أبحاثالأحداث التي جرت في الساحل السوريانتخابات مجلس الشعبتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

العلويون في سوريا: مجتمع على حافة القطيعة/ إبراهيم زرقه.

هل يمكن للعلويين إعادة تعريف أنفسهم خارج سرديتَي الضحية والنظام؟

19-09-2025

        عاش العلويون في الحقبة العثمانية على هامش الدولة، هامش داخلي قائم على العزلة والخوف والذاكرة الجمعية للمظلومية التاريخية. انكسرت هذه العزلة تدريجياً مع نهاية الحقبة العثمانية وخلال الانتداب الفرنسي، ثم انكسرت أكثر بعد استقلال سوريا ولاحقاً مع البعث وبعده نظام الأسد، الذي حولهم إلى درع بشري لنظام رفع اسمهم ووضعهم في التباس شائك؛ هل هم حماة للنظام أم أنهم من ضحاياه؟!

        منذ سقوط نظام الأسد طُرحت بقوة أسئلة بشأن العلويين: من يمثلهم؟ وهل يمكنهم بناء هوية جامعة لهم خارج سرديتَي الضحية والنظام؟ فالعلويون يقتربون من العيش مجدداً بعد سقوط الأسد على هامش الدولة، متروكين وحدهم ليواجهوا مصيرهم وخوفهم التاريخي المتجذر، وقد وضعهم سقوطه أمام أسئلة مصيرية: من نحن؟ ومن اختطف هويتنا؟ وأي مستقبل ينتظرنا؟ والسؤال هنا ليس عن العلويين بوصفهم طائفة، إذ لا ينطبق عليهم وصف الطائفة بالمعنى السياسي لغياب مؤسسات أو هياكل تُعبر عنهم وتمثلهم، بل بوصفهم مجتمعاً (أو ربما مجتمعات) لم يستطع التعبير عن نفسه إلا من خلال السلطة لأكثر من خمسة عقود متتالية، ووجد نفسه بعد السقوط من دون صوت.

        في هذا النص أتحدث عنهم ليس بغرض الدفع إلى تأطيرهم طائفياً، بل لمحاولة فهم وضعهم الراهن، وكيف أصبحوا اليوم عالقين بين الإقصاء والذعر، والتفكير في المآلات الممكنة.

        ذاكرة الخوف والعزلة

        مؤخراً باتت معظم السرديات التي تتناول تاريخ سوريا تُغفِلُ، بقصد أو دون قصد، الحديثَ عن مظلومية العلويين التاريخية ودورهم التاريخي الوطني ما قبل استقلال سوريا، وتختصرهم ضمن مجموعتين؛ «مستفيدون وقتلة» في مقابل «فقراء وضحايا،» ويتركز الحديث عنهم غالباً في حقبة الأسد فقط دون غيرها، إلا أننا نحتاج العودة إلى ما قبل ذلك لنفهم الوضع الراهن بشكل معقول.1

        تُوثِّقُ المراجع التاريخية والحديثة التي تناولت العلويين تعرُّضَهم لاضطهاد طوال قرون، وكثر تحدثوا عما يُسمى «ذاكرة الخوف» المتراكمة منذ العهد المملوكي وطوال العهد العثماني، فقد مُنعوا من سكن المدن وتعرض كثيرون منهم للاعتداء أو القتل لمجرد هويتهم العلوية، وفرضت عليهم ضرائب جائرة، وصودرت أراضيهم أحياناً وهجروا في بعض الأماكن. شكّلت هذه التراكمات وعياً جمعياً قائماً على الخوف، دفعهم للانكفاء على ذاتهم في الجبال الساحلية كاستراتيجية بقاء، وباتوا يُحيطون أنفسهم بحكايات القتل والمجازر ويبتعدون عن الآخر ويمارسون تقاليدهم وعاداتهم سراً. والعلويون إحدى الفرق الباطنية الإسلامية، التي تتبنى عقيدة دينية ظاهرة للعامّة، إلى جانب تعاليم ومعتقدات باطنية يتم تعليمها للخاصّة فقط.

        في فترة الحكم العثماني لسوريا اعتُبر العلويون أقل شأناً من غيرهم، وفرضت عليهم ضرائب استثنائية منها ضريبة «درهم الرجال» الموروثة من الحقبة المملوكية. وقد اعتمدت السلطنة العثمانية على أعيان من العلويين لجمع الضرائب من العامة، وهكذا تَحوَّلَ بعضهم إلى «ملاكين» أو «آغوات» أو «إقطاعيين صغار». وخلال تلك الحقبة بدأت تندلع تمردات علوية مسلّحة ضد السلطنة العثمانية، لعلّ من أبرزها تمرّدٌ في قضاء صافيتا عام 1851، عندما سيطر متمردون بقيادة اسماعيل خير بك على مناطق من الجبال الساحلية. اضطرت الدولة العثمانية نتيجة هذه التمردات والظروف الإقليمية المزامنة لها للتعامل مع العلويين ككتلة لها وجودها ومكانتها، حتى أنها كانت قد استعانت بهم في مقاومة اجتياح الجيوش المصرية لبلاد الشام في عام 1834.

        وعندما برزت حركات التبشير المسيحية في الشرق، استشعرت السلطات العثمانية الخطر، فاضطرت للتعامل مع العلويين بمزيج من المحاباة والتهديد، حسب الوالي وسياسته أو التعليمات التي يتلقاها من الأستانة. ورغم رفض أغلب العلويين للتخلي عن هويتهم الدينية وتمسكهم بعلويتهم إزاء التبشير المسيحي الغربي، فإن العثمانيين حاولوا عرقلة عمل الحملات التبشيرية، التي عملت عدا عن التبشير الديني على نشر التعليم ورفع سوية الوعي الاجتماعي والثقافي في مناطق العلويين، وهو ما لم يكن مرغوباً من قبل سلطات العثمانيين آنذاك، بينما لم تكترث له سلطة الإقطاع العلوي كثيراً. وكان التعليم الغربي الإرسالي يتم تحت رقابة المشايخ العلويين لضمان عدم استمالة شباب العلويين لدين آخر غير دينهم، ووقتها كان للشيوخ كلمة نافذة وطاعة عند عموم العلويين، لكن هذه السطوة بدأت تنحسر تدريجياً مع تزايد أعداد المتعلمين، وتزايد نفوذ أشخاص من خلفيات غير دينية، أو حتى للدولة الحاكمة. مرَّ العلويون في سوريا بحركة إصلاحية في مفاهيم وعادات دينهم وتقاليدهم في القرن التاسع عشر، بدأها مشايخ متنورون في البداية وعارضها مشايخ محافظون، وقادها لاحقاً شبان سعوا لنزع سيطرة رجال الدين على عموم السكان، وهم أنفسهم الذين كان لهم أثر كبير خلال فترة الانتداب الفرنسي.

        ردَّاً على حملات التبشير ومحاولات الغرب لاستمالة العلويين، حاول العثمانيون القيام بتبشير إسلامي مضاد واعتبار ذلك في أحد وجوهه عودة للعلويين إلى الإسلام، وفي مقابل موقف شائع في أوساط المسلمين السنة، وحتى الشيعة، يعتبر العلويين غير مسلمين أصلاً، برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سياسةٌ تحاول ربطهم بالإسلام الرسمي للدولة العثماينة ومذهبه الحنفي، وتزيد من بناء المساجد في قراهم كدلالة على ارتباطهم بالإسلام. وفي ذلك الزمن بدأت تبرز إشكالية هوية العلويين، بين كونهم فرقة إسلامية أو فرقة خارجة عن الإسلام ويمكن استهدافها بالتبشير المسيحي. وبين هذا الصراع ذي الأبعاد السياسية من جهة وخوف العلويين على وجودهم من جهة أخرى، انتصر في أوساط العلويين التيار الذي ينظرون من خلاله إلى أنفسهم كفرقة إسلامية خالصة.

        ثم جاء الانتداب الفرنسي الذي عمل بنشاط على تجنيد أفراد من الأقليات ضمن ما يعرف بـ«قوات الشرق الخاصة» أو «جيش المشرق»، واستطاع تحويل التهميش والاضطهاد الذي تعرَّضَ له العلويون إلى أداة سياسية. وبحكم الأمر الواقع، كان للعلويين ما يشبه الحكم الذاتي في مناطقهم حين طرحت فرنسا فكرة الدولة العلوية ورعتها، وشملت الدولة سكان الساحل السوري جميعاً بما في ذلك المسلمون السنة والمسيحيون طبعاً، باستثناء لواء اسكندرون رغم أنه كان ذا غالبية كبيرة علوية، وقد اقتُطِعَ لاحقاً من سوريا وأُلحق بتركيا، وفي سياق اقتطاعه كان آخر تهجير للعلويين في القرن الماضي من بعض المناطق الحدودية مع لواء اسكندرون، وبذلك انقطع أي تواصل جغرافي بين علويي سوريا وعلويي تركيا.

        وخلال فترة الدولة العلوية من 1920 إلى 1936، استطاعت فرنسا زيادة انخراط العلويين في «الفيلق الأجنبي» التابع للجيش الفرنسي، مانحة لكثير من الشبان فرصة التحرر من الفقر والتهميش في الجبال. وفي الفترة نفسها استطاع العلويون الحصول على محاكم مذهبية خاصة بهم وفقاً للمذهب الجعفري، وكان كثير من مشايخهم قد طالبوا بذلك منذ نهاية الحقبة العثمانية، دفاعاً عن استقلاليتهم تجاه الدولة العثمانية ومذهبها الحنفي.

        شهد الساحل السوري نقاشاً اجتماعياً وصراعاً سياسياً بين الراغبين في الحفاظ على مشروع الدولة العلوية والراغبين في الاندماج مع سوريا الداخلية، وتشير الوثائق التي نشرتها فرنسا إلى أن الرافضين لاستمرار الدولة العلوية والراغبين في استمرارها كانوا من جميع الطوائف وليس من العلويين فقط، ما يعني أن الانفصال عن الداخل السوري وقتها كان يحمل دوافع اجتماعية وسياسية أيضاً فضلاً عن الأبعاد الطائفية، وهو الأمر الذي لا يذكره كثيرون عند الحديث عن تلك الحقبة.

        في تلك الفترة ظهرت عدة صحف علوية تعكس ذلك التنوع في الآراء بين الوحدويين والراغبين في الاستقلال، كما نشأت مجموعات علوية عملت على النهوض بالواقع العلوي ورفع الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي عند العلويين، وقد استطاع علويون كثيرون تمثيل أنفسهم عبر تجمعات غير دينية وهو ما كان جديداً على هذا المجتمع، كما أنهم استطاعوا بشكل أو بآخر في بعض المراحل تجاوز الخلافات والانقسامات العشائرية التي كانت تستفيد منها سلطات الانتداب.

