سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

بانتظار غودونا/ رباب هلال

23 سبتمبر 2025

رحل صموئيل بيكيت، مبقياً على الفيلسوف فلاديمير المُتعَب، والعامّيّ استراغون الموجوع، على خشبة مسرح الحياة، يستندان إلى الشجرة اليابسة بانتظار شخص لا يعرفانه يُدعى “غودو”، ليخلّصهما من عذاباتهما، لكنّ غودو لا يأتي.

لم يكن انتظارنا السوريّ “غودو”خياراً لنا، نحن المهمّشين العُجّز، منذ سنة 2011 وأبعد، نستند إلى شجرة يابسة، تُسقط الشمس سياطها الحارقة على أجسادنا المُنهكة، ويرمي المطر برماحه على هيئاتنا الرثّة، وبجراحاتنا تعصف الزوابع. و”غودونا” لم يأت بعد. ولا خيار لنا بمغادرة انتظارنا والشجرة اليابسة، وسط خوائنا الدامي. فأين المفرّ؟ تكبّلنا هيئاتنا الرثّة، وتغلق أبواب العالم في وجوهنا الواجفة؟ في الخارج، يتقرّر وجودنا ومصائرنا في مجالس مختلفة تتشكّل باسمنا. داخلنا السوريّ وخارجنا، يرتقان ثيابنا الممزّقة بغير مسلّاتنا. المسلّات ذاتها التي مزّقتها سابقاً. وما تزال الاحتلالات عينها تتسمّر على صدورنا، تستبيح الكعكة السوريّة الشهيّة والغنيمة الكبرى. نُهرع للتواصل بأصحابنا، نتبادل الأسئلة بلا أجوبة أو يقين، نقيم في دائرة التخمينات المخيفة، وقيد احتمالاتها غير المطمئنة. ولا دليل يبين سوى خيوط حمراء وسوداء تنسلّ في جهات أرواحنا الراجفة قهراً وتيهاً وعجزاً. تردّد ثرثراتنا العبثيّة عبارة استراغون: “لا مجال لفعل شيء”، تتلاطمنا الفيديوهات القاتلة، وتتقاذفنا التحليلات الهائلة، وتخنقنا الحيرة مجدّداً. إلّا أنّنا نُصرّ على تواصلنا مع شتاتنا هنا في أشلاء الداخل، نحن الأقليّة السوريّة الحقيقيّة الأبديّة، ببعضنا العاجز نستقوي، ونتعاضد في هباء عجزنا وتهميشنا. نطمئن على سلامتنا، ونقاء نفوسنا الوطنيّة من شوائب هويّاتنا القاتلة؛ زنازين أخرى نزجّ فيها ونعتقل، حتّى إشعار آخر.

وندور في حلقة انتظاراتنا المزمنة الفارغة، لا تماثل انتظار غودو بيكيت، فذاك رفاهية لم تتح لنا يوماً بِسَعَة. ننتظر على أبواب أفران خبزنا (الحافي)؛ كفافَ يومنا الشحيح. ننتظر عودة الكهرباء، الماء، الإنترنت، يفترسنا الغلاء ومواعيد قبض الرواتب بالتقسيط واختناق الزحام والغضب المكتوم، وانتظار “غودونا”. تخبّطنا اليوميّات ومباغتاتها المتسارعة، فوق لزوجة أرضنا الحمراء، وتحت سماء كالحة ملبّدة بالخوف. وما نزال ننتظر: وصولَ المسافرين بسلام إلى وجهاتهم، معرفة مصير معتقلين قدامى، وتحرير حديثي العهد، جفاف دموعنا فوق القبور المدمّاة، واستعادة نسائنا المختطفات. ننتظر نساء تقرّر إنقاذهنّ بقلب الأنثى الحاني، وبأمومة فطريّة غيورة حكيمة، ودموع وجع. ننتظر عدالة انتقالية لا تدين أو تكذّب صرخات الضحايا الجريحة وتدوس أنين الدموع الملتاعة. ننتظر رفع المشانق عن الحقائق. وإلغاء إعلام يشرذم، يخاطب شعباً واحداً، لا مكوّنات وآخرين، يقرّر ويشارك في بناء دولته، وإعادة إعمار أرضه الأبديّة الموحّدة، بلا احتلالات، ولا صهاينة قتلة. ويساهم في وضع دستور وقوانين لا تقمع أو تهمل أسئلتنا المحقّة، ولا تستأثر بالأجوبة بقرارات متذبذبة، واتفاقيّات رثّة خانعة، وغموض مريب مرعب. فما الذي ينتظرنا بعد؟ وهل يجيز لنا انتظارنا المزمن لغودو، الجرأةَ على الحلم مجدّداً، الحلم بتثبيت نقطة الغين على عين عارنا؟

أمس كنت أراني في خضمّ بحر هائج، في سفينة بلا ربّان، تتخبّط في المجهول الأسود. أمّا اليوم، وقد أُعدمت الفرص العديدة المنقذة لنا جميعاً، وفُتك بثقتي في انتظار “غودونا” النقيّ شاهق الوطنيّة، يُملي ولا يُملى عليه، فأراني في صحراء شاسعة بلا آفاق؛ الخواء مريع، والكثبان رمليّة تصفعني كلّ حين، تخفي أيّ درب محتمل لقدوم غودو. على الرمال تجرّني انكسارات تتجدّد. إنّما عيناي المرهقتان لا تفارقان البوصلة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى