أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

الإدارة المحلية في سوريا.. هل تفتح اللامركزية باباً لإعادة بناء الدولة؟/ مالك الحافظ

 

2025.09.21

تُعدّ مسألة الإدارة المحلية واحدة من أعقد القضايا في النقاش السوري الراهن، لأنها لا تتعلق فقط بآليات الحكم والإدارة، وإنما تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والفضاء المحلي. لعقود طويلة، مثّلت المركزية الصارمة النموذج المهيمن في سوريا، حيث تركز القرار السياسي والإداري والمالي في العاصمة، في حين تحوّلت السلطات المحلية آنذاك إلى أجهزة تنفيذية تابعة تفتقر إلى أي استقلال فعلي. ومع انهيار هذا النموذج بفعل الحرب وما أفرزته من سلطات أمر واقع، تبرز الحاجة الآن في هذه المرحلة إلى إعادة النظر في موقع الإدارة المحلية كمدخل محتمل لإعادة تأسيس الدولة والبحث عن صيغ جديدة للحوكمة.

منذ صدور القانون 107 للإدارة المحلية في آب 2011، بدا وكأن نظام الأسد البائد يحاول الإيحاء بانفتاحٍ نحو اللامركزية. غير أنّ التطبيق سرعان ما كشف طابعه الشكلي، إذ بقيت المجالس المحلية خاضعة لوصاية المحافظين والوزارات المركزية، في ظل بنية سلطوية لم تسمح بأي استقلالية فعلية. وفي ظل اندلاع الحرب وتقاسم مناطق النفوذ، تحولت قضية الإدارة المحلية إلى واقع معاش، إذ اضطرت المجتمعات في مناطق المعارضة (على مدى جغرافي واسع من سوريا وانحساراً ما بعد عام 2018 إلى الشمال والشمال الغربي) و”الإدارة الذاتية” (شمال شرقي سوريا) إلى ابتكار مجالس محلية وهيئات مدنية لإدارة شؤونها.

لكن النقاش الأعمق حول اللامركزية لم يتبلور بشكل بارز إلا في مطلع العام الجاري، وذلك في سياق محاولة إعادة بناء الدولة على أنقاض النظام السابق، حيث لم يعد الأمر يتعلق بإدارة مؤقتة لفراغ السلطة، وإنما ببحثٍ تأسيسي حول شكل الحكم، وحدود المركزية، وإمكان صياغة عقد جديد ينظّم العلاقة بين الدولة والمناطق على أسس مختلفة عما كان سائداً طوال العقود الماضية.

وعندما يُطرح موضوع الإدارة المحلية في سوريا، فإنه يُطرح باعتباره سؤالاً سياسياً عميقاً يتصل بالكيفية التي تُمارَس بها السلطة وتُدار بها التعددية داخل المجتمع. فالنقاش حول المركزية واللامركزية لا يقف عند حدود تقسيم الاختصاصات أو توزيع الموارد، وإنما يمتد ليشكل اختباراً لطبيعة العقد الاجتماعي ذاته، ولحدود العلاقة بين الدولة والمجتمع. إنّ إدارة المدن والبلدات والبلديات هي انعكاس مباشر لفلسفة الحكم التي تختارها الدولة لنفسها، وللتصورات التي يحملها المجتمع عن العدالة، والمشاركة، والمساواة.

مجموعة عمل دعم المجتمع المدني السورية (CSSR) قدّمت في تقريرها عام 2023 والذي تناولت فيه الحوكمة المحلية واللامركزية، إضافة إلى قراءة

نقدية لتجربة القانون 107، مبينةً أن تنفيذه كان متبايناً إلى حدّ كبير بين المناطق الخاضعة للنظام السابق وتلك الخارجة عن سيطرته. وخلص التقرير إلى أن التشريعات وحدها غير كافية ما لم تترافق مع إصلاحات مالية ومؤسسية وآليات مساءلة تمنع استمرار الوصاية المركزية أو استبدالها بسلطات أمر واقع محلية غير خاضعة للرقابة.

المركزية الشديدة في سوريا والجمود السياسي

المركزية الصارمة التي عرفتها سوريا لم تكن حالة شاذة في سياق العالم النامي، بل ارتبطت تاريخياً بما يُسمى في الأدبيات السياسية بـ”الدولة التنموية السلطوية”، حيث يُنظر إلى تركيز القرار كوسيلة لضبط الموارد وضمان الاستقرار. غير أنّ هذا النموذج ترافق مع تهميش الفضاءات المحلية وإضعاف قدرتها على المشاركة في صنع القرار. النتيجة كانت دولة شديدة الانضباط شكلياً، لكنها عاجزة عن امتصاص التنوع الاجتماعي والثقافي. هذا ما يفسّر كيف أن بعض المدن والمناطق السورية، عبّرت عن رفضها للنموذج المركزي باعتباره مصدراً للتهميش والحرمان فضلاً عن خصوصية استبداد نظام البعث في مصادرة أو تقنين الحقوق الأساسية.

قد تكون هذه الصيغة مبررة حين اعتُبرت شرطاً للحفاظ على وحدة الدولة، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة للضبط السياسي والاجتماعي، وأنتجت حالة من العزلة بين المجتمع المحلي وبنية القرار الوطني.

يمكن مقاربة التجربة السورية من خلال إطار “المركزية السلطوية الريعية”، حيث لم تقتصر المركزية على كونها أداة إدارية لتوحيد القرار، وإنما اتخذت بعداً وظيفياً يتمثل في ربط توزيع الموارد والامتيازات بالبنية المركزية للسلطة. فقد جرى تحويل مؤسسات الدولة المحلية إلى قنوات لتلقي الريع السياسي والاقتصادي القادم من المركز، سواء عبر التعيينات أو عبر التحكم بالميزانيات والموارد، وهو ما جعل العلاقة بين المجتمع المحلي والدولة علاقة زبائنية أكثر منها علاقة حقوقية أو مؤسسية. هذا النمط الريعي عزز تبعية الأطراف للعاصمة، لكنه في الوقت ذاته عمّق شعور التهميش، لأن توزيع الموارد كان يتم على أسس الولاء وليس على أسس العدالة أو الكفاءة.

وفي إطار موازٍ، يمكن فهم التجربة السورية من خلال مفهوم “المركزية المفرطة”، حيث تكون هنا تعبير عن بنية سلطوية ترى في احتكار القرار وسيلة لمواجهة الاضطراب الاجتماعي والسياسي. غير أنّ هذه المركزية المفرطة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تُضعف المؤسسات الوسيطة، وتمنع تطور قنوات طبيعية للمشاركة، ما يجعل الدولة أقل قدرة على التكيف مع الأزمات وأكثر عرضة للانفجار عند أول صدمة.

الباحث في شؤون الإدارة العامة، سمير خطاب، يشير في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ التجربة السورية خلال العقود الماضية عانت من فراغ كبير في العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي. ويرى أنّ أحد الدروس المستفادة من السنوات الأخيرة هو أنّ السلطات المحلية، حتى عندما نشأت في ظروف هشّة وسلطات أمر واقع و بموارد محدودة، استطاعت أن تستجيب لحاجات السكان بصورة أسرع من مؤسسات المركز.

لكنه في الوقت نفسه يحذّر من أن النظر إلى اللامركزية كحلّ سحري قد يكون مبالغاً فيه، فالمسألة تتعلق بمدى قدرة الدولة على صياغة قواعد واضحة تضمن توزيعاً عادلاً للموارد وتمنع تحوّل المجالس المحلية إلى جزر معزولة أو رهينة للتمويل الخارجي. لذلك، بحسب خطّاب، فإنّ النقاش يجب أن ينصب على بناء مؤسسات قوية ومرنة، سواء أكانت مركزية أم لامركزية، قادرة على خدمة الناس وحمايتهم.

اللامركزية الإدارية والسياسية

تُعرف اللامركزية الإدارية بأنها نمط في تنظيم الدولة يقوم على نقل بعض الصلاحيات الإدارية والتنفيذية من السلطة المركزية إلى هيئات محلية منتخبة أو معينة (كالبلديات أو الأقاليم)، مع بقاء هذه الهيئات خاضعة لرقابة أو وصاية الدولة المركزية، ومن دون أن تمتلك سلطة تشريعية أو استقلالاً سياسياً حقيقياً.

تطرح بعض المقاربات فكرة اللامركزية الإدارية كصيغة وسط، تقوم على منح المجالس المحلية بعض الصلاحيات التنفيذية والمالية، من دون المساس ببنية القرار السياسي المركزي. هذا النموذج معمول به في دول أوروبية مثل فرنسا أو البرتغال أو إيطاليا، حيث تُنتخب المجالس البلدية أو الإقليمية وتدير شؤوناً خدمية وتنموية محلية، لكنها تبقى خاضعة لوصاية السلطة المركزية التي تملك حق الرقابة والتوجيه بل وإلغاء القرارات عند الحاجة.

إيجابية هذا النموذج تكمن في أنه يتيح تحسين الخدمات وتوزيعاً أفضل للموارد، لكنه في الوقت نفسه لا يغيّر في معادلة السلطة الفعلية. بالنسبة للحالة السورية، قد يُنظر إليه كخيار تدريجي يسمح بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

خلصت إلى أن ملامح الحكم في سوريا ما بعد الأسد، لا تتجه نحو استعادة النموذج المركزي الصارم ولا نحو اللامركزية السياسية، بل نحو صيغة هجينة تجمع بين سلطة مركزية في الملفات السيادية والأمنية، وصلاحيات لامركزية في الخدمات والإدارة. هذه الصيغة، بحسب الدراسة، قد تشكّل مدخلاً عملياً لتخفيف الاحتقان وخلق مساحة للمشاركة المحلية من دون المساس بوحدة القرار الوطني.

هذا وتُعد فرنسا النموذج الأشهر للامركزية الإدارية في أوروبا. فبعد قوانين 1982 (قوانين ديفير) مُنحت البلديات والأقاليم صلاحيات أوسع في إدارة شؤون محلية كالتعليم والنقل والصحة، لكن الدولة المركزية عبر “المحافظ” ما تزال تملك سلطة الرقابة وإمكانية نقض بعض القرارات.

أما اللامركزية السياسية فتمثل مستوى أعمق، حيث تُمنح الوحدات المحلية سلطات تشريعية وتنفيذية واسعة، وتشارك في صياغة القرار الوطني. هذا النموذج مطبّق في أنظمة اتحادية مثل ألمانيا وسويسرا، أو في دول اعتمدت صيغاً هجينة مثل إسبانيا. في هذه الحالات، شكّل توزيع السلطة أداة لامتصاص التعددية وضمان الاستقرار طويل المدى. لكن في المقابل، تثير هذه الصيغة مخاوف حقيقية في مجتمعات تعاني من انقسامات حادة، إذ قد تُستخدم اللامركزية السياسية لتكريس الانفصال الفعلي، كما حصل في تجربة يوغوسلافيا السابقة. في السياق السوري، تتضاعف هذه المخاوف بسبب الهشاشة المؤسسية وغياب الثقة بين المكونات، مما قد يجعل النقاش حول هذا الخيار مشحوناً بالتوجس.

أستاذة علم الاجتماع السياسي، د.هالة المصري، اعتبرت خلال حديثها لموقع تلفزيون “سوريا”، بأن اللامركزية الإدارية يمكن أن تمثّل خطوة نحو إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، لكنها تشدد على أنّ الأهمية تكمن في إعادة بناء الثقة أكثر من أي صيغة تنظيمية بعينها. وتوضح أنّ السوريين خلال السنوات الماضية عاشوا تجارب متباينة مع الإدارة المحلية، وكلها تجارب تكشف أنّ الناس يفضّلون حلولاً قريبة منهم، حتى لو كانت محدودة الموارد، وفق تعبيرها.

وتضيف أنّ هذه الدروس تشير إلى أن تطوير الإدارة المحلية قد يكون أداة لإحياء مفهوم المشاركة المدنية، وهو أمر يتجاوز حدود المركزية أو اللامركزية. فالمجتمع السوري اليوم بحاجة إلى قنوات عملية ليشعر بأن صوته حاضر في القرارات اليومية، سواء تعلق الأمر بالخدمات أو بالتنمية.

وفي دراسة نشرها معهد “نيو لاينز” في أيلول الحالي، جرى فيها تناول مسألة اللامركزية الإدارية كخيار ضروري لإعادة بناء العقد الاجتماعي السوري، حيث أشارت

الورقة

إلى أن تعزيز السلطات المحلية يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للمجتمع في إدارة شؤونه، ويحدّ من إرث التهميش الذي أنتجته المركزية الصارمة. كما لفتت إلى أن اللامركزية الإدارية قد تشكل نقطة وسطية بين مطالب التنوع المجتمعي ومتطلبات وحدة الدولة.

بين تجارب الإقليم والعالم

تُظهر التجارب المقارنة أنّ اختيار نموذج الإدارة المحلية لا يتم وفق منطق نظري صرف، بل يخضع للتوازنات الاجتماعية والتاريخية والسياسية. في العراق بعد 2003، أُقرت صيغة فدرالية أعادت توزيع السلطة، لكنها أسهمت أيضاً في تعميق الانقسامات الإثنية والمذهبية. في المقابل، تبنّت المغرب نموذج اللامركزية الإدارية المتقدمة منذ 2011، مع وعود بتوسيع صلاحيات الجهات، لكن مع بقاء السلطة الفعلية في يد المركز. أما في ألمانيا وسويسرا، فقد وفّر النموذج الفدرالي إطاراً مستقراً للتعايش والتوزيع العادل للسلطة، لكنه استند إلى تاريخ طويل من العقد الاجتماعي والثقة المتبادلة. هذه الأمثلة تكشف أن كل نموذج يحمل فرصاً ومخاطر، وأن نجاحه أو فشله مرتبط بالسياق المحلي أكثر من ارتباطه بالنصوص الدستورية وحدها.

تبدو مسألة الإدارة المحلية في سوريا سؤالاً تأسيسياً يتجاوز الطابع الإجرائي أو التنظيمي ليطول جوهر إعادة بناء الدولة نفسها. فبعد انهيار البنية المركزية التقليدية وتحوّل عدد من المدن والمناطق إلى سلطات شبه مستقلة بحكم الواقع خلال السنوات الماضية، لم يعد ممكناً الاكتفاء باستعادة المركزية الصارمة التي طبعت التجربة السورية لعقود؛ إذ إن إعادة إنتاجها قد يمنح إحساساً مؤقتاً بوحدة الدولة، لكنها في الوقت ذاته قد تعيد استحضار البُنى التي أسهمت في إضعاف المشاركة وإقصاء الأطراف. وفي المقابل، فإن التوجه نحو لامركزية سياسية معمقة في ظل هشاشة المؤسسات وغياب الثقة المتبادلة قد يطرح تحديات فعلية تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على انسجامها، من دون أن يكون ذلك بالضرورة مدخلاً إلى التفكك ما لم تُؤطَّر ضمن عقد وطني متماسك. إن التحدي السوري الراهن يتجسد في البحث عن صيغة للإدارة المحلية تتجاوز المأزق الثنائي بين مركزية موروثة أرهقت البنية الوطنية ولامركزية سياسية غير ناضجة قد تثير توترات إضافية، وذلك عبر بلورة إطار مؤسسي جديد يوازن بين مقتضيات الوحدة الوطنية وضمانات المشاركة المحلية الفاعلة.

إنّ النقاش حول الإدارة المحلية في سوريا، لا يمكن أن يُختزل في ثنائية جامدة بين مركزية صارمة ولامركزية سياسية واسعة. فالإشكالية تتجاوز هذا التوصيف لتلامس جوهر بناء الدولة، وتحديد ما إذا كانت ستبقى أسيرة نموذج سلطوي هرمي أم ستتمكن من تطوير صيغ أكثر مرونة في توزيع السلطة. في هذا السياق، يظهر أن التفكير في أشكال اللامركزية الإدارية، بما تحمله من إمكانات لتعزيز كفاءة الخدمات العامة وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في إدارة شؤونها اليومية، قد يشكل خطوة وسطى تسمح بإعادة بناء الثقة من دون المساس بوحدة الدولة أو بنيتها الدستورية.

التجارب المقارنة في أوروبا الغربية، كما في فرنسا والبرتغال، تبين أن نقل صلاحيات إدارية وخدمية إلى المستويات المحلية يمكن أن يتم ضمن إطار دولة موحدة وقوية، بحيث تظل السلطة السياسية والقرار الاستراتيجي بيد المركز، في حين تتوزع المهام التنفيذية على البلديات والأقاليم وفق قواعد واضحة للرقابة والمساءلة. هذه التجارب لا تُقترح كنماذج جاهزة للحالة السورية، لكنها تذكّر بأن الإدارة المحلية ليست بالضرورة مشروعاً لتفكيك الدولة، وإنما قد تكون وسيلة لإعادة وصل الدولة بمجتمعها عبر بوابة الخدمات اليومية والتمثيل المحلي المحدود.

إنّ الاستحقاق السوري الراهن لا يقوم على تحديد شكل نهائي لنظام الحكم بقدر ما يقوم على بناء مؤسسات قادرة على التكيف مع واقع اجتماعي متنوع ومجتمع محلي أنهكته الحرب. وفي هذا الإطار، تبدو الإدارة المحلية ساحة اختبار لجدية الدولة المقبلة في الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة، من دون أن يعني ذلك انتقالاً جذرياً نحو أنماط سياسية غير مهيأة بعد.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى