن إسرائيل شنّت منذ 8 ديسمبر/كانون الأول أكثر من ألف غارة جوية و400 عملية برية داخل الأراضي السورية.
وتشهد واشنطن ونيويورك في الوقت الراهن واحدة من أكثر الفترات السياسية ازدحاما خلال العام. حيث رفع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني علم بلاده فوق مبنى السفارة السورية في واشنطن، ثم التقى نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو. وأفادت التقارير بأن الجانبين ناقشا عدة قضايا، من بينها متابعة اتفاق 10 مارس/آذار بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ومن المقرر أن يستضيف الرئيس دونالد ترمب نظيره التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض يوم 25 سبتمبر/أيلول. وستتناول المحادثات قضايا ثنائية تتعلق بالتجارة والتعاون العسكري، إلى جانب ملفات سوريا وغزة وإسرائيل. ومن المرجح أن تكون هذه المحادثات صعبة ومعقدة.
وإدراكا منه أن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل للقبول بحل معقول، سيحرص أردوغان على تذكير الرئيس ترمب بأن سياسات نتنياهو تضع واشنطن في موقف بالغ الصعوبة، وأنه من خلال إذكاء العداء وتهيئة بيئة خصبة للتطرف والتنظيمات مثل “داعش”، لا يجعل ذلك مستقبل إسرائيل أكثر أمنا بل أكثر خطورة.
في هذه المرحلة، يجب إرغام إسرائيل على قبول سلام معقول يضمن لها الأمن أيضا.
ورغم أن ذلك قد يبدو مستبعدا، فإن إقدام جامعة الدول العربية و”منظمة التعاون الإسلامي” والاتحاد الأوروبي على خطوات جماعية مثل تعليق العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ووقف العلاقات الاقتصادية والتجارية، والاعتراف بدولة فلسطين، سيشكّل إحدى أبرز وسائل الضغط في هذا السياق.
وستعارض الولايات المتحدة بلا شك أي خطوات من هذا النوع ضد إسرائيل وستسعى إلى منعها، غير أن غياب الحلول الدبلوماسية سيقود إلى مزيد من العنف والحروب، فضلا عن تعميق مشاعر الإحباط واليأس.
————————–
السويداء: حل إنهاء الصراع مرهون بالقبول الإسرائيلي/ منصور حسين
الأحد 2025/09/21
تُظهر خريطة الطريق لحل الأزمة في السويداء، التي نشرتها وزارة الخارجية السورية برعاية أميركية أردنية، وما رافقها من ترتيبات جديدة أعلنتها وزارة الداخلية، موافقة الحكومة السورية على منح المحافظة نظام حكم لا مركزي إداري موسع، وهو ما يضع البلاد على طريق التغيير الذي يراهن عليه كثير من السوريين، لإنهاء الخلافات القائمة بين الحكومة السورية والقوى المنافسة لها.
خريطة الطريق
ووفق بيان الخارجية، تجري مناقشات تستهدف الوصول إلى تدابير لإعادة بناء الثقة، وخطوات عملية تضمن تشكيل قوة شرطية محلية، تضم كافة مجتمعات السويداء تحت قيادة شخصية من المحافظة تعينها وزارة الداخلية، إلى جانب تفعيل المؤسسات المدنية والإدارية، واستكمال إطلاق سراح المحتجزين، وتسهيل عملية الوصول إلى الأدلة، عبر التعاون مع الحكومة السورية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب، والتوافق على خريطة طريق للمصالحة مع الدولة السورية.
ووفق البيان الذي سبق وأن نشر موقع “المدن” بنوده المفصلة، فقد اتفقت الدول الثلاث على تطبيق خطوات عاجلة، أهمها دعوة الحكومة السورية لجنة تحقيق دولية ومستقلة للتحقيق في أحداث السويداء، والتزامها بمحاسبة جميع مرتكبي الجرائم، وتأمين وصول كميات كافية من المساعدات الطبية والإنسانية إلى المحافظة، ونشر قوات شرطية مؤهلة على طول الطريق الواصل بين السويداء ودمشق، مع سحب المقاتلين المدنيين.
في حين تتكفل الأردن والولايات المتحدة مع الدولة السورية، بالعمل على ترتيبات أمنية وإدارية قصيرة ومتوسطة الأمد، للفترة الانتقالية، تمهيداً لإعادة دمج المحافظة الكلي ضمن الدولة السورية، وإنشاء الدول الثلاث آلية مراقبة لتنفيذ بنود الاتفاق، على أن تعمل واشنطن بالتعاون مع دمشق وبدعم أردني، للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري، تعالج الشواغل الأمنية، مع تأكيد سيادة سوريا.
لا مركزية إدارية في السويداء
وفي المقابل، فقد أعلنت “اللجنة القانونية العليا في محافظة السويداء” المشكلة من قبل الزعيم الروحي حكمت الهجري، رفضها خريطة الطريق، مؤكدةً حق المحافظة في تقرير مصيرها عبر الانفصال أو الحكم الذاتي.
ويرى الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، في حديثه لـ”المدن” أن الاتفاق الموقّع بين السلطة السورية والحكومة الأردنية، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، كان منصفاً لجميع الأطراف المتنازعة في السويداء.
ويقول أيضاً: “منحت بنود خريطة الطريق أهالي السويداء لامركزية إدارية موسّعة، سواء عبر تسمية المحافظ والمكتب التنفيذي أو انتخابهم، إضافة إلى أن تكون الشرطة والأمن المحلي ومناصب أجهزتها القيادية من أبناء المحافظة المؤهّلين”.
والأهم مما سبق، وفق خليفة، تمثل في “الإقرار بالانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المتنازعة، والنية في المضي قدماً نحو المصالحة، مع وضع برنامج عمل وخريطة طريق، لتحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية”.
رفض متوقع
وبدا موقف “اللجنة القانونية” متوقعاً بالنسبة إلى الكثيرين، وبوجهٍ خاصّ بعد التعديلات الأخيرة التي أقرتها وزارة الداخلية، وتكليف سليمان عبد الباقي، المعارض للهجري، لإدارة ملف الأمن في السويداء، في حين يربط آخرون قرار اللجنة بالموقف الإسرائيلي الذي يحاول الضغط على دمشق للقبول بالاتفاق الأمني الجديد، وتطبيقه في الجنوب السوري.
ومع ذلك، يعتبر خليفة أن “الرفض المطلق للاتفاق يضع العصي في عجلة تنفيذه، وهو الأمر الذي توقعه المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، عندما صرح بأن الاتفاق سيمر بمطبات عدة، ربما انطلاقاً من معرفته بحجم النفوذ الإسرائيلي في السويداء، ودعم حكومة نتنياهو لميليشيا حكمت الهجري المسلحة”.
ويشير إلى أن بنود الاتفاق أو الورقة الحالية، وضعت بغرض تعميمها على مختلف المناطق السورية، ولا سيما تلكَ التي تشهد خلافات مع حكومة الشرع، في السويداء التي يجب أن تكون منطلق التجربة، تمهيداً لتبنيها في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
وهو ما يتفق معه المدير التنفيذي لمركز جسور للدراسات وائل علوان، الذي أشار إلى أن الورقة تعكس رغبة دولية بقيادة الولايات المتحدة، وإقليمية ممثلة بالأردن، بترسيخ الاستقرار في سوريا، وحل الأزمات الظاهرة حالياً في الجنوب ومناطق قسد شرقاً، بالرغم من تمسك الأطراف المعارضة لدمشق بمطالب الكونفدرالية.
استقرار تعيقه إسرائيل
ويقول: “هذه الرغبة في ضمان الاستقرار السوري، وإيجاد حلول لملفات السويداء وقسد، لا بد أن تترافق مع مبادرة داخلية لإنهائها، ومنها كان تحرك الحكومة السورية وقبولها الاتفاق، الذي يتوافق مع توجهها نحو نظام اللامركزية الإدارية في إدارة المحافظات، ومنحها حرية إدارية أكبر”.
لكن تجاوب دمشق، يصطدم فعلياً مع توجهات انفصالية تغذيها إسرائيل، وفق علوان، الذي يضيف: “العائق الحالي يتمثل في المطالب التي تمهد للانفصال، عبر اللامركزية المطلقة، وهذا ما يجعل مناطق سيطرة قسد أو السويداء كونفدرالية تحمل طابع الانفصال المؤجل، وهو ما تخشاه الحكومة السورية، ويتعارض مع التوجهات الدولية والإقليمية في سوريا”.
ويرى أن الحل يجب أن يبدأ بالضغط على تل أبيب الفاعل الرئيس في الجنوب، مترافقاً مع تحرك سوري مدعوم من الحلفاء للتوصل إلى اتفاق أمني مُرضٍ للجميع، لا سيما أن “إسرائيل في حال توصلها لتفاهم أمني جديد مع دمشق، ستقوم بالاستغناء عن استثمارها بالأزمات وورقة الأقليات، وهذا ما يجعل الضغط مركزاً على الأطراف المنافسة للحكومة السورية”.
وبالرغم من الرفض الحالي من قبل جماعة الهجري لخريطة حل الأزمة في السويداء، إلا أن هذا الموقف، وفق من تواصلت معهم المدن، لا يمنع من البحث عن منطقة رمادية تُفتح تدريجياً، وصولاً إلى توافق أبيض ينهي حالة الصراع في سوريا.
المدن
————————
فلسطين تتقدّم وسوريا تعود/ إبراهيم حميدي
الغياب لا يعني النسيان، والتاريخ لا يُغلق فصوله وعقارب الساعة لا تتوقف
آخر تحديث 21 سبتمبر 2025
في نيويورك، لا تنتهي القصص، بل تعود في أزمنة مختلفة بأسماء جديدة وظلال قديمة. لكن هذه المرة، بلغة تتحدث إلى التاريخ، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.
فلسطين تطرق باب المجتمع الدولي بثقة أكبر، مع اتساع رقعة الاعتراف بها، وقمّة لـ”حل الدولتين”. وسوريا تعود إلى المنبر الأممي بعد غياب لستين سنة، وبعد 14 سنة من حرب طاحنة وعقود من العزلة.
موضوعان يلتقيان على منصة دولية واحدة، ليقولا إن الشرق الأوسط ليس صفحة منتهية، بل أمل يخرج من ركام الدمار، الذي تصاعد بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وفاقمته حكومة بنيامين نتنياهو.
يوم الاثنين، تُعقد قمة “حل الدولتين” بمبادرة سعودية-فرنسية، لوضع آليات وخطوات تنفيذية للمبادرة، بمشاركة تلفزيونية من رئيس السلطة محمود عباس. في قاعات الجمعية العامة، ترتفع الكلمات عن “حل الدولتين” كأنه نداء قديم وجد أخيرا أصداءه في جدران دبلوماسية منهكة لا تؤمن بالعجز.
ثمّة إرادة لرسم أفق لدولة فلسطين، وقد باتت على أعتاب اعتراف دولي، رغم جروح غزة العميقة. فلسطين تقدّمت هذا العام ليس فقط بالخطاب، بل بحراك دبلوماسي غير مسبوق جرى العمل عليه بمبادرات وتحركات سعودية وفرنسية.
المبادرات والاعترافات الدولية تعيد التذكير بالمأساة الفلسطينية، ولا سيما في غزة وتُغلق فجوة في القانون وتفتح معابر الخروج من الكارثة وتفتح مسارا الى المستقبل. دول أوروبية كبرى، وأخرى من الجنوب العالمي، أقدمت على الاعتراف بدولة لم تولد بعد، لكنها حاضرة في الوجدان العالمي أكثر من أي وقت مضى.
وآخر “المعترفين” كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي أقدم على تحوّل جذري في السياسة الخارجية البريطانية، إذ قال: “لإحياء الأمل بالسلام للفلسطينيين والإسرائيليين، وحل الدولتين، تعلن المملكة المتحدة رسميا الاعتراف بدولة فلسطين”. وأضاف: “في مواجهة الرعب المتنامي في الشرق الأوسط، نعمل على إبقاء إمكانية السلام وحل الدولتين قائمة” التي يسعى نتنياهو وحكومته لوأده في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأشار ستارمر، في كلمة تزامنت مع إعلان كندا وأستراليا، قبل فرنسا ودول أخرى، الاعتراف، إلى أن “الأمل في حل الدولتين يتلاشى، ولكن يجب أن لا ندع النور ينطفئ”.
ذلك “الأمل” الذي يجب أن لا ينطفئ للاعتراف بدولة فلسطين، بدأ يتّسع في مكان مجاور وعانى كثيرا. إذ ظهر وجه جديد لسوريا في نيويورك. الرئيس أحمد الشرع، القادم من مرحلة ما بعد الحرب، من بلد لم يصعد إلى منبر الجمعية العامة منذ ما يقارب الستين عاما، وكان غائبا عنه رغم الحضور الطارئ للرئيس نور الدين الأتاسي عام 1967، مع أن هذا البلد كان من مؤسسي الأمم المتحدة.
ليست المسألة مجرد خطاب، بل لحظة رمزية تكسر صمتا طويلا، بدأ منذ تقاعد سوريا من مقعدها الأممي بفعل عزل سياسي طاحن، لتعود اليوم بصوت رئاسي يخرج من “ثلاجة العزلة” ويبحث عن اعتراف مختلف. اعتراف بالوجود، بالعودة، وربما بشكل أعمق، بالشرعية.
الشرع لا يتحدث عن الماضي كثيرا، بل عن الحاضر المثقل بالدمار والعقوبات والرهانات المفتوحة. يمشي في نيويورك بخطوات حذرة، كمن يريد أن تكون العودة إلى المنبر، عودة كاملة إلى المسرح العالمي. ومع ذلك، فإن وجوده بحد ذاته رسالة مزدوجة، إلى الداخل السوري بأن الدولة عائدة، وإلى الخارج بأن سوريا تريد أن تُسمِع، لا فقط أن تُراقَب.
المفارقة أن سوريا، التي حضرت فلسطين في خطاباتها، غابت عن المؤتمر الوزاري لـ”حل الدولتين”. و”القضية” واحدة من عدة عناوين. هي جزء من المشهد لا مركزه. وربما في ذلك مؤشر على تبدل الأولويات، أو تبدل أدوات التعبير عنها، وبدقة أكثر تجريد البلاد من الشعارات. وإحدى الأولويات الآن، هي “تصفير المشاكل” مع الجوار بما فيها احتمال توقيع اتفاق مع إسرائيل يتضمن ترتيبات أمنية جنوب سوريا.
أسبوع نيويورك هذا العام ليس كغيره من أسابيع الجمعية العامة كل سنة. مرآة لشرق أوسط يختبر أشكالا جديدة من الظهور. وما بين تقدّم فلسطين وعودة سوريا، تبقى منطقة الشرق الأوسط مثقلة بأسئلتها الكبرى، مترددة بين ما تريد قوله وما يُسمح لها فعله.
في القاعة ذاتها، وفي الزمن ذاته، التقت فلسطين الجريحة وسوريا الخارجة من العزلة. فالغياب لا يعني النسيان، والتاريخ لا يُغلق فصوله وعقارب الساعة لا تتوقف.
المجلة
—————————–
عن الانفصال والحُلم والفخّ المُدبَّر/ مضر رياض الدبس
2025.09.22
سقوط نظام الأسد حُلمٌ عظيمٌ قد تحقَّق، ولكن كثيراً ما يترك تحقيقُ الاحلام العظيمة فراغاً واسعاً في الحياة كان يشغَلُه فعلُ الحُلمِ نفسه، والسعي إليه ليلَ نهار.
هذا النوع من الفراغ الواسع لا يملؤه إلا أمران: إمَّا الموت، أو ابتكارُ حُلمٍ عظيمٍ آخر والسعي إلى تحقيقه من جديد.
أمَّا الموتُ فينتظر التوقيع على كلِّ شيء، وأمَّا الأحلامُ العظيمةُ الجديدةُ فلا يبتكرُها إلا المبدعون، ولا يُهندِسُها إلا الناجون من طغيان القطيع، الذين يُقدِّرُون قيمة التفكير في ابتكار الأحلام وتحقيقها؛ ولذلك فإنَّ التابعين، وغيرَ المُبدعين، والطائفيين الكارهين للانفتاح والتفكير، يموتون إنْ تحقَّقت أحلامُهم.
في هذه الأيام أتذكَّر كثيراً سيناريو الزير سالم لممدوح عدوان، وهذا العمل تصويرٌ درامي مُبدعٌ لمشكلة العصبية، أتذكَّره لأنِّي أعتقد أنَّ العنوان العام للمشهد السوريّ هذه الايَّام هو العصبيَّة، وما يتفرَّع منها من مفهومات مثل “الثأر” و”الحميَّة” و”النعرة” و”الغنيمة” و”الظَّفر بالبغية”، وكلُّها مضادةٌ للأحلام، طاردةٌ للإبداع؛ لا إمكان للحُلم فيها إلَّا بالعزلة والتصعلُك.
في السيناريو، حين شعر امرؤ القيس، صديقُ الزير الأقرب إليه، أنَّ الزيرَ أوغل في سفك الدماء، وأنَّ ثأرَ كُليبٍ قد تحقّق ولم يعد إصرارُ الزير على استمرار الحرب مفهوماً، قرَّر تركَ الحرب واستئناف تجارته في قافلةٍ إلى الهند، وعرض على العبد “ياقوت” أن يرافقه ليحقِّق له حُلمه الكبير بالذهاب إلى الهند. تحمَّس ياقوت في البداية، ولكن عندما صار وحيدًا وفكَّر في الأمر، قرَّر ألّا يذهب، وكان بينهما الحوار الآتي:
قال ياقوت: يخافُ الرجالُ من مواجهة الحياة خاليةً من الأحلام التي اعتادوا إن يملؤوا حياتهم بها.. بماذا سأحُلم بعد الذهاب إلى الهند؟
ردَّ امرؤ القيس: معك حق.. لماذا سيعيش الزير سالم إذا حقَّق ثأرَه؟
تخيلوا أنَّ الشرع وصف الانفصاليين بأنَّهم حالمون! يا ليتهم حالمين، ويا ليته يصير حالماً، لكان كلاهما يتشاركان الحُلمَ بوطنٍ واحدٍ حديثٍ جميلٍ كريم، ولكانا مُختلفَين معاً، سدًاً أمام الموت الذي لا يزال يوقِّعُ كلَّ اختلاف.
إن دَلَّت الرغبةُ في الانفصال على شيءٍ، فإنَّها تدلُّ على نقصٍ في مَلكَة الحُلم، وإن دلَّ وصف الانفصاليين بالحالمين على شيءٍ، فإنَّه يَدلُّ على نقصٍ في ملكة الحُكم، والنقص الحاد في هاتين المَلكتين هو جوهر المشكلة في السويداء، وفي سوريا كلّها: ملكة الحُلم، ومَلكة الحُكم.
مرةً في هذا الزمان، حرق محمد البوعزيزي نفسه، لأنَّه لم يعد قادراً على الحُلم، فاختار طريقةً ثورية مدهشة في التعبير عن واقعة الحياة التي اختطفها الموت، ووقّع الموتُ حياتَه في طقسٍ ابتكره هو بنفسه.
لكنَّ طقس التوقيع الجديد هذا حرَّض الجميع في حينها على الحُلم، أو على الجرأة على الحُلم بوصفة أداةً في مواجهة الموت من خلال تدريب ملكة الحُكم والتشارك في الحُكم، حينها بدأت ظاهرة كانت تُسمى “الربيع”، وبدأت أيضاً ظاهرة يمكن أن نسميها “مقاومة الربيع”، وكأنّ الظاهرتين صراعٌ بين من تجرأ على الحُلم وبين من لم يجد في نفسه الرصيد الكافي من “حُبِّ التفكير” الذي يؤهله للحُلم، أو من رصيد المروءة والإباء التي تحيل على “الكرامة” بوصفها مفهوماً سياسياً.
ولأنَّ حبَّ التفكير، والمروءة، أفكارٌ لا تجتمع معاً إلا في الناجين من العصبيات، كان الشبابُ في حينها عنوانَ الربيع، بوصفهم خاماتٍ تُربي الأملَ والطموح، ولديها ما يكفي من الحيوية اللازمة لتحقيقهما؛ فما الذي يعنيه أن نكون امتدادًا لهذا الربيع؟ أو ماذا يعني أن ننفي هذا الامتداد عن أنفسنا كما نفاه الشرع، وألَّا نكون امتداداً له؟
ما يُحدِّد الإجابةَ عن هذا السؤال هو مفهوم الحُلم في السياسة؛ فمن يرى الانفصاليون حالمين، لا يستطيع أن يكون امتداداً للربيع؛ فالحُلم في الربيع حريَّةٌ، واندماجٌ وطني، وكرامةٌ، وعدالةٌ اجتماعية، وهذه لا تحتملها العقول الذي تمُدُّ أصاحبَها بموادٍ أزليةٍ مثل “الرسالة الخالدة”، و”إلى الأبد”، و”إقليمٌ درزي مفصلٌ إلى أبد الآبدين”، و”دمشق لنا إلى يوم القيامة”؛ فهذا العقول جميعها امتدادٌ لعقلٍ العصبيات، وليس لعقلِ الربيع العربي، وقد صدقَ الرجل مع نفسه في قولِه.
وللأمانة، إن الشرع متصالحٌ مع نفسه، وله خطٌ متناغمٌ يعبِّر عن أسلوبٍ في التفكير واضح، وهذه تُحسب له في زمن النفاق، فهو يفهم الحُلم بالطريقة نفسها التي يفهم الربيع العربي؛ ولكنَّه لن ينجح في سؤال الحُكم، ولا في امتحان التاريخ، ما لم يغيِّر أسلوب التفكير هذا ومنهجيته من أساسها.
لا ندري إلى أي حدٍ يكون هذا التغيير مُمكناً، ولكننا نعرف أنّه إن لم يكن مُمكناً، فكلُّ مرةٍ سيقع صاحبُه في فخٍّ مثل الذي قال إنّه وقع فيه في السويداء، ووصفه بأنّه مُدبَّر؛ فالوقوع في الأفخاخ لا يعني ضَعفاً في البصر، بل ضعفاً في البصيرة يُسببه خللٌ منهجيٌ عميقٌ ينبغي تداركه قبل أن يتمدد الفخّ إلى ما هو أكبر من طاقتنا جميعاً على النجاة، لأنّ البصيرة تعمل على تدبير النجاة، أكثر ممّا تعمل على تشخيص الأفخاخ المُدبَّرة بعد الوقوع فيها.
المشكلة الكُبرى لا تكمن في الفخِّ المُدبّر، لكنَّها تكمن في الفخّ الأصعب الذي يتكرر، أي في الفخّ غير المُدبَّر، وهذا الفخّ ينصبه العقلُ لنفسه في كل مرةٍ، ولا حلَّ معه إلا في تغيير أسلوب التفكير القابل للتفخيخ، والذي لا يرى السياسة إلا نصباً للأفخاخ، كما لو أنَّها حربُ عصابات.
والفخّ المُدبَّر الذي وقع فيه الشرع في السويداء، لم يكن مُحكماً ولا مُوجعاً، ولكن المُوجع كان الفخّ غيرُ المُدبِّر الذي وقع فيه هناك، وهو غيابُ القدرة على التفكير في ما نفعل، وغياب الحُكم وتقدير التفكير بوصفهما فعلين سياسييَّن بامتياز، هو الوقوع في فخّ العصبية وغياب السياسة، وهذا كلّه لم يدبِّرُه أحدٌ إلا عقلُ الضحية نفسها لنفسه.
تلفزيون سوريا
—————————
الاتفاق الأمني مع إسرائيل وأثره على ملف “قسد”/ محمد كساح
22 سبتمبر 2025
تتباين آراء المراقبين حول تأثير الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين دمشق وتل أبيب على ملف “قسد”، بين من يرى أن الاتفاقية ستشمل جميع الملفات العالقة ومن بينها ملف شرقي الفرات، ومن يعتقد أن اتفاق آذار غير قابل للتطبيق لأنه كان فخًا وقعت فيه الحكومة السورية حيث تحاول “قسد” كسب المزيد من الوقت.
ويمكن ربط أي تسريع لملف شرقي الفرات مع ما نشرته وكالة “رويترز” حول إنهاء مهام عدد من الديبلوماسيين الأميركيين من منصة سورية الإقليمية (SRP) في تركيا بشكل مفاجئ، ما يشير إلى احتمالية حدوث تغييرات قريبة في هذا الملف، خاصة مع معلومات تؤكد أن فريق البعثة الأميركية كان متحمسًا للعلاقة الجيدة مع “قسد”.
ينص اتفاق آذار/ مارس على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وأن المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية، كما ينص على وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية، إضافة لدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، مع ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية، ودعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها، إضافة لرفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع.
حرص أميركي
ويبدو أن الإدارة الأميركية ومبعوثها إلى سوريا أكثر حرصًا من السوريين والإسرائيليين على إنجاز الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين الطرفين، رغم أهميتها البالغة للسوريين بعد سنوات من التدخلات الإسرائيلية واستباحة المناطق الممتدة من جبل الشيخ وصولًا إلى جنوب غرب دمشق عند منطقة الكسوة، وفقًا لحديث المحلل السياسي درويش خليفة لـ “ألترا سوريا”.
ويوضح بأن “توقيع الاتفاق سيصدم قوى معارضة مثل ميليشيا الهجري في الجنوب وقسد في الشمال الشرقي، التي تحاول كسب الوقت قبل الدخول في أي تفاهمات مع السلطة في دمشق”.
ويعتبر أن “الموقف الإسرائيلي المتشدد، الذي وصل إلى حد قصف مقر الأركان السورية العامة، يكرّس واقعًا عنوانه استباحة الأجواء والميدان السوري وفق توقيت تل أبيب، ولا سيما حين تتوغّل قواتها البرية في الجنوب وتعتقل مواطنين سوريين بتهمة التعامل مع حزب الله والحرس الثوري الإيراني”.
في المقابل، يلاحظ خليفة أن تركيا تمارس ضغوطًا على الحكومة السورية لتسريع تنفيذ الاتفاق مع “قسد”، أو التنسيق مع واشنطن عبر سفيرها في أنقرة، لاستهداف مكامن قوة قسد وإضعافها، بما يفرض على الجيش السوري التدخل لضبط المنطقة ومنع فوضى جديدة في شمال شرق البلاد، غير أن هذا المسار يتطلب مستوى عاليًا من التنسيق، نظرًا لوجود معتقلات تضم عناصر تنظيم الدولة في الحسكة تحديدًا.
اتفاقية تشمل جميع الملفات
ويرجح الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي أن الاتفاقية ستكون عبارة عن “صفقة شاملة تتضمن الملف الأمني مع تل أبيب، إضافة للملفات الداخلية الأخرى سواء التي تخص قسد أو السويداء بإشراف أميركي”، مشيرًا خلال حديث لـ “ألترا سوريا” إلى أننا “سنشهد في الفترة القادمة تسريعًا لهذه الاتفاقيات حيث يريد الأمريكان استقرار الوضع في سوريا تمهيدًا لتنفيذ الاتفاق الأمني مع إسرائيل، وما لم يحدث هذا الاستقرار لن يتم تطبيق أي اتفاقية مع تل أبيب بشكل حقيقي وموسع وتبقى البلاد عرضة للتدخلات الإقليمية التي ربما تشوش على أي اتفاق”.
وحول معالم هذا التسريع بالنسبة لملف شرقي الفرات، يوضح علاوي أنه سيكون عبارة عن تطبيق فعلي لاتفاق 10 آذار/مارس الماضي حيث يتم دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري وعودة الدولة إلى مناطق سيطرة قسد.
ومن جانب آخر، يرى علاوي أن تركيا موافقة على اتفاق العاشر من آذار، ما يعني أنها لن تقوم بأي ردة فعل معارضة لها، مرجحًا أن زيارة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى سوريا مؤخرًا تصب ضمن إطار إعلان موافقة أنقرة على هذه الاتفاقيات.
قراءة مغايرة
من جانبه، لا يتفق الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي مهند حافظ أوغلو مع قراءة علاوي الرابطة بين الاتفاقية الأمنية مع إسرائيل وملف قسد، موضحًا خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن ملف قسد “منفصل تمامًا بالرغم من محاولات تل أبيب دعم قسد لكن الأولوية بالنسبة لها هو ملف الجنوب”.
ويتوقع بأن إسرائيل في حال وقعت اتفاقية أمنية مع دمشق سوف توقف الدعم الذي تلوح به لقسد، معتبرًا أنه لا يمكن التعويل على الدور الأميركي في حلحلة ملف شرقي الفرات إلا ضمن رعاية الاتفاقية الأمنية التي تخص الجنوب فقط.
وفي السياق، لا يعتقد حافظ أوغلو وجود مجال مناسب لتسريع اتفاق آذار، ويعتبر بأن هذا الاتفاق “كان فخًا نُصب للدولة السورية بطريقة أو بأخرى وبالتالي كان التوقيع عليه خطًأ كبيرًا”، ويوضح بأن قسد لا تعترف بالحكومة السورية ولا بالرئيس أحمد الشرع، ولا يقبلون بكل ما يجري في سوريا، ويفضلون البقاء على ما هم عليه من سيطرة مطلقة على مقدرات شرقي الفرات، ويرى أن هذا الواقع الذي تريده قسد مرفوض عربيًا وتركيًا.
وبما يخص الرؤية التركية، يلفت إلى وجود تفصيل جذري في الموقف التركي تجاه ملفي الجنوب وشرقي الفرات، إذ “توافق أنقرة على أي اتفاقية أمنية توقعها دمشق مع تل أبيب نظرًا لكونها ستشكل عامل استقرار للبلاد، بينما جاء موقفها حذرًا من اتفاق آذار بالرغم من تصريحاتها المعلنة حول ضرورة دمج قسد بالجيش السوري لكن هل هذه الخطوة قابلة للتطبيق؟”.
وإجابةً على هذا السؤال، يرى حافظ أوغلو أن التطبيق “غير واقعي خاصة بعد الهجمات التي شنتها قسد ضد المدنيين وعناصر الجيش السوري، حيث فقدت قسد كل أوراقها للقبول لدى الشارع السوري والدولة السورية”.
ومن جانب آخر، يشير إلى أن تركيا تمتلك خرائط هامة جدًا تتعلق بأنفاق قسد في الجزيرة السورية التي تعد شبكة واسعة جدًا، وبالتالي، يستبعد التطبيق الحقيقي لاتفاق آذار “الذي تم توقيعه فقط لتكسب قسد الوقت”.
فشل الاتفاقية مستبعد
يرى فراس علاوي أن فشل الاتفاقية الأمنية المرتقبة وإن كان مستبعدًا، يعني تزايد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري، وعدم حلحلة ملف قسد شرقي الفرات، ويضيف أن هذا التصعيد سيواجه غالبًا بتعنت سوري مدعوم من أطراف إقليمية.
ويوضح أن التعنت والتصعيد السوري الذي سيأخذ شكل ردة فعل، لن يكون عسكريًا بل سيكون عبارة عن تصعيد إعلامي، لكنه يرجح أن الاتفاقية ستحدث نظرًا لأن الولايات المتحدة وتل أبيب لن تفوتا مثل هذه الفرصة التاريخية.
وحول شكل الاتفاقية المزمع توقيعها قريبًا، يرجح علاوي أن تل أبيب ستوسع اتفاق فك الاشتباك الموقع في العام 1974، بالموازاة مع توسيع منطقة نزع السلاح جنوبي البلاد، مشيرًا إلى أن كل ذلك مرتبط بالمفاوضات ونتائجها.
الترا سوريا
————————–
توغل إسرائيلي في ريف درعا الغربي مع تحليق طيران مسيّر/ عدنان علي
22 سبتمبر 2025
تقدمت قوة إسرائيلية صباح اليوم الاثنين إلى بلدة صيدا حانوت في ريف درعا الغربي جنوبي سورية، بالتزامن مع تحليق للطيران المسير وتشويش على الاتصالات في البلدة.
وذكر موقع “درعا 24” المحلي أن دورية للاحتلال الإسرائيلي مؤلفة من 6 سيارات عسكرية توغلت في بلدة صيدا الحانوت. وأضاف أن التوغل تزامن مع تحليق طيران مسيّر وتشويش على الاتصالات وشبكات الإنترنت في البلدة، في حين قامت الدورية بتفتيش أحد المنازل بشكل دقيق، قبل أن تنسحب.
وكانت دورية للاحتلال توغلت أمس الأحد في محيط قرية كويا بمنطقة حوض اليرموك بريف المحافظة الغربي، قبل أن تنسحب باتجاه ثكنة الجزيرة. وذكر الناشط محمد المسالمة أن الدورية المؤلفة من ثلاث سيارات وصلت إلى قريتي معرية وعابدين، دون تسجيل حالات اعتقال، مشيرا إلى أن عدد من أبناء قرية كويا تجمعوا لمواجهة القوة الإسرائيلية، ولكن لم يتم أي تبادل لإطلاق الرصاص، وفق ما أشارت بعض المصادر.
وأوضح أن القوة الإسرائيلية هي فقط التي أطلقت النار باتجاه بعض الأحجار في المنطقة ربما تحسبا لأن تكون ملغمة، لكن لم يتم إطلاق نار من جانب الأهالي. وتقع قرية كويا في ريف درعا الغربي ضمن منطقة حوض اليرموك، في المثلث بين سورية والأردن وفلسطين المحتلة، وتبعد عدة كيلومترات عن خط الهدنة بين الجانبين السوري والإسرائيلي.
القبض على مطلوبين من النظام السابق
من جهة أخرى، أعلنت وزارة الداخلية السورية، الليلة الماضية، اعتقال اثنين من أبرز أذرع النظام المخلوع في محافظة حمص، وذلك بعد أشهر من الملاحقة الأمنية. وقالت الوزارة عبر معرفاتها الرسمية إن إدارة مكافحة الإرهاب شنت “عملية أمنية نوعية أسفرت عن اعتقال شادي بجبوج الملقب بـ”العو” وشقيقه وسام، في مدينة حمص، بعد متابعة دقيقة استمرت لأشهر”. وأضافت أن الموقوفين “يُعَدّان من أبرز المتورطين في عمليات ابتزاز واغتيالات استهدفت نشطاء وأهالي درعا، بعد انخراطهما في مليشيات تابعة للنظام السابق”. وأكدت عزمها مواصلة الجهود “في ملاحقة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء دون تهاون”.
————————
مسؤول أميركي: الاتفاق الأمني بين دمشق وتل أبيب اكتمل بنسبة 99%
نتنياهو: إسرائيل تناقش اتفاقاً أمنياً مع سوريا يشمل نزع السلاح في الجنوب
2025-09-21
نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن مسؤول أميركي، اليوم الأحد، أن الاتفاقية الأمنية بين سوريا وإسرائيل مكتملة بنسبة 99% وسيعلن عنها خلال الأسبوعين المقبلين.
وذكر المسؤول الأميركي، أن القضايا الرئيسية المتبقية التي يتعين حلها هي التوقيت الدقيق لإعلان الاتفاق الأمني بين دمشق وتل أبيب والاعتبارات الداخلية في سوريا.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن تل أبيب تناقش اتفاقاً أمنياً في سوريا يشمل نزع السلاح في الجنوب ويحافظ على الدروز.
وفي سياق متصل، قال موفق طريف زعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل لقناة “i24NEWS”، إن نتنياهو تعهد بأن يتضمن أي اتفاق مع سوريا بنداً خاصاً بنزع السلاح في جنوب سوريا وضمان حماية الطائفة الدرزية هناك.
وأوضح زعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل، أن نتنياهو رفض التعهد بالمساعدة أو التعليق على قضية المختطفين الدروز في سوريا.
اقرأ أيضاً: نتنياهو: هناك تقدم بالمفاوضات مع دمشق لكن الاتفاق لايزال بعيداً
وكان قد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، في وقت سابق اليوم الأحد، إن “هناك تقدماً بالمفاوضات مع الحكومة السورية الانتقالية لكن الاتفاق لا يزال بعيداً”.
وأضاف نتنياهو خلال جلسة للحكومة الإسرائيلية، أن “انتصارات إسرائيل على حزب الله اللبناني فتحت نافذة لإمكانية لم تكن متخيلة وهي السلام مع الجيران في الشمال” في إشارة إلى سوريا.
ويوم الجمعة الماضي، قال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، إن دمشق قريبة جداً من التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل بوساطة من الولايات المتحدة الأميركية، مرجحاً أن يتم توقيعه خلال الأيام القادمة.
وأوضح، أن الاتفاق سيكون مشابهاً لاتفاق عام 1974، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يعني بأي شكل من الأشكال تطبيع العلاقات أو انضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام.
وأضاف الشرع، أن “سوريا تعرف كيف تحارب لكنها لم تعد تريد الحرب”، لافتاً إلى أن بلاده لم يعد أمامها خيارات أخرى سوى التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
واعتبر أن التزام إسرائيل بهذا الاتفاق يشكل مسألة مختلفة، مشيراً إلى أن أحداث محافظة السويداء كانت فخاً معداً خصيصاً لإفشال اتفاق سابق حول آلية أمنية مع إسرائيل، وفق ما نقلته صحيفة “ملييت” التركية.
————————–
=====================
تحديث 21 أيلول 2025
———————
السويداء.. “خارطة طريق” مدعومة دوليًا مرفوضة محليًا/ أمير حقوق
21 أيلول 2025
ما خطوات التطبيق المقترحة
أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا عن التوصل إلى خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء، عقب لقاء ثلاثي في دمشق جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك، في 16 من أيلول الحالي.
وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، اعتمد المجتمعون خارطة طريق تؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن أبناءها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، مشيرين إلى أن إنهاء فجوة الثقة بين الحكومة والسكان يتطلب خطوات متدرجة لإعادة بناء الثقة وإعادة دمج المحافظة بالكامل في مؤسسات الدولة.
الخارطة تمثل محاولة الحكومة لاستعادة زمام الأمور برضا أهالي محافظة السويداء، وتجاوز مع حصل خلال الفترة الماضية، لا سيما الاشتباكات وموجات الفلتان الأمني، التي خلّفت خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة.
دعم دولي مقابل رفض محلي
بنود الاتفاق منحت أهالي السويداء لامركزية إدارية واسعة، سواء عبر تعيين المحافظ والمكتب التنفيذي أو انتخابهم، إضافة إلى أن تكون الشرطة والأمن المحلي من أبناء المحافظة المؤهلين، بحسب الكاتب السياسي درويش خليفة.
ويرى خليفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاتفاق الموقّع أنصف جميع الأطراف المتصارعة في السويداء، والأهم من ذلك الإقرار بالانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف، والعزم على المضي قدمًا نحو المصالحة، مع وضع برنامج عمل وخارطة طريق لتحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية، بحسب خليفة.
أما الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، فيعتقد أن الاتفاق يعكس رغبة إقليمية أمريكية بالاستقرار في سوريا، وتحييد مناطق التوتر بالجنوب السوري في سبيل الوصول لإجراءات أمنية أخرى لاستقرار سوريا.
وحول مصلحة كل من الأردن وأمريكا بدخول الاتفاق، وسعيهما لإنهاء أحداث الجنوب، يرجح أن رغبة الأردن تتمثل في استقرار المنطقة وعدم انتقال الفوضى للداخل الأردني، بينما أمريكا تسعى للاستقرار في الداخل السوري للوصول إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.
في الجهة المقابلة، شهدت أحياء متفرقة في مدينة السويداء، كساحة “الكرامة” ومدينة شهبا وبلدة القريا، مظاهرات تطالب بـ”حق تقرير المصير، والإفراج عن جميع المخطوفين والمختطفات، وكشف مصير المفقودين”، في 20 من أيلول.
وشهدت المدينة، في 16 من آب الماضي، مظاهرات طالبت بـ”تقرير المصير”، ورفعت أعلامًا إسرائيلية حينها.
كما أعلنت “اللجنة القانونية العليا في السويداء” رفضها البيان المتضمن خارطة طريق للحل في المحافظة، مشيرة إلى أن فيه “تناقض”، إذ دعا اللجنة الدولية المستقلة الخاصة بسوريا للتحقيق، لكنه عاد ليؤكد أن المحاسبة ستتم وفق القانون السوري، وأبدت عدم ثقتها بالقضاء الوطني.
وبحسب “اللجنة”، فإن هذا التناقض يفرغ التحقيق الدولي من مضمونه، “إذ لا يُعقل أن يكون المتهم هو ذاته القاضي”، رافضة اعتبار الحكومة السورية طرفًا محايدًا يسعى إلى المصالحة، لافتة إلى ما سمّته “محاولات التفتيت الداخلي” من خلال الحديث عن مجالس محلية وقوات شرطية مشتركة، ووصفت ذلك بأنه “محاولة فرض وصاية جديدة على السويداء وزرع الفتنة بين أبنائها”.
وهنا يعتقد الكاتب السياسي درويش خليفة أن الرفض القاطع للاتفاق من جانب “اللجنة القانونية في السويداء” يضع العصي في عجلة تنفيذه، وهو ما توقّعه المبعوث الأمريكي حين صرح بأن الاتفاق سيمر بعقبات عدة، ربما انطلاقًا من معرفته بحجم النفوذ الإسرائيلي في السويداء، ودعم حكومة نتنياهو لكتائب حكمت الهجري المسلحة.
وقال إن اعتراض اللجنة لا يمنع من البحث عن منطقة رمادية يمكن البناء عليها مرحليًا.
الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، اعتبر أن انتقادات “اللجنة” تمثل جهة واحدة من أهالي السويداء، وهي ممثلة بالمجلس العسكري التابع للشيخ حكمت الهجري، وتخدم هذه الجهة فقط، والجميع يعلم أن الاتفاق تأخر، ولكن العمل على تنفيذه هو الأفضل لجميع الأطراف.
بالحوار والضمانات الأردنية والأمريكية تتم معالجة الحالة، وخاصة أن الاتفاق سيتم بإشراف دولي، ويجب بدء الحوار والتفاوض بين الحكومة السورية وأبناء السويداء وإشراك ممثلين عنهم في سير الاتفاق لكسب ثقة الأهالي، وبالتالي الوصول لمرحلة تطبيق خطوات خارطة الطريق بعد بناء الثقة، وفق ما قاله علاوي.
وأبدت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعمهما لخارطة الطريق بشأن الحل في السويداء، كما وجه مبعوثو سوريا والأردن والولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، رسالة مشتركة إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ورئيس مجلس الأمن، لاعتماد خارطة الطريق لحل الأزمة في السويداء وتحقيق الاستقرار في جنوبي سوريا كوثيقة رسمية.
بناء الثقة أولى الخطوات
تتداول الأوساط السياسية مقترحات لبدء تنفيذ خطوات خارطة الطريق، التي من شأنها الإسراع بتطبيق الاتفاق، وعودة أهالي السويداء إلى محيطهم ضمن سوريا.
وفق رؤية الكاتب السياسي درويش خليفة، وانطلاقًا من الواقع الراهن، يتطلب تنفيذ الاتفاق بناء الثقة عبر خطوات عملية وفق مبدأ “الخطوة بخطوة”، على أن يمضي تطبيق نص الاتفاق قُدمًا، لا كما جرى خلال الأشهر الستة الماضية من عمر الاتفاق الموقع بين قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، والرئيس السوري، أحمد الشرع، بالتقدم خطوة والتراجع خطوتين إلى الوراء.
ويشرح أن الاتفاق تسعى منه الدول الراعية والسلطات السورية إلى أن يكون خارطة طريق لكل الأزمات المرتبطة بالقوى المعارضة لحكومة دمشق، لكن العامل الذاتي والموضوعي يفرضان نفسيهما في كثير من الأحيان قبل إيجاد حلول توافقية لهذه الأزمات مجتمعة، ففي الحالة السورية المستعصية منذ أكثر من 14 عامًا لم تُحل أي معضلة بعيدًا عن قوة السلاح الذي يفاقمها لاحقًا.
يوافقه الرأي الباحث السياسي فراس علاوي، الذي قال إن الإجراءات يجب أن تبدأ ببناء الثقة لدى الأهالي، مبينًا أن خطوات الاتفاق أعادت الدولة السورية للجغرافيا السورية، ورمزيتها السياسية تتمحور في الاعتراف بالحكومة السورية بمختلف تلك الجغرافيا بدعم إقليمي ودولي.
واقترح أنه يجب أن تبدأ الملامح الأولى لتنفيذ الاتفاق بإجراءات تزيد بناء الثقة لدى الأهالي من خلال العمل على التطبيق الحرفي للبيان من جهة، ومن جهة أخرى إشراك أبناء السويداء بشكل كامل، وزيادة المساعدات، وفتح السويداء على الجغرافيا السورية، وزيادة تطمينات الأهالي، وبعدها إدخال الحكومة السورية للسويداء بصورة تدريجية، بالاعتماد على أبناء المدينة.
بدأت أحداث السويداء في 12 من تموز الماضي، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية في 14 من تموز لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
نصّت خارطة الطريق على جملة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها:
دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري
استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة بالتعاون مع الأمم المتحدة، وضمان عودة الخدمات الأساسية بدعم من الأردن والولايات المتحدة.
نشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق لتأمين حركة المواطنين والتجارة، وسحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات نظامية.
دعم جهود “الصليب الأحمر” للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
يدعو الأردن بالتنسيق مع الحكومة السورية وفدًا من المجتمعات المحلية في السويداء (الدروز والمسيحيون والسنة)، ووفدًا آخر من ممثلي العشائر البدوية في محافظة السويداء لاجتماعات للمساعدة في تحقيق المصالحة.
إعلان خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة، مع مساعدة أردنية وأمريكية لتأمين التمويل اللازم.
تعزيز “سردية وطنية” تقوم على الوحدة والمساواة، وتجريم خطاب الكراهية والطائفية عبر تشريعات جديدة، بدعم قانوني من واشنطن وعمّان.
عنب بلدي
———————-
تظاهرات في السويداء ترفع أعلام إسرائيل وتطالب بالانفصال/ عدنان علي
20 سبتمبر 2025
شهدت محافظة السويداء، اليوم السبت، تجمعات شعبية رفعت شعارات تنادي بـ”حق تقرير المصير”، ورفعت العلمين الإسرائيلي والأميركي، ورددت شعارات تطالب بالانفصال و”الحماية الدولية”، في تحرّك تقوده قوى مقرّبة من الشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ طائفة العقل للطائفة الدرزية في السويداء.
وأظهرت مقاطع مصوّرة تظاهرات متزامنة في ساحة السير وسط مدينة السويداء، وقرب ضريح سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا، وأخرى في بلدة شهبا، طالبت بالاستقلال والإفراج عن المعتقلين ورفض التعامل مع الحكومة السورية، إلى جانب رفع صور الرئيس الروحي لطائفة الموحّدين الدروز في فلسطين موفق طريف.
وقال الناشط نزار الطويل المنحدر من السويداء، لـ”العربي الجديد”، إن المزاج العام في المحافظة ما زال غير ودي تجاه الحكومة، لكن أغلب الناس يتطلعون إلى حلول سلمية، ويريدون الخروج من الوضع الراهن وعودة السويداء إلى وضعها السابق جزءاً من سورية، بحيث يمكنهم مغادرة المحافظة إلى أعمالهم ودراستهم من دون خوف. وأضاف الطويل أن بعض الأطراف في السويداء يتخذ جانب التصعيد المستمر مع الحكومة، ويتعمد استفزاز بقية السوريين من خلال رفع أعلام إسرائيل، مؤكداً أن ذلك لا يعبر عن عموم أهالي المحافظة.
من جهته، نشر سليمان عبد الباقي، أحد قادة الفصائل في السويداء ومقرّب من الحكومة السورية، على صفحته في “فيسبوك” اليوم السبت، قائمة بأسماء “المختطفات” من السويداء، ضمت 39 اسماً. وطلب عبد الباقي، الذي أعلن قبل أيام تعيينه في منصب قائد الأمن في السويداء من جانب الحكومة السورية من دون أن تتبنى الأخيرة هذا الإعلان، من الأهالي التعاون معه للوصول إلى المختطفات والتأكد من كل حالة، متوعداً بالكشف عن مصيرهن. وأوضح أنه سيتم التعامل مع أي جهة خاطفة باعتبارها “عصابة خطف” بالتنسيق مع مديرية الأمن في محافظتي درعا وريف دمشق.
وكانت دمشق قد استضافت اجتماعاً ثلاثياً جمع وزيري الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني والأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سورية توم براك، نتج عنه إعلان “خريطة طريق” للحل في السويداء، تتضمن إطلاق سراح جميع المحتجزين والمخطوفين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بالتعاون مع الحكومة السورية، وإنهاء أي تدخل خارجي، إلى جانب تسهيل الوصول إلى الأدلة الخاصة بجرائم القتل والتعاون مع لجنة التحقيق الدولية لضمان المساءلة القانونية ومحاسبة المتورطين عبر آليات قضائية سورية، إضافة إلى سحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة، ونشر قوات شرطة مؤهلة، وإعادة بناء القرى والبلدات المتضررة وتسهيل عودة النازحين.
وفي وقت سابق اليوم السبت، اتهمت “اللجنة القانونية العليا”، المُشكلة من قبل الشيخ حكمت الهجري، الحكومة السورية برفض زيارة لجنة تقصي الحقائق الدولية إلى المحافظة، على الرغم من دعوة رسمية وُجهت إليها مطلع الشهر الجاري.
———————————————-
دبلوماسية سورية محفوفة بالمخاطر: اتفاق أمني سوري-إسرائيلي في الجنوب/ منهل باريش
21 أيلول 2025
تتزايد التكهنات حول امكانية التوصل إلى اتفاق أمني بين الإدارة السورية الجديدة وإسرائيل، يهدف إلى إعادة ترسيم الحدود الأمنية في الجنوب السوري.
بالتزامن مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تتزايد التكهنات حول امكانية التوصل إلى اتفاق أمني بين الإدارة السورية الجديدة وإسرائيل، يهدف إلى إعادة ترسيم الحدود الأمنية في الجنوب السوري.
هذا الاتفاق، الذي يأتي بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قد يمثل نقلة نوعية في التوازنات الإقليمية، مدعوماً بجهود أمريكية مباشرة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى لتعزيز إرثه الدبلوماسي قبل نهاية ولايته الثانية وإظهار أن «دبلوماسية القوة» التي ينتهجها تأتي نتائجها في إنهاء الأزمات وفرض حلول يعتقد بجدواها.
من المتوقع أن تشهد نيويورك إعلاناً رسمياً من ترامب عن هذا الاتفاق أو على الأقل «إعلان مبادئ» يمهد لتسوية شاملة. ربما يكون ثمنه بالنسبة للرئيس الشرع هو إلغاء عقوبات «قانون قيصر» على سوريا والإعلان رسميا عن طلب انضمام الحكومة السورية إلى جهود «التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» مقابل ضمانات أمنية لإسرائيل.
خريطة طريق إلى السويداء
في ظل التوترات المستمرة في جنوب سوريا، أعلنت وزارة الخارجية السورية عن اجتماع ثلاثي عقد في دمشق الأسبوع الفائت، جمع وزير الخارجية أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي توماس براك.
كان الاجتماع استكمالاً لمحادثات عمان في تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، حيث اعتمد المشاركون خريطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء التي شهدت اشتباكات دامية أثارت مخاوف من تفاقم التصدعات الداخلية، مع التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها.
تركز الخريطة على شراكة ثلاثية بين دمشق وعمان وواشنطن وتهدف إلى إعادة إعمار سوريا، والمصالحة الوطنية. واستندت الخريطة إلى مبادئ أساسية: السويداء جزء أصيل من سوريا، مع بناء ثقة تدريجية تؤدي إلى اندماج كامل. وجاء في أحد بنودها: دعوة لجنة التحقيق الدولية المستقلة للأحداث في السويداء، مع محاسبة المرتكبين وفق القانون السوري، وإجراءات قانونية ضد المتورطين في انتهاكات بحق المدنيين.
كما يضمن الاتفاق إيصال مساعدات إنسانية وطبية كافية بالتعاون مع الأمم المتحدة، بدعم أردني-أمريكي، وإعادة الخدمات الأساسية مع تمويل دولي.
أمنياً، نصت الخريطة على نشر قوات داخلية مدربة على طريق السويداء-دمشق لأمان الحركة، مع مساعدة خارجية، وسحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة، إضافة إلى نشر شرطة منضبطة استناداً إلى اتفاق عمان، وتسهيل عودة السكان المتضررين.
إنسانياً، تدعم جهود الصليب الأحمر لإطلاق المحتجزين، وخطط إعادة إعمار القرى.
على الصعيد الاجتماعي، تقود دمشق سردية وطنية تعزز الوحدة والتعددية، مع مكافحة خطاب الكراهية عبر تشريعات جديدة.
كما تدعو عمان لوفود من مكونات السويداء (دروز، مسيحيون، سنة وعشائر بدوية) لاجتماعات مصالحة، وتشكيل شرطة محلية تحت قيادة وزارة الداخلية، وتفعيل مؤسسات إدارية، وتأسيس مجلس محافظة للمصالحة. كما تتولى أمريكا تفاهمات أمنية مع إسرائيل حول الجنوب السوري، بدعم أردني، مع احترام سيادة سوريا، وإنشاء آلية مراقبة مشتركة.
الجنوب منزوع السلاح
كشف تقرير صادر عن معهد دراسات الحرب الأمريكي «ISW» عن مقترح إسرائيلي مفصل لاتفاق أمني مع سوريا، يركز على إعادة ترتيب المناطق الأمنية في جنوب غرب سوريا. ويقسم المقترح المنطقة إلى ثلاث مناطق رئيسية منزوعة السلاح بدرجات متفاوتة، مستوحى من اتفاقية السلام الإسرائيلية-المصرية عام 1979 التي قسمت شبه جزيرة سيناء إلى مناطق A وB وC مع قيود عسكرية متدرجة بناءً على البعد عن الحدود الإسرائيلية.
ووفق مصادر مطلعة على المفاوضات، يُعتبر هذا المقترح «مطالب قصوى» إسرائيلية، حيث لا يتضمن تنازلات كبيرة من الجانب الإسرائيلي، مقابل انسحاب تدريجي من الأراضي السورية المحتلة مؤخراً ـ باستثناء قمة جبل الشيخ الاستراتيجية التي تصر إسرائيل على الحفاظ عليها لمراقبة نشاط حزب الله في لبنان غربا والأنشطة الإيرانية السرية في سوريا، كما تزعم. وترتفع قمة جبل الشيخ أكثر من 2800 متر عن سطح البحر.
استنادا إلى خريطة المعهد المذكور ووكالة «اكسيوس» و«تايمز أوف إسرائيل» فإن مقترح إسرائيل لاتفاق أمني مع سوريا الجديدة، يركز على إعادة ترتيب المناطق الأمنية في جنوب غرب سوريا.
المنطقة المتوسطة تشير إلى سحب السلاح من كامل المساحة الممتدة من شرق طريق دمشق -عمان وصولا إلى غرب المحافظة، على ان تبقى المنطقة المنزوعة السلاح في القنيطرة ومناطق أخرى بعمق يصل إلى 10 كم تحت إشراف القوات الدولية.
الخطير بالمطالب الإسرائيلية هو جعل منطقة الحظر الجوي في كامل منطقة ريف دمشق الغربي والجنوبي وصولا إلى جرمانا وبعض مناطق الغوطة الشرقية، ما يعوق عمليا استخدام مطار المزة العسكري ومطار الثعلة وغيرهما من المطارات في درعا. عمليا سيكون من الاستحالة بمكان على الطائرات العمودية السورية الطيران في جوار العاصمة دمشق.
وهذه المطالب تشكل تحديا للإدارة السورية٫ وتستغل إسرائيل حالة الضعف الكبيرة الحالية بعد أن دمرت غالب الدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ، وهو ما يعكس سياسة إسرائيل الأحادية التي تهدد بتعميق الاحتلال، ويعزز فرضية عدم الانسحاب من الأراضي التي انتشرت فيها خلال الشهور العشرة الماضية.
تحديات الاتفاق ومخاطره
يحمل السير نحو الاتفاق أخطارا جمة، حيث تتعرض دمشق لضغوط أمريكية كبيرة للتوصل إلى الاتفاق المزمع، ما قد يؤدي إلى تنازلات أرضية مؤلمة، تمس السيادة.
فسوريا، التي تعاني من جروح داخلية عميقة قد تجد نفسها مضطرة لقبول شروط إسرائيلية توسع نفوذها تحت غطاء «الأمن المشروع»، خاصة مع تسارع الاتصالات برعاية أمريكية لإبرام اتفاقات أمنية وعسكرية قبل نهاية العام.
وقد يؤدي هذا إلى استقرار مؤقت في الجنوب، لكنه يعمق التبعية السورية للقوى الخارجية، ويثير تساؤلات حول مصير الجولان المحتل، حيث ترفض دمشق الشروط الأحادية وتسعى لاستعادة السيادة الكاملة وسط مرحلة حساسة في المفاوضات.
كما أن الفراغ الأمني الناتج عن نزع السلاح في المناطق الجنوبية قد يؤدي إلى تفاقم التوترات المحلية، حيث يعقد غياب الأجهزة الأمنية الفاعلة ضبط السلاح، ما يسمح بانتشار العصابات والجماعات المسلحة، ويعرض المناطق لمخاطر خارجية مثل النشاط المحتمل لخلايا إيرانية أو أخرى تتبع لتنظيم «الدولة»، كما حدث في فترة ما بعد سقوط الأسد.
من بين المخاطر البارزة أيضاً، وجود عناصر جهادية متشددة داخل الجيش الوليد، ما زالت تحتفظ بأيديولوجيا سلفية جهادية رغم انفصالها عن تنظيم «القاعدة» ومحاولات اعتدالها، ما قد يؤدي إلى تمرد داخلي أو تباين في المواقف.
أما في حال الانسحاب العسكري للقوات الحكومية، فإن قوة الدروز في السويداء قد تشكل تحدياً لسيطرة دمشق، حيث ستبقى فصائل السويداء العسكرية الوحيدة المتبقية، الأمر الذي سيمنع عودة البدو إلى المحافظة سواء داخل مدينة السويداء أو القرى التي ينتشرون بها داخل الحدود الإدارية للمحافظة.
ومع اقتراب زيارة الشرع إلى الأمم المتحدة، الأربعاء، واجتماعات وزير خارجيته الشيباني في واشنطن، يبدو أن الأيام المقبلة ستكشف عن نتائج ملموسة، وهذه التطورات تكشف عن دبلوماسية سريعة، لكنها محفوفة بالمخاطر.
القدس العربي
——————————
قراءة سياسية وقانونية في موضوع الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل/ حسام حافظ
تتوارد الانباء المتضاربة حول ما يسمى بالاتفاقيات الامنية التي يجري التفاوض بشأنها والمزمع توقيعها على هامش اجتماعات نيويورك. والحقيقة ان ما يطرح ليس مجرد اتفاقيات امنية بل قد يحمل أبعاداً استراتيجيةً بالغة الخطورة. واذا صح ولو بعض ما يسرب فنحن امام كارثة، خصوصاً أن الادارة الحالية بحاجة لتفويض قانوني صريح فهي لا تملك تفويضاً شرعياً يخولها الجلوس على طاولة المفاوضات مع المحتل الاسرائيلي، فكيف الحال اذا كان الامر يتعلق بتوقيع اتفاقيات مع هذا الكيان؟ وبخاصة بعد ان شهدنا منذ ايام توقيع اتفاقية ثلاثية بين سورية ودول أخرى حول إجراءات مرتبطة بمحافظة سورية.
لا بد من التنبه الى انه حتى في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، فان مكانة سورية دولةً وشعباً وقوتها الاستراتيجية الكامنة لا يمكن اختزالها في لحظة ضعف عابرة او بقرار قد تتخذه حكومة انتقالية؛ فالموضوع يتجاوز حدود الشعارات ليطال جوهر القضية الوطنية، ويمتد الى عمق صراع شعوب بلاد الشام وامتداداتها العربية والاسلامية مع المشروع الصهيوني… وهو مسألة جذرية تتعلق بمستقبل الاجيال القادمة التي لا يجوز التعامل مع مصيرها من منطلق ضعف مرحلي او حسابات ضيقة.
ان غياب الشفافية والتعامل المتعجل مع مثل هذه الملفات المصيرية يفتح ابواب الشر على مصاريعها. والشعب السوري يملك من الوعي وعمق الانتماء ما لا يمكن لاحد انكاره، ويضم هذا الشعب قامات وطنية من رجال الدولة والسياسة ما لا يمكن تجاهله او اقصاؤه، فكيف اذا كان الامر يتصل بالارض والمستقبل وجوهر الصراع في المنطقة.
لقد دفعت الامة العربية والاسلامية ثمن اتفاقيات الاستسلام منذ كامب ديفيد، حينما اختصر الرئيس السادات الدولة بنفسه قائلاً عبارته الشهيرة “أنا الدولة والدولة أنا”، معتقداً انه يحسن صنعاً في مقاربته للتعامل مع العدو الصائل، بينما كانت النتيجة كارثية، اذ توالت المصائب التي صبتها اسرائيل على اهل المنطقة، من اجتياح لبنان وصولاً الى لحظة التغول الراهن.
ولا يمكن القبول باي مسار يقصي الشعب السوري او يضعه امام الامر الواقع وأود التاكيد بأن المسألة ليست قضية ثقة في الادارة الحالية بل هي انعكاس لجملة من القضايا منها التمثيل والخبرة والشرعية والمشروعية والمشروع الوطني. واعتقد بأن أي انزلاق في الفخ الراهن يعني اخراج سورية من دائرة التأثير الاقليمي لفترة غير متناهية، وذلك سيمثل خطأً تاريخياً لا يمكن تبريره بذريعة ارتكاب النظام السابق لأخطاء وموبقات ولا عبر مقارنات سطحية.
لدينا أوراق قوة لا يجوز التفريط بها، فإن لم يدرك السوريون جميعاً، سلطةً وشعباً، حقيقتها ويجعلوا منها منطلقاً لموقف موحد، ويرفعوا صوتهم عالياً، ويجمعوا عناصر قوتهم، فإنهم سيجدون أنفسهم في مسار من التراجع والانحدار…
وان كنا لا نستطيع ادراك كل الغايات، فعلى الاقل لا نفرط بالموقف وما لا يدرك جله لا يترك كله،
وقد رغبت أن أسطر هذه الكلمات لأبنائنا الذين يتساءلون ثم للتاريخ، اللهم قد بلغت…
——————————-
قراءة سياسية وقانونية في موضوع #الاتفاقات_الأمنية مع إسرائيل ورد على الصديق Hosam Hafez
تتكرر في الساحة السورية أصواتٌ تُعبر، بدرجات متفاوتة، رفضها للحديث عن تفاهمات أو اتفاقيات أمنية مع إسرائيل، معتبرةً أن مجرد النقاش في هذا الملف “كارثة” وخيانة للأجيال القادمة!
والصديق الدكتور حسام دبلوماسيٌ سوريٌ مفعمٌ بالوطنية، انشق عن نظام بشار الأسد مبكراً، وبقي سنوات يحاول أن يقدم مايستطيع للثورة سوريا في كل منبر.
ويمكن لكل من يريد من الأصدقاء السوريين أن #يتفق_مع_طروحاته_ويُشيعها ويتداولها، انطلاقاً من المخاوف المشروعة الموجودة لديهم، ومن حجم الهجمة الشرسة الإسرائيلية على سوريا الوليدة.. وانسجاماً مع خلفيتهم البعيدة، تخصصياً، عن التشابك القانوني والسياسي والأكاديمي، المتعلق بهذه المسائل المعقدة.
لكن المسؤولية توجب التوضيح بأن طروحاتٍ، مثل ماكتبه الصديق حسام تبدو، للوهلة الأولى، خطاباً جذاباً من الناحية العاطفية.. غير أنه في جوهره #يفتقر_إلى_توسيع_أفقٍ_كبير_في_أبجديات_السياسة_وإدارة_الدولة.. لأنه يختزل، بعباراتٍ عامة، قضيةً استراتيجيةً بالغة التعقيد.. وما نأمله، بصدق، هو التعامل مع العرض التالي، للإحاطة بهذه المسألة، بموضوعية.. وبعيداً عن أي مظنةٍ للمناكفات الشخصية التي لامحلّ لسخافاتها في مثل هذا المقام، بالغِ الجدية والحساسية. وسنقدم العرض في سياق العناصر التالية:
أولاً: #بين_الترتيبات_الأمنية_والمعاهدات_النهائية
ثمة خلطٌ بين الترتيبات الأمنية المؤقتة وبين المعاهدات السياسية النهائية. فالميثاق التأسيسي للأمم المتحدة (المادة 33) يشجع على “التسوية السلمية للنزاعات بوسائل مثل المفاوضات أو التوفيق أو الترتيبات الإقليمية”، و #هذه_الترتيبات_لا_تعني_اعترافاً_سياسياً_بالخصم، وإنما إدارةً للمخاطر وتخفيف الكلفة على المدنيين.
فمن فيتنام (اتفاقيات باريس 1973) إلى شبه الجزيرة الكورية (اتفاقية الهدنة 1953)، عاشت الصراعات عقوداً على تفاهمات مؤقتة دون أن تعني تسليماً أو اعترافاً نهائياً. ورفض هذه الآليات يعني ببساطة ترك الميدان للفوضى أو لهيمنة الطرف الآخر.
ثانياً: #الشرعية_القانونية_للإدارات_الانتقالية
إن القول بأن أي حكومة انتقالية “لا تملك تفويضاً” لتوقيع تفاهمات فنية يتجاهل السوابق القانونية الدولية. فالمادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة تحدد مسؤولية السلطات القائمة بإدارة الأراضي في مرحلة انتقالية عن “صون السلم والأمن”. كما أن القانون الدولي العرفي (Customary International Law) يعترف بصلاحية الإدارات المؤقتة لتوقيع اتفاقيات إجرائية تضمن حماية المدنيين.
وبالممارسة العملية، أبرمت السلطة الوطنية الفلسطينية، بقيادة المرحوم ياسر عرفات، تفاهمات أمنية مع إسرائيل في أوسلو (1993–1995) رغم أنها لم تكن دولة ذات سيادة مكتملة. كذلك فعلت إدارات انتقالية في البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون 1995. فالشرعية هنا ليست نصاً دستورياً جامداً، وإنما تتمثل في ما إذا كان جوهر ممارساتها يتمحور حول حماية الشعب وإدارة أزماة الدولة.
ثالثاً: #تجاوز_فزّاعة_كامب_ديفيد
إن التذرع بكامب ديفيد، أو بأي اتفاقيات استسلامية سابقة، لإغلاق أي نقاش في سوريا اليوم تبسيط مخلّ. فمصر 1979 كانت خارجة من حرب خاسرة ومنزوفة الشرعية الشعبية، بينما سوريا اليوم خارجة من حرب تحرير داخلية صاغت شرعية جديدة على أساس التضحيات. وبالتالي، فإن الظروف مختلفة جذرياً، والقانون الدولي الحديث (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة) يعترف بحق الدفاع المشروع حتى في سياق تفاهمات مرحلية. والمقارنة هنا تصبح توظيفاً عاطفياً للتاريخ أكثر من كونها أي شيءٍ آخر.
رابعاً: #غياب_البدائل_الواقعية
في كل مرة يُكتب عن هذا الموضوع، يرى السوريون كيف أن #النصوص_الرافضة_لا_تقدم_أبداً_بدائل_عملية واضحة ومتكاملة.. وإنما هو دوماً رفضٌ قائم على طروحات عمومية.. بالمقابل، يقول الواقع بأن إنكار التفاهمات لا يحمي المدنيين ولا يوقف القصف ولا يؤمن الحدود. وقد أثبتت التجارب أن الفراغ لا يبقى فارغاً، فعندما غابت التفاهمات الأمنية في جنوب لبنان 1982، فرضت إسرائيل وقائع على الأرض حتى جاء اتفاق تفاهم نيسان 1996 (برعاية الأمم المتحدة) ليضع حداً نسبياً للاعتداءات. ومن يرفض الجلوس إلى الطاولة يترك مقعده مفتوحاً للخصم ليقرر عنه.
خامساً: #أوهام_الخبرة_المفقودة
من المثير للتأمل أن يشكك البعض في “خبرة” المسؤولين الحاليين.. سيما حين نقارن هذا بما نفعت به الخبرات السابقة الثورةَ السورية.. وإلى أي مدىً دفعت بها إلى الأمام سياسياً ودبلوماسياً حين تعلق الأمر بإدارة الملفات المصيرية! والغريب، هنا، أن هذه الطروحات تغفل عما يجري من تشاور استراتيجي، فعال ومستمر، مع دول بحجم تركيا والسعودية، بما لديها من خبراء وتجارب عملية في التعامل مع ملفات إقليمية ودولية بالغة التعقيد. فهذه الخبرة المتراكمة ليست معزولة عن القرار السوري الجديد، وإنما هي جزء من مقاربة أكثرُ جديةً وواقعيةً، وانسجاماً مع العمل بمنطق رجال الدولة، الذي لايزال مطلوباً استحضاره لدى من يحلل المشهد السوري بشمول.
سادساً: #أوراق_القوة_ليست_أبدية
إن الحديث الفضفاض عن “أوراق القوة” دون تحديدها أو الإشارة إلى كيفية استثمارها يعكس افتقاراً للطرح الجاد في #لحظة_تاريخية_حرجة. فالقوة ليست شعارات عائمة، وإنما تُترجم إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ. وفيما يلي، على سبيل المثال، بعض أراق القوة التي تعتمد عليها الدولة في العمليات التفاوضية:
1. القوة السكانية: ملايين السوريين في الداخل والخارج، بما فيهم الكفاءات والطاقات العلمية والاقتصادية.
2. القوة الجغرافية: موقع سوريا كجسر إقليمي وممر محتمل للطاقة والتجارة.
3. القوة السياسية والدبلوماسية: الانفتاح الإقليمي الجديد والعلاقات مع قوى كبرى.
4. القوة العسكرية والأمنية: خبرة ميدانية حقيقية اكتسبتها قوى الثورة والدولة الجديدة.
إن #اختزال هذه الأوراق في شعارات عامة، #بدل_إدارتها_كأدوات_ضغط_ذكية، هو بالضبط ما عطّل الثورة لعقود وأبقى سوريا رهينة خطاب بلا أدوات. والمادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة تربط بين حفظ السلم والأمن الدولي وبين “اتخاذ التدابير المشتركة”، أي أن الدولة تحتاج إلى إدماج أوراقها في عملية سياسية ودبلوماسية لإنتاج أثر فعلي.
سابعاً: #خطورة_الاستراتيجية_الصفرية
ثمة مصائب وبلاوي ليس لها نهاية تنتج عن التعامل مع قضايا معقدة ومصيرية بمنطق الإصرار على مقولة “#إما_كل_شيء_أو_لا_شيء”، حتى لو كانت تلميحاً، ولم يقلها أصحابها بصراحة ووضوح.. وثمة تراكمٌ علمي وأكاديمي كبير يحذر من الاستراتيجية الصفرية في مجال دراسات العلاقات الدولية منذ توماس شيلنغ (نظرية الصراع 1960s). ذلك أن العالم اليوم يقوم على #التدرج_والشرطية_وقابلية_المراجعة. وأي دولة ترفض الأدوات الوسطية تعزل نفسها وتفقد القدرة على التأثير.
ثامناً: #السيناريوهات_الإقليمية_والدولية_في_حال_الجمود_التفاوضي
حركة التاريخ لاتتوقف.. فما الذي يمكن أن يحصل في حال قررت الدولة السورية الآن، في هذه اللحظات الحساسة، تجميد المسار التفاوضي؟
إقليمياً: استمرار إسرائيل في شن عدوانها وتوسيعه دون تفاهمات سيجعل الكلفة على المدنيين والاقتصاد السوري أكبر، وقد يُستخدم كذريعة لفرض مناطق أمنية أو عازلة قسراً، كما حدث في جنوب لبنان (المنطقة الأمنية 1985–2000).
دولياً: الدعم الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والذي يُعد اليوم رافعة أساسية لسوريا الجديدة، قد يتباطأ إذا اعتُبرت دمشق غير قادرة على إدارة ملفاتها الأمنية بواقعية. وتجربة كوسوفو (بعد 1999) تظهر أن غياب القدرة على تقديم تفاهمات أمنية يُترجم بسرعة إلى وصاية دولية وفقدان القرار الوطني.
ولو حصلَ هذا.. فالمؤكد، بكل صراحة وشفافية، أن الغالبية العظمى من الأصوات الناقدة اليوم لمسار التفاوض.. هي نفسها التي ستخرج وقتها لتنتقد.. وتتحدث عن افتقاد الدولة السورية لـ (الخبرة) في استعمال (أوراق القوة) التي لديها.. لأنها كان يجب أن تتفاوض!
تاسعاً: #الاتفاقيات_ليست_زواجاً_كاثوليكياً!
التاريخ لا يتوقف عند لحظة توقيع.. والاتفاقيات الأمنية تُبنى على موازين قوى متغيرة، وهي بطبيعتها قابلة للمراجعة وإعادة التفاوض. ففي أيرلندا الشمالية، عُدِّلت بنود اتفاق الجمعة العظيمة (1998) عدة مرات مع تغير الظروف. وفي كوسوفو، تفاهمات 1999 لم تكن نهاية الصراع وإنما مرحلة قابلة للتطوير. كذلك يمكن لسوريا أن تستخدم أي اتفاق أمني مرحلي كأداة لمراكمة القوة والشرعية، لا كقيد دائم. و #أهم_مافي_الموضوع أن المادة 62 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) #تعطي_الدول_حق_إعادة_النظر_في_الاتفاقيات_الدولية عند تغيّر الظروف تغيّراً جوهرياً (Doctrine of Fundamental Change of Circumstances – Rebus Sic Stantibus).
#الخلاصة
إن رفض التفاهمات الأمنية تحت شعار “#الوطنية” أمرٌ سهلٌ وميسور.. لكنه ليس التجلي الحقيقي الوحيد للوطنية، وإنما قد يكون، في بعض الأحيان، ولو عن غير قصد، تبسيطاً مخلاً يضر بالمصالح الوطنية السورية نفسها. والوطنية الحقيقية تعني أن ندير معركتنا بعقل الدولة لا بشعارات المزايدات، وأن نُفرق بين أدوات إدارة المخاطر وبين التنازلات الاستراتيجية، وأن نمارس السياسة بمرونتها وقواعدها لا بعنادٍ يتركنا خارج معادلات القوة.
#إن_سوريا_الجديدة_لا_تُبنى_بمنطق_وخطاب_الرفض_المطلق، وإنما بالقدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى التعامل مع الوقائع الدولية من موقع الفاعل لا المفعول به. و #أي_تفاهمات_تُدار_اليوم_ليست_نهاية_التاريخ.. بل قد تكون بداية مسار يجعل من التجربة السورية نموذجاً في الجمع بين الصلابة الوطنية والبراغماتية السياسية، مستندةً إلى أدوات القانون الدولي وتجارب الشعوب التي حولت الألم إلى قوة والتفاهمات المؤقتة إلى مسارات دائمة للتقدم.
#ملاحظة
مانرجوه، بقوة، هو التعامل مع هذا العرض كرؤيةٍ متكاملة، بدل اللجوء إلى الانتقائية واختيار نقطةٍ منه لجعلها محوراً للحوار والاشتباك معه، وهو حوارٌ نُرحبُ به، ولكن فقط إذا كان جدياً وينطلق من نفس الرؤية الشمولية التي حاولنا البناء عليها.
مراجع قانونية وتاريخية مختارة يمكن لمن يرغب العودة إليها:
ميثاق الأمم المتحدة: المواد 1، 33، 51، 73.
اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، المادة 62.
اتفاقيات باريس للسلام في فيتنام (1973).
اتفاقية الهدنة الكورية (1953).
اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك (1995).
اتفاق الجمعة العظيمة (إيرلندا الشمالية، 1998).
تفاهم نيسان (لبنان، 1996).
تجارب السلطة الوطنية الفلسطينية (أوسلو 1993–1995).
—————————————-
سليمان عبد الباقي مدير الأمن في السويداء
21 أيلول 2025
سليمان عبد الباقي، قائد درزي بارز، وُلد في محافظة السويداء في سوريا، ودرس الحقوق في جامعة دمشق. برز قائدا لتجمع “أحرار جبل العرب” وناشطا في الحراك الشعبي السلمي ضد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، تولى عبد الباقي قيادة مديرية أمن مدينة السويداء، وأعلن أن من ضمن أولوياته تركيز جهوده على حماية المدنيين ومتابعة قضايا المختطفين وتعزيز الاستقرار بالمنطقة.
المولد والدراسة
وُلد سليمان عبد الباقي عام 1990 في محافظة السويداء جنوبي غربي سوريا. ويذكر في صفحته الشخصية على موقع “فيسبوك” أنه درس الحقوق في جامعة دمشق.
التجربة السياسية والاجتماعية
شغل عبد الباقي منصب قائد تجمع “أحرار جبل العرب”، الذي تأسس عام 2022، ويصف نفسه بأنه “تجمع وطني لا طائفي يُنادي بالحقوق المشروعة لكل طوائف الشعب السوري”.
ويُعرف عبد الباقي بأنه من الشخصيات البارزة في الحراك الشعبي بالسويداء، إذ شارك في انتفاضة 2023/2024 السلمية ضد نظام بشار الأسد، وظهر في ساحة الكرامة مخاطبا المحتجين بكلمات منددة بالنظام و”بنفوذ حزب الله اللبناني والتدخل الإيراني” في الجنوب السوري.
كما أعلن فصيله الانخراط في عمليات عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وعصابات تهريب المخدرات التي تنشط في البادية ومحيط محافظة السويداء.
شارك عبد الباقي على رأس فيصله مع “حركة رجال الكرامة” بقيادة ليث البلعوس في حملة استهدفت مهربي المخدرات بالقرب من الحدود الجنوبية للمدينة مع الأردن، والتي انطلقت في يناير/كانون الثاني 2024.
وكان لعبد الباقي دور في الإفراج عن عدد من أبناء محافظة السويداء الذين اعتقلهم نظام الأسد على خلفية مشاركتهم في الحراك. وتمثل دوره في خطف ضباط وعناصر من النظام ومبادلتهم بمعتقلين من السويداء.
بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلن عبد الباقي دعمه الدولة السورية الجديدة، وشارك في لقاءات عدة جمعت وفود السويداء مع الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولي الدولة.
كما شارك في جهود تهدئة التوتر بين الأمن العام وجماعات محلية في مدينة جرمانا نهاية فبراير/شباط 2025.
وفي مواجهة محاولات تأجيج التوترات داخل الطائفة الدرزية، حرص عبد الباقي على التأكيد على الوحدة الوطنية ورفض أي دعوات للتقسيم أو الفتنة، متصديا كذلك للمزاعم الإسرائيلية التي طالبت بـ”حماية دروز سوريا” أو منحهم حكما ذاتيا.
وأكد عبد الباقي في أكثر من مناسبة أن الدروز “جزء أصيل من النسيج السوري”، وأنهم يرفضون التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية.
وتعرض عبد الباقي لمحاولتي اغتيال، الأولى يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أصيب خلالها بطلق ناري في صدره، والثانية في 8 مارس/آذار 2025 بعد استهداف منزله بقذيفة صاروخية من نوع “آر بي جي”.
وتقول مصادر إن عبد الباقي اتهم الزعيم الدرزي حكمت الهجري بالتسبب في أحداث السويداء عام 2025، ونقضه الاتفاقيات مع الحكومة السورية.
إضافة إلى نشاطه السياسي، برز عبد الباقي في كثير من الفعاليات المجتمعية والبيئية، ونظم مبادرة تحت اسم “بدنا نخلي السويداء جنة” عام 2020 مع مجموعة من الأهالي، بهدف زراعة المئات من أشجار الصنوبر واللوز البلدي.
قائد أمن السويداء
أفاد التلفزيون الرسمي السوري يوم 16 سبتمبر/أيلول 2025، نقلا عن مصدر في وزارة الداخلية السورية، بتعيين سليمان عبد الباقي مديرا لمديرية الأمن في مدينة السويداء.
وقال وزير الداخلية أنس خطاب في منشور على منصة “إكس” إن التعيينات الجديدة تمت “بمشاركة فاعلة من أبناء محافظة السويداء ومن مختلف المكونات”، واعتبرها “بداية لمسار أكثرا استقرارا في المحافظة”.
وأوضح عبد الباقي في تسجيل مصور نشره على صفحته في فيسبوك أن وزير الداخلية كلفه بإدارة الملف الأمني داخل السويداء، مؤكدا متابعته ملف المختطفين من أبناء المدينة.
وطالب عبد الباقي أهالي السويداء بإرسال قوائم تضم أسماء المخطوفين أو المفقودين لمتابعة الملف. يُذكر أن المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أحصى 516 مخطوفا من الدروز في المحافظة، بينهم 103 نساء، منذ بدء أعمال العنف في يوليو/تموز 2025.
المصدر: مواقع إلكترونية
—————————-
الشيخ موفق طريف في بلا قيود: للأسف لا توجد نوايا حسنة حتى الآن
الشيخ موفق طريف: المشكلة في الذين أتوا من خارج سوريا و لا يعرفون المكونات السورية
19 سبتمبر/ أيلول 2025
أعرب الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل عن أسفة للأوضاع الإنسانية في السويداء جراء الحصار الذي ظلت تتعرض له مما تسبب في نقص في المواد الغذائية وخدمات أخرى كالكهرباء.
وأشار الشيخ طريف إلى وجود أكثر من 32000 من المشردين الذين أجبروا على ترك بيوتهم بجانب أكثر من 700 من المخطوفين من الرجال والنساء حسب قوله.
ويرى الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل أنّ الحل في الشرق الأوسط عموما يكمن في إيجاد لحل لمشكلة الأقليات والأقلية الدرزية في سوريا على وجه الخصوص.
وقال الشيخ موفق طريف إنّ تجاهل العالم لما كان يجري في السويداء من هدم وتهجير وقتل واغتصاب دفعه للضغط على إسرائيل للتدخل في السويداء.
وفيما يقال عن إدخال إسرائيل للسلاح إلى السويداء ضمن ما تقدمه من مساعدات نفى الشيخ طريف أي دراية أو دور له في ذلك، إن كان هنالك شي من ذلك القبيل.
————————–
=====================
تحديث 20 أيلول 2025
————————–
إسرائيل والعبث بالشرق الأوسط/ جمال الشوفي
2025.09.20
لا يكاد يمضي يوم في الشرق الأوسط إلا وتقوم إسرائيل بعملية عسكرية في منطقة أو مدينة منه، ولا رادع يمكن إيقافها عند حدٍّ معيَّن من العبث فيه. فمنذ بدء حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ولليوم، تتابع إسرائيل نشاطها العسكري في معظم عواصم ومدن الشرق، ولم تعد ضرباتها العسكرية تقتصر على المدن السورية بمفردها، بل تجاوزتها إلى مدن وعواصم أخرى، ما يجعل إنذارات الخطر الإقليمية تزداد يومًا بعد يوم، وقد تتطور لمساحة إقليمية أكثر اتساعًا.
بالعودة إلى مسار العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، التي بدأت منذ غزة ولم تتوقف حتى اليوم، فقد وصلت – بشكل مرسوم وفائق التفوق التقني – إلى جنوبي لبنان، وتمكنت من اجتثاث القوة الفاعلة لحزب الله وتحجيم دوره على الساحة اللبنانية والسورية. ورغم عمليات “ردع العدوان” السورية التي أدت إلى إسقاط نظام الإجرام الأسدي، فإن إسرائيل لم تتوقف عن قصف المواقع العسكرية السورية موقعًا بعد آخر، وكان أكثرها كثافة في نهايات العام السابق، إذ لم تُبقِ على موقع عسكري سوري يمكن أن يشكل تهديدًا لها. واليوم تعلن أنها تريد المنطقة الجنوبية من سوريا منطقة منزوعة السلاح، خاصة السلاح الثقيل.
ففي حين لم تتوقف عملياتها العسكرية في إيران، والتي أدت إلى إنهاء المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وإيقاف إمكانية وصول إيران إلى قنبلة نووية تمكّنها من امتلاك قوة ردع إقليمية ودولية أو منافسة على تقاسم النفوذ فيه. وفي هذه الأثناء واصلت ضرباتها العسكرية في اليمن ضد الحوثيين، ذراع إيران العسكرية على الخليج العربي وبوابة البحر الأحمر. وليس ذلك فحسب، بل تجاوزت كامل الخطوط الحمراء المرسومة إقليميًا باستهدافها قادة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، مرفقة ذلك بتصريح يشي بالخطر الإقليمي بأنها لن تتوانى عن ضرب أي موقع تزعم أنه “إرهابي” في أي مكان في محيطها الحيوي؛ فلا رادع أمامها!
في الجانب الآخر، وفي حين تعلن إسرائيل حمايتها الواهية للدروز في الجنوب السوري، والتي توجتها بقصف مقر قيادة الأركان السورية في أثناء أحداث السويداء الدامية منتصف تموز الماضي، فإنها في الوقت ذاته تعلن وتعمل على الوصول إلى اتفاق أمني مع الحكومة السورية الانتقالية برعاية أميركية، وتضع شروطها المبنية على فرض السلام بالقوة، وذلك من خلال سلسلة لقاءات في عواصم عدة سواء في أذربيجان أو باريس، والتي قد تتوَّج بزيارة وزير الخارجية السوري لواشنطن بخطوط اتفاق عريضة، إن لم تكن باتفاق أمني شامل لكل التفاصيل التي تريدها.
أمّا الموقف الأميركي فقد بات حذرًا ومواكبًا للتطورات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، ليعلن – عبر مبعوثه الدولي لسوريا توماس باراك – عودته إلى الملف السوري بقوة وفاعلية، بعد أن اكتفى بإدارته عن بُعد منذ الكيماوي السوري عام 2013، يوم اكتفى أوباما بعقد صفقة مع روسيا حافظت على نظام الأسد من دون عقاب، وتركت الساحة السورية مكشوفة أمام إيران وروسيا. في حين اليوم، وبعد خروج إيران من سوريا وانكفاء روسيا من المعادلة السورية إلى حدودها الدنيا، عادت تركيا لتلعب دورها المحوري في الساحة السورية، ما يفسر العجلة العسكرية الإسرائيلية في ضرب تمركز القوات السورية في المنطقة الجنوبية، وتدخل أميركا الدبلوماسي الفعال من جديد في الملف السوري، بعد إنذارات الخطر التي أعلنتها تركيا منتصف تموز الماضي عن عدم سماحها ببناء كيان مستقل في السويداء، محذرة من الغطرسة الإسرائيلية ومغامرتها في ذلك.
من الواضح والجلي أن الشرق فعليًا بات منكشفًا أمام الذراع العسكرية الإسرائيلية، وأن أميركا – الساعية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط كما في أوكرانيا، وفق سياسة إدارة ترمب الحالية المعتمدة على الاستثمارات المالية الضخمة في المنطقة – تحاول منع إسرائيل من زيادة الاحتكاك العسكري المباشر مع تركيا، وبالضرورة سوريا، إذ قد يسفر ذلك عن احتكاك عسكري إقليمي يفضي إلى حرب واسعة لا تريدها دول الخليج العربي ولا تركيا ولا أميركا. في حين تستثمر إسرائيل هذه المعادلة لفرض شروط السلام بالقوة! وهي معادلة جيوبوليتيكية إقليمية عنوانها تجنب الحرب العسكرية المباشرة مع إنهاء جميع مظاهر الردع العسكري المقابل في محيط إسرائيل الحيوي، وتمهيد لنفوذ واسع لها في المنطقة من خلال بوابتي الجنوب السوري واللبناني وإنهاء معادلة غزة في جنوبها. وبالضرورة تدرك إسرائيل أن دول الخليج العربي وتركيا والأردن وسوريا لا تريد الحرب وتتجنبها وتبحث عن الاستقرار الفعلي في المنطقة، ما يجعل إسرائيل تستثمر هذه المعادلة لتحقيق حزمة من الأهداف:
تحجيم الدور التركي في المعادلة العسكرية السورية، خاصة في الجنوب السوري بدءًا من دمشق.
فرض اتفاق أمني مع الحكومة السورية الانتقالية يعيد ترسيم خطوط التماس لاتفاقية فض الاشتباك عام 1974، كمقدمة لاتفاقية سلام وتطبيع أوسع حين تصبح الحكومة السورية منتخبة أو مفوّضة من مجلس الشعب، على أن تكون موثقة ومعتمدة في الأمم المتحدة.
فرض معادلات الهيمنة وإنهاء أي مظاهر عسكرية تهددها في محيطها الحيوي سواء في جنوبي لبنان أو جنوبي سوريا، وقطع اليد الإيرانية كليًا من سوريا.
إيجاد حل جذري لسكان غزة واستبعاد كلي لمشروع حل الدولتين.
الإبقاء على التوتر البيني في الخاصرة السورية في المنطقة الجنوبية بين المكونات الشعبية السورية؛ فلا هي تدعم فكرة إنشاء كيان درزي مستقل فيها، ولكنها في الوقت ذاته تتخذ منها ورقة تفاوضية مع السلطة السورية لتحقيق أغراضها أعلاه.
إضعاف معادلات الاستقرار في المنطقة وإبقاء الأوضاع على أهبة القلق، ما يتيح لها فرصة تنفيذ مخططاتها بفرض شروط الهيمنة والتفوق التقني والاقتصادي، ومنها خطوط التجارة البرية والغاز القطري الخليجي المرجح مروره من الجنوب السوري.
إضافة لهدف داخلي في إسرائيل عنوانه تصدير أزمات حكومة نتنياهو الداخلية بمعارك خارجية تقيه من المحاكمة والسجن.
هل سندرك قريبًا أهمية اعترافنا بحقوقنا السورية كاملة لجميع السوريين كأرض صلبة تمنع تكرار أحداث دامية مجددة في سوريا والمنطقة؟
في هذا السياق، تبرز على الخارطة السياسية الدولية للمنطقة جمَل متناقضة مضمونًا وسلوكًا؛ فإسرائيل ذاتها تفتح كامل خطوط التفاوض مع الحكومة السورية الانتقالية، والأخيرة تؤكد على وحدة سوريا وبسط سيطرتها على كامل الأرض السورية، وإسرائيل لا تمانع في ذلك، بل دعمته وعبرت عنه في لقاء أذربيجان قبيل أحداث السويداء الدامية! لكنها في الوقت نفسه تفتح بوابات الاتصال مع فعاليات السويداء وتعد بالحماية لها! وهذا الموقف بالذات لم تدركه بعد الأوساط السياسية السورية، حيث إن المعادلة الداخلية السورية للاستقرار تبدأ من منع الأيادي الخارجية من العبث في الداخل السوري. فذات اليد الإسرائيلية شجعت السلطة على دخول السويداء، وبعثت برسائل الوهم بدولة مستقلة فيها! فكانت العابث الرئيسي في أحداث السويداء الدامية ويصعب أن تشفى منها قريبًا، وشكلت موانع وصدمة نفسية كبيرة أمامها في التعامل مع السلطة الانتقالية، يخسر فيها كل السوريين، والمستفيد الوحيد منها حتى اليوم إسرائيل.
والسؤال المطروح على السوريين جميعًا، سلطة وأطرافًا: هل يمكن إعادة مدّ جسور الثقة من جديد؟ أم ستبقى المعادلة السورية الداخلية رهينة الاستقطابات الخارجية، التي كانت – في عهد النظام السابق – مصدرها إيران، واليوم باتت مصدرها إسرائيل، وكلاهما لا يريد سوى مصلحته وتفوقه في الداخل السوري؟ فهل سندرك قريبًا أهمية اعترافنا بحقوقنا السورية كاملة لجميع السوريين كأرض صلبة تمنع تكرار أحداث دامية مجددة في سوريا والمنطقة؟
تلفزيون سوريا
—————————–
الشرع وإسرائيل… امتحان الشرعية؟/ حسام أبو حامد
19 سبتمبر 2025
لطالما غابت الشفافية من أيّ محادثات سورية إسرائيلية نشطت تحت ضغط التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد. وبعودة هذا الملفّ إلى الواجهة مساء الأربعاء الماضي، يعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن المفاوضات الجارية مع إسرائيل قد تؤدّي إلى نتائج اتفاق أمني يمهّد لاتفاقات أخرى، مع تأكيده أن التطبيع ليس مطروحاً على الطاولة. تعكس هذه الشفافية المفاجئة قناعةً بأن الاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى، يستبق وصول الشرع المنتظر لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ما يضفي على تصريحاته بُعداً سياسياً ودبلوماسياً إضافياً. رسمياً (ورغم ندرة التصريحات)، هدف المفاوضات المُعلَن مع الاحتلال التوصّل إلى اتفاق يضمن وقف الغارات الجوية الإسرائيلية وانسحاب جيش الاحتلال من مناطق توغلّه جنوبي سورية. ورغم تقارير متواترة أفادت بأن واشنطن تضغط على سورية للتوصّل إلى اتفاق قبل اجتماع نيويورك الأسبوع المقبل، نفى الشرع أي ضغوط أميركية، وقال إنّ واشنطن تلعب دور الوسيط لا أكثر. ويعكس هذا الفصل (الاضطراري) بين الأمن والسياسة إدراكاً مزدوجاً؛ فهناك حاجة سورية ماسّة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، مع عجز النظام الجديد عن تحمّل كلفة تنازلات حقيقية ينظر إليها الشارع السوري تفريطاً بالحقوق الوطنية والسيادية السورية عبر تطبيع متسرّع.
ثبّت لقاء الشرع ترامب في الرياض (مايو/ أيار 2025) تموضع دمشق ما بعد الأسد في المعادلة الإقليمية، وارتبط رفع العقوبات التنفيذية المفروضة على دمشق بخطواتٍ تجاه إسرائيل: طرد قادة فصائل فلسطينية والتضييق على نشاطاتها، منع تهريب السلاح الإيراني إلى حزب الله، وإظهار النيّات الحسنة… كانت المعادلة أمام السلطات السورية الجديدة أن “الطريق إلى الشرعية الدولية يمرّ عبر إسرائيل”. في الوقت نفسه، جعلت الرياض احترام السيادة السورية شرطاً للتقدّم في مسار التطبيع مع الاحتلال، واضعة إسرائيل أمام معادلة معاكسة: لا تطبيع مع السعودية إذا استمرّت في التوغّلات والقصف داخل سورية. لكن إسرائيل استمرّت في تصريف فائض القوة؛ مئات الغارات والتوغلات البرّية منذ سقوط الأسد، وسيطرت على مواقع استراتيجية، مثل جبل الشيخ، ووسّعت عملياً المنطقة العازلة في تخوم الجولان، وكانت الرسالة: الأمن الإسرائيلي أولاً، والسيادة السورية ثانياً (إن تيسّر الأمر).
ومع أن الإعلان الدستوري المؤقّت أتاح للرئيس إبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية، ولـ”مجلس الشعب” المصادقة عليها، يحاول الشرع بإعلانه أنّ لا تطبيع مع الاحتلال مراعاة الحساسية الشعبية في سورية، فأيّ تنازل سريع قد يفجّر الداخل السوري الهشّ، ويفقده شرعيته بين جمهور يعتبر معظمه فلسطين قضية العرب جميعاً (بحسب المؤشّر العربي 2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، كما أن المعادلة العربية (والإقليمية) تفرض على دمشق عدم الانخراط في اتفاقات بمعزل عن مبادرة السلام العربية (2002)، التي تشترط انسحاباً كاملاً من الأراضي المحتلة. يراهن الشرع على دعم أطراف إقليمية لا ترغب في تطبيع مجاني مع إسرائيل، بل في مقايضات مشروطة.
تفيد تجارب العقود السابقة بأن السلام السوري الإسرائيلي كان دوماً “شبه مستحيل”، رفضت تل أبيب الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة وعرضت السلام مقابل الأمن أو التطبيع، وهو ما رفضه النظام الساقط. واليوم تريد إسرائيل أمناً بلا أثمان سياسية، بينما يسعى الشرع إلى سيادة من دون تطبيع. النتيجة المتوقّعة هدنة طويلة هشّة أو اتفاق فضّ اشتباك جديد، من دون تحوّل جوهري نحو تسوية شاملة. قد تضطر سورية لقبول منطقة منزوعة السلاح وبقاء الاحتلال في الجولان (وجبل الشيخ؟) وغضّ الطرف عن وجود إسرائيلي جنوباً. هذا يعني سيادةً منقوصةً وتفريطاً ضمنياً بالأرض. المطروح ليس “إدارة مؤقّتة للصراع” كما يوحي إعلان الشرع، بل تسوية قسرية تجمّد “جبهة” الجنوب وترضي واشنطن والرياض، وتمنح الشرع شرعية خارجية من دون أن تفتح الباب لتطبيع داخلي مرفوض.
سورية في أضعف لحظاتها تفاوض إسرائيل في ذروة قوتها وعدوانها، وأيّ اتفاق أمني في هذا المناخ لن يكون إلا على حساب السيادة السورية والقضية الفلسطينية، في غياب مشروع عربي يوازن الكفّة، ويمنع تحوّل سورية “حديقةً خلفيةً” لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي. سيواجه الشرع في الأيام المقبلة امتحاناً صعباً: كيف يوازن بين شرعية خارجية يسعى إليها، وداخلية مهدّدة باتفاقات أمنية قسرية؟
العربي الجديد
—————————-
ماذا عن التفاوض بين الشامي واليهودي؟/ عمر قدور
السبت 2025/09/20
بعد منتصف ليلة الأربعاء الفائت توغلت القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة، وحلّق طيران الاستطلاع الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية وصولاً إلى دمشق. يُفترض أن الانتهاكات الإسرائيلية الجديدة حدثت بعد اجتماع للرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع مندوبين لصحف دولية، قال فيه تعليقاً على المفاوضات بينه وبين إسرائيل: “هي حالة صعبة أن تكون مفاوضات بين شامي ويهودي”!
لكن لا يُحتَّم وجود رابط بين حديث الشرع والتوغل الإسرائيلي الجديد، فالقوات الإسرائيلية توالي توغلاتها، ضمن المناطق منزوعة السلاح بموجب اتفاقية الهدنة لعام 1974 وخارجها أيضاً، ونُقل عن الشرع في اجتماعه مع الصحفيين أن عدد التوغلات زاد عن 400 منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر. والطيران الإسرائيلي ينفّذ طلعات استطلاعية بلا قيود، ويقصف أحياناً بعض المواقع بلا قيود أيضاً. وحسب ما نُقل عن الشرع، نفّذت إسرائيل أكثر من ألف غارة بدءاً من التاريخ نفسه.
مع ذلك، لا يجوز استبعاد الربط بين المفاوضات والتوغل الإسرائيلي، فالتوغل بحرية تامة يثبت قدرة إسرائيل على فرض الواقع الذي تريده على الأراضي السورية، ما يُضعف موقف الشرع في المفاوضات، وتحليق الطيران الاستطلاعي (لا الحربي) يثبت سهولة سيطرة تل أبيب على المجال الجوي، الذي يتحرك ضمنه طيرانها. النقطة الثانية تحديداً يبدو أن لها أهمية خاصة، فقد نقلت مندوبة رويترز عن الشرع في الاجتماع نفسه القول إنه “سيطلب احترام مجال سوريا الجوي ووحدة أراضيها، وأن يكون خاضعا لمراقبة الأمم المتحدة”.
التوقف عند بند احترام المجال الجوي يوحي بالتقدّم في باقي نقاط التفاهم الذي سُرِّبت بنوده الأساسية مؤخراً، وقد نُشرت في موقع أكسيوس وموقع معهد دراسات الحرب الأميركيين. حسب ما سُرِّب، تطالب تل أبيب بممر لطيرانها عندما تقرر قصف إيران، وبمنطقة حظر طيران ضمن الأراضي السورية تمتد إلى تخوم دمشق تحت مسمّى المنطقة الثالثة C. وهذه المنطقة هي الأوسع بعد منطقتَي A وB. المنطقة الأولى هي بعمق 2 كيلومتر بعد المنطقة العازلة بموجب اتفاقية الهدنة، وتُعدّ بمثابة توسيع للمنطقة المنزوعة السلاح أصلاً، والخاضعة لإشراف أممي بوجود قوات فصل دولية.
المنطقة الثانية، وتحديد مساحتها متروك للاتفاق، ستكون منزوعة السلاح، وممنوعة على الجيش، بينما يُسمح للشرطة والقوات الأمنية بالعمل فيها. والشرط نفسه موجود في اتفاقية الهدنة لعام 1974، لكن فيما يخص المنطقة منزوعة السلاح، أي أن المنطقة الثانية ستكون عملياً بمثابة توسيع للمنطقة الأولى، لكن بتسمية مختلفة، ومن دون إشراف أممي كما هو الحال في الاتفاقية القديمة.
التقسيم الإسرائيلي إلى ثلاث مناطق مستوحى مما هو مطبَّق على سيناء، بعد انسحاب إسرائيل منها بموجب اتفاقيات كامب ديفيد. المختلف في الحالة السورية أن تل أبيب تريد تطبيق النموذج نفسه على أراضٍ غير محتلة، أي أنها تريد الحصول على امتيازات أمنية إضافية، لتخلق واقعاً جديداً لا تستطيع أية سلطة سورية مقبلة التنصّل منه. جدير بالذكر أن الواقع الجديد، إذا وُقِّعت الاتفاقية حسب التسريبات، هو خارج الجولان السوري المحتل الذي أعلنت إسرائيل ضمّه رسمياً، ثم اعترف ترامب بسيادتها عليه أثناء ولايته الأولى. وهناك مناطق سيطرت عليها القوات الإسرائيلية على جبل الشيخ، وثمة تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تشير إلى النية في البقاء فيها على نحو مستدام، خارج التصنيف المذكور للمناطق الثلاث. يُذكر أن الشرع قال أمام الصحفيين في اجتماع يوم الأربعاء: “من المبكر للغاية مناقشة مصير هضبة الجولان المحتلة لأنها قضية كبيرة”.
مساء أمس الجمعة نقل موقع تلفزيون سوريا عن صحيفة ملييت التركية قولَ الشرع: “إن التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل لا مفر منه، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق موضع شك”. ونُقل عن الصحيفة التركية إشارة الشرع إلى أن “أحداث السويداء الأخيرة جاءت بمثابة “فخ مدبر خصيصاً” في وقت كانت المفاوضات مع إسرائيل على وشك الانتهاء”!
ما نشرته صحيفة ملييت يبدو للوهلة الأولى كتأكيد على ما صار مؤكّداً من وصول التفاوض إلى مرحلة متقدّمة، وهناك تكهنات تنص على توقيع الاتفاق على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بينما يصل بعضها إلى سيناريو توقيع الاتفاق بين الشرع ونتنياهو، بحضور ترامب في البيت الأبيض. لكن أبعد من الخبر نفسه، لا بد أن ترتسم علامة استفهام كبيرة حول الدافع إلى توقيع اتفاق لا ضامن موثوقاً له، والتزام تل أبيب به موضع شكّ.
فهل هناك مثلاً تهديدات إسرائيلية تتجاوز الانتهاكات الحالية، وتجبر الشرع على قبول “ما لا مفرّ منه”؟ ثم إذا كانت المفاوضات على وشك الانتهاء في شهر تموز الفائت، عندما جاءت “أحداث السويداء بمثابة فخ مدبَر”، فمن هي القوى التي لا مصلحة لها في الاتفاق، وقادرة على تدبير الفخّ لعرقلة الاتفاق؟ وإذا كان الهجري (ومن يمثّل) متهمين بالعمالة لإسرائيل، فهل يستطيع التحرك لإفشال اتفاق تريده الحكومة الإسرائيلية؟ أم هناك ضمن طاقم حكومة الشرع مَن حاول عرقلة الاتفاق الذي كان على بعد أربعة أو خمسة أيام قبل أحداث السويداء بموجب تصريح سابق للشرع؟
هكذا لن ينتهي يوم أمس قبل شيوع الأخبار عن أن الاتفاق صار جاهزاً للتوقيع، وفق البنود المسرَّبة سابقاً بعموميتها. في كل الأحوال، المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن السلطة الانتقالية ستوقع اتفاقاً له آثار مستدامة، أي بما يخالف طبيعتها لجهة مخالفة طبيعة المرحلة الانتقالية، ولجهة عدم حصولها على تفويض بموجب صناديق الاقتراع. هذا التجاوز يجعل الصفقة برمّتها خارج النقاش العام. فالسلطة لا تقدّم معطيات واضحة حول “المكاسب” من صفقة يُشكّ في التزام الطرف الآخر بها، حتى إذا كانت المكاسب مقتصرة على تفادي الأسوأ.
ولا يخفى أن السلطة في سلوكها تستفيد من تسامح واسع، يجعل تصرفاتها حتى الآن فوق النقد. إلا أن موجة التسامح لا تؤسس وعياً سياسياً، فمعظمها يعود إلى النقمة على العهد السابق وتسيّره الغرائز، فضلاً عن وعي شعبوي يستسلم لخلاصات من قبيل التفوق الإسرائيلي المطلق، من دون ما يُشاع عن حنكة الشامي ومرونته معاً في اغتنام الفرص، وفي تفادي الأسوأ. الحديث عما هو أقل من معاهدة سلام، بهدف التخفيف من أهمية الاتفاقيات، هو في الجوهر دلالة على كونها أدنى بكثير مما يمكن تقديمه للسوريين بمكاشفة حقيقية. إلا أن التهوين من شأنها على هذا النحو لا يستر الواقع لمن يريد رؤيته، فالحق أن اتفاق سلام نهائي، لا ينتقص من السيادة السورية، هو أهون من اتفاق سيكون ورقة قوة إضافية للمفاوض الإسرائيلي إذا حانت لحظة السلام يوماً.
بعيداً عن العواطف والغرائز الحالية، لنتخيّلْ ردود الأفعال لو أن هذا الاتفاق ببنوده المسرَّبة كان سيُوقَّع قبل الثامن من كانون الأول/ديسمبر، ولنتخيَّل كيف ستكون الانتقادات خصوصاً لتزامن التوقيع مع مرحلة جديدة من الإبادة في غزة. هذه المقاربة تفضح، على الأقل، نفاق الجمهور المؤيد للاتفاق؛ النفاق الذي يعرفه ويفهم دوافعه، ويستثمر فيه بسهولة، حكامُ تل أبيب.
————————–
العائق السوري وتوظيفه إسرائيلياً/ نزار السهلي
2025.09.20
لا مجال للإنكار بأن حصاد الميزان السوري بعد الخلاص من نظام الأسد ثقيل، ودول كثيرة تحاول استثماره في المنطقة والإقليم، وفي مقدمتها إسرائيل، التي طَبَشَت كفتها من الحصاد بالعدوان على الأرض، وتجاوزت كل محظور قانوني وأخلاقي وإنساني، بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة والضفة والقدس، وعدوان على كل المنطقة العربية، وسوريا منها التي تواجه معطيات حصاد واقعٍ بالغ التعقيد، مع مخاطر جسيمة، لم تعد محصورة بأطماع المؤسسة الصهيونية في كل جغرافيا فلسطين، فهي تداهم واقع العرب من كل حدب وصوب، فإسرائيل تطل برأسها معربدةً، وهي تكاد تعلن انتصارها ليس على الفلسطينيين وحسب، بل على كل البشرية وقوانينها وشرائعها.
ففي الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن قرب توقيع تفاهمات سورية مع الاحتلال لوقف الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية على السيادة السورية، وتأمين انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، والعودة لتفاهمات فض الاشتباك عام 1974، يتأكد من الرعاية الأميركية لهذه المباحثات أو التفاهمات، التي وقع على مبادئها في عمّان بمقدمة “اتفاق الجنوب” والسويداء، أن هناك محاولات إسرائيلية أميركية وبضغط عربي، لفرض تسوية ظالمة على السوريين من خلال استثمار الوضع السوري والفلسطيني والعربي، الذي يدفع كله باللجوء إلى الارتماء في الحضن الإسرائيلي، والاستسلام لإرادته وحلوله كقدرٍ لا يُقاوم ولا يُرد.
وعلى الرغم من الاعتقاد السائد لدى بعض المراقبين بأن التفاهم السوري الإسرائيلي القادم يشمل معظم الترتيبات الأمنية التي تضمن سيطرة أمنية إسرائيلية على الجنوب السوري – على الأقل الحرية الجوية – فإن الهوة أوسع بكثير مما يعتقده هؤلاء؛ ذلك أن حجم الاختلاف يتسع لقضايا أخرى هامة وأساسية كالتطبيع وإبرام معاهدة “سلام” بين سوريا وإسرائيل، مع رفض الأخيرة التنازل عن هضبة الجولان والاعتراف بالحقوق السورية. ومع أننا لسنا بصدد تعداد نقاط التباين في الموقفين السوري من جهة والأميركي الإسرائيلي من جهة ثانية، إلا أن الحديث المتكرر الأميركي عن دعم العدوان وتبريره والابتزاز برفع العقوبات، والتوغل الإسرائيلي والصمت عنه عربيًا، يؤشّر إلى حجم الضغوط التي تتعرض لها دمشق، مع التحذيرات التي توجه للسلطة بغارات عدوانية يومية تؤكد ذلك.
في التجربة الفلسطينية مع الاحتلال عبرٌ ودروس كثيرة، في حال امتلك السوريون والعرب حسن قراءة سياسة الخداع الإسرائيلي التي أدّت مهامها في بعض الجوانب الفلسطينية والعربية، بحيث أصبحت التفاهمات – تطبيعية كانت أم أمنية وسياسية – عوائق وعقبات أمام تحرر الشعوب من الاستبداد والاحتلال، ومعيقات حقيقية لنهضتها وبنائها. وللسوريين أيضًا تجربة مريرة في ذلك، يفترض بزوال الاستبداد تقليل هذه المرارة والانتباه أكثر لتلك المخاطر. هناك فرضيات ومتغيرات طرأت على المشهد السوري منذ سقوط النظام، وتكونت معها جملة حقائق أتت بها المسيرة الكفاحية للشعب السوري لتبلور هويته الوطنية، وتعبر عن إرادته السياسية المعنية ببناء المواطنة والحرية والديمقراطية والتعددية السياسية.
ومن على أرضية فهم مسيرة التحرر السوري من الاستبداد، وفهم طبيعة المحتل ونواياه وعدوانه على السيادة السورية، وجعل الخوف من البدائل هاجسًا دائمًا عند السوريين، وبأن التعايش بينهم مستحيل إن لم يكن تحت القمع والبطش؛ لذلك يتوجب عدم الانقياد نحو نزعة خاطئة ومدمرة للنسيج الوطني، وقد تمثلت إما بمحاولة طلب الانفصال عن الجغرافيا السورية، أو الانفصال عن العمق العربي والتناقض معه بحسب الرغبة الإسرائيلية في قضية العرب المركزية “فلسطين”، التي تعيش أسوأ تجربة في هذا المضمار.
ومن المعروف أن الكيان السياسي السوري الوليد في سلطته الحالية يفترض به تمثيل مجتمع موحد يعيش على أرضٍ واحدة وله دولة ذات سيادة، وعلى هذا الأساس فالحديث عن السلطة في دمشق باعتبارها كيانًا سياسيًا معنويًا بعد التحرير، هو حديث يفتقر للمادي المكوّن لعناصر وحدة المجتمع، بسبب تمزق العامل البشري وتشتيته وضربه وسحقه لمدة 14 عامًا.
لذلك بات من الأهمية بمكان إعطاء السلطة العمل السياسي الداخلي قيمته الفعلية، بتعريف أشمل للسياسة وحرياتها الاجتماعية بعيدًا عن الارتجال والخطابة، وتعويضًا عن حالة عاشها الشعب والمجتمع السوري لعقود طويلة في مسألة الخلط بين السلطة المتفردة وإهمال دور الشعب في المشاركة السياسية برعاية مصالحه والدفاع عن أرضه وسيادته. ويكون ذلك بتعزيز مسار المشاركة السياسية الواسعة للسوريين الذين يطمحون أن يكون لوطنهم شأن، فهذه النقلة الكبرى هي التي تعزز من روح التحدي والعزيمة لمواجهة العدوان على سوريا أو أي بلد عربي، وهي التي تحدد رؤية وموقف مسألة التعبير عن الهوية الوطنية والسيادة وكيفية الحفاظ عليها من أطماع إسرائيلية، لا تتم بقولٍ ساذج عن رعاية أميركية وغربية وعربية لضمانات التفاهم مع محتل غادر كما دلّت التجربة القاسية معه.
بكل الأحوال، الأحداث الجِسام التي مرّت على السوريين، وصولًا إلى التحرر من الطاغية، يجب أن تكون وتبقى مفاتيح لحوار سوري-سوري من أجل الوصول إلى تطبيق جدي لشعار بناء دولة مواطنة وحريات ومؤسسات وأحزاب سياسية. والأمور ليست كسب صيغة هنا وهناك أو رفضًا لها بقدر ما هي دلالات سياسية: فإمّا يكون الشعب السوري مرجعًا للوطنية والكرامة والمواطنة والسيادة، وإمّا أن تبقى الأمور مستخدمةً عائقًا يوظّفه المحتل بحكم الفراغ الناشئ عن عدوانه وإرث المستبد الفار، وعن الحالة الهلامية والباهتة للأوضاع السياسية والاقتصادية. وفي حال استمرار الفراغ السياسي ستبقى اليد الطولى لمشاريع محلية وإقليمية ودولية متناقضة مع مصالح الشعب السوري. وقد تكون الخلافات السورية الداخلية عميقة ومريرة بفعل أحداث كثيرة، غير أنهم مضطرون دومًا لإيجاد الطريق للحوار والكلام ومساندة بعضهم بعضًا لتجاوز الانكسارات التي أحدثها زوال الاستبداد وتجاوزات السلطة الحالية، والتي لا خيار أمامها سوى إزالة العوائق التي تحول بين السوريين وبين مواطنتهم وحرياتهم، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره ركيزة حماية المجتمع وقوة الدولة والمؤسسات التي تحمي حقوقه وتدافع عن سيادته. ولكي لا يكون التعايش السوري مستحيلًا مع مطالبه، لا يمكن إغفال ما سبق أن تطرق له السوريون في ثورتهم ورؤيتهم لدولتهم، ومن العوائق التي وظفها الاستبداد لصالحه ويحاول توظيفها المحتل لنفسه، مع إهمال السلطة لإزالتها من طريق السوريين، وهي توظف لخدمة عدوهم لا لعافيتهم المنتظرة.
تلفزيون سوريا
———————————-
هل يملك دروز السويداء خيار الانفصال/ علي قاسم
المطالب الدرزية تكشف هشاشة العقد الاجتماعي داخل سوريا وغياب الثقة بين المركز والأطراف وتطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن لسوريا أن تكون دولة متعددة الهويات دون أن تنزلق نحو التفكك؟
فاعلون متنوعون لا كتلة صماء
السبت 2025/09/20
السويداء حالة خاصة في المشهد الوطني السوري، لا فقط بسبب تركيبتها الديموغرافية ذات الغالبية الدرزية، بل لأنها باتت تمثل نموذجًا مصغرًا لصراع الهوية والسلطة والمستقبل في سوريا ما بعد الحرب. لكن اختزال الدروز في السويداء وحدها، أو في خطاب رجل دين واحد، يغفل تعدد مواقعهم الجغرافية وتنوع مواقفهم السياسية. فالدروز لا يعيشون فقط في السويداء، بل في جرمانا على تخوم دمشق، وفي العاصمة نفسها، وفي مناطق أخرى مثل القنيطرة، ما يجعلهم طائفة موزعة جغرافيًا، متعددة في رؤاها، غير قابلة للاختزال في موقف واحد أو مرجعية واحدة.
منذ اندلاع الثورة السورية، اختارت السويداء طريقًا مختلفًا عن باقي المحافظات. لم تنخرط في الصراع المسلح، لكنها لم تصطف بالكامل خلف النظام. هذا الحياد النسبي لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادًا لتاريخ طويل من العلاقة المتوترة بين الدروز والسلطة المركزية، منذ حملة أديب الشيشكلي في خمسينات القرن الماضي، مرورًا بسياسات التهميش في عهد البعث. المطالب التي ترفعها السويداء اليوم لا تنبع من نزعة انفصالية، بل تعكس رغبة في حماية الذات وضمان الحد الأدنى من الكرامة والخدمات. ومن بين هذه المطالب، كان رفض التجنيد الإجباري أحد أبرز العناوين، خاصة في ظل شعارات فصائل محلية مثل “رجال الكرامة” التي رفعت شعار “دم السوري على السوري حرام”. لكن مع إعلان الحكومة الانتقالية الحالية إلغاء التجنيد الإجباري وتراجعها عن أي نية لإعادة فرضه، فإن هذا السبب لم يعد يشكل مبررًا راهنًا للانفصال، وإن ظل حاضرًا في الذاكرة السياسية للطائفة.
ما يحدث في السويداء ليس مجرد أزمة محلية، بل مرآة تعكس أزمة الهوية الوطنية في سوريا. فالمطالب الدرزية تكشف هشاشة العقد الاجتماعي وغياب الثقة بين المركز والأطراف
فكرة الانفصال الكامل عن الدولة السورية تبدو غير واقعية، نظرًا لغياب الدعم الدولي، وللجغرافيا المغلقة التي تحيط بالسويداء، وللانقسام الداخلي داخل الطائفة نفسها بين مؤيدين للوحدة الوطنية، مطالبين بالفيدرالية، ورافضين لأي تدخل خارجي. في المقابل، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو تعزيز الحكم المحلي وتوسيع صلاحيات الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية، وليس الخروج منها.
في دمشق وجرمانا، يعيش الدروز في بيئة أكثر اندماجًا مع الدولة، ويعبّرون عن مواقف أقل حدة تجاه المركز. كثير منهم يرفضون اختزال الطائفة في خطاب رجل دين واحد، مثل الشيخ حكمت الهجري، رغم احترامهم له كمرجعية روحية. فهم يعتبرون أن العلاقة مع الوطن الأم لا يجب أن تُضحى بها إرضاءً لتوجهات فردية أو فئوية، وأن الانتماء الوطني لا يتناقض مع الخصوصية الدينية أو الثقافية.
تاريخيًا، تعرض الدروز والعلويون لأشكال من التهميش والاضطهاد، لكن السياقات مختلفة. الدروز واجهوا حملات عسكرية مباشرة، مثل حملة الشيشكلي، وتهميشا سياسيا ممنهجا، رغم حفاظهم على استقلالية دينية قوية. أما العلويون، فعانوا من تهميش اجتماعي طويل الأمد ووصم ديني، قبل أن يصعدوا إلى السلطة عبر المؤسسة العسكرية في عهد الأسد الأب. لا يمكن القول إن أحدهما اضطُهد أكثر، بل إن أشكال الاضطهاد كانت مختلفة، ونتائجها كذلك. وإذا كان الدروز قد دافعوا عن خصوصيتهم، فإن العلويين أعادوا تشكيل علاقتهم مع الدولة عبر السيطرة عليها.
ما يحدث في السويداء ليس مجرد أزمة محلية، بل مرآة تعكس أزمة الهوية الوطنية في سوريا. فالمطالب الدرزية تكشف هشاشة العقد الاجتماعي وغياب الثقة بين المركز والأطراف، وتطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن لسوريا أن تكون دولة متعددة الهويات دون أن تنزلق نحو التفكك؟ الجواب لا يكمن في قمع المطالب، بل في الاعتراف بها، وتقديم نموذج جديد للحكم المحلي يضمن الحقوق ويعيد بناء الثقة. السويداء لا تطلب الانفصال، بل الاحترام. والدروز لا يسعون إلى دولة خاصة، بل إلى دولة تحترم خصوصيتهم. وفي هذا السياق، من الضروري أن يُفكك الخطاب الذي يختزل الطائفة في رجل دين أو منطقة واحدة، فالدروز، كغيرهم من السوريين، يحملون تعددًا داخليًا في الرؤى والانتماءات، ويستحقون أن يُنظر إليهم كفاعلين متنوعين، لا ككتلة صماء.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب
———————–
خريطة إسرائيلية في جنوب سوريا: بين ثوابت السيادة وذرائع خفض التصعيد/ أغيد حجازي
20 سبتمبر 2025
بالتزامن مع المفاوضات الجارية بين سوريا وإسرائيل، ومع تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع أن “المفاوضات الجارية مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني قد تؤدي إلى نتائج في الأيام المقبلة”، نشر معهد دراسات الحرب الأميركي في 17 أيلول/سبتمبر الحالي خريطة سماها “الاقتراح الإسرائيلي المُعلن لخفض التصعيد في جنوب سوريا”.
وتشمل الخريطة أربع مناطق جغرافية:
الأزرق الداكن: منطقة ضمن السيادة الإسرائيلية تشمل الجولان ونقطة في جبل حرمون أو ما يُعرف بجبل الشيخ.
الأزرق الفاتح: المنطقة العازلة المقترحة تحت إدارة قوات الأمم المتحدة (UNDOF)، وتشمل 2 كم إضافية داخل الأراضي السورية، وتمتد في أجزاء واسعة من محافظة القنيطرة.
الأصفر: منطقة عسكرية منزوعة السلاح شرق المنطقة العازلة، تُحظر فيها القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة. وتشمل أجزاء من محافظة درعا وريف دمشق، وتحديدًا من جنوب غرب درعا عند الحدود مع الأردن إلى جنوب غرب ريف دمشق بالقرب من قرية رخلة عند الحدود اللبنانية.
الوردي: الأراضي السورية الخاضعة لمنطقة حظر الطيران. وتمتد من جنوب غرب دمشق وأجزاء من محافظة ريف دمشق إلى الحدود مع فلسطين المحتلة، بما فيها كامل محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة. وبحسب الخريطة، سيتم تعيين أراض أخرى جنوب دمشق كمنطقة حظر طيران.
فقدان مواقع استراتيجية
قال الخبير في الشؤون العسكرية، د. محمد عباس، إن هذه الخريطة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها على أرض الواقع تُعد “خطيرة جدًا وحساسة للغاية من الناحية العسكرية”، مشيرًا إلى أنها تعني الاستيلاء على المناطق الحيوية والمفتاحية في جغرافية الشرق الأوسط.
وأوضح عباس أن أبرز هذه النقاط تتمثل في جبل الشيخ، ولا سيما النقطة 2814، التي تُعد من أكثر المواقع الاستراتيجية الحاكمة والمسيطرة في المنطقة. وأكد أن هذه النقطة تُشرف بشكل مباشر على امتدادات واسعة تشمل سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين، مشددًا على أنه “يمكن من خلالها، مع أي تجهيزات تقنية عسكرية، مراقبة النشاط الجوي الممتد من جبل طارق إلى سوريا”.
وأضاف أن ذلك يجعل المنطقة “مفتوحة بشكل كبير لقدرات الاستطلاع والاستخبارات الإسرائيلية”، لافتًا إلى أن جبل المانع وغيره من النقاط المحيطة بدمشق ستخرج من السيطرة السورية.
ورأى الخبير العسكري أن هذه التطورات ستؤدي إلى “حرمان سوريا من أي مواقع مفتاحية تسمح لها بالمراقبة أو التقدم نحو الحدود”، مؤكدًا أن إسرائيل تبني منطقة عازلة لا تقتصر على بضعة كيلومترات بل تمتد إلى أكثر من خمسين كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وهو ما يشكل تهديدًا للسيادة الوطنية السورية، إضافة إلى فرض سيطرة إسرائيلية على الأجواء في المنطقة.
إجراءات مؤقتة لحماية السيادة
من جهته قال العميد الركن مصطفى الفرحات، إن الترتيبات العسكرية المطروحة، المتمثلة في توسيع المنطقة العازلة بعمق كيلومترين، وحظر الطيران من جنوب دمشق حتى الحدود مع فلسطين المحتلة، وإقامة منطقة منزوعة السلاح، تُقرأ قبل كل شيء كخطوة لحماية سوريا وتحصينها من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وأوضح الفرحات أن الأجواء السورية خلال السنوات الماضية كانت عرضة لخروقات الطيران الإسرائيلي بشكل دائم، ما أدى إلى استنزاف القوات وتدمير البنى التحتية وإزهاق أرواح المدنيين. وأشار إلى أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقليص قدرة إسرائيل على شن هجمات جديدة، وتوفير مظلة أمان للشعب السوري.
وبيّن أن توسيع المنطقة العازلة يقلل من احتمالية الاشتباك المباشر ويُبعد نقاط التماس العسكرية، مشددًا على أن ذلك يقابله التزام من حكومة نتنياهو بوقف الخروقات والاعتداءات. كما اعتبر أن فرض حظر الطيران فوق الشريط الجوي الواسع يعني عمليًا وقف الغارات الجوية التي عانت منها سوريا طويلًا، لكنه ربط ذلك بمدى التزام الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
وأضاف أن المنطقة منزوعة السلاح ليست تنازلًا عن السيادة، بل وسيلة تقنية لضبط التوازن ومنع إدخال قوات أو أسلحة ثقيلة قد تُستغل لفتح معارك جديدة.
واعتبر الفرحات أنه حتى لو تضمّنت هذه الترتيبات تقديم تنازل جزئي نتيجة عدم القدرة على المواجهة في الظروف الراهنة، فإن توقيع اتفاق أمني من هذا النوع يُعد أفضل الممكن في ظل غياب مقومات المواجهة المباشرة، مقارنة بما تمتلكه إسرائيل من قدرات استباحة في سلاحَي الجو والبحر.
البعد الاقتصادي وفقدان الجنوب السوري
وأشار د. عباس إلى أن توسيع المنطقة العازلة يعني أن “سوريا قد خسرت سيادتها على مساحة واسعة تصل إلى ربع البلاد تقريبًا”، موضحًا أن الجنوب السوري، الذي يُعد الخزان الاقتصادي للبلاد بما يحتويه من سدود ومشاريع مائية وأراضٍ زراعية، سيكون خارج الإرادة الوطنية.
وأكد أن ذلك “يتيح لإسرائيل فرض شروط تفاوضية وهيمنة سياسية واقتصادية”، ما يضع سوريا أمام “حالة خطيرة من زعزعة السيادة الوطنية وتهديد الأمن القومي”.
ولفت الخبير إلى أن هذه المخاطر ما كانت لتحدث “لو أن الدولة السورية ما زالت تمتلك قدراتها الشاملة”، معتبرًا أن إسرائيل تستغل لحظة “ولادة سوريا الجديدة وحاجتها إلى البناء والاستقرار، وغياب القوة العسكرية القادرة على ردع العدوان”.
وأضاف أن إسرائيل تعمل على “فرض خياراتها العسكرية والسياسية والجيوستراتيجية، بما يضمن تمددها”، مستشهدًا بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال إن إسرائيل “مساحتها صغيرة وعليها التوسع”.
الأولويات السورية بين الداخل والخارج
وأكد الفرحات أن هذه التدابير لا تمثل حلولًا سياسية نهائية، بل وسيلة مرحلية لحماية السيادة السورية من العدوان، وفتح المجال أمام استقرار أمني يتيح التركيز على أولويات الداخل.
وفي ما يتعلق بالشق السياسي، شدد الفرحات على أن الدولة السورية لا تقدم أي تنازل عن حقوقها الوطنية أو عن أرضها، مبينًا أن ما يجري هو إجراءات أمنية مؤقتة تُنفذ تحت مراقبة دولية لضمان وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وليست معاهدة سلام أو تطبيعًا للعلاقات.
وأضاف أن التنازل الحقيقي في السياسة هو التنازل عن الأرض أو الحقوق السيادية، وهو خط أحمر غير مطروح على الإطلاق. واعتبر أن ما يحدث الآن هو قبول بقيود تكتيكية تهدف إلى حماية السوريين ووقف نزيف الحرب.
ولفت الفرحات إلى أن الإدارة السورية الجديدة ورثت دولة مثقلة بالأعباء: بنية تحتية مدمرة، وجيش أنهكته سنوات طويلة من القتال، ونسيج اجتماعي بحاجة إلى إعادة ترميم. وأكد أن الأولوية اليوم هي التنمية والإصلاح وإعادة البناء، لا خوض حروب إضافية تخدم طموح نتنياهو، الذي يسعى، بحسب قوله، إلى البقاء في السلطة عبر تأجيل محاكمته في ملفات الفساد.
وختم الفرحات بالتأكيد على أن هذه الترتيبات لا تُعتبر “تنازلًا”، بل استثمارًا في حماية السيادة ووقف العدوان، وتهيئة الظروف لتصفير المشاكل مع الآخرين، حتى يتفرغ السوريون لبناء دولتهم من جديد.
المشروع الإسرائيلي واستراتيجيات التفكيك
خلص د. عباس إلى أن المشروع الإسرائيلي “متواصل سواء عبر ما يسمى ممر داوود أو من خلال محاولات نتنياهو لتحقيق مشروعه بتفكيك الدولة السورية”، محذرًا من أن هذا يمثل “تحديًا كبيرًا يهدد الأمن والسيادة الوطنية السورية”.
وأكد أن سوريا اليوم “مدعوة، بقيادتها وشعبها، لتشكيل جهاز مناعة وطنية قادر على مواجهة هذه المحاولات واستعادة القدرات الشاملة لحماية السيادة”.
ومن الناحية التفاوضية، شدد عباس على أن “التنازل لا يُعتبر تنازلًا بقدر ما هو فرض الإرادة الأقوى”، موضحًا أن إسرائيل تمتلك القدرة على فرض شروطها، بينما يحتاج الوفد المفاوض السوري إلى دعم وطني ومجتمعي يعزز موقفه.
وأكد أن “الأمن الوطني السوري يتجسد في الوحدة الوطنية والالتفاف الشعبي حول الدولة”، داعيًا إلى بناء إرادة وطنية متماسكة تتيح لسوريا مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء.
—————————-
الاتفاق الأمني والعودة إلى تفاهم 1974: قراءة في الدلالات والرهانات/ مالك الحافظ
20 سبتمبر 2025
ما معنى أن يُطرح اليوم حديث عن “اتفاق أمني” بين سوريا وإسرائيل تحت عنوان “العودة إلى اتفاق التهدئة لعام 1974″؟ هل هي عودة إلى اتفاق قائم لم يُلغ أصلًا، أم التفاف على مضمونه لتسويق صفقة أمنية جديدة؟
السؤال هنا بكيفية استخدام التاريخ كغطاء لإخفاء نوايا الحاضر، وما هي مخاطر أن تحاول دمشق الانتقالية تقديم نفسها للعالم عبر بوابة إسرائيل.
التأويل السياسي لاتفاق قديم
اتفاق فصل القوات عام 1974 جاء في سياق ما بعد حرب تشرين، في لحظة توازن نسبي بين دمشق وتل أبيب، وبرعاية دولية فرضتها الحرب الباردة. جوهر الاتفاق كان إنشاء منطقة عازلة في الجولان تخضع لمراقبة قوات الأمم المتحدة، وضبط قواعد الاشتباك لمنع انفجار جديد. لم يكن الاتفاق سلامًا، بل إدارة للصراع.
لكن حين يتم الحديث اليوم هذا الاتفاق اليوم كمرجعية، فإن المعادلة تختلف كليًا. فبينما دخل النظام السوري السابق التهدئة من موقع دولة قادرة على فرض سيطرة أمنية، تدخل السلطة الانتقالية الراهنة من موقع هشاشة وبحث محموم عن اعتراف خارجي. هنا يصبح استدعاء العودة إلى 1974 بلا معنى قانوني أو سياسي، لأنه لا يضيف جديدًا سوى التغطية على صفقة “إذعان جديدة” تُفرض تحت ستار الالتزام بالقديم.
في الفكر السياسي، رأى توماس هوبز أن الدولة تقوم باحتكار القوة، بينما اعتبر كارل شميت أن السيادة تعني القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء. لكن حين تُقيد السلطة باتفاق أمني مسبق، فإنها عمليًا تتنازل عن هذين الركنين معًا، فهي بذلك لا تحتكر القوة، ولا تملك قرارها في حالات الاستثناء.
الحديث عن “العودة إلى اتفاق 1974” يثير إشكالية قانونية بحتة، لأن الاتفاق لم يُلغ أصلًا وما زالت قوات الأمم المتحدة تراقب خطوط الفصل. بالتالي، فإن الخطاب عن “العودة” لا يحمل معنى قانونيًا جديدًا، بل يشير إلى عملية إعادة تأويل تستهدف إضفاء شرعية على التزامات أمنية إضافية، تحت غطاء اتفاق ما زال ساريًا.
ويأتي استخدام اتفاق 1974 كمرجعية اليوم يعكس ما يسميه ميشيل فوكو بـ”التاريخ كأداة للسلطة”، أي أن الماضي يُعاد صياغته ليلبي حاجات الحاضر، وتُستخدم لغة العودة إلى التهدئة لإخفاء طبيعة اتفاق جديد يتجاوز مضمون التفاهم القديم.
السيادة والوظيفة الإقليمية
في العلوم السياسية يُستخدم مفهوم “التغطية الخطابية” لتوصيف لحظات تتخفى فيها السلطة وراء لغة تقنية لإخفاء خياراتها السياسية. ما يجري اليوم هو مثال حي عن ذلك، فالحديث عن “عودة إلى التهدئة” لا يهدف إلا إلى التخفيف من وقع الانفتاح على إسرائيل أمام الرأي العام السوري والعربي.
لكن هذا الخطاب يكشف أيضًا عن مؤشرات مسعى السلطة في تقديم أوراق اعتمادها للخارج عبر الالتزام الأمني تجاه تل أبيب. هنا نستعيد ما قاله ميشيل فوكو عن “سياسات الحقيقة”، فالحقيقة ليست ما يُقال وإنما ما تسمح السلطة أن يُقال ويُسوَّق.
الحقيقة إذن أن الاتفاق الجديد ليس عودة إلى 1974، بل بداية لتجديد تحويل دمشق إلى إلى حارس حدود في منظومة أمنية إقليمية تقودها إسرائيل والولايات المتحدة.
في النظرية السياسية، ثمة اتجاه يرى الدولة في أضعف حالاتها تتحول إلى مجرد “دولة وظيفية”، أي أنها لا تملك قرارًا سياديًا بل تؤدي وظيفة محددة ضمن شبكة قوى أكبر. هذا ما يمكن أن ينطبق على الوضع القائم. ويمكن هنا أيضًا التطرق إلى مفهوم “الدولة الرخوة” عند غونار ميردال، حيث القوانين والسياسات تُفرض من الخارج، وتُستخدم كأداة لإضفاء شرعية شكلية على سلطة تفتقر إلى القوة الفعلية.
العودة إلى 1974 ليست عودة إلى الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج سوريا كـ”دولة على الهامش”، وظيفتها الرئيسية تثبيت أمن إسرائيل. الولايات المتحدة ستدفع بهذا الاتجاه لضمان أمن حليفها الاستراتيجي.
اتفاق قديم ودور جديد
هنا يصبح معنى “الاتفاق الأمني” مزدوجًا، فمن زاوية إسرائيل والولايات المتحدة هو ضمان تجديد الالتزام السوري بالهدنة، وتحييد أي تهديد محتمل في الجولان. ومن زاوية دمشق هو طلب بطاقة اعتماد خارجية مقابل تنازل أمني، أشبه بتجديد رخصة بقاء.
من منظور “الدولة ما بعد الاستعمار”، فإن الكثير من الكيانات التي تشكلت في العالم الثالث وُلدت ضمن تسويات دولية أبقت استقلالها مشروطًا. بهذا المعنى، فمن الخطورة بمكان إعادة إنتاج سوريا كـ”دولة وظيفية” عبر اتفاق أمني، وليكون ذلك استمرارًا لذاك المسار التاريخي؛ وإن كان بآليات جديدة.
في المحصلة، الحديث عن “اتفاق أمني” تحت عنوان “العودة إلى 1974” يبدو أقرب إلى إعادة تأطيرٍ لاتفاق قائم أكثر منه خيارًا سياديًا جديدًا. لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحًا؛ هل تستطيع دولة ناشئة أن تؤسس لسيادتها عبر ترتيبات أمنية مفروضة سلفًا، أم أن مثل هذه الترتيبات ستقيّد قدرتها على بناء استقلال فعلي على المدى البعيد؟
هذا النقاش لا يتوقف عند الحالة السورية وحدها، بل يفتح الباب لتساؤل أوسع حول موقع الدول الهشّة في النظام الدولي، وكيف تُعاد صياغة أدوارها أحيانًا لتخدم موازين القوى الإقليمية والدولية بدلًا من أن تعكس إرادة داخلية صلبة.
الترا سوريا
—————————
دمشق بين “التفاهم الأمني” وهاجس “السلطة الوظيفية”/ مالك الحافظ
الأنظمة التي راهنت على شرعية “الوظيفة” الدولية دون بناء شرعية وطنية انتهت إلى الهشاشة.
المصالح العليا أولا
الجمعة 2025/09/19
في الأيام الأخيرة تصاعد الحديث عن اتفاقات محتملة يتقدمها ما تم تسميته بـ”الاتفاق الأمني” بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية. هذه المقاربة يمكن أن تستبطن خطرا عميقا يتمثل في تحويل “التفاهم الأمني” إلى مرادف لبقاء السلطة، وكأن استمراريتها مرهونة بمقدار انصياعها للوصاية الدولية والإقليمية، وليس بمقدار قدرتها على استعادة عقد اجتماعي داخلي أو بناء شرعية متينة.
المشكلة تكمن في طبيعة الحوار وشكل التفاوض، فحين تُطرح التفاهمات الأمنية كمنقذ رئيسي، بذلك تقدم السلطة نفسها الآن في صورة سلطة وظيفية أكثر منها مشروع حكم قادر على الاستمرار. فهي لا تعالج الانقسامات المجتمعية، ولا تقدم رؤية اقتصادية بديلة، ولا تعيد صياغة علاقة الدولة بمواطنيها، إنما تراهن على خارطة طريق ترسمها واشنطن، وتمنح لإسرائيل ضمانات أمنية متقدمة.
حين نتحدث عن السلطة الوظيفية فنحن نعني كيانا سياسيا لا يُعرّف ذاته من خلال مشروعية داخلية، بل من خلال الدور الذي يؤديه في معادلات خارجية.
بهذا المعنى تصبح السلطة أشبه بوسيط، يضمن مصالح قوى دولية أو إقليمية أكثر مما يضمن مصالح شعبه. هذا المفهوم ارتبط في الأدبيات المقارنة بحالات سلطات وسيطة، مثل بعض الحكومات التي انبثقت في ظل الاحتلالات أو برعاية تفاهمات دولية ضاغطة.
وفي السياق السوري الراهن، تتجلى ملامح السلطة الوظيفية في تقديم “الأمن الإقليمي” كأولوية على حساب العقد الاجتماعي الداخلي، أي أنها تُعرّف نفسها بما تفعله للآخرين لا بما تؤسسه لمجتمعها.
السؤال الجوهري هنا؛ هل تدرك دمشق أن الانسياق وراء الضغوط الأميركية بهذا الشكل يجعلها سلطة مقيّدة أكثر من كونها مستقلة.
الخشية أن يتحول هذا الانسياق إلى قيد طويل الأمد يضعف مكانة الحكم ويقوض احتمالات استمراره. فالتجارب العربية مع “السلطات الوظيفية” تؤكد أن تلك الكيانات تبقى مرتهنة بقدرة الخارج على تمويلها أو حمايتها، وما إن تتغير الموازين أو تتبدل الأولويات حتى تذوب هذه الكيانات وتفقد رصيدها المحلي.
الأخطر أن هذه المقاربة تُسقط من الحساب الداخل السوري المأزوم. فالمجتمع الذي خرج من نظام سقط تحت ثقل القمع والحرب، لا يقبل بسهولة بسلطة تنشأ على قاعدة أمنية خارجية. أي محاولة لتحويل الاتفاق مع إسرائيل إلى رافعة بقاء ستُقرأ سوريا كاصطفاف مع الخارج على حساب الداخل، وهذا الانطباع وحده كفيل بتقويض الشرعية، وتعميق الشكوك في أن “دمشق الجديدة” مجرد أداة ضمن ترتيبات دولية أكبر من حجمها.
التاريخ يعطينا إشارات قاطعة بأن الأنظمة التي راهنت على شرعية “الوظيفة” الدولية دون بناء شرعية وطنية، انتهت إلى الهشاشة. النموذج الفلسطيني في زمن أوسلو، أو سلطات ما بعد الاحتلال في العراق، كلها شواهد على خطورة تحويل الحكم إلى وسيط لمصالح قوى أخرى.
تجربة السلطة الفلسطينية بعد أوسلو قدمت لنا مثالا مباشرا؛ فنشأت سلطة عبر اتفاق خارجي، حُددت وظائفها الأمنية والسياسية سلفا، فوجدت نفسها محاصرة بين سقف خارجي لا يمكن تجاوزه وواقع داخلي لا يمكن تلبية تطلعاته. النتيجة كانت سلطة بلا سيادة حقيقية، محكومة بمعادلة وظيفية خانقة.
كذلك، حالة الحكومة العراقية بعد عام 2003، حيث تأسست سلطة برعاية أميركية، ومنذ البداية وُسمت بأنها سلطة وظيفية مرتبطة بترتيبات الخارج. ورغم وجود مؤسسات وسيادة شكلية، بقيت عاجزة عن بناء شرعية داخلية مستقلة، فارتبط استمرارها بالمظلة الأميركية والإقليمية، ما جعلها عرضة للانقسامات الداخلية والارتهانات المتعددة.
يتضح في هذا السياق أن ما يلوح في الأفق لا يبتعد كثيرا عن ملامح “الدولة الزبائنية”، حيث تُستمد الشرعية من الخارج لا من الداخل، ويُعاد توزيع الريع السياسي الممنوح عبر قنوات دولية على شرائح محلية مختارة لضمان حد أدنى من الاستقرار. غير أن هذا الاستقرار يظل هشّا ومعلّقا بتدفق الدعم واستمرارية الرضا الدولي، ما يحوّل السلطة إلى جهاز إداري محدود الفاعلية، سرعان ما يهتزّ بنيانه إذا تبدلت المصالح أو انقطع شريان الدعم.
في الموازاة مع “الدولة الزبائنية”، يطل علينا مفهوم آخر لا يقل خطورة، هو السيادة المُفرغة. فأي سلطة ضمن هذا الإطار قد ترفع خطاب السيادة كعنوان مركزي في خطابها السياسي، لكنها عمليا تُفرغ هذا المفهوم من مضمونه حين تُدار قراراتها الكبرى عبر شروط خارجية. السيادة هنا تصبح قشرة شكلية، تُستخدم لتجميل واقع الارتهان، بينما يُعاد تعريفها من قبل القوى الراعية بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية.
دمشق أمام مفترق طرق. إما أن تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها عقدا وطنيا قادرا على جمع السوريين حول مشروع جامع، أو أن تختزل نفسها في “سلطة وظيفية” تستمد بقاؤها من الرضا الخارجي فقط. المسار الأول صعب ومعقد لكنه يمنحها فرصة حياة أطول، أما المسار الثاني، فمهما بدا مغريا في لحظته، سيحولها إلى سلطة مؤقتة، وعاجزة عن حماية نفسها أو مجتمعها في المدى البعيد.
بهذا المعنى، السؤال المطروح ليس ما إذا كان الاتفاق مع إسرائيل ممكنا أو لا، بل هل تريد دمشق أن تعيش كسلطة حقيقية تستند إلى مجتمعها، أم كسلطة وظيفية تنتهي وظيفتها بانتهاء الحاجة إليها؟
كاتب وباحث سوري
العرب
—————————-
معهد أميركي ينشر خريطة محتملة للاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل
الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل سيقسم جنوب البلاد إلى ثلاثة مناطق
2025-09-19
كشف معهد دراسات الحرب الأميركي، أمس الخميس، عن خريطة تظهر الترتيبات الأمنية المحتملة للمنطقة الجنوبية من سوريا، في وقت زاد الحديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق أمني شامل بين سوريا وإسرائيل.
وأشارت التقارير التي نشرتها وسائل إعلام عبرية وغربية إلى إمكانية توقيع الاتفاق خلال الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي من المتوقع أن يحضرها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع.
وأظهرت الخريطة التي نشرها المعهد الأميركي تقسيم المنطقة الجنوبية من سوريا إلى ثلاث مناطق رئيسية، حيث تشمل المنطقة الأولى توسيع المنطقة العازلة الحالية بين إسرائيل ومحافظة القنيطرة بمقدار كيلومترين داخل الأراضي السورية، بما يعزز وجود منطقة فصل واضحة بين الطرفين.
بينما لم يتضح بعد نطاق الأراضي المشمولة بالمنطقة الثانية، لكنها تقع مجاورة للمنطقة العازلة، والأقرب إلى الحدود الإسرائيلية.
ووفقاً الخريطة التي نشرها معهد دراسات الحرب الأميركي لن يسمح للقوات العسكرية السورية أو الأسلحة الثقيلة بالدخول إليها، بينما يُتاح للأجهزة الأمنية التابعة للحكومة السورية الانتقالية حق الدخول والمراقبة.
أما المنطقة الثالثة فسوف تمتد من الحدود غير المحددة حالياً للمنطقة الثانية وحتى العاصمة السورية دمشق، مع إعلانها منطقة حظر جوي، دون أن يتم تحديد ما إذا كان سيتم السماح بدخول القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة إليها مستقبلاً.
وأمس الخميس، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية (ا ف ب)، نقلاً عن مصدر في وزارة الخارجية بالحكومة السورية الانتقالية، بأن سوريا وإسرائيل تتقدمان في مفاوضاتهما الأمنية والعسكرية، مع توقع توقيع اتفاقيات متعددة قبل نهاية العام الجاري.
وأشار المصدر إلى وجود تقدم ملموس في المحادثات بين الطرفين، مع التركيز على القضايا الأمنية والعسكرية في جنوب سوريا.
وفي تصريحات رسمية أدلى بها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لوكالة “رويترز”، يوم الأربعاء الماضي، أكد أن المفاوضات الجارية قد تسفر عن نتائج ملموسة “في الأيام المقبلة”.
وشدد على ضرورة احترام المجال الجوي السوري ووحدة الأراضي، وإشراف الأمم المتحدة على أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وأوضح الشرع أن دمشق تسعى إلى اتفاق مماثل لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974، الذي أنشأ منطقة منزوعة السلاح بين البلدين، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت بعد 8 ديسمبر 2024، بينما تسعى إسرائيل للاحتفاظ بمواقع استراتيجية بما في ذلك جبل الشيخ.
وأضاف أن نجاح الاتفاق الأمني قد يفتح الطريق لاحقاً أمام اتفاقيات أخرى، مؤكداً أن اتفاقيات تطبيع أو سلام مثل اتفاقيات إبراهام ليست مطروحة في الوقت الحالي، وأن قضية مرتفعات الجولان المحتلة “صفقة كبيرة” وتتطلب مفاوضات معقدة.
—————————–
سوريا تفاوض على أمنها/ عالية منصور
الجموح الإسرائيلي المنفلت
آخر تحديث 20 سبتمبر 2025
أتابع على مدى الأيام الأخيرة النقاش والجدل الحاصل بين السوريين حول إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل على غرار اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 والذي انتهى يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد انسحاب الجيش السوري من مواقعه وإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نهاية العمل بهذا الاتفاق.
لن أدخل بموقف أصحاب الرؤوس الحامية الذين يحملون فكر محور الممانعة حتى لو لم يكونوا “رسميا” منتمين لهذا المحور، فهؤلاء لا يتعظون ولا يتعلمون ولا يشاهدون ما يحصل في غزة اليوم، فقط يريدون قرع طبول الحرب وإطلاق شعارات بطولية، ويعتاشون على الدماء الذين يظنون أنها وحدها تعطيهم الشرعية للوصول إلى الحكم.
ولكن أغلب باقي المواقف تدرك وتعي وضع سوريا الهش اليوم، وعدم قدرتها ليس فقط على المواجهة بل أيضا على الصمود أمام عنجهية نتنياهو وحكومته.
لم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية على التوغل داخل الأراضي السورية، ولا على القصف شبه المستمر لمواقع الجيش السوري السابق وما بقي من أسلحة وعتاد، بل إن التدخل الأخطر كان بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة تضع حجر الأساس لبنيتها بعد عقود من الدمار والحروب والقمع في زمن “البعث” والأسدين وقبلهما زمن الوحدة مع مصر، وجدت إسرائيل خواصر رخوة كثيرة للأسف داخل المجتمع السوري فاستغلتها لأبعد مدى، استعملت ورقة المكونات و”الأقليات” لتحسن من شروطها ولتزيد من صعوبة موقف الحكومة السورية، حتى وصل الأمر بها إلى قصف داخل دمشق وهو ما زاد من حدة الانقسام بين السوريين.
ينطلق اعتراض البعض من أن هذه السلطة لا تملك الشرعية لتفاوض العدو ولا لتوقيع اتفاقيات معه، ممكن، رغم أن المطروح اليوم حسب كلام الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني هو العودة إلى اتفاق عام 1974 مع بعض التعديلات، ولكن السؤال هل تستطيع سوريا أساساً أن تصل الى مرحلة بناء دولة مؤسسات وخوض انتخابات والعامل الإسرائيلي موجود إن كان عسكرياً أو سياسياً من خلال تدخلها المستمر بالأمرين، حاولت أن أستمزح آراء المعترضين على هذه الجزئية ولم أحصل على جواب كاف، وكأننا ندور في حلقة مفرغة.
آخرون لا يعترضون على التفاوض بل على شكله، بعضهم يرى أن الاتفاق الأمني يجب أن يفاوض عليه أمنيون وعسكريون لا أعلى منصب دبلوماسي في سوريا، بينما البعض الآخر يرى أنه كان يجب الاستعانة بأصحاب خبرات في هذا المجال من عسكريين وسياسيين وحقوقيين، وهم محقون، فما زالت الحكومة في كثير من الأمور الحساسة منغلقة على نفسها.
سوريا في وضع لا يشبه أي مكان آخر، الحجر مدمر ونحو خمسين في المئة من الشعب ما زالوا خارج بيوتهم بين نازحين ولاجئين، الانقسام السوري الداخلي الحاد لا يبدو أن هناك معالجات حقيقية قد بدأت لردمه، قانون قيصر الذي عُلق ولم يُلغ تستغله إسرائيل والجهات الداعمة لها ليبقى مسلطا على رقاب السوريين وبالتالي لا تحسن ملموسا في حياة المواطنين اقتصاديا ولا إعادة إعمار قبل إلغاء “قيصر”، التدخل الخارجي الذي لا يقتصر على إسرائيل فحسب، هناك إيران التي ما زالت تحاول زعزعة الاستقرار الهش أساسا لتجد موطئ قدم لها ولـ”حزب الله” في سوريا، خطر “داعش” ما زال ماثلا أمامنا أيضا.
هل يعني هذا أن على السوريين الاستسلام؟ لا. ولكن أقصى درجات الواقعية مطلوبة، كما الحذر، وللتذكير نتنياهو الذي يقتل يوميا مئات الفلسطينيين في غزة والذي يقصف لبنان واليمن ووصل به الأمر إلى استهداف الوسيط وقصف الدوحة، حتى اليوم لا بوادر حتى لإدانة ما يرتكبه من جرائم بسبب الدعم الأميركي لإسرائيل اللتين- حتى وإن اختلفا في بعض التفاصيل- يبقى التحالف بينهما ثابتا.
ورغم حاجة سوريا لاتفاق أمني يكبح هذا الجموح الإسرائيلي المنفلت من كل القيود، فإن على الحكومة أن تحذر من الاستعجال في توقيع اتفاق يعطي إسرائيل أدوات للتأثير السياسي في الداخل السوري ويسمح لها بأن تتحول إلى ما يشبه الوصي على مستقبل الجنوب السوري.
المجلة
——————
هل بات الاتفاق الأمني السوري الإسرائيلي على الأبواب؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.09.20
كل المؤشرات السياسية تشير إلى أن الاتفاق الأمني المزمع بين الحكومة السورية وإسرائيل أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوصول إليه أو التوقيع عليه.
ورغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي في قضم الأراضي السورية، والتعدي على الجغرافيا السورية على طريقة من يفاوض بالنار – وهي بالضرورة سياسة إسرائيلية طالما اتبعتها خلال مراحل متتابعة في حروبها ضد المحيط الإقليمي العربي على مدى عقود، أي منذ قيام الكيان الصهيوني في منطقتنا العربية على أرض فلسطين – فإن المفاوضات التي تجري تباعًا في السر أو في العلن بين الطرفين السوري والإسرائيلي تشي بأن هناك جدية سورية في التوصل إلى اتفاق أمني يسهم في وقف هذه التعديات الإسرائيلية، ويفسح المجال لحكومة دمشق ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لأن تتفرغ، حقيقة وواقعيًا، إلى ما هو أهم: بناء الدولة ومؤسساتها المهدمة، وإعادة الإعمار في سوريا، وتأمين مجمل الخدمات الكثيرة المفتقدة منذ أيام المجرم الفار، والتواصل مع الجهات الداخلية الكثيرة التي تحاول تحصيل مكاسب، سواء في الجنوب السوري أو شمال شرق سوريا أو كذلك شمال غربها.
يقال إن إسرائيل غير متعجلة في أمرها وصولًا إلى التفاهم أو الاتفاق المتوقع، وأنها مستمرة في لعب دورها في الهيمنة وتعدياتها المستمرة، وهي الأقوى، وكذلك الخارجة من جملة حروب في المنطقة تعتقد أنها منتصرة فيها كلها، وبدعم أميركي واسع وغير محدود لم تملكه أو تتحصل عليه إسرائيل منذ نشأتها. وترى التقديرات أن دمشق هي التي تستعجل الوصول إلى اتفاق أمني رغم الشروط والخرائط الإسرائيلية الصعبة والمؤلمة، في حين لو قبلت بها دمشق، ومنها عدم الانسحاب من كامل الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر، والبقاء في جبل الشيخ كقمة استراتيجية لا تجد إسرائيل حتى الآن من يستطيع إرغامها على الانسحاب منها، علاوة على الشرط الصعب الآخر وهو عدم السماح بوجود أي سلاح سوري ثقيل داخل المنطقة الجنوبية من سوريا (القنيطرة ودرعا والسويداء)، ناهيك عن شرط تريده إسرائيل وهو فتح معبر أو ممر تسميه بالإنساني باتجاه محافظة السويداء.
ورغم التوصل إلى اتفاق ثلاثي كان قد أعلنه الشيباني مؤخرًا بين سوريا وأميركا والأردن، وهو الذي يُعدّ بمنزلة خارطة طريق للحل في محافظة السويداء، فإن إسرائيل ومعها بعض من توابعها في السويداء يصرّون على عدم الامتثال إلى هذا الاتفاق الثلاثي، ومن ثم الاستمرار بالضغط على دمشق عبر ورقة السويداء لتحصيل ما هو أكثر وأعمق في المفاوضات الجارية بين دمشق وإسرائيل.
وإذا كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أعلنها بوضوح أن سوريا غير معنية اليوم بسلام شامل أو عملية تطبيع مع إسرائيل، فإن ذلك يشير، بواقعية سياسية، إلى أن إسرائيل غير جاهزة أبدًا لعملية وآليات التخلي عن الجولان المحتل منذ حرب 5 حزيران/يونيو 1967، وهي التي تدرك أن أميركا قد اعترفت بهيمنة إسرائيل على مرتفعات الجولان وضمها لها منذ ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى. وبالضرورة فإن دمشق لا يمكن أن توقّع على أي اتفاق سلام دائم وشامل مع إسرائيل من دون عودة الأرض المحتلة في الجولان كاملة. وبالتالي فإن المسألة اليوم ذاهبة باتجاه التوقيع على اتفاق أمني ليس إلا، قد يكون تحديثًا لاتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974 إبان حرب 6 تشرين الأول.
وواقعيًا فإن المفاوضات التي جرت مؤخرًا بين وزير الخارجية السوري الشيباني ووزير إسرائيلي، برعاية أميركية من توماس براك في لندن، يبدو أنها اقتربت كثيرًا من الوصول إلى نهايات وإجراءات التوقيع على الاتفاق المفترض، إلا أن هناك كثيراً من المسائل التي لا تجد فيها حكومة سورية إمكانية للتوقيع عليها، وهي التي ما زالت تعبث بها إسرائيل، وتضعها فرضًا وقسرًا، نظرًا لإمكاناتها العسكرية الكبيرة وفرط القوة لديها، والتي ما برحت تهدد بها عمليًا سوريا يومًا إثر يوم، وتقضم الأراضي، وتلعب حثيثًا بورقة الأقليات، وتعيد إنتاج نفسها كدولة قوية في المنطقة، انتصرت على الشعب الفلسطيني في غزة، وكذلك على جنوبي لبنان وإيران أيضًا. فكيف لا تحقق وتستثمر في نتائج نصرها هذا عبر سوريا، في وقت سبق ودمرت فيه معظم العتاد العسكري الذي خلفه نظام بشار الأسد قبل أن يهرب إلى موسكو.
وهناك من يتحدث اليوم عن أنه من الممكن أن يكون الاتفاق بين إسرائيل وسوريا قد أصبح شبه جاهز للتوقيع عليه، لكنه أبدًا لن يكون كما تريد سوريا، حكومة وشعبًا. ضمن هذا المناخ وهذه الأجواء، حيث الضعف العسكري في سوريا بعد 14 عامًا من الدمار الذي خلفه بشار الأسد ونظامه الاستبدادي، سينعكس بالضرورة على أية اتفاقات. وهذا ليس ضربًا في الخيال، بل لعله أساس من أسس علم التفاوض منذ زمن طويل.
وإذا كان ليس هناك من مشروع عربي ولا إسلامي يمكن أن يقف إلى جانب سوريا، وهو الذي لم يقف أصلًا إلى جانب شعب غزة مع حرب إبادة تقوم بها إسرائيل منذ سنتين في مواجهة شعب فلسطيني أعزل، فإن التوافق أو الاتفاق القادم سيكون كما هو متوقع، على حساب الشعب السوري، ضمن قراءة واقعية لما يجري. وهذا الوضع الذي آلت إليه الأمور في سوريا يتحمل مسؤوليته أولًا وآخرًا نظام الاستبداد الوظيفي الأسدي، الذي أوصل البلاد والعباد إلى هذه الحال، بعد أن سرق ونهب أموال السوريين وهرب بها إلى موسكو، تاركًا الوطن بلا عتاد عسكري ولا اقتصاد، ولا إمكانات تنموية، بل في خراب بنيوي كبير أوصل فيه البلاد إلى نسبة 65 في المئة من تدمير البنية التحتية في سوريا، وهي التي باتت تحتاج من أجل إعادة إعمارها إلى ما ينوف عن 600 مليار دولار على أقل تقدير.
تلفزيون سوريا
—————————–
شكوك تحيط باحتمال التوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا/ أمال شحادة
الثغرة بين الطرفين عميقة والجهود التي يبذلها الوسطاء لجسرها حثيثة
الجمعة 19 سبتمبر 2025
لم يحسم أمنيون وعسكريون إسرائيليون ما إذا كان الوضع حتى نهاية هذه السنة سيتيح التوصل إلى اتفاق أمني، لكن كل من يوجه إليه السؤال حول احتمال حدوث مفاجأة قريبة، فيكون الرد شبه متفق عليه، “لا أحد يعلم ما يفكر ويخطط له الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يحب المفاجآت”.
تتواصل الجهود الحثيثة بين إسرائيل وسوريا في محاولة لسد الثغرة بين مطالب الطرفين، وعلى رغم التفاؤل الأميركي والسوري حول احتمال التقدم نحو اتفاق قريب، فإن أكثر من جهة إسرائيلية استبعدت ذلك واعتبرت أن المحادثات لم تنضج بعد إلى حد التوصل إلى تفاهمات حول مختلف الجوانب المختلف عليها، وهي خلافات جوهرية في كل ما يتعلق بمستقبل سوريا، على وجه الخصوص.
كما أكد مقربون من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن الجهود التي تبذلها واشنطن مستمرة لإحراز تقدم في الأقل يؤدي إلى عقد لقاء جانبي بين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع، لكن حتى هذا اللقاء سيكون صعباً، إلا إذا حدثت تطورات مفاجئة خلال هذا الأسبوع، حيث تستمر المحادثات بين الطواقم المهنية والعسكرية من الطرفين.
كما لم يحسم أمنيون وعسكريون إسرائيليون ما إذا كان الوضع حتى نهاية هذه السنة سيتيح التوصل إلى اتفاق أمني، لكن كل من يوجه إليه السؤال حول احتمال حدوث مفاجأة قريبة، فيكون الرد شبه متفق عليه، “لا أحد يعلم ما يفكر ويخطط له الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو الذي يحب المفاجآت، وما إذا كان سينجح في استغلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع المقبل، التي سيشارك فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والرئيس السوري أحمد الشرع، ليعلن من هناك عن تقدم أو خطوات استثنائية تشكل انطلاقة نحو الاتفاق الأمني الذي يصبو إليه”.
اجتماع الشيباني – ديرمر – براك
مسؤول إسرائيلي مطلع على سير المفاوضات قال إن الاجتماع الذي عقد بين وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في لندن بحضور المبعوث الأميركي توم براك لم يحرز أي تقدم حول النقاط المختلف عليها، لكنهم اتفقوا على ضرورة تكثيف الاجتماعات وتسريعها لتذليل العقبات في محاولة للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام الحالي.
المقترح المطروح إسرائيلي محض، وقد صودق عليه في اجتماع للكابينت المصغر بحضور قادة أمنيين وتضمن فيه إسرائيل وجود جيشها، ليس فقط في قمة جبل الشيخ السوري إنما أيضاً في مناطق داخل سوريا، وحتى أنها تريد ضمان ممر جوي لها باتجاه إيران.
النموذج المصري… والممر نحو إيران
ويشمل المقترح خريطة لحدود من جنوب غربي دمشق وحتى الحدود مع إسرائيل ويتم تعريفها في خريطة المقترح كمنطقة مجردة من السلاح، ويحظر طيران سلاح الجو السوري فيها أيضاً.
هذا المقترح تريده إسرائيل بديلاً لاتفاق فصل القوات لعام 1974، الذي، بحسبها، لم يعد ذا صلة بعد سقوط نظام الأسد وبعد المنطقة العازلة التي يوجد فيها جيشها بجنوب سوريا، باستثناء موقعين عسكريين في جبل الشيخ السوري. وقد تمت بلورة المقترح على ذات مبادئ اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، الذي، عملياً، قسم سيناء إلى ثلاث مناطق وحدد ترتيبات أمنية مختلفة في كل واحدة منها. وفي مقترح سوريا تقسم المنطقة الواقعة جنوب غربي دمشق إلى ثلاث مناطق، يحدد في كل واحدة منها نوع القوات وحجمها ونوع السلاح المسموح للسوريين بحيازته.
في المقابل تريد إسرائيل من خلال مقترحها الحفاظ على حرية حركتها في الأجواء السورية وتضع بنداً تطالب فيه بإقامة ممر جوي لها في سوريا إلى إيران يتيح تنفيذ هجوم مستقبلي إذا اقتضت الحاجة.
المنطقة العازلة
أما المنطقة العازلة التي يوجد فيها الجيش الإسرائيلي حالياً فيتم توسيعها على الحدود بين الدولتين بمسافة كيلومترين إضافيين من الجانب السوري، على أن يمنع وجود قوات عسكرية أو أسلحة ثقيلة في الشريط الملاصق لهذه المنطقة فيما يسمح بنشر قوات شرطية وأمن داخلي سوري في المنطقة العازلة الأقرب إلى الحدود.
مصير الجولان مؤجل
ويضم المقترح تأجيل البحث في موضوع الجولان إلى المستقبل مع التزام دمشق منع استخدام الأراضي السورية لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل ومكافحة الوجود الإيراني ووكلائه هناك، وكذلك ضمان مشاركة الأقليات في الحياة السياسية للدولة في إطار سوريا موحدة.
من جانبها، تلتزم إسرائيل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا والاعتراف بحكومة أحمد الشرع واقترحت انسحاباً تدريجاً للجيش من كل الأراضي التي احتلتها في سوريا من دون جدول زمني، باستثناء قمة جبل الشيخ السوري ومنطقة أخرى هناك ترفض الانسحاب منها. فإسرائيل، ووفق ما أكد مسؤول مطلع على الاتفاق، تطالب بالاحتفاظ بهذه المنطقة التي تعدها استراتيجية في أي تسوية مستقبلية.
تساؤلات عدة من دون جواب
في إسرائيل، التفاؤل حذر جداً حتى إن جهات عدة شككت بأن تقبل سوريا المقترح الإسرائيلي، حيث لا يلبي أياً من المطالب التي سبق وطرحها السوريون في اجتماعات عدة عقدت في أذربيجان أو عند الحدود في منطقة الجولان.
في جانب توسيع منطقة الحدود، لا توجد خلافات جوهرية لكن قمة جبل الشيخ التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي بعد انهيار نظام الأسد، هي أحد المطالب التي سبق وأكد الشرع ومسؤولون سوريون رفضهم التنازل عنها.
أسئلة أخرى يعتبر الإسرائيليون أنها تشكل عقبة مثل مصير الأسلحة الثقيلة في سوريا، وماذا عن الدروز الذين تضعهم إسرائيل كجانب مهم وضروري بل تطالب بإبقاء مسؤولية معينة لها عليهم في أي اتفاق مستقبلي، وماذا عن مساحة المنطقة العازلة؟ والأهم متى سيخرج الجيش الإسرائيلي منها؟
جهود على الحدود
في هذه الأثناء تستمر الاجتماعات بين الطواقم المهنية وأيضاً بين عسكريين عند منطقة الحدود، وتصبو الجهود الآنية إلى بلورة اتفاق أولي يمنع تصعيد في هذه المنطقة أو أي تهديد على إسرائيل، لكن، وبحسب مسؤول عسكري، سيواصل الجيش الإسرائيلي تعزيز انتشاره وعملياته ويمنع أي محاولة لتعزيز قدرات عسكرية وعملياتية، خصوصاً في المنطقة القريبة من الحدود.
مصالح سورية
وبحسب الباحثة في الشؤون الإيرانية في معهد أبحاث الأمن القومي، كرميت فالنسي فإن “المصالح السورية في الوصول إلى اتفاق، واضحة للإسرائيليين، وهي تشمل انسحاب الجيش الإسرائيلي ووقف – أو في الأقل تقليص – الهجمات الإسرائيلية، والاعتراف الإسرائيلي بالنظام في دمشق”، وهذا، بحسبها “سيسهم في ترسيخ مكانة الشرع، وزيادة الشرعية الداخلية، وتعزيز صورة سوريا كدولة ذات سيادة”. وتشير فالنسي إلى أن “الوضع الهش في سوريا وعدم اليقين في شأن النظام الجديد ومستقبل الدولة، يلزمان إسرائيل بالحذر والاستعداد لسيناريوهات قد يعجز فيها النظام السوري، أو لا يرغب، بالوفاء بالتزاماته”. ومع ذلك اعتبرت أن “على إسرائيل عدم تفويت الفرصة النادرة التي تقف أمامها، فاتفاق تدريجي مع سوريا قد يتيح لإسرائيل ترجمة إنجازاتها العسكرية إلى ترتيبات دبلوماسية طويلة الأمد تمكنها من حدود هادئة وآمنة، وتحسين مكانتها الاستراتيجية إقليمياً ودولياً، وإضعاف النفوذ الإيراني، والمساهمة في إرساء استقرار إقليمي طويل الأمد”.
——————————-
مندوب سوريا في الأمم المتحدة: خارطة السويداء تمهد لبناء الثقة والمصالحة الوطنية
أيلول 18, 2025
قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، الخميس 18 أيلول، إن مجلس الأمن موحد حول الفرصة التاريخية لسوريا الجديدة.
وأكد علبي في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي أن السويداء وأهلها الكرام كانوا وسيبقون في قلب كل سوري، على الرغم من الجراح والحوادث الأليمة.
وأوضح علبي أن الحكومة السورية بذلت قصارى جهدها لمعالجة الآثار الناجمة عن أحداث السويداء، ولفت إلى انخراطها بحسن نية ونهج بناء في جميع المبادرات الرامية لحل هذه الأزمة والتي توجت باعتماد خارطة الطريق.
وأشار المندوب إلى دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا لإجراء تحقيق في الأحداث الأخيرة، كأول بند في اتفاق خارطة السويداء، وشدد على التزام الحكومة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات.
ورأى علبي أن خارطة الطريق تؤسس لبناء الثقة تدريجياً وتعزيز المصالحة الوطنية وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى إعادة الخدمات الأساسية وإعمار القرى المتضررة.
وأضاف “سوريا تمضي اليوم قدماً في مسيرة التعافي وإعادة البناء، وها هي تتجاوز مرحلة تلو الأخرى، فبعد تحرير البلاد من الاستبداد والحفاظ على مؤسسات الدولة، تم البدء بحوار وطني وتشكيل حكومة متنوعة مبنية على الكفاءات”.
ولفت السفير إلى أن المراسيم الناظمة للعملية شددت على تمثيل جميع مكونات المجتمع السوري وضمان مشاركة الفئات الأكثر هشاشة وتمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة في قائمة الهيئات الناخبة.
وشدد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة على أن انتخابات مجلس الشعب ستكون خطوة أولى على طريق ترسيخ السلم الأهلي وبناء المؤسسات التي تمثل السوريين بحق وتجسد تطلعاتهم.
وأفاد علبي بأن الحكومة تحث الخطى وتبذل جهوداً كبيرة للارتقاء بالواقع الاقتصادي، حيث جرى توقيع عشرات الاتفاقيات مع الدول الشقيقة والصديقة، إلى جانب مذكرات التفاهم مع عشرات الشركات العالمية.
وأعرب علبي عن إدانة سوريا بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية، مضيفاً أن سوريا تجدد مطالبتها مجلس الأمن بالتحرك الفوري لإدانة هذه الاعتداءات ومنع تكرارها، وإلزام سلطات الاحتلال بسحب قواتها من الأراضي التي توغلت فيها خلال الأشهر الماضية وإنهاء احتلالها للجولان السوري.
وبين المندوب أن تجاوز التحديات يتطلب حشد الجهود الدولية وتعزيز الانخراط الإيجابي الدولي الداعم لسوريا والسوريين، ودعم البرامج الرامية لإنعاش القطاعات الحيوية وتكثيف البرامج الإنسانية التنموية والوفاء بالتعهدات المعلنة لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية.
وعد علبي أن دمشق التي لطالما كانت قلب سوريا ورمز وحدتها ستبقى البيت الجامع لكل السوريين والسوريات، تفتح ذراعيها لهم مهما اختلفت مشاربهم وتنوعت معتقداتهم.
ونوه إلى أن التنوع مصدر قوة وثراء يثبت أن سوريا كانت وستبقى عصية على كل محاولات الفرقة والانقسام.
وكان أرسل مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي ومندوب الأردن وليد عبيدات، والقائمة بأعمال البعثة الدائمة للولايات المتحدة الأمريكية دوروثي شيا، رسالة مشتركة إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، تتضمن “خارطة طريق حل الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا”، لاعتمادها كوثيقة رسمية.
——————————–
خريطة الطريق في السويداء: استجابة لمطالب الدروز بتحقيق دولي… ورفض الهجري قد ينقلب عليه
الهجري “يفقد مصداقيته”.
جاد ح. فياض
تصعيد جديد قاده الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء الشيخ حكمت الهجري، طال هذه المرّة السلطات السورية ومعها الأردن والولايات المتحدة ودولاً عربية وإقليمية، بعد رفضه الاتفاق الذي عقد في دمشق بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي توم برّاك، والذي نص على خريطة طريق لحل أزمة السويداء.
خريطة الطريق التي قامت على مبادئ “المحاسبة والمصالحة والشراكة”، حصدت تأييداً عربياً وإقليمياً، إذ رحّبت بها السعودية والكويت وتركيا وجامعة الدول العربية. لكن الهجري رفضها، من خلال اللجنة القانونية العليا في السويداء، ودعا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لرفض الاعتراف بما وصفه “ترتيبات قسرية”، وطالب بدعم “حق السويداء بتقرير مصيرها”.
وفي هذا السياق، لا بد من التطرّق إلى أبرز بنود خريطة الطريق:
أكّدت خريطة الطريق أن السويداء “جزء أصيل من سوريا ولا مستقبل لها خارجها”، ونصّت على إنهاء فجوة الثقة بين المحافظة ودمشق، وتحقيق دولي مستقل والتزام الحكومة بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، واستمرار إرسال المساعدات، وإعادة الخدمات، وسحب المقاتلين المدنيين واستبدالهم بشرطة تضمن عودة النازحين، وحماية طريق السويداء – دمشق، وإطلاق المختطفين، وإعادة بناء ما تضرر، ثم عقد لقاءات برعاية الأردن لتحقيق المصالحة.
إلى ذلك، تعهد الأردن والولايات المتحدة العمل مع الحكومة السورية والمجتمعات في السويداء للتوافق على ترتيبات أمنية وإدارية، أبرزها تشكيل قوة شرطة محلية، تضم كافة المجتمعات في المحافظة، وستكون هذه القوة تحت قيادة شخصية (من المحافظة) تعينها وزارة الداخلية. وستحدد المفاوضات تركيبة هذه القوة وتكوينها.
ويتوقف الكاتب السوري ابراهيم الجبين، في قراءته للاتفاق، عند “تحمّل الحكومة مسؤولياتها” من خلال دعم لجنة التحقيق الدولية والتعهّد بالالتزام بالنتائج ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. ويشير، في حديث مع “النهار”، إلى أن هذا كان “مطلب” الهجري الذي “لا يثق” بالتحقيق المحلي. وبتقدير الجبين، فإن مسار المحاسبة هذا “يصب في صالح” السويداء و”استجابة” لمطالبها.
من التحقيق والمحاسبة إلى الشراكة الأمنية والإدارية. خريطة الطريق تعالج هاجس الأمن في السويداء، والاتفاق ينص على تشكيل قوات شرطة من أبناء المحافظة الدروز والسنة والمسيحيين. الجبين يرى في هذه العملية “مساراً طبيعياً” كون السويداء “جزءاً من سوريا”، وبالتالي التعاون بينها والحكومة مطلوب وطبيعي.
وتجسّد خريطة الطريق الموقف الدولي من ملف سوريا والسويداء. فالأردن يمثّل المجموعة العربية، والولايات المتحدة تمثّل نفسها والموقف الأوروبي، وفق الجبين، وهذه الرعاية الدولية هي الضمانات الأقوى لبعض أهالي السويداء الذين فقدوا الثقة بالسلطات الرسمية، فالولايات المتحدة “أكبر قوّة” عالمية، والأردن ممثل المجموعة العربية، وهذه ضمانات للسويداء وتطبيق الاتفاق.
كذلك، تلبّي خريطة الطريق مطالب السويداء، وبنودها السياسية والأمنية تخدم مصلحتهم، وبالتالي يُسأل الهجري عن رفضه الاتفاق. الجبين يرى في الرفض دلالة على “عدم إدراك” أهمية خريطة الطريق التي تضمن للدروز حقوقهم وتؤمن لهم الاستقرار والمستقبل، كون السويداء لا يمكن أن تستمر في الحالة التي تختبرها اليوم، وقد يحمل الرفض في طياته “قلقاً من محاسبة السويداء نفسها”.
رفض الهجري قد ينقلب عليه داخلياً، وهذا ما يجمع عليه الجبين مع عدد من المصادر داخل السويداء تروي لـ”النهار” وجهة النظر المعاكسة للهجري، وهي تقول إن الهجري يرفض خريطة الطريق التي تضمن التحقيق الدولي والمحاسبة وإعادة السويداء إلى الدورة الاقتصادية والسياسية بدعم دولي، ولا يقدّم البديل وهو يعي أن الانفصال غير مقبول دولياً، وبالتالي “قد يفقد مصداقيته”.
في المحصلة، فإن خريطة الطريق ستكون نقطة فارقة في ملف السويداء، وقد تشكّل منعطفاً لمجريات الأمور تبديلاتٌ داخلية في المحافظة الدرزية نسبة لما تتمتع به من توافق دولي، ولما تتضمنه من بنود يطلبها المجتمع المحلي.
النهار العربي
———————-
السويداء ترد على «خريطة الطريق» بحملة «حق تقرير المصير»
الأهالي منقسمون بين مؤيد للانفصال ورافض لعزل «الدروز» عن محيطهم
دمشق: سعاد جروس
17 سبتمبر 2025 م
بعد رفض اللجنة القانونية العليا في السويداء خريطة طريق «سورية – أردنية» مدعومة أميركياً، تشهد محافظة السويداء حملة جمع توقيعات خطيّة على عريضة تناشد المجتمع الدولي دعم إجراء استفتاء شعبي لأهالي المحافظة حول حقهم في تقرير المصير، سواء كان الاستقلال التام عن الدولة السورية، أو التمتع بالإدارة الذاتية أو اللّامركزية. وبينما لم يصدر عن دمشق تعليق على الحملة، أكد المبعوث الأميركي توم براك «أهمية خريطة طريق حل الأزمة في السويداء».
واستكمالاً لحملة توقيع إلكترونية أطلقتها مجموعة من الناشطين أبناء السويداء في الداخل والخارج، لحشد تأييد لمطلب حق تقرير المصير، جرى افتتاح مراكز في محافظة السويداء لجمع توقيعات خطية من الداعمين لحق تقرير المصير. وحسب مصادر أهلية، بلغ عدد المراكز في مدينة السويداء 19 مركزاً، وشارك في الحملة أكثر من ألفي متطوع، كما تولى الأمن الداخلي في السويداء «المعيَّن من الزعيم الهجري» مهمة حفظ الأمن في أثناء الحملة.
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «ما زال الخوف يسيطر على الأهالي من عودة العلاقة مع دمشق بعد الأحداث الدامية الأخيرة، وفي المقابل هناك مخاوف من المضي بعيداً خلف مطالب الاستقلال والارتهان لإسرائيل… الحملة نجحت في تحشيد أعداد كبيرة من الأهالي، لكن هناك كثيرين يترددون في التعبير عن حقيقة مواقفهم بسبب الخوف، لا سيما أنهم أمام (خيارين أفضلهما سيئ)».
وأفاد موقع «الراصد» بانتشار متطوعي الحملة في عشرات المراكز في مدن وبلدات السويداء، صباح الأربعاء، لجمع توقيعات المؤيدين لمطلب حق تقرير المصير، بعدما جرى جمع التوقيعات المتضامنة من بُعد عبر رابط على شبكة الإنترنت.
وصرح المحامي أيمن شيب الدين بأن «السويداء بعد الإبادة ليست كما قبلها». وقال إن السويداء اتجهت نحو «تقرير مصيرها بنفسها»، وجرى تنظيم الحملة بمبادرة من مجموعة من النشطاء الحقوقيين والمدنيين على مستوى المحافظة، بهدف «دفع أبناء المنطقة إلى التعبير عن رأيهم بشكل ديمقراطي وحر». لافتاً إلى أنه «لم يعد مقبولاً بعد اليوم أن تُفرض الإرادات فرضاً»، وأن الحملة مستمرة في مدينة السويداء وشهبا وصلخد.
صورة تذكارية لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك بعد توقيع اتفاق في دمشق لإعادة الهدوء إلى محافظة السويداء (أ.ف.ب)
صورة تذكارية لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك بعد توقيع اتفاق في دمشق لإعادة الهدوء إلى محافظة السويداء
ولم يصدر تعليق من دمشق على حملة التوقيعات الخطية التي جاءت بعد يوم واحد من إقرار خريطة طريق واضحة للعمل على حل أزمة السويداء، التي ترتكز على دعم الأردن والولايات المتّحدة، بعد اجتماع ثلاثي انعقد في دمشق بمشاركة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والسوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك.
السفير عاد وأكد، الأربعاء، «أهمية خريطة طريق حل الأزمة في السويداء في بناء مستقبل سوريا بما يضمن المساواة بين جميع السّوريين». وقال في منشور له على منصة «إكس»، إن «المصالحة تبدأ بخطوة واحدة، وخريطة الطريق لا ترسم مساراً للتعافي فحسب، بل مساراً يمكن للأجيال القادمة من السوريين أن تسلكه، وهم يبنون وطناً يتمتع بالمساواة في الحقوق والواجبات بين الجميع».
في الأثناء، أعلنت اللجنة القانونية العليا في السويداء، التي شكلها الزعيم حكمت الهجري لتسيير الأمور في المحافظة، رفضها بشكل شامل بيان الخارجية السورية بشأن «خريطة طريق» لحل الأزمة، مؤكدةً أن ما جرى في يوليو (تموز) الماضي، «جرائم ضد الإنسانية لا يمكن معالجتها إلا عبر مسار دولي عادل يضمن محاسبة الجناة وحق أبناء السويداء في الحرية وتقرير المصير». كما اتهمت اللجنة دمشق بالمشاركة في المجازر والانتهاكات، ورأت أن القضاء السوري «مسيّس وغير قادر على تحقيق العدالة»، محذّرةً من محاولات «فرض وصاية داخلية وزرع الفتنة عبر مجالس محلية وهمية».
وانطلقت في السويداء حملة لجمع توقيعات خطّية من الأهالي على الحق الكامل في الاستقلال التام عن الدولة السورية، بوصفه «الحل الوحيد الذي يضمن استقرار المنطقة»، وذلك رغم عدم تأكد وجود إجماع على مطلب «الاستقلال التام»، وفق المصادر الأهلية التي أشارت إلى اختلاف الآراء؛ فهناك من يرى أنْ لا أمن ولا أمان من دون التوصل إلى مصالحة وسلام بين أبناء الجنوب السوري، أما طلب الاستقلال فيعني عزل «الدروز» عن محيطهم، ويمكن المطالبة برحيل السلطة وليس بالانفصال عن الدولة.
في حين يرى آخرون أنْ لا إمكانية للمصالحة مع الذين قاموا بقتل الدروز وإهانة كبارهم. وهذا التوجه يستند إلى تطمينات حقوقيين من أبنائهم تتعلق بإمكانية إنشاء كيان مستقل للجبل عبر صندوق يسهم فيه أبناء الجبل ودول جهات داعمة، حسب المصادر.
كانت وزارة الداخلية السورية قد كلَّفت قائد «تجمع أحرار جبل العرب»، سليمان عبد الباقي، القريب من دمشق، بإدارة ملف الأمن في محافظة السويداء. في إطار خطة شاملة لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والشرطية في المحافظة. وقال وزير الداخلية إن التعيينات جرت «بمشاركة فاعلة من أبناء المحافظة ومن مختلف المكونات».
الشرق الأوسط
———————-
عشائر الجنوب تهدّد الفصائل الدرزية بـ«حرب شاملة»
حذّرت العشائر من «استمرار ممارسات الفصائل الدرزية»، مشيرةً إلى أنّها «رفعت جاهزيتها إلى الدرجة القصوى».
السبت 20 أيلول 2025
أمهلت عشائر الجنوب في سوريا الفصائل الدرزية عشرة أيام لإطلاق سراح الموقوفين، بالتزامن مع تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بفكّ الحصار عن السويداء.
وحذّرت العشائر، في بيانٍ، من «استمرار ممارسات الفصائل الدرزية»، مشيرةً إلى أنّها «رفعت جاهزيتها إلى الدرجة القصوى، وأمهلت الفصائل عشرة أيام للإفراج عن الموقوفين».
وأكد البيان أنّ «عدم الالتزام سيؤدي إلى اندلاع حرب شاملة في المنطقة»، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.
ويوم الخميس، تجددت الاحتجاجات على الطريق الواصل بين السويداء ودمشق، حيث عبّر أبناء عشائر البدو «عن استيائهم من عدم الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بإعادتهم إلى منازلهم وتأمينهم، إضافةً إلى توفير أدنى مقوّمات الحياة والمسكن لآلاف العائلات المهجّرة قسراً»، بحسب المرصد.
وفي بلدة القريّا بمحافظة السويداء، تجمع العشرات أمام صرح سلطان باشا الأطرش للمشاركة في تظاهرة مطالبة بالإفراج عن المختطفين وفكّ الحصار المفروض على المحافظة.
وجاءت هذه التظاهرة بالتزامن مع حشود مماثلة في ساحة الكرامة بمدينة السويداء، وفي عدد من مناطق المحافظة، إضافةً إلى تنظيم فعاليات متزامنة في دول عدّة حول العالم، دعماً للقضية نفسها.
—————————
توغل إسرائيلي في ريفي القنيطرة ودرعا وسط تحليق للطيران المسيّر/ محمد كركص
20 سبتمبر 2025
اقتحمت قوات الاحتلال اليوم قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة
ليل الجمعة/السبت اقتحم جنود الاحتلال قرية معرية بحوض اليرموك
أقام جيش الاحتلال حاجزي تفتيش قرب القريتين
شهد ريفا القنيطرة ودرعا، جنوبي سورية، خلال الساعات الماضية سلسلة من التوغلات الإسرائيلية المتكررة، ترافقت مع انتشار عسكري على الأرض وتحليق مكثف لطائرات الاستطلاع. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، إن قوة إسرائيلية دخلت صباح اليوم السبت إلى قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة الجنوبي، عبر خمس سيارات عسكرية، حيث أقامت حاجزاً لتفتيش المارة، بالتزامن مع انتشار عدد من الجنود في محيط الموقع، وتحليق طائرات مسيّرة إسرائيلية فوق المنطقة.
وجاء هذا التحرك بعد ساعات من عملية توغل مماثلة في ريف درعا الغربي، حيث دخلت قوة إسرائيلية ليل الجمعة/السبت إلى قرية معرية في منطقة حوض اليرموك، وأقامت حاجزاً مؤقتاً من الجهة الشرقية للقرية، وبدأت بتوقيف المارة وتفتيشهم. كذلك تحركت وحدات عسكرية باتجاه قريتي كويا وعابدين القريبتين.
وفي السياق ذاته، سُجّل سقوط قذيفة مصدرها القاعدة الإسرائيلية في تل الأحمر الغربي داخل الأراضي السورية، حيث استهدفت الأطراف الغربية من بلدة كودنة بريف القنيطرة الجنوبي، دون أن توقع أضراراً مادية أو بشرية. كذلك رُصد خلال الساعات الماضية تحليق متواصل لطائرات الاستطلاع في أجواء الريف الشمالي من المحافظة.
وكانت قوة إسرائيلية قد تسللت ليل أمس الجمعة إلى قرية عابدين في منطقة حوض اليرموك بدرعا الغربي، عبر السهول المحيطة بقرية معرية، مستخدمة أربع عربات عسكرية قدمت من داخل إسرائيل، وليس من ثكنة “الجزيرة” التي يتخذ منها الاحتلال موقعاً ثابتاً منذ سقوط النظام السابق. ودخل صباح أمس الجمعة رتل عسكري إسرائيلي مؤلف من سبع سيارات إلى قرية عابدين، وتوجه نحو أطراف قرية كويا، قبل أن ينسحب بعد وقت قصير.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أنّ الجنوب السوري بات يشهد بشكل شبه يومي، خصوصاً في أرياف درعا والقنيطرة، تحركات إسرائيلية داخل القرى والمزارع الحدودية، تتخللها عمليات اعتقال تطاول مزارعين ورعاة أغنام، بالتزامن مع تصعيد في تحليق الطائرات المسيّرة والحربية في أجواء المنطقة.
———————–
السويداء: صرف الرواتب وتأمين المحروقات والخدمات الأساسية/ نور ملحم
20 سبتمبر 2025
أعلنت محافظة السويداء بسورية، بالتنسيق مع وزارة المالية، خطوات متسارعة لضمان وصول الرواتب والمخصصات المالية إلى العاملين في القطاع العام، في ظل ما وصفته السلطات بأنه “ظرف استثنائي راهن”. في السياق وافق محافظ السويداء، مصطفى البكور، أمس الجمعة، على صرف الرواتب للجهات التي استكملت الإجراءات المطلوبة، ومن بينها مخاطبة الحكومة أصولاً، بحسب ما قال المكتب الإعلامي للمحافظة لـ”العربي الجديد”، والذي أوضح أن الجهات التي قصّرت في التواصل ستتحمّل المسؤولية، مع تأكيد متابعة الإجراءات لضمان وصول المستحقات المالية إلى العاملين.
من جهته، أكد وزير المالية محمد يسر برنية، خلال لقائه البكور ليل أول من أمس الخميس، أهمية تبسيط إجراءات صرف الرواتب عبر فتح نقطة قبض في بلدة المزرعة بريف السويداء لضمان وصول الرواتب إلى مستحقيها، وتكليف المصرف الزراعي بوضع آلية خاصة لجمع أموال من محطات الوقود وإيداعها في حسابات الشركة العامة لتجارة المواد البترولية لضمان استمرار تمويل توريد المحروقات.
وفي السياق الإنساني، شدد البكور على تأمين مراكز إيواء مؤقتة للمهجرين من السويداء والمقيمين في بعض المدارس بمحافظة درعا، بالتنسيق مع وزارة الطوارئ ومحافظي درعا وريف دمشق، لاستقبال الأهالي كي يعودوا إلى منازلهم “معززين مكرمين”. وأظهرت الجولات الميدانية الأخيرة في ريف السويداء الشرقي حجم الإهمال الذي خلفه النظام السابق، حيث تراجع مستوى البنى التحتية، ما دفع إلى توجيه وفد مشترك من وزارتي الصحة والتربية لتقييم الاحتياجات تمهيداً للشروع في مشاريع إصلاحية متكاملة، إلى جانب إرسال فرق طبية ميدانية لمعاينة المرضى وتقديم وجبات غذائية للأطفال في قرى الأصفر وشنوان والقصر.
كما تابع البكور أعمال أبراج الكهرباء بالتنسيق مع مديرية كهرباء درعا، ومواصلة جهود إدخال القوافل التجارية والمساعدات الإنسانية إلى مستحقيها في الوقت المناسب، مع التنسيق مع وزارة الطاقة لضمان توريد المحروقات بشكل دوري ومدعوم بالشحنات الأساسية، بما يضمن استقرار الخدمات وتلبية احتياجات الأهالي بكفاءة عالية. وأكد كل من الوزير والمحافظ أن هذه الإجراءات تأتي ضمن جهود الحكومة لضمان حياة كريمة لأهالي السويداء من خلال تأمين الرواتب والمحروقات والخدمات الأساسية، إلى جانب إعادة تأهيل البنى التحتية ودعم الأهالي المهجرين.
وكانت وزارة المالية قد نقلت في أغسطس/ آب الماضي الأموال المخصّصة لرواتب موظفي القطاع العام في المحافظة إلى فروع بنوك في مدينةِ ازرع بشكل احترازي ومؤقت بعدما تعرّض فروع المصارف والمديريات الحكومية في المحافظة لسطو مسلّح من العصابات الخارجة على القانون.
——————————
تجدد المظاهرات بالسويداء ورفع الأعلام الأميركية والإسرائيلية
المدن – عرب وعالم
السبت 2025/09/20
شهدت محافظة السويداء، خروج مظاهرات جديدة رفعت خلالها شعارات تطالب بـ”حق تقرير المصير” والانفصال عن الدولة السورية، وسط انتشار لافت للأعلام الأميركية وأعلام الاحتلال الإسرائيلي.
وبثّت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي، تسجيلات مصوّرة قالت إنها لمظاهرات خرجت في ساحة السير وسط مدينة السويداء، وأخرى قرب ضريح سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا، بالإضافة إلى احتجاجات في بلدة شهبا، حمل المشاركون فيها لافتات تدعو إلى “الاستقلال” و”الحماية الدولية”.
ورفع المتظاهرون صور الرئيس الروحي لطائفة الموحّدين الدروز في فلسطين، الشيخ موفق طريف، إلى جانب مطالبات بإطلاق سراح المعتقلين ورفض المصالحة مع الحكومة السورية.
تصعيد بعد اتفاق ثلاثي
وتأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من إعلان وزارة الخارجية السورية، توقيع اتفاق ثلاثي مع الأردن والولايات المتحدة بشأن السويداء، يهدف إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى المحافظة وتعزيز المصالحة الوطنية.
ووفق البيان الرسمي، تضمّنت “خريطة الطريق” المتفق عليها بنوداً عدّة، أبرزها، إجراء تحقيق دولي في الانتهاكات التي وقعت خلال العملية العسكرية في تموز/يوليو الماضي، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتسريع إطلاق سراح المحتجزين من جميع الأطراف، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية مشتركة بين المجتمع المحلي والحكومة السورية، بدعم أردني وأميركي. وحظي الاتفاق بترحيب دولي واسع، غير أن رد الفعل المحلي كان متبايناً.
رفض محلي ومطالبة بالانفصال
وأعلنت “اللجنة القانونية العليا في السويداء”، التابعة للشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز شيوخ العقل في المحافظة، رفضها القاطع لخريطة الطريق. وقالت اللجنة في بيان، إن أبناء السويداء “لهم الحق في تقرير مصيرهم بحرية واستقلال، سواء عبر الإدارة الذاتية أو خيار الانفصال الكامل”.
وشكّل هذا الموقف تحدياً مباشراً لمحاولات دمشق وحلفائها الإقليمية والدولية إيجاد مخرج للأزمة المستمرة منذ أشهر.
ملف المحتجزين
من جانبه، كشف مدير الأمن في مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، أن السبب وراء تأخر تنفيذ بند إطلاق سراح المحتجزين يعود إلى رفض بعض المجموعات المسلحة داخل المحافظة الإفراج عن المحتجزين لديها، مشيراً إلى أن المفاوضات ما زالت جارية للتوصل إلى تسوية شاملة.
ويعكس تجدد المظاهرات في السويداء مع رفع أعلام أجنبية تصعيداً جديداً في الخطاب السياسي والاحتجاجي، ويضع الاتفاق الثلاثي الأخير أمام اختبار صعب، في وقت تسعى دمشق ومعها واشنطن وعمّان لفرض خارطة طريق تنهي حالة الفوضى والانقسام، بينما يتجه جزء من الحراك المحلي نحو المطالبة بالانفصال وإدارة مستقلة مدعومة دولياً.
المدن
———————————–
الشرع: لا أثق بإسرائيل.. وتركيا قد تتحرّك عسكرياً ضد “قسد“
السبت 2025/09/20
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع بأنه لا يثق بإسرائيل، محذراً من أن تركيا قد تتحرك عسكرياً ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، في حال لم ينجح دمجها ضمن القوات السورية.
أجنحة مُعرقلة
وقال الشرع إن فشل مسار دمج “قسد” نهاية العام الحالي 2025، قد يدفع تركيا إلى التحرك عسكرياً، موضحاً أن بعض الأجنحة داخل “قسد” وحزب “العمال” الكردستاني تعرقل تنفيذ الاتفاقات، بحسب صحيفة “ملييت” التركية.
وأعرب الرئيس السوري عن رفضه مطالب “قسد” المتعلقة باللامركزية، موضحاً أن القانون السوري رقم 107 يضمن أصلاً نسبة 90 في المئة من اللامركزية الإدارية، كما أكد أن هذه المطالب ليست سوى “غطاء للنزعة الانفصالية”.
كما اعتبر أن اتفاق 10 آذار/مارس شكّل للمرة الأولى مساراً مدعوماً من الولايات المتحدة وتركيا للحل، معتبراً أن “قسد” التي تجاهلت دعوة زعيم حزب “العمال” الكردستاني عبد الله أوجلان لحل نفسها، أصبحت تشكل تهديداً للأمن القومي في تركيا والعراق.
ولفت إلى أن تركيا امتنعت سابقاً عن شن عمليات عسكرية ضدها استجابة للجهود السورية، مشيراً إلى أن صبر تركيا قد ينفد مع نهاية العام إذا لم يتحقق الاندماج.
وكانت وزارة الدفاع التركية قد لوحت بالقوة ضد “قسد”، في حال عدم التزام قسد بمسار الاندماج ضمن الدولة السورية، وذلك في إطار اتفاق 10 آذار/مارس، الذي وقّعه زعيم “قسد” مظلوم عبدي والشرع.
سابقة تاريخية
وعن مشاركته المرتقبة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الشرع إنها تمثل سابقة تاريخية، إذ إنها المرة الأولى منذ ستين عاماً التي يشارك فيها رئيس سوري في هذه الاجتماعات.
وأضاف أنها تمثل “منعطفاً جديداً”، مؤكداً أن بلاده أصبحت جزءاً من النظام الدولي، ولم تعد دولة مصدّرة للمخدرات أو اللاجئين أو الإرهاب، لافتاً إلى أن 90 في المئة من تجارة المخدرات توقفت، وأن مليون لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم، على الرغم من عدم انطلاق عملية الإعمار بعد.
وبشأن المفاوضات مع إسرائيل عقب الهجوم الأخير على دولة قطر، قال الشرع: “إذا كان السؤال هل أثق بإسرائيل؟ فالجواب: لا أثق بها”.
وإذ شدد على أن استهداف إسرائيل لمبنى الرئاسة ووزارة الدفاع السورية يُعد إعلان حرب، أشار إلى أن التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل لا مفر منه، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي بهذا الاتفاق موضع شك.
ولفت إلى وجود مفاوضات بوساطة أميركية مع إسرائيل أوشكت على التوصل إلى اتفاق قد يُوقّع خلال أيام، موضحاً أن الاتفاق شبيه باتفاق عام 1974، لكنه أكد أن ذلك “لا يعني بأي حال تطبيع العلاقات أو انضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام”.
وتابع أن سوريا تعرف كيف تحارب لكنها لم تعد تريد الحرب، مؤكداً أن أحداث السويداء الأخيرة جاءت بمثابة “فخ مدبر” وذلك في وقت كانت المفاوضات مع إسرائيل على وشك الانتهاء.
————————————
==================