        في النهاية ربح التيار الساعي إلى سوريا موحدة معركته التاريخية، وكان الانضمام لدولة سوريا مشروطاً بإشراك العلويين سياسياً وهو ما تمت الموافقة عليه لاحقاً من قبل الكتلة الوطنية وحكومة دمشق. وبعد الاستقلال تواصلت مسيرة خروج العلويين من العزلة التاريخية ببطء، إذ تَواصلَ انضمام شبان منهم إلى الجيش، ويذكر حنا بطاطو في كتابه فلاحو سوريا أن عبد الحميد السراج أخبره بأن نسبة العلويين في رتب «صف- الضباط» قد فاقت 55 بالمئة في سجلّات العام 1955، ناسباً زيادة عددهم في الدرجات الدنيا من الجيش إلى نظام البدل النقدي الذي كان مُعتمَداً بعد تطبيق الخدمة الالزامية عام 1948، والذي كان من السهل على الأسر السنية ميسورة الحال دفعه مقابل إعفاء أبنائها من الخدمة. كذلك استمرّ نزول العلويين من الأرياف للاستقرار في المدن وارتياد الجامعات، لكن سياسات التهميش والإقصاء استمرت جزئياً على مستويات عدة لعلّ أبرزها التمثيل السياسي، وهي لم تكن مشكلة خاصة بالعلويين في سنوات الاستقلال الأولى.

        مع وصول البعث إلى سدة الحكم في سوريا لم يكن التهميش مقتصراً على العلويين وحدهم، فالإشكال الحقيقي كان بين الريف والمدينة وبين المراكز والأطراف في كل سوريا، لكن الخوف المتأصل في قلوب العلويين بعد قرون الاضطهاد التاريخي، واستمرار بعض السلوكيات الطائفية هنا وهناك نتيجة إرث قرون التمييز، أمورٌ جعلت كثيرين منهم يتصورون أن تهميش الريف والأطراف على يد الحكومات المتتالية بعد الاستقلال كان موجهاً ضدهم أكثر من غيرهم.

        جاءت موجة التأميم الأولى مع الوحدة السورية المصرية، ثم كان وصول البعث واتساع التأميم وتوزيع الأراضي على الفلاحين وانفتاح آفاق الدولة أمام العلويين نقطةَ تحول وعنواناً لتَخلُّصهم من التهميش في الدولة ومؤسساتها، ومن عقدة الإقطاعي العلوي الذي يعمل جابيّاً لصالح الدولة وعقدة البرجوازي السني صاحب السلطة، وغيرها من المشاكل التي كانوا يعانون منها.

        إذاً فقد انغرس في وجدان أغلب العلويين وذاكرتهم أن البعث هو من قدَّمَ لهم فرصة التحرر الكبيرة، ومنحهم أول خطوة لإعادة إنتاج أنفسهم خارج العزلة، ولكن ومع وصول الأسد الأب إلى السلطة عملَ جيداً على الترويج لنفسه كمُخلّص وحيد لهذه الطائفة وعلى تجيير كل ما قدمه البعث لصالحه، ونسفُ كل السرديات السابقة أو إخراجها من التداول، بما فيها سرديات النضال الوطني لمئات العلويين في حقبة الانتداب وما بعدها.

        دولة الأسد: اختطاف الهوية وتديّنٌ بلا روح

        عند الحديث عن العلويين في سوريا خلال حكم الأسد الأب وابنه، كثيراً ما يتم التركيز على أمرين اثنين؛ الأول منعه تشكيل مجلس علوي أو أي هيئة تمثل العلويين كجماعة دينية مستقلة، والثاني هو الواقع الاقتصادي البائس لعموم العلويين، ما ساعد الأسد على استغلالهم كدرع بشري وتبرير «اندماجهم» بالسلطة الحاكمة خلال حقبة حكمه وابنه.

        عمل الأسد الأب على ترسيخ صورته كمُخلِّص في أوساط العلويين كما قُلنا، لكن من يقرأ تاريخ العلويين يعي تماماً أن هذه السردية ليست صحيحة، وأن البعث قبل وصول الأسد هو الذي حسَّنَ من واقع الريف السوري عموماً وليس الريف العلوي فقط، وأن بِدءَ خروج العلويين من العزلة سابقٌ أصلاً على وصول البعث وجاء قبل استقلال الدولة السورية، مع مشاركتهم في الثورات ضد الفرنسيين وظهور تيار قوي في صفوفهم ناضل من أجل انضمام العلويين لسوريا الموحدة.

        ولكن المشكلة الأكبر فيما فعله حافظ الأسد لم تكن فقط في تعبئة العلويين ضمن سلاح الجيش والأمن ووظائف الدولة، وإسكان فقرائهم في عشوائيات العاصمة، بل كانت المشكلة الكبرى في مواصلة تفكيك الخصوصية الدينية لهذه الجماعة وتجذير هذا الاتجاه وتكريسه سياسياً، فلم يسمح بإنشاء مؤسسات تمثيلية علوية مستقلة وقمع كل محاولة على هذا الصعيد، واستطاع فعلاً تفريغ الجماعة العلوية من أي استقلالية عنه، فباتت قالباً فارغاً تملؤه السلطة.

        رغم أن المذهب الذي اعتمده العلويون سابقاً في محاكمهم المذهبية أيام الدولة العلوية هو المذهب الجعفري، إلا أنهم خضعوا بعد الاستقلال لقانون الأحوال الشخصية المُستمَدَّ من المذاهب السُنّية، فقد صدر في عام 1953 قانون الأحوال الشخصية الموحد الذي ألغى المحاكم المذهبية للطوائف الإسلامية باستثناء الدروز، ولم يغيّر نظام الأسد من هذا الوضع ولم يُحاول منحهم محاكم مذهبية خاصة مجدداً.

        لقد حافظَ نظامُ الأسد على تبعية العلويين لمذهب الدولة الرسمي السني أمام المحاكم الشرعية، وفوق ذلك عمل على إضعاف حضور التعبيرات العلوية الثقافية والدينية المحلية في الفضاء العام، وتصاعد بناء المساجد في مناطقهم وقُراهم رغم أن المسجد لا يحتل موقعاً بارزاً في التدين العلوي في مقابل الحضور البارز للمزارات الدينية، وقمعَ كل محاولة لإنشاء مؤسسات تمثل العلويين أو حتى ترعى شؤونهم الدينية، وتصرفت الدولة السورية في مؤسساتها الرسمية والتعليمية كما لو أنها لا ترى طائفة علوية متمايزة عن بقية المسلمين في سوريا، هذا بينما كانت الطائفية تستشري في المجتمع ومؤسسات الدولة وخاصة الأمنية والعسكرية. وبالتوازي كانت مخابرات الأسد متغلغلة ضمن مشايخ العلويين، تراقبهم حتى في جلساتهم الدينية الخاصة، بالطريقة نفسها التي اتبعتها مع أئمة مساجد السُنّة. وفي عهد بشار، وخلال تشييع عناصر قوات النظام، كان هنالك توجيهات مخابراتية ملزمة للمشايخ بالدعوة له بالنصر على أعدائه.

        لم يحظَ العلويون بمعاملة خاصة فيما يتعلق بمناسباتهم التي تخص عقيدتهم، ولم نسمع أو نرَ في أي لقاء تلفزيوني أن الأسد التقى برجل دين علوي أو ممثلين عن العلويين، وهكذا صهرهم ضمن هوية الدولة أو النظام، ولم يُسمَح لهم بالاحتفال علناً بأعيادهم الدينية الخاصة التي تميزهم عن غيرهم، وهو ما جعل هويتهم تختفي عن الفضاء العام شيئاً فشيئاً.

        تعاملَ نظام الأسدين مع الطائفة كغنيمة سياسية، إذ تم تقديم امتيازات لكثيرين منهم في جهاز الدولة مقابل الولاء التام، وفي الوقت نفسه ساعد على تشكيل برجوازيات علوية جديدة مرتبطة كلياً بالسلطة، ما خلق انقساماً وتمايزاً ضمن المجتمعات العلوية نفسها بين نخب مستفيدة وأغلبية مُستَغلَّة، واستخدم الانقسامات العشائرية بين العلويين في تعزيز سلطته، واستطاع بذلك تدريجياً صهر الطائفة ضمن نظامه، حتى صار أبناؤها درعاً بشرياً له دون تمثيل حقيقي في صنع القرار بما يتجاوز المتنفذين وأصحاب السطوة الأمنية منهم.

        وقد نجح حافظ الأسد في الحفاظ على توازنات معقولة ضمن الطائفة نفسها بما يضمن انصياع معظمها له أو لنظامه، على عكس ابنه الذي فشل على مستوى سوريا بأسرها، وفشل في الأوساط العلوية أيضاً خاصة في سنوات حكمه الأخيرة، حين سمح لمحدثي النعمة من أمراء الحرب باستباحة البلاد وفرض الأتاوات على الجميع، ما جعل الموالين في الشارع العلوي يتراجعون عن دعمه ويتهربون من خدمة الجيش وصولاً إلى عدم خوض المعركة الأخيرة في 2024 دفاعاً عنه.

        لم يَقُم الأسدان فقط بتفقير الطائفة وتهميشها وخلق نزاعات ضمنها، بل ذهبا إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث أبعدت سياستُهُما الجماعة العلوية عن هويتها، وغَلَّفَتها بمضمون الخوف والذعر المُتوارث. في أحاديث لكثير من مشايخ العلويين وكبارهم اليوم، تُروى قصصٌ عن المنظومة الأخلاقية للعلويين القدامى وعن تمسّكهم بدينهم، واحترامهم للجيرة، وإحلالهم العدل بين المتخاصمين وعدم قبولهم بالظلم، وهو ما يذكره إياس حسن في كتابه الأخير الحركة الإصلاحية عند العلويين. ويستنكر كثير منهم تغيّر الأجيال المتعاقبة من العلويين، وابتعادها عن التدين والانضباط الأخلاقي والاجتماعي، في حين يُحمّل بعضٌ من كبار مشايخهم المسؤولية لمن اتخذ المشيخة مهنة فأضرَّ بهذه الأجيال. ينسب بعضهم هذه التحولات إلى تغيرات اجتماعية شاملة وإلى التحولات الجيلية العامة وليس بين العلويين وحدهم، لكن كثيرين يلحظون بوضوح تأثير السلطة ومخابراتها وفسادها وانخراط كثير من العلويين فيها، عدا عن استمرار الانقسامات العشائرية التي لم يتوانَ الأسدان عن استغلالها وتغذيتها في ظل غياب مؤسسة ترعى تقاليد التعليم الديني، ما أفقد التَدين روحانيته وحوله إلى مجرد طقوس بلا مضمون بالنسبة لكثيرين.

        الجيل الجديد: شبابٌ بلا يقين، وإيمان بلا معرفة

        لا يجمع الشبابَ العلوي اليوم التفكيرُ أو الاعتقادُ نفسه فيما يخص العلوية، ولسنا نتحدث عن حصول انقسام في نهج الفكر العلوي، وإنما لا يتعلم كثيرٌ من الشبان العلويين التعاليم الدينية الظاهرية ولا الباطنية، وليس هناك مؤسسات دينية منظمة ترعى التعليم الديني. كذلك فإن كثيراً ممن يبدأون تعليمهم الديني لا يتعمقون فيه ولا يتابعون مسارهم، علماً أن المعرفة الدينية لها درجات عند العلويين.

        والعلوية مرّت بمراحل تبشيرية كما تقول مصادر تاريخية عدة، وخلال حكم الدولة البويهية وُجدت مراكز لتعليم الديانة النصيرية، وحصل نشر عمومي لأفكارها في مرحلة من المراحل، إلا أن المعرفة الدينية العلوية، الباطنية منها على وجه الخصوص، باتت لاحقاً مخصوصةً لفئة معينة مُصطفاة، ولم يُسمَح لأحد أن يتعلم الديانة العلوية دون عدة اختبارات تسمح لمن يتجاوزها بالوصول للعلم الأعلى أو صفوة الدين. ولكن تغيير هذا النهج سمحَ بتغيير أسلوب التعليم الديني لدى العلويين، إذ سُمح لكل من كان علويَ المولد أن يتعلم الدين العلوي بظاهره وباطنه، بغض النظر عن سيرته و«أهليته» لمعرفة هذا الدين.

        ومع تتابع السنين والعقود بات التعليم الديني مفروضاً على كل شاب علوي بموجب الأعراف والتقاليد، لكنه ليس فرضاً دينياً وهو لا يعني أن كل شاب علوي بدأ هذا المسار سيتعمّق فيه إلى نهايته. ومع إخفاء مظاهر التدين العلوي في المساحات الخاصة، وعدم الاعتراف بالعلويين كطائفة ذات عقيدة خاصة من جانب الدولة السورية ومؤسساتها، وربط المجتمع العلوي بنظام الأسد ومؤسساته، نشأ نوع من التدين السطحي، الذي يتمثل في شعور بالانتماء لهوية خاصة غير واضحة المعالم.

        هكذا تولَّدَ لدى عموم العلويين في حقبة الأسد شعورٌ كبيرٌ بالانتماء لهوية مفقودة ولجماعة ذات وضع خاص غير مُعلَن، وبات الانتماء للجماعة العلوية انتماء اجتماعياً أكثر منه دينياً، لكن دون أن يكون لهذه الجماعة تعبيرات واضحة علنية في الفضاء العام، بينما كان الاستقطاب الطائفي يتصاعد ويُعبّر عن نفسه بصور شتى دون أي نقاش بشأنه.

        ورغم أنّ بعض تعاليم الطائفة الدينية تمنح المرأة العلوية مكانة لافتة، ورغم سعي عدد من مشايخ ووجهاء القرن العشرين إلى تعليمها وتمكينها، فإنه ما يزال يجرى اختزالها غالباً في دور «حارسة الطقوس» و«ناقلة الحياة»، من دون أن يُسمَح لها بالدخول المباشر إلى فضاء التعليم الديني. يختلف الباحثون بين من يؤكد أنّ النساء تلقين تعليماً دينياً علوياً في مراحل تاريخية سابقة، ومن يرى أنّ ذلك كان محظوراً عليهن منذ البداية وفي كل المراحل، بينما يُرجع كثيرون أسباب المنع إلى اعتبارات أمنية وسياسية ارتبطت بحوادث خطف كُشف فيها بعض أسرار الطائفة.

        وفي الحياة اليومية، تنخرط النساء العلويات على نطاق واسع في التعليم والعمل ولا يرتدينَ الحجاب إجمالاً، غير أن النساء العلويات يتكيفنَ مع محيطهنّ بمرونة عموماً، وكثيرات منهنّ ترتدينَ الحجاب في البيئات السنية المحافظة، لا عن قناعة دينية بل لتفادي الاحتكاك الاجتماعي. وبعد مجازر آذار 2025، تضاعفت هذه الظاهرة، إذ لجأت نساء كثيرات إلى الحجاب خشية الخطف أو القتل، أو لمجاراة الوسط، أو لذوبان مؤقت في ثقافة لا ينتمينَ إليها. وهكذا تبدو المرأة العلوية عالقة في أزمة هوية مركّبة، دينية واجتماعية، بين صورة ظاهرية مفروضة وذات داخلية تبحث عن الاعتراف.

        اليوم، وبعد ما حصل من سقوط لنظام الأسد، وما بعده من ممارسات بحق العلويين وصولاً إلى مجازر آذار (مارس)، فقد وجد كثير من الشباب والشابات العلويين والعلويات أنفسهم-نّ أمام هوّة حقيقية فيما يخص هويتهم-ن الجمعية أو الطائفية، وشعر كثيرون بضرورة إعادة تشكيل هذا الهوية، وتَعمّقَ لدى أغلبهم الشعور بالانتماء للجماعة، فمنهم من تعزَّزَ لديه الانتماء للعلوية كدين عقائدي باطني أو ظاهري، ومنهم من تعزَّزَ لديه الانتماء للحالة الاجتماعية العلوية المتمايزة عن الحالة الاجتماعية للمسلمين السنة بوضوح شديد، وخاصة من حيث أنماط اللباس والتدين اليومي.

        بعد تواصلي مع عدد من الشباب والشابات العلويين/ات في الداخل والخارج ومراقبة تغيّر السلوك والخطاب عن عموم العلويين على صفحات الفيسبوك، يتّضحُ أن الشباب العلويين اليوم يسعون لإعادة تعريف ذاتهم من جديد بطرق قد تصطدم بكثير من المشكلات، سواء بسبب الواقع الصعب وندرة المصادر المتوفرة بشأن تاريخهم، وتمسُّك الجيل القديم المحافظ بسرية كثير من الأمور التي يرى عدد لا بأس به من الجيل الجديد بأنها ينبغي أن تخرج للعلن.

        ومع ذلك يجدون أنفسهم قادرين على التحرر من العقلية القديمة، كاللهجة والثقافة والنظرة الدونية التي عوملوا بها سابقاً، وبينما يرى البعض أن سحب السلطة من أيديهم هو نقطة ضعف لهم، يجده كثيرون فرصةً لإيجاد وتعريف أنفسهم خارج إطار النظام والسلطة القمعية، فباتوا يعملون في مهن جديدة ويتعرفون على مهارات مختلفة، وهو ما قد يؤسس لمرحلة جديدة لم يتمكنوا من تحقيقها سابقاً، حتى أنهم يسعون لصياغة هوية ثقافية واجتماعية خاصة بهم بعيداً عن السياسة أو الدين.

        الانقسام والمعارضة: من الرفض إلى الطعن الذاتي

        رغم سطوة حافظ الأسد الشديدة وشدة بأس قوات الأمن السورية وقمعها في تلك الحقبة الزمنية، إلا أن معارضيه من العلويين لم ينالوا جميعهم النبذ الاجتماعي أو القطيعة الاجتماعية، وذلك لأن من عارض الأسد في ثمانينيات القرن الماضي كانوا من اليساريين، وكان هناك تمييز بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين بشكل كبير جداً، ولأن نظام الأسد لم يكن قد أطبق تماماً على مصير العلويين ومساحاتهم الاجتماعية والدينية.

        وفي عهد بشار الأسد قبل ثورة 2011 عوملوا كتيار فكري مميز ضمن مجتمعاتهم العلوية وكانوا يحظون دائماً باحترام ملحوظ، ولكن بعد ثورة 2011 عانى معارضو الأسد العلويون من قطيعة اجتماعية وعزلة حقيقية، واعتُبرت معارضة بشار الأسد خيانة للوجود العلوي، وهذا ما يُشير إلى تغيُّر الحالة الاجتماعية والسياسية ضمن الطائفة، وإلى نجاح النظام في إلحاق المجتمع العلوي به، وأيضاً إلى فشل المعارضة السورية والخطاب الطائفي لقطاع واسع منها. لكن هذا مبحثٌ آخرٌ خارجٌ عن موضوعنا هنا.

        كان الحشد الطائفي خلف نظام الأسد كبيراً خلال ثورة 2011 بسبب غياب أي هوية جامعة أو استقلالية للعلويين عن النظام الحاكم، كما أن المجتمعات تُعيد إنتاج سرديات الاضطهاد عند الأزمات، ويُصبح الخلاف السياسي صراعَ هويات على البقاء، وقد استعاد العلويون كل مرويات قرون الاضطهاد الطائفي منذ 2011. أما معارضو، الأسد الأب والابن في الأوساط العلوية، فقد كان تمسُّكهم بالهوية الوطنية أكبر من تمسُّكهم بهويتهم الطائفية، ورفضَ أغلبهم التعريف بأنفسهم كعلويين ضمن المسار السياسي الذي ظهر في ثورة 2011، إمّا لعدم قبولهم للتقسيم الطائفي في تشكيلات معارضة الأسد من مبدأ أنه يعمّق الشرخ الوطني، أو لأنهم غير قادرين على تمثيل العلويين أو غير راغبين بذلك لأسباب إيديولوجية، فكان الانتماء للدولة أو الوطن أكبر عندهم من انتمائهم للطائفة.

        أعادت مجازر آذار (مارس) إلى الواجهة الروايات والمقولات التي تُبشّر العلويين بالمذابح في حال سقوط نظام الأسد، وأعاد العلويون استحضار تلك القصص الرهيبة عن قرون الاضطهاد، وعاد الذعر الجماعي مجدداً ليتصدر المشهد، وفرض ذلك حتى على بعض من رفضوا تعريف أنفسهم كعلويين أن يتحدثوا كعلويين اليوم، كدفاعٍ عن البقاء في ظل شعورهم بالتهديد بسبب منبتهم العلوي.

        مجتمع بلا تمثيل: الفشل المؤسسي، والعزلة النفسية

        مع سقوط نظام الأسد تَفكَّك «الكيان السياسي» الذي كان يحتكر تمثيل العلويين ويُحكِمُ قبضته على حياتهم وهويتهم وتعبيراتهم، وبقي العلويون دون تمثيل حقيقي. ومنذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 انتشرت عدة بيانات لمشايخ من الطائفة العلوية يباركون بشكل خجول التحرر من نظام الأسد، كما ظهر أول بيان مصور لاحقاً لمجموعة من المشايخ وتضمّنَ طلباً بالعفو عن كل السوريين، ما جعل كثيراً من السوريين يستنكرون هذه البيانات، بعضهم من مبدأ وجوب المحاسبة والانطلاق بعملية المحاسبة والعدالة الانتقالية، حتى من ضمن أبناء الطائفة نفسها، والبعض الآخر ذهب إلى أن طلب العفو هو اعترافٌ بالذنب واعترافٌ بمسؤولية كل الطائفة عن الدم المُراق في سوريا، وهو أمر ليس صحيحاً وسيكون كارثياً إن فُهم على هذا النحو.

        لاحقاً بدأت الانتهاكات تتوالى بحق العلويين من مناطق مختلفة من سوريا بذريعة ملاحقة الفلول، وبعدها في نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2024 انتشرَ مقطع حرق مقام الخصيبي في حلب، الذي انطلقت على إثره مظاهرات في مناطق متفرقة من الأحياء العلوية تنديداً بحرق المقام. في تلك الفترة أيضاً بدأت المجالس العلوية بالتشكّل، مجلسٌ أول وثانٍ وثالث، وكل مجلس ينتقد الآخر أو يحاول تجاوزه دون الاتفاق على مبادئ واحدة، وهو أمر طبيعي بعد سنين من غياب أي ممارسة للفعل ديمقراطي أو التشاركي ضمن جسم الطائفة نفسها.

        لن أتناول هنا أي مجلس بعينه، لكن بالعموم كانت المشكلة لدى كثير من العلويين قبل غيرهم أن قسماً من هذا المجالس شكّلها أشخاص كانوا سابقاً تابعين للأسد، سواء من الناحية السلطوية أو الدينية، عدا عن أن هذه المجالس لم تتنصل من نظام الأسد بشكل واضح وصريح، مما حال دون أن تحظى بقبول شعبي، حتى بين كثير من العلويين أنفسهم، الذين رأوا في هذه المجالس فرصة لتكون صوتهم ثم وجدوا أنها بعيدة عن الواقع.

        مؤخراً لم يبقَ في دائرة الضوء من بين المجالس الدينية سوى المجلس الإسلامي العلوي الأعلى الذي يقوده الشيخ غزال غزال، ولاحقاً ظهر المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا وهو مجلس سياسي وليس دينياً، وكلا المجلسين لم يَحظيا بشعبية واضحة ولم يكتسبا بعد موقعاً اجتماعياً وشعبياً وازناً في الأوساط العلوية. بالإضافة إلى أن تشكيل «مجلس وسط وغرب سوريا» شهد تجاذبات وانقسامات وانسحابات، تُشكّل مثالاً على مدى صعوبة القدرة على تشكيل جسم سياسي يكون صوتاً للعلويين في المرحلة الراهنة.

        إذا ما نظرنا إلى هذه المسائل معاً؛ أي مسألة تشكيل المجالس المتعددة من جهة، وطريقة تعامل السلطة الانتقالية مع العلويين من جهة أخرى، فسيتضحُ الخللُ البنيوي الذي حال دون نشوء كيان حقيقي قادر على تمثيل العلويين. فقد تزامنَ صعود عدة مجالس مع خطابات غير واقعية، وهو ما جعل العلويين بطبيعة الحال يترددون في تبنّيها أو الاعتراف بها بشكل جاد. وزاد الطين بلة غياب أي دعم مالي أو سياسي ملموس؛ فكل كيان يطمح لأن يفرض نفسه ممثلاً لجماعة ما، لا بد أن يكون قادراً على رعايتها ومساندتها، وهذا الشرط لم يتحقق. ويمكن تبرير ذلك طبعاً إلى حد ما بحداثة التجربة، وانعدام جسور الثقة، وضعف تراكم الخبرة في هذا المجال.

        إلى جانب ذلك، فإن معظم الأسماء التي تصدّرت واجهة هذه المجالس كانت معروفة مسبقاً بارتباطها بنظام الأسد أو بدعمها له، الأمر الذي جعلها تميل إلى إعادة إنتاج وصاية جديدة على هذه المجتمعات، ومحاولة فرض سلطة دينية على بيئة اجتماعية لا تقبل أصلاً بوصاية رجال الدين أو تمثيلهم لها. وقد استغلَّ كثيرون حاجة العلويين اليوم إلى من يتحدث باسم مظلوميتهم، فجعلوا من خطاب «الضحية» محوراً أساسياً لعملهم، دون أن يقدموا بالمقابل مشروعاً مدنياً متكاملاً يقوم على فكرة المواطنة المشتركة والحقوق المتساوية، أو حتى يرفعوا مطلباً واضحاً بمحاسبة الأسد على الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين عموماً وبحق العلويين خصوصاً. ولم يقتصر الأمر على المجالس فحسب، بل إن شريحة من الشخصيات العلوية التي برزت في الإعلام للحديث عن معاناة الطائفة وما تتعرض له، كانت في الماضي من أبرز المروّجين لصورة الأسد والمدافعين عنه، وبعضهم لا يزال يحاول اليوم فرض نفسه في موقع «الوصي» على هذه الجماعة حتى اللحظة.

        كما أن بعض تلك المجالس رفعَ سقف الخطاب عالياً مطالباً بتدخل خارجي وحماية دولية، نتيجة لعدة انتهاكات قامت بها السلطة الانتقالية في سوريا خلال حملات الاعتقال التي نفذت في مناطق العلويين، تبع ذلك تجاهل السلطة التام للعلويين، وعدم توجيه أي خطاب لهم، ولا تسميتهم علناً ولا حتى الإشارة إليهم كمكون لا يجب تحميله وزر نظام الأسد، وفوق ذلك كله قامت السلطة بتجاهل ضحايا هذه الفئة ممن كانوا مدنيين، وإضافة لذلك اجتمعت السلطة في دمشق بممثلين عن كل الطوائف في سوريا عدا العلويين بشكل مباشر، واقتصر الاجتماع مع وجهائهم على المواقع قليلة الأهمية كمجالس المحافظات أو المدن أو خلال جلسات «الحوار الوطني» أو «لجان السلم الأهلي»، وهو ما ساهم في إبعادهم عن المشهد العام الجديد في سوريا.

        واستطاع الخطاب الإعلامي غير الرسمي حشدَ تجييش كبير ضد العلويين، بشكل مباشر وغير مباشر، من عرض مقابلات مع أشخاص تحدثوا عن علويين فاسدين أو علويين قتلة، ورسم صورة في اللاوعي السوري عن كون العلوي في عهد الأسد قاتلٌ أو فاسدٌ أو مستفيد، وهذا كله دفع بالعلويين إلى مزيد من الانكفاء على الذات والابتعاد عن كل ما يمت للسلطة بصلة. ولاحقاً، بعد آذار الأسود ومجازره، ونتيجة عدم المصداقية التي شهدها العلويون في تناول مأساتهم، عادوا للانعزال على نحو أشد من السابق، خاصة مع مواصلة إنكار مُصابهم واستمرار الانتهاكات في حقهم، بما في ذلك خطف النساء العلويات وإنكار السلطة لهذه الجرائم وعدم جديتها في التعامل مع هذا الملف الحساس، إضافة إلى عدم قدرة المجالس العلوية سواء في الخارج أو الداخل على القيام بأي خطوة أو طرح مشروع واضح قادر على فرض خطوط واضحة وعريضة تمهد لمستقبل كريم للعلويين كما السوريين جميعاً.

        وهكذا فإن السلطة الجديدة، بخطابها وإجراءاتها الإقصائية، أعادت إنتاج ذهنية الاضطهاد بأدوات حديثة من خطاب كراهية مُؤسَّسي يصمُهمُ بـ«الطائفة القاتلة»، ومن تهميش اقتصادي وسياسي ممنهج أعاد كثيرين منهم إلى أسطورة تقول: «كان الأسد يحمينا من هؤلاء».

        نحو مستقبل بين الانكفاء والتحرر

        يقف العلويون اليوم عند مُفترق طرقٍ مصيري لإعادة تشكيل كيانهم وهويتهم بعيداً عن تشويه نظام الأسد الذي لَعِبَ دوراً جوهرياً في تطويعهم وتجييرهم لخدمة مشروعه، حيث تحوّل كثيرون منهم إلى أداةٍ للاستبداد الذي سُمِّي زوراً بـ«الحماية». فالتاريخ يشهد بأنهم، قبل هذه الحقبة، كانوا جماعةً انفتحت على تيارات الفكر والتطور، كما دوّنَ مؤرخون كثر.

        لكن سقوط ذلك النظام لم يُنهِ مأساتهم؛ بل كشف أنهم أمام استعصاء مجتمعي عميق.

        فهم يُواجهون تحدياً وجودياً مزدوجاً:

        فيما يخص الهوية؛ هل سيصرّون على الانتماء للإسلام السائد بتياره العريض رغم عدم منحهم هذا الاعتراف من مشايخ سنّة سوريين – الفتاوى العلنية التي اعتبرتهم مسلمين جاءت من خارج البلاد، من مصر ولبنان- فيخوضوا معركةً شاقّة لكسب القبول الإسلامي قد تدفعهم إلى متاهاتٍ لا نهاية لها؟ أم أنهم سيدافعون عن خصوصيتهم الدينية والمذهبية ويطالبون بالاعتراف بهم كجماعة دينية مستقلة؟

        وفي المسار السياسي؛ هل يدخلون في «مراجعة ذاتية جريئة» تُصلح أخطاء الماضي، وتَبني مشروعاً مدنياً جامعاً يجمعهم تحت مظلة «عقد اجتماعي» يتجاوز الدين والطائفة إلى المواطنة الفاعلة؟ 

        يتطلب السير نحو مستقبل مختلف كسرَ ثلاثة قيودٍ مترابطة: أولاً، التحرر من «عقدة الضحية» والمظلومية التاريخية التي تُعيد إنتاج العزلة. ثانياً، استعادة الكرامة عبر تحطيم قيدَي «الخوف المُزمن» (الذي غذّته سلطة ما بعد الأسد) و«غياب التمثيل الحقيقي» الذي حولهم إلى جسدٍ بلا صوت. وثالثاً، المواجهة الشجاعة للمجتمع دون انكفاءٍ وراء أسوارٍ جديدة، أو استسلامٍ لعزلةٍ مكلفة قد تُهدّد وجودهم. 

        وإن طريق نجاتهم يبدأ بـ «مصالحةٍ مع الذات» تسبق مصالحة الوطن، عبر: التحرر الكامل من الإرث الأسدي المُشوِّه والتمثيل الزائف، والتحلل من الهوية الدينية والطائفية كخانةٍ ضيقة لصالح مشروع وطني شامل، والأهم مطالبة السلطة الحالية بالتوقف عن إقصائهم الذي يخلق مظلومياتٍ جديدة ستنفجر حتماً يوماً ما. 

        فالعلويون – في المحصلة – لم يكونوا حُكّاماً حقيقيين، بل جماعةً وُظّفت في آلة استبدادٍ حوّلتهم إلى وقودٍ لأزمات غيرهم. والخياران أمامهم الآن لا ثالث لهما: إمّا الانكفاء إلى طائفية سياسية جديدة (بالتمسك بسردية الضحية، واللجوء للمجالس الدينية) ما يُعمّق جراحهم ويُخلّدهم في ثنائية «الضحية والجلاد» مع عزلةٍ قاتلة في زمنٍ لا يرحم المنعزلين. أو الانخراط في مراجعةٍ ذاتية شاملة، تبني كياناً مدنياً شفافاً (تمثيل قاعدي، قطع مع وصاية المشايخ، خطاب مواطني) يعترف بأخطاء الماضي دون اختزالها في «إثم جماعي»، ويقدّم نموذجاً للمواطنة المتساوية يُحطّم الطائفية السياسية. فالعلويون خسروا بما فيه الكفاية، وعدالتهم الانتقالية – رغم طول طريقها – هي وحدها القادرة على كسر الحلقة المفرغة: «إما أن يخرجوا من ثنائية الضحية والجلاد… أو الخلود في العزلة».

1. تم الاستناد في المراجعة التاريخية إلى مؤلفات عدة أبرزها: «قطار العلويين السريع»؛ حسان القالش. «الحركة الإصلاحية عند العلويين»؛ إياس حسن. «عن العلويين ودولتهم المستقلة»؛ محمد هواش. «تاريخ العلويين»؛ ستيفان وينتر.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى