إليزابيث تسوركوف: قراءة في سيرة جدلية/ صادق الطائي

22 أيلول 2025
في عالمٍ يتقاطع فيه البحث الأكاديمي مع السياسة والأمن والاستخبارات، يصعب أحيانا التمييز بين الباحث المحايد والمشارك في لعبة سياسية أكبر. إليزابيث تسوركوف الباحثة الإسرائيلية الروسية الأصل، وطالبة الدكتوراه في جامعة برنستون، تُمثل نموذجا صعب التصنيف. فمن جهة، تظهر كسيدة أكاديمية متعددة اللغات، منخرطة في قضايا حقوق الإنسان، وباحثة شجاعة لا تتردد في دخول أخطر مناطق النزاع. ومن جهة أخرى، تحيط بها علامات استفهام كثيرة: ماضيها العسكري في الاستخبارات الإسرائيلية، تصريحاتها التي تفاخرت فيها بالحرب ضد حزب الله عام 2006، تجوالها في مناطق شديدة الحساسية في سوريا والعراق، وارتباطها بمراكز بحثية متهمة بعلاقات غامضة.
هذه الازدواجية بين صورة الباحثة المثالية، والاتهامات التي تلاحقها تجعل من قصة تسوركوف مادة جدلية تستحق التوقف عندها، خصوصا بعد اختطافها في بغداد عام 2023، وما رافق ذلك من تضارب في السرديات الرسمية والإعلامية حتى موعد إطلاق سراحها في 9 سبتمبر/أيلول، وما رافق هذا الحدث من تسريبات حول وجود صفقة تبادل مختطفين بين الولايات المتحدة وفصائل مسلحة مقربة من إيران.
وُلدت تسوركوف في روسيا في 11 /تشرين الثاني 1986 قبل أن تهاجر مع أسرتها إلى إسرائيل. هناك انخرطت مبكرا في مجتمع يعلي من شأن الخدمة العسكرية باعتبارها واجبا وطنيا. عند بلوغها سن العشرين، جُنّدت مثل بقية أقرانها، لكنها لم تلتحق بوحدة عسكرية عادية، بل عملت في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. هذه المعلومة موثقة في سيرتها العلنية، ولا تخفيها هي نفسها، ورغم أن الخدمة الإلزامية أمر روتيني في إسرائيل، إلا أن التجربة الاستخباراتية تضيف طبقة من التعقيد على مسيرتها اللاحقة كباحثة.
لم تُخفِ تسوركوف أيضا أنها شاركت في حرب يوليو/تموز في لبنان عام (2006)، بل تحدثت في مقابلات عن “فخرها” بدورها في مواجهة حزب الله. هذا الجانب لا يمكن تجاهله، حين يُعاد النظر في مواقفها اللاحقة في سوريا والعراق، إذ يضعها في خانة طرف من أطراف صراع إقليمي مستمر.
بعد إنهاء خدمتها العسكرية، اتجهت تسوركوف إلى العالم الأكاديمي والعمل الحقوقي. على موقعها الرسمي، تعرّف نفسها كباحثة في سياسات الشرق الأوسط، زميلة في معهد Newlines للسياسة والاستراتيجية في واشنطن، وزميلة في منتدى التفكير الإقليمي في القدس. كما تصف خبرتها الطويلة في مجال حقوق الإنسان: الدفاع عن اللاجئين، المهاجرين، الناجين من التعذيب وضحايا الاتجار بالبشر، إضافة إلى الأقليات العرقية والدينية. لكن ارتباطها بمركز أبحاث مثل Newlines أثار شبهات. فالمعهد تعرّض لانتقادات في صحف دولية مثل People’s Daily الصينية، التي نشرت مقالا ينتقد المعهد، ويدّعي أن المعهد له صلات مع معهد الفكر الإسلامي الدولي (IIIT)، وهو مؤسسة تُتهم من بعض الجهات بالتنسيق مع مخابرات غربية لدعم جماعات إسلامية وتنظيمات سياسية مرتبطة بالإخوان المسلمين. كما تنصب الاتهامات بشكل خاص على أحمد العلْواني المليونير العراقي/الأمريكي، وأحد الناشطين في جماعات الضغط في الولايات المتحدة، والذي يعرف بأنه أحد مؤسسي معهد Newlines، وهو نائب مدير معهد الفكر الاسلامي الدولي ويدير الجامعة المرتبطة به.
عدة مقالات هاجمت معهد Newlines وقالت إنه يروّج في بعض تقاريره لمواضيع سياسية تخدم المصالح الغربية، وأن المعهد يحصل على دعم أجهزة مخابرات غربية. وعلى الرغم من أن هذه الاتهامات لم تُثبت بأدلة دامغة، إلا أنها أضافت طبقة أخرى من الغموض على سيرة تسوركوف العاملة كباحثة في هذا المعهد. إذ إنها انغمست في دراسة الانتفاضة السورية ابتداء من عام 2011، مركّزة على ديناميات المعارضة المسلحة، وتدخل القوى الإقليمية، وكتبت مقالات في صحف عالمية مثل “نيويورك تايمز” و”فورن بوليسي” حول الحرب في سوريا، وقدّمت نفسها كخبيرة تشرح للجمهور الغربي تعقيدات المشهد السوري،
إلا أن ما يثير الريبة هو طابع حضورها الميداني. تسوركوف لم تكتفِ بالتحليل من بعيد، بل زارت مناطق يندر أن تطأها أقدام باحثين غربيين مثل: إدلب حيث سيطرة الفصائل الجهادية المسلحة المناوئة لنظام الأسد، شمال شرق سوريا في مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كردستان العراق، وأخيرا العاصمة بغداد التي دخلتها بجوازها الروسي وبأوراق رسمية تشير إلى أنها باحثة وطالبة دكتوراه في جامعة عريقة هي جامعة برنستون. شبكة علاقاتها في المناطق الساخنة التي تجولت فيها، شملت ناشطين مدنيين، مقاتلين، وزعماء محليين. هذا القرب من مصادر حساسة أثار شكوك بعض المراقبين حول طبيعة أدوارها، هل كانت مجرد باحثة تجمع البيانات؟ أم أن نشاطها امتزج بعمل استخباراتي أو سياسي؟
قضية وجودها في العراق عام 2023 فجّرت جدلا مع مؤسستها الأكاديمية. فعندما اختُطفت في بغداد، سارعت جامعة برنستون إلى إصدار بيان متحفظ، أوضحت فيه أن أطروحتها كانت بالفعل عن قضايا مرتبطة بالعراق، لكن السفر نفسه لم يكن خاضعا لإجراءات الموافقة الرسمية الخاصة بالسفر الميداني. بكلمات أخرى: الجامعة اعترفت بأن عملها البحثي يرتبط بالعراق، لكنها تجنّبت تحمّل مسؤولية وجودها هناك لحظة الاختطاف. هذا الموقف قرأه البعض كتنصل، فيما اعتبرته عائلتها محاولة للتخفيف من المسؤولية الأخلاقية. لكن في كل الأحوال، التصريح يعكس ارتباك المؤسسة الأكاديمية أمام خطورة الدمج بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني في مناطق النزاع.
في مارس/آذار 2023، أعلنت تقارير أن تسوركوف اختُطفت في بغداد على يد ميليشيا “كتائب حزب الله” المرتبطة بإيران، الحكومة الاسرائيلية أكدت أنها دخلت العراق بجواز سفرها الروسي لأغراض بحثية، وأنها لم تكن في مهمة حكومية، لكن الميليشيا استغلت هويتها الإسرائيلية لتصويرها كورقة مساومة. في نوفمبر 2023، نشرت قنوات عراقية موالية لإيران فيديو يظهر تسوركوف وهي تعترف بالعمل مع الموساد وCIA. ورغم أن المشهد بدا صادما، فإن عائلتها وصحافيين غربيين وصفوه بأنه اعتراف تحت الإكراه، أُنتج لتوظيفه إعلاميا. لا يوجد دليل مستقل يثبت صحة هذه الاعترافات، لكنها تركت أثرا قويا في الرأي العام، خاصة في المنطقة العربية، حيث تلتقي هذه “الاعترافات” مع تصورات مسبقة عن ارتباط الباحثين الإسرائيليين بأجهزة الاستخبارات.
لا شك أن مسيرة إليزابيث تسوركوف تحمل قدرا كبيرا من الجرأة، امرأة إسرائيلية روسية المولد، تتقن العربية، تجولت في أخطر بقاع المنطقة لتجمع روايات لا يصل إليها غيرها. هذا الجانب يجعلها مثيرة للإعجاب لدى البعض. لكنها في الوقت نفسه، وبفعل خلفيتها العسكرية وتصريحاتها السياسية وحضورها في مناطق الصراع، أثارت شكوكا عميقة. بالنسبة للكثيرين لم يكن من الممكن النظر إليها كباحثة مستقلة فقط، بل كأداة محتملة ضمن صراع استخباراتي أكبر.
قصة تسوركوف تُجسد المأزق الذي يواجه الباحثين العاملين في بيئات مشبعة بالصراع: هل يمكنهم حقا الحفاظ على الحياد؟ أم أن وجودهم يُقرأ دائما عبر عدسة السياسة والأمن؟ في حالتها، يصعب رسم خط واضح بين ما هو أكاديمي بحت وما هو سياسي أو استخباراتي. قد يراها البعض رمزا لشجاعة الباحث الذي يدفع ثمن التزامه بالميدان، وقد يراها آخرون وجها ناعما لسياسات استخبارية إسرائيلية تتخفى في ثوب البحث العلمي. ما هو مؤكد أن اختطافها ثم الإفراج عنها فتح الباب لأسئلة مزعجة حول حدود الأكاديمية، ومخاطر تسييس المعرفة، ودور الجامعات في حماية طلابها من الانزلاق إلى مسارات خطرة. مؤخرا، تعددت الروايات حول الإفراج عنها: تقارير تحدثت عن ضغوط سياسية ودبلوماسية قادت إلى إطلاق سراحها، فيما روّجت مصادر إيرانية ولبنانية لفرضية “صفقة تبادل سجناء” مع إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة، لكن لا توجد وثائق رسمية تؤكد حصول تبادل من هذا النوع. وفي النهاية، تبقى إليزابيث تسوركوف شخصية إشكالية بامتياز: بين باحثة متفانية وإنسانة جريئة من جهة، وظلال استخباراتية وسياسية لا تفارق سيرتها من جهة أخرى.
كاتب عراقي
القدس العربي



