تطور الاقتصاد السوري تحديث 18-25 أيلول 2025

لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي:
———————————–
سوريا.. رفع العقوبات الأميركية فتح نافذة أمل لكن الطريق طويل/ مازن الشاهين
ما نتائج رفع العقوبات عن سوريا؟
2025-09-24
بعد أكثر من عقدين من الحصار الاقتصادي، والأضرار الجسيمة نتيجة الحرب المُدمّرة والبُنى التحتية المحطَّمة، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من العقوبات الدولية، ولا سيما العقوبات الأميركية، التي استهدفت جهات حكومية وسلطات كانت تابعة للنظام السابق، وفرض القيود على الاستثمارات، والتجارة، والتعاملات المصرفية، والقطاعات النفطية، والاتصالات، وغيرها، شهدت سوريا في عام 2025 تطوّراً لافتاً إذ ألغت الإدارة الأميركية العمل بعدد من التشريعات والعقوبات التي كبّلت الاقتصاد السوري، أبرزها قانون المساءلة السورية (2003) وقانون قيصر (2019)، وقرار البيت الأبيض بدأ مرحلة جديدة عنوانها: إلى أي مدى يمكن للانفتاح الاقتصادي أن يمهد لتغيّرات سياسية، والعكس صحيح؟
ويرى خبراء الاقتصاد أن رفع العقوبات ليس “عصاً سحرية”، بدون إصلاحات قانونية وحماية للمستثمر قد تتردد الشركات في الدخول رغم رفع الحظر، ليبقى السؤال الأهم كيف يمكن ترجمة هذه الخطوات إلى أرقام على الأرض؟ وهل بدأ الاقتصاد السوري يتنفس؟ أم أنّ حجم الدمار والقيود السياسية سيجعل الطريق أطول مما يظنّ المتفائلون؟ وما الذي تغيّر فعلاً على صعيد التشريع والعقوبات؟ وما هي الآثار المتوقعة على الاقتصاد السوري؟ وما فرص الانفتاح التجاري، وما هي التحديات؟
الاقتصاد تحت سلطة القرار السياسي
المحلل السياسي محمد العابد يقول لـ”963+”: إضافة البُعد السياسي ضروري لأن العقوبات الأميركية أساساً كانت أداة سياسية أكثر منها اقتصادية، وبالتالي رفعها لن يُترجم مباشرة إلى نمو ما لم يترافق مع مسار سياسي، فرفع العقوبات قد يحسّن المؤشرات، لكن ربطها بالقرار السياسي يبقى جوهرياً، فالاستثمارات لن تدخل إذا بقيت ملفات سياسية عالقة، إذ أن المعادلة الأميركية تقوم على أساس “ربط الإصلاح الاقتصادي بالاستقرار السياسي”.
ومنذ عام 2003 حين أقرّ الكونغرس الأميركي قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، ثم مع دخول قانون قيصر 2019 حيّز التنفيذ، “تحولت العقوبات إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي تهدف إلى عزل دمشق وتقييد نفوذها الإقليمي، فالعقوبات لم تكن مجرد قيود تجارية، بل ورقة سياسية مرتبطة بملفات: الوجود الإيراني، الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والنفوذ الروسي، والنتيجة كانت خسائر تجاوزت 400 مليار دولار خلال الحرب وما تبعها (الإسكوا – 2024)، لكن مع إعلان الرئيس الأميركي في 30 حزيران 2025 إنهاء حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بسوريا، بدأت مرحلة جديدة عنوانها: انتهاء مرحلة “العقاب الجماعي” وفتح نافذة لإعادة الإعمار، ورغم ذلك يبقى النمو الاقتصادي رهينة الاستقرار السياسي” بحسب العابد.
لغة الأرقام: كيف يبدو المستقبل؟
يقول المستشار المالي والإداري الدكتور علي الفارس لـ”963+” إن رفع العقوبات الأميركية عن سوريا يضع الاقتصاد أمام اختبار الأرقام وبحسب تقديرات مستندة إلى أرقام البنك الدولي والأمم المتحدة، قُدّرت خسائر الاقتصاد السوري من العقوبات والدمار بأكثر من 400 مليار دولار، في المقابل، 21 مليار دولار قيمة الناتج المحلي السوري في 2025، أي أقل من نصف قيمته عام 2010 (55 مليار دولار تقريباً)، وإذا لم يتجاوز حجم الاستثمارات السنوي 5 مليارات دولار فلن نشهد فرقاً ملموساً، لأن كلفة إعادة البنية التحتية وحدها تفوق 200 مليار، وبحسب البنك الدولي (تقرير 2025): “كل نقطة نمو إضافية (1%) تحتاج إلى استثمار خارجي بقيمة 800 مليون دولار على الأقل”.
وتشير سيناريوهات النماذج الاقتصادية بلغة الأرقام إلى ثلاث مسارات محتملة:
السيناريو المتفائل:
النمو: قفزة سنوية بين 6–8% خلال السنوات الأولى، ما يرفع الناتج المحلي من نحو 21 مليار دولار عام 2025 إلى ما يفوق 40 مليار دولار بحلول 2030.
الاستثمار: تدفّقات أجنبية تصل إلى 3–5% من الناتج المحلي سنوياً، معظمها من دول الخليج وتركيا.
التوظيف: كل مليار دولار يُستثمر في إعادة الإعمار يخلق ما يقارب 15 ألف فرصة عمل.
السيناريو المتوسط
النمو: استقرار حول 3–4% سنوياً، مع تحسّن تدريجي في الكهرباء والوقود.
الاستثمار: بين 1.5–2.5% من الناتج المحلي.
الأثر: تراجع تدريجي للتضخم، لكن بقاء الليرة تحت ضغوط.
السيناريو المتشائم
النمو: بالكاد يتجاوز 1% سنوياً، مع استمرار عزوف البنوك الدولية عن التعامل مع دمشق.
الاستثمار: لا يتعدى 0.5% من الناتج المحلي.
الأثر: سوق عمل راكد، وارتفاع مستمر في الأسعار رغم وفرة نسبية للسلع المستوردة.
ويذكّر “الفارس” بتقرير البنك الدولي (2025) الذي يوصف واقع الاقتصاد السوري: “تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 350 مليار دولار، والتمويل الخارجي سيكون شرطاً لا غنى عنه”.
وعلى أرض الواقع، المواطن السوري مازال ينتظر فالتحقيقات الميدانية تشير إلى بعض التغيّرات الملموسة منذ بداية 2025، تظهر في تحسّن طفيف في سعر صرف الليرة، وانخفاض أسعار بعض الأدوية المستوردة وقطع الغيار الكهربائية بنسبة 15–20%، وعودة جزئية للتيار الكهربائي في بعض المدن، لكن في المقابل، لا تزال البطالة مرتفعة (تقدَّر بـ 40–45%)، والدخل الفردي ضعيف مقارنة بمستويات ما قبل 2011، والمعادلة الحقيقية ليست فقط في إلغاء العقوبات، بل في قدرة الحكومة السورية على جذب عشرات المليارات من الاستثمارات، وتطبيق إصلاحات مؤسسية تضمن أن يتحول التفاؤل إلى نمو فعلي، وإلّا، ستبقى الأرقام أقرب إلى أحلام مؤجّلة منها إلى واقع قابل للقياس، وتبقى لغة الأرقام شاهدة على واقع معقد.
الاقتصاد السوري من العقوبات إلى الانفتاح:
من جانبه يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد العاني في تصريحات لـ”963+” أن الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة هي انخفاض التكاليف وتحسين إمدادات السلع الأساسية، فرفع العقوبات يعني تسهيل استيراد الأدوية، المعدات الطبية، قطع غيار المولدات ومحطات الكهرباء، والوقود، وهذه السلع كانت تعاني من نقص أو ارتفاع كبير في الأسعار بسبب القيود المصرفية والعقوبات على الاستيراد، وكذلك ستحقق انخفاض التضخّم وضغط العملة، فمنذ رفع العقوبات، ظهرت مؤشرات لتحسّن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، ولو مؤقتاً، ما يُشير إلى تخفيف الضغط على الاحتياطي من العملات الأجنبية والسيولة، والأهم هو فرصة إعادة الإعمار والاستثمار، فمشروع إعادة الاعمار يُعدّ مصدراً مهماً لفرص عمل في البناء والمرافق والخدمات، والشراكة مع شركات أجنبية وفتح القنوات المصرفية الدولية من خلال رفع العقوبات على المصارف، ورفع القيود على تدفقات الأموال الخارجة والداخلة، ومن المرجّح أن صندوق النقد الدولي، البنك الدولي وغيرهم يبدؤون عمليات للتقييم والمساعدة الفنية لإعادة ادماج سوريا في النظام المالي الدولي.
ويضيف العاني: “يمكن لسوريا أن تعيد تصدير منتجات زراعية وصناعية كانت تأثّرت بالعقوبات وبقيود النقل والوصول إلى الأسواق، وتحسن العلاقات التجارية مع الجوار والمنطقة، والتبادل التجاري مع تركيا ودول الخليج والأردن قد ينشط مجدداً، وفتح موانئ واعفاءات جمركية واتفاقيات تجارة حرة محتملة، وهذا كله بالمحصلة له تأثير على فرص العمل والمعيشة، فتحسّن تدفّق البضائع وتخفيض التكاليف سيؤدي إلى انخفاض أسعار بعض السلع مما يحسّن القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا التأثير على حياة المواطنين مهم فمن المتوقع أن يشعر المواطن العادي بعدة تغيّرات ملموسة إذا ما تحققت التدابير المطلوبة وستتوفر فرص عمل إضافية نتيجة إعادة الإعمار، والصناعات المتوسطة، وتدشين مشاريع جديدة”.
التحديات والقيود:
يرى العاني أنه رغم الأمل الكبير، هناك مجموعة من العوائق التي قد تقلل من الأثر أو تؤخره بشدة، منها السياسات المؤسسية والحالة الأمنية واستقرار الحكومة، وضمان سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وهذه الأمور محورية حتى يشعر المستثمرون بالأمان، لأن أي غموض قانوني أو مخاطر سياسية يمكن أن تُقلّل من فاعلية رفع العقوبات، وكذلك وجود المخاطر المصرفية والمالية الدولية، حيث لا تزال بعض البنوك الدولية والمؤسسات المالية قلقة بخصوص الالتزام بقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبحسب مركز كارنيغي للشرق الأوسط فإن “رفع العقوبات خطوة أولى، لكن ثقة المصارف العالمية تحتاج 3–5 سنوات لترميمها”، والمشكلة القائمة الآن، بحسب العاني، هي في التدمير الهيكلي للأبنية التحتية والاقتصاد الفعلي المنهار من المعامل، المصانع، شبكة الكهرباء والمياه، البُنى التحتية للنقل، والكلفة لإعادة بناء الكثير منها هائلة، وقد يتطلب ذلك دعم دولي ضخم وفترات زمنية طويلة، مما دفع الحكومة السورية إلى الاعتماد المفرط على الاستيراد بدلاً من الإنتاج المحلي، إذا انفتحت السوق فجأة أمام الواردات دون حماية أو دعم للإنتاج المحلي، فقد تتعرض الصناعات المحلية لمنافسة قوية دون أن تكون جاهزة لذلك، مما قد يُلحق ضرراً بالصناعيين الصغار والمتوسطين.
ويرى العاني أن رفع العقوبات الأميركية يفتح أمام سوريا فرصاً للاستفادة من تعاون المنظمات الدولية والدول المجاورة، خصوصاً الخليج وتركيا والأردن، في تمويل مشاريع الإعمار وجذب استثمارات كبيرة، كما ظهر في التعاون السعودي ـ السوري الأخير. لكنه يؤكد أن هذا الانفتاح لن يتحول إلى تعافٍ حقيقي إلا إذا ترافق مع إصلاحات سياسية وإدارية وقانونية تعزز الثقة وتضمن استدامة النمو، فرفع العقوبات يمثل نقطة تحوّل تاريخية محتملة، لكن تحقيق مكاسب ملموسة يبقى رهناً بالوقت وبقدرة دمشق على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية الكبرى.
————————————-
سوريا من التسوية السياسية إلى التنمية المستدامة/ مسلم عبد طالاس
بين إعادة بناء الجدران وبناء المستقبل
24-09-2025
تنمية مستدامة في سوريا، والبلاد لم تخرج بعد من حالة الحرب؟ نعم، فالمفاصل التاريخية أو ما يُسمى بـ«النقاط الحرجة» تُمثل فرصة للتحرر من إرث الماضي المُثقل بالقيود، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ولتأسيس بدايات جديدة تقود إلى مستقبل أفضل. ومن هنا، تبرز اليوم ضرورة التفكير في مسار للتنمية المستدامة في سوريا، رغم كل الصعوبات والتحديات الملحّة.
وعليه، فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يُختزل في حجم المليارات المطلوبة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب؛ بل يجب أن يُطرح على نحو أعمق: هل سيكون الإعمار مجرد عملية هندسيّة لترميم الجدران والطرقات والجسور، أم أنه قد يشكّل مدخلاً لتنمية مستدامة تُعيد بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة معاً؟
هذا السؤال ليس جديداً في تجارب الشعوب الخارجة من أتون الحروب. ففي كل مرة يسقط فيها نظام وتنهار مؤسسات الدولة ويُدمر الاقتصاد، يتكرر النقاش ذاته: هل يكفي ضخ الأموال وتنفيذ المشروعات لإعادة البناء، أم أن المسألة أعمق، وتتعلق بصياغة قواعد اللعبة السياسية نفسها؟
بعد الحروب والأزمات، لا يكفي – ولا يضمن سلاماً أو ازدهاراً مستقبلياً – أن تُناقش أبعاد الإعمار المادي فقط. إذ قد تُرمَّم الأبنية والطرقات، لكن الأسباب التي فجّرت البلاد قد تبقى على حالها. لذلك يجب أن تكون التنمية المستدامة على رأس أولويات المجتمع بعد الأزمة، فهي ليست مجرد إعادة إعمار، إنما أفق أشمل يهدف إلى:
– بناء اقتصاد منتج يُولد فرص عمل جديدة.
– إرساء مجتمع أكثر عدلاً وتماسكاً.
– ترسيخ مؤسسات تحمي الحقوق وتوزّع الموارد بإنصاف.
– وإدارة الموارد البيئية بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة.
إنها مشروع حياة طويل المدى، وليست ترميماً مؤقتاً. لكن، كيف يمكن لسوريا أن تنتقل من حالة الدمار إلى هذا الأفق الرحب؟
تتنوع المقاربات وتتعدد البرامج التي تدّعي قدرتها على تحقيق هذا الهدف، غير أن ما نقترحه هنا هو محاولة لتأطير التفكير في نقطة البداية الصحيحة، نعتقد أن التسوية السياسية الشاملة والمستقرة هي المدخل الحقيقي الذي يؤسس لاحقاً لتوظيف الجهود والبرامج الهادفة إلى التنمية المستدامة. فالتسوية السياسية ليست مجرد اتفاق مكتوب يوقّع بين النخب في مؤتمر دولي، بل هي عملية أعمق تحدد قواعد اللعبة: من يحكم، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُوزع الموارد، ومن يُقصى ومن يُشرك؟ إنها أشبه بعقد اجتماعي فعلي قد لا يُدوَّن على الورق، لكنه يرسم ملامح الحياة العامة ويحدد مستقبلها.
الاقتصادي السياسي مشتاق خان يُذكّرنا بأن المؤسسات ليست قوالب إدارية قابلة للاستنساخ من بلد إلى آخر، بل هي نتاج مباشر للتوازن بين القوى في كل مجتمع. فإذا كان هذا التوازن هشّاً أو ضيقاً، جاءت المؤسسات الناتجة عنه هشّة أو زبائنية. وإذا كان واسعاً ومستقراً، فستكون المؤسسات الناتجة شاملة وقادرة على إدارة الموارد بشكل عادل وفعّال. لنستعرض سوية بعض الأمثلة في هذا المجال:
_ في العراق بعد 2003، وُضعت تسوية سياسية بدت واسعة من حيث المشاركة، غير أن جوهرها ارتكز على تقاسم الغنائم عبر نظام المحاصصة الطائفية. النتيجة كانت مؤسسات استخلاصية غارقة في الفساد، واقتصاداً ريعياً ينهار مع كل أزمة. أمّا الأموال التي تدفقت فلم تُترجم إلى تنمية، بل تحولت إلى وقود للزبائنية والهشاشة.
_ على العكس من ذلك، عاشت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تجربة مُغايرة، فقد كان الدمار واسعاً، لكن التسوية السياسية كانت شاملة ومستقرة، فنشأ نظام ديمقراطي جديد أعاد بناء الشرعية، والمؤسسات القوية التي ضمنت سيادة القانون. وحافظ على أموال «خطة مارشال» فلم تتحول إلى ريع، بل استثمرت في إنعاش الصناعة والزراعة. فكانت النتيجة ما عُرف بـ«المعجزة الاقتصادية».
_ تقدم كوريا الجنوبية تجربة ثالثة، ففي الستينيات والسبعينيات، لم تكن هناك تسوية سياسية شاملة بالمعنى الديمقراطي، بل حكم عسكري مركزي قوي واستقرار استبدادي، أنتج مؤسسات إدارية فعّالة، وأطلق سياسة صناعية نشطة دفعت بالنمو إلى مستويات غير مسبوقة. ومع تراكم الثروة وتطور التعليم، جاء التحول الديمقراطي في الثمانينيات، فأصبحت التسوية أكثر شمولاً، وتحوّل النمو إلى تنمية مستدامة.
_ الصين مثال آخر للاستقرار الاستبدادي، فالحزب الشيوعي يقود تسوية ضيقة لكنها متماسكة منذ عقود، أسفرت عن نمو اقتصادي هائل جعل الصين ثاني اقتصاد في العالم. لكن غياب التسوية السياسية الشاملة يجعل مستقبل هذه التجربة محل تساؤل: إلى أي مدى يمكن أن يستمر الاستقرار من دون مشاركة واسعة وقبول عام؟
_ لبنان بدوره يُمثل نموذجاً للتسوية الزبائنية الهشّة، فنظام المحاصصة الطائفية الذي بدا وكأنه يُشرك الجميع، انتهى إلى دولة عاجزة وفساد مستشري، وانهارت البنية المالية والاقتصادية بالكامل، إذ لم تكن المؤسسات استيعابية أو قوية، بل عملت كأدوات لخدمة الزعامات الطائفية.
_ أمّا رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994 فشهدت تجربة خاصة، تمثلت في سيطرة مركزية قوية أعادت الأمن، وعملت على بناء مؤسسات إدارية فعّالة، فتحقق نمو اقتصادي سريع، لكن الاستيعابية السياسية بقيت غائبة. ويبدو أن مستقبل التجربة غير مضمون إذا لم تتحول التسوية لتشمل قاعدة أوسع.
_ جنوب أفريقيا بعد نهاية الأبارتهايد تقدم نموذجاً لتسوية شاملة نسبياً، فقد سمحت مشاركة السود والبيض في صياغة دستور جديد، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية، باستقرار سياسي نسبي وتنمية أفضل من معظم جيرانها. ورغم التحديات الاقتصادية واستمرار عدم المساواة، حافظت المؤسسات على قدر من الاستيعابية مكّن الدولة من الاستمرار.
هذه الأمثلة تكشف أن المؤسسات ليست كيانات محايدة، فهي انعكاس مباشر للتسوية السياسية التي وُلدت منها، ففي العراق ولبنان كانت التسوية زبائنية، فجاءت المؤسسات استخلاصية تحمي النخب وتُقصي الأغلبية. أمّا في ألمانيا وجنوب أفريقيا فقد كانت التسوية شاملة، فجاءت المؤسسات شاملة تحمي الحقوق وتفتح المجال للمنافسة. في كوريا الجنوبية والصين ورواندا كانت التسوية استبدادية مستقرة، فجاءت المؤسسات فعّالة اقتصادياً لكنها محدودة سياسياً، ما يجعلها هشّة على المدى الطويل.
المؤسسات الشاملة هي التي تسمح للمواطن العادي أن يغامر ويستثمر لأنه مطمئن إلى أن القانون سيحميه. وهي التي تمنح العامل الثقة في أن حقه لن يُسلب، وتحفز المستثمر الأجنبي على ضخ أمواله لأنه يرى بيئة عادلة. أما المؤسسات الاستخلاصية فهي التي تجعل النجاح رهين الولاءات. في هذه البيئة، يهرب رأس المال، ويُخنق الابتكار، وتتعطل التنمية.
إذا أسقطنا هذا الإطار على سوريا اليوم، نجد أن ما يتشكل بعد سقوط النظام أقرب إلى تسوية زبائنية هشّة، إذ تتركز السلطة في يد نخبة ضيقة، والمؤسسات الأمنية والاقتصادية تقوم على الولاءات الشخصية أكثر من اعتمادها على المهنية، وبينما تُمنح عقود الإعمار كمكافآت سياسية أو عبر تحالفات خارجية. في مثل هذه البيئة، لن يكون الإعمار سوى إعادة توزيع للريع، قد تُنجز بعض الطرق والمشاريع، لكن الاستثمارات الجادة ستظل محدودة – فرأس المال يتجنب المغامرة في ظل غياب القانون – وستبقى التنمية المستدامة حلماً بعيد المنال، لأن المؤسسات الناتجة عن هذه التسوية ليست شاملة، بل استخلاصية.
غير أن هذا المسار ليس قدراً محتوماً، إذ يمكن للإعمار أن يتحول إلى مدخل للتنمية المستدامة شريطة أن تتغير القاعدة السياسية نفسها. وهذا يعني الانتقال من تسوية زبائنية هشّة إلى تسوية سياسية شاملة تُتيح قيام مؤسسات عادلة تحمي الحقوق وتفتح المجال للمشاركة وتؤسس لاقتصاد منتج. قد لا يتحقق هذا التحول دفعة واحدة، لكنه يمكن أن يُبنى بالتدرج عبر خطوات صغيرة: توسيع المشاركة السياسية، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات مؤسّسية حقيقية، بهذه الطريقة يمكن تحويل الإعمار من مجرد صفقات قصيرة العمر إلى مشروع وطني طويل المدى.
الدرس من تجارب الأمم واضح: الأموال وحدها لا تصنع تنمية، فالتسويات الزبائنية كما في العراق ولبنان قادت إلى التعثر والانهيار، بينما سمحت التسويات الشاملة في ألمانيا وجنوب أفريقيا بالاستقرار والتنمية، أمّا كوريا الجنوبية فقد حققت نمواً استبدادياً تحول لاحقاً إلى تسوية شاملة، فيما تبقى تجارب دول مثل الصين ورواندا القائمة على استقرار غير شامل مجهولة المستقبل. وسوريا اليوم أمام خيار مشابه: أن تظل أسيرة إعمار ريعي يُعيد إنتاج الهشاشة، أو أن تسعى إلى تسوية سياسية شاملة تضع الأساس لمؤسسات شاملة وتنمية مستدامة. الأولى تقتصر على إعادة بناء الجدران فقط، أمّا الثانية فتهدف إلى إعادة بناء المستقبل.
موقع الجمهورية
—————————-
مشاريع استثمارية في دمشق بعيداً عن سكانها: عن ضرورة إشراك الناس في تشكيل بيئاتهم العمرانية/ هدى فنصة
23-09-2025
تتوالى في سوريا مؤخراً الإعلانات عن مشاريع استثمارية، بشراكات دولية وتكاليف إجمالية تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، وقدرات تشغيلية ضخمة تَعِدُ بالكثير من فرص العمل. مشاريع في بلد عانى من حكمٍ دكتاتوري دام أكثر من خمسين عاماً، وخرج لتوه من حربٍ استمرت ثلاثة عشر عاماً تضمنت تدميراً ممنهجاً للمساكن والبنى التحتية أخرجَ كثيراً من خدماتها الأساسية عن العمل، وبات يُعاني شحاً في المياه والطاقة والغذاء ويفتقر إلى المساحات الخضراء والهواء النظيف، وترزح عاصمته تحت كثافة سكانية عالية واكتظاظ خانق. في ظل كل ذلك، لا بد للمرء أن يتساءل عن آلية اختيار هذه المشاريع وعلى من تعود بالفائدة؟
السؤال هنا مشروع، ولا نية لإثارة الجدل أو عقد المقارنة مع الماضي، وإنما هو محاولة لفهم كيف تتسارع الأمور بهذه الوتيرة من الألف إلى الياء. تظهر أخبار متواترة على وسائل التواصل الاجتماعي عن نيّة استثمارية في منطقة ما، ثم يُعلَن عنها بدون أي تفاصيل ويبدأ العمل بها في بلد تَنهشه البيروقراطية و«تُنعشه» أوامر خاصة للسلطة ومحسوبياتها. وفي هذا السياق، يبرز مشروعا «أبراج سوريا» و«مُجمَّع الأمويين السياحي»، وكلاهما يقبعان على خارطة المشاريع الاستثمارية في وسط حيوي في مدينة دمشق، وهُما اللّذان سأتوقف عندهما بالتحليل والنقاش.
تدفعني معرفتي بمدينة دمشق، إلى جانب دراستي الهندسة المعمارية والتخطيط المُستدام في جامعتها، للتركيز على المشاريع فيها، وليس القصدُ من ذلك إيلاؤها أهمية أكثر من غيرها أو تكريسُ مركزيتها في الحوارات العمرانية، بل لتسليط الضوء على مشاريع تؤثر على محيطي المباشر ومحيط عائلتي المعيشي.
أولاً: أبراج دمشق في البرامكة تعود إلى الواجهة
أحد المشاريع التي أُعلن عنها مؤخراً هو مشروع أبراج سوريا، ذي الـ62 طابقاً على مساحة قدرها 33 ألف متر مربع وبتكلفة تصل إلى 400 مليون دولار.
بالعودة قليلاً بالذاكرة إلى الوراء، نجد أن هذا المشروع قد طُرح في عهد الأسد، مُستبدِلاً محطة حافلات النقل (الكرنك) ومن ثم ساحة انطلاق الميكروباصات التي تربط دمشق بالمحور الجنوبي الغربي (الزبداني – القنيطرة – بيروت)، بمشروع أبراج سوريا لشركة سوريا القابضة، والذي طُرح حينها بكلفة 15 مليار ليرة سورية (عندما كان الدولار الواحد يساوي حوالي 47 ليرة سورية). سَجَّلَ كثيرون اعتراضهم على وجود هكذا أبراج في وسط دمشق، لكن نظام الأسد ضربَ بكل ذلك عرض الحائط وبدأ العمل عليه قبل أن يتوقف بعد سنوات بسبب جفاف التمويلات المصرفية وبيروقراطية النظام السابق واندلاع الثورة السورية في عام 2011، التي أثَّرت على وضع الاستثمار عموماً مُحوِّلة المشروع إلى منطقة معزولة عمّا حولها محاطة بجدران مؤقتة قائمة حتى اليوم. انتهى المشروع السابق بفسخ الشراكة مع محافظة دمشق، وتم توقيع عقد جديد حالياً.
هنا يطرح سؤال نفسه، لماذا تُعتبر الأبراج وناطحات السحاب دليلاً على التحضُّر؟ لماذا يشكّل نموذج دبي والخليج أقصى طموح لمُقاولينا ومُهندسينا وحتى المواطنين؟ لماذا يُهلل سكان المدن لمشاريع كهذه رغم أنها وبالتجارب المثبتة ستؤدي إلى إقصاء الفقراء عن المدينة؟ معلومٌ أن ناطحات السحاب تمثل نموذجاً لما بعد الحداثة وتطور تكنولوجيا البناء، وتُعد حلاً لزيادة الكثافة السكانية في المتر المربع بتطبيق التوسع العمودي عوضاً عن الأفقي، كما أن إضافتها إلى أفق المدينة أمر جميل إلى حد ما ويخلق تنوعاً وفرادة في مشهدها، أما أن تحلَّ ضيفاً مُستعمِراً على وسط مدينة ذات نسيج تاريخي فهو أمر غير مقبول!
الأبراج وناطحات السحاب نمط معماري دخيل على مُدننا، تبدو وكأنها علب كبريت متراكبة شاقولياً، كما أنها ليست حلاً مُلائماً لإسكان من ترعرعوا في الأرياف أو البيوت العربية التقليدية، وهي مشروع مُوجَّه إلى الخارج وليس إلى السوق المحلي.
عملياً، الأمر ليس بلا منطق، ولكنه إجحاف بحق السوريين الذين يعانون من أزمة إسكان حقيقية. بالإضافة إلى أن هذه الكتل العالية ستشكل عبئاً كبيراً على البنى التحتية للمدينة، سواء من ناحية الصرف الصحي أو تأمين مياه الشرب أو مصادر الطاقة والخدمات، إلى جانب خلقها أزمات مرورية وبالتالي تأثيرها على جودة الهواء. لذا سيتوجب على القائمين عليها تحديث شبكة الخدمات بأكملها، والتي كانت مخصصة لاستيعاب أعداد أقل بكثير مما سيُصبح عليه بعد إنشائها.
للتعمق في مشكلة الأبراج أكثر يمكننا النظر إلى فندق الفورسيزونز، تلك الكتلة الإسمنتية القبيحة الجاثمة على إحدى ضفتي ما تبقى من نهر بردى، مُلقية بظلالها السوداء على ما حولها. هو بناء مرتفع ذو سبع كتل متفاوتة في الارتفاع أعلاها يصل إلى 28 طابقاً بشبابيك خضراء تستحضر موضة البناء في تلك الفترة، يبدو وكأنه يفترس التكية السليمانية ذات التاريخ الأصيل الذي يعود إلى القرن الرابع عشر.
بدأ تشييد الفندق عام 2000 وكأنه تتويج لبداية حكم بشار الأسد «التطويرية»، بهدف جذب الاستثمارات الخارجية وإظهار انفتاح البلاد على العالم. إلا أن نتائجه كانت سلبية على الواقع المحلي. ففي بلد كان يُتَغنَّى بعاصمته ومناطقها الخضراء، حتى أنها اعتُبرت في خمسينيات القرن الماضي عاصمة «ممتازة»، ثم باتت اليوم تفتقر إلى مساحات خضراء تلطف أجواءها، خلقَ هذا المشروع شرخاً في نسيج المدينة التقليدي ومزّقَ ارتباط المدينة مع أحياءها القديمة والحديثة كوحش إسمنتي ضخم خلق تفاوتاً طبقياً في اقتصاد تلك المنطقة، وحدَّدَ الشرائح التي تتردد إليها. ابتلعَ هذا الوحش أيضاً قبب جامع فروخ شاه التاريخية وضمَّها إلى أملاك الفندق.
أدى هذا المشروع إلى تحولات جذرية على النسيج العمراني والاجتماعي للمنطقة، رافقها ارتفاعٌ كبير في الأسعار جعل المنطقة ومتاجرها في «بوليفارها» حكراً على المقتدرين مادياً، فضلاً عن أن وظيفته الرئيسية تغيرت خلال سنوات الثورة حين أصبح الفورسيزونز مقراً لعمل موظفي هيئة الأمم المتحدة، والمبعوثين إليها. كما أنه ضمَّ ما وُصِفَ بأنه مكتب سري للابتزاز المالي وملاحقة الصناعيين والتجّار، أي أنه بات نقطة أمنية ذات نفوذ وسيطرة وثقل شكلاً وفعلاً بامتياز، ولم تَعُد بأي فائدة على المصلحة العامة.
في الدراسات المعمارية هناك مصطلحات خاصة بالمشهد البصري للمدينة مثل: منطقة «خالية من الأبنية الشاهقة»، وخط الرؤية، وخط أفق/ سماء المدينة.
«المنطقة الخالية من الأبنية الشاهقة» هي جزءٌ من المدينة تَحظرُ فيه اللوائح العمرانية أو السياسات التخطيطية تشييد المباني العالية، غالباً بهدف الحفاظ على الطابع التاريخي في المدينة أو حماية المشاهد البصرية للمعالم أو ضبط الكثافة العمرانية.
خط الرؤية وهو المسار المباشر غير المُعرقَل بين عين الشخص وعنصر ما، لتحديد ما يمكن رؤيته من زاوية معينة، يُستفاد منه في تخطيط المواقع مثلاً لتهيئة مناظر محددة، كإبراز واجهة مبنى أو عنصر طبيعي، بما يساهم في توجيه التجربة البصرية والتحكم بها. وخط أفق/ خط سماء المدينة هو الذي يُشير إلى الخط العام والطابع المعماري الكلي لمباني وهياكل المدينة كما تُرى من بعيد، مُشكِّلاً سِمة مميزة وظلالاً فريدة على خلفية السماء.
العديد من المدن الأوروبية وضعت قوانين لتحمي مدنها القديمة وتمنع تشويه خطوط الرؤية أو خط السماء العمراني، وتحافظ على مبانيها التاريخية من العبث والتعديات. سنتناول لندن كمثال، ليس بهدف إجراء مقارنة غير منطقية بين بلد أنهكته الحربُ وفسادُ الديكتاتورية الحاكمة، وآخر يُعَدّ من أقوى البلدان في العالم وأكثرها تحضراً، بل لأنها المدينة التي عشتُ فيها فترة لا بأس بها.
لندن مدينة عريقة بمبانٍ تاريخية ذات طرز مختلفة وخطوط نظر محمية، فيها حرمٌ يمنع إقامة الأبراج داخله، احتراماً لارتفاعات المباني التاريخية والعادية على حد سواء، وحماية للتراث الثقافي والطبيعي كالحدائق والحد من الأثر البيئي لهذه الأبراج (زيادة استهلاك الطاقة)، والأثر الاجتماعي (العزلة الاجتماعية التي قد تخلقها)، والضغط على حركة المرور والبنية التحتية وتنظيم الظلال (كي لا تحجب المباني الشاهقة أشعة الشمس عن المساحات العامة وغيرها من المباني).
وكمثال على ذلك، في بلدة برج لندن، مقرّ الملوك عبر العصور، تُعطَى الأولوية للحفاظ على البرج ومكانته كأحد مواقع التراث العالمي، لذلك تتبع شركة «مدينة لندن والقصور الملكية التاريخية» نهجاً تخطيطياً يشمل النمذجة ثلاثية الأبعاد ودراسات الرياح وتقييمات الأثر البصري الاستراتيجي، وجمع الأدلة لإدارة ارتفاع ومواقع التطويرات الجديدة، بما يضمن عدم الإضرار بالقيمة العالمية الاستثنائية للبرج.
تُعَدُّ كاتدرائية سانت بول أعلى نقطة في المدينة العريقة، ونقطة علّام ورمزاً أساسياً يجب أن يكون مرئياً من مواقع مختلفة. فعند النظر من خلال تلسكوب المرصد في حديقة ريتشموند الواقعة في أقصى جنوب غرب لندن، عند سطوع الشمس وانخفاض معدل التلوث، يجب رؤية الكاتدرائية الواقعة في شرق مدينة لندن القديمة، لذا يُمنع بناء أي مبنى على طول هذا المحور البصري حتى لا يحجب رؤيتها.
وجود أبنية شاهقة في مدينة كدمشق، ذات تضاريس رائعة تتنوع بين وادٍ وسهل وجبل، يخلق تشوهاً في معالمها. كان جبل قاسيون على مرّ العصور أعلى نقطة في المدينة ويُمثل بوصلة للدمشقيين، ونقطة علّام ومُرشدَ سكّان المدينة إلى شمالها، ومُحدِّداً لأي خط نظر من غربها أو جنوبها أو شرقها، فلماذا يُستبدَلُ هذا الجبل الذي يحتضن المدينة بفندق قبيح أو برج في وسطها كبرج دمشق البائس الواقع قرب جسر فيكتوريا وساحة المرجة.
هذا يدفعني، رغماً عني، للحديث عن المشروع الاستثماري في جبل قاسيون، هذه المرة كفندق، لماذا؟ لطالما كان هذا الجبل مُتنفَّساً للسوريين، ومُلكية عامة يجب أن تبقى متاحة للجميع دون قيد. كيف يُباع جزء منه، حرفياً أو رمزياً، عبر عقود غامضة، ويُقدَّمُ على طبق من فضة لأصحاب الأموال أو السيّاح، بدل أن يبقى لسكان هذه المدينة؟ لست ضد إقامة الفنادق، ولكن في بلد يعاني 90 بالمئة من شعبه من الجوع والعطش والقهر والفقر، فإن هذه المشاريع ستُمعن في التفاوت الطبقي بين النخبة المختارة والغالبية المهمشة.
لا أهدف لرسم صورة مثالية أو رومانسية عن الدول الغربية، بما فيها بريطانيا، وكأنها تُولي أهمية لخط النظر على حساب الاستثمارات، فهناك سبب تقني آخر يحول دون بناء الأبراج، وهو طبيعة التربة، فتربة لندن الطينية مناسبة لبناء الأنفاق التي تُشتهر بها، لكنها غير مستقرة لبناء الأبراج والمباني الشاهقة، فحتى إذا سمحت سلطات البلدات المحلية ببناء برج، فستكون التكلفة مرتفعة للغاية، سواء على صعيد التنفيذ أو إجراء الدراسات الإنشائية، بما في ذلك مقاومة الأبراج للرياح والانهيار والزلازل، وتقييم الأثر البيئي لها.
أمّا في الحالة السورية، فيُعلَن عن الاستثمارات دون دراسات للتربة أو لمقاومة الزلازل، ودون تقييم لأثرها البيئي ومدى استدامتها، ودون دراسات عميقة وواقعية عن التكلفة والطاقة المُشغِّلة، وهما أمران نفتقر إليهما في ظلّ العجز المالي وشحّ الطاقة والموارد اللازمة. ما يثير القلق أن مثل هذه المشاريع تُطرَح دائماً دون شفافية، وتُسوَّق عبر صور مُنتَجة بالذكاء الاصطناعي، دون مخططات أو تفاصيل واضحة، في عملية دعائية تُسوِّقُ لمشاريع «جميلة» تجذب أموال المستثمرين وتُروِّج لسوقٍ سورية واعدة ولكنها فارغة من المنفعة العامة.
بعد فترة وجيزة من سقوط النظام، ومع إعلان دونالد ترامب عن نيته رفع العقوبات عن سوريا، انتشرت شائعات حول مشروع لبناء «برج ترامب» في مدينة دمشق ترافقت مع تداول صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر البرج متربّعاً في قلب العاصمة، مثيرةً زوبعة من التعليقات. المدهش لم يكن في الشائعة نفسها، بل في التفاعل الشعبي معها، إذ رحَّبَ كثيرون بها وكأنها تُمثل مظهراً حضارياً جديداً للعاصمة وحلاً سحرياً لمشاكلها، وكأنَّ ما ينقص لجعلها «عظيمة مجدداً» هو مَعلَمٌ للنخبة يحمل اسماً لشخصية إشكالية ويُجسِّد بشكل حي سلطة الرأسمالية في قلب مدينة يكابد سُكّانُها الفقر. وكأننا نعيش في دائرة مفرغة تحملنا على تقديس الأشخاص بشكل مستمر من جميع الأطراف، والدخول في سباق الأكبر والأعظم والأطول.
ثانياً: مجمع «الأمويين» السياحي في ساحة الأمويين
أُعلن مؤخراً عن مشروع في ساحة الأمويين، وهو مشروع مُجمَّع الأمويين السياحي بتكلفة 192 مليون دولار، وبعيداً عن الاسم المستوحى من الساحة، والذي يُثير إشكالية بسبب الجدل حول السلطة الانتقالية الحالية وكأننا استبدلنا تسمية الأسد بصفة الأمويين، يحضرني السؤال هنا: لماذا يستسهل القائمون على إدارة هذه البلاد تمزيق ذاكرة أماكنها وخلع رمزيتها عنها.
لساحة الأمويين ذات التركيبة الفريدة من نوعها، مكانة عميقة في تاريخ سوريا الحديث، فقد كانت شاهدة على حصار مزمن عانته دمشق منذ زمن الانقلابات وحتى اليوم. ومُسمَّى «الساحة» هنا ليس دقيقاً، فالساحة هي فراغٌ عام يسمح بتجمع الناس فيه، فيما تشكل ساحة الأمويين عقدة مرورية ضخمة تصل غرب دمشق مع أحيائها المركزية والشرقية عبر شوارع واسعة للسيارات.
هذا المكان شاهدٌ على عصر الأسدين وعلى تركيبته الأمنية المعقدة، فهي فراغ مبني بين أبنية سلطوية: سلطة ثقافية كمكتبة (الأسد سابقاً والوطنية حالياً)، وترفيهية بوجود دار الأسد للأوبرا والفنون وحديقة تشرين، وعسكرية لوجود هيئة الأركان العسكرية العامة، وإعلامية لوجود مبنى الإذاعة والتلفزيون تحت إطلالة مباشرة من قصر الشعب الذي بناه حافظ الأسد تجسيداً للسلطة الحاضرة الغائبة، وباتصال مباشر مع الأفرع الأمنية القريبة وفروع المربع الأمني. ما يجعل من ساحة الأمويين فراغاً مبنياً محاطاً برقابة شديدة، تُشكِّلُ مشهد خوف يُحكِمُ قبضته على كل من يدخله.
هذه «الساحة» بعناصرها المعمارية المتناقضة وتركيبة وظائفها المتصارعة تُشكّل مشهداً يجب الحفاظ عليه، كمعرض حيٍّ شاهدٍ على معاناة المدينة. فمبنى الإذاعة والتلفزيون، والذي يُشاع عن نوايا لهدمه، يعكس رغم مظهره البشع سلطة النظام السابق وطبيعة التجربة التي عاشها السوريون، ويُقدِّمُ درساً للمستقبل، وإذا كنّا نرغب في تجديده أو إعادة بنائه فربما يمكن تحويله إلى متحف مفتوح أو أرشيف وطني تتجسد فيه التجربة اليومية السوداء للشعب خلال حكم الأسد، مع التذكير بالإعلام السوري الذي تم توظيفه كسلاح خلال تلك الفترة.
ماضينا الشخصي مُخزَّن في عقولنا، ولكن ذاكرة هذا المكان محفورة بين تفاصيل وخبايا أبنيته. هذه الذاكرة والعلاقات التي نشأت فيه تعود ملكيتها لنا جميعاً، لمستخدميه وساكنيه ولشعب هذه المدينة وهذا البلد. يجب تدوينها في التاريخ لتُشكّلَ هذا الفراغ وتُعيدَ إنتاجه مراراً وتكراراً، ويجب أن تعود لنا السلطةُ في اتخاذ القرارات المتعلقة بإعادة استخدامه.
تتمظهر ذاكرة ساحة الأمويين كرمز في عيون السوريين، وجزء أساسي من ذاكرة سكان مدينة دمشق، من خلال الاحتفالات التي عمت الساحة منذ سقوط الأسد إلى اليوم، حيث أصبحت رمزاً لاستعادة حقوق الناس البسيطة في أماكنهم وفراغاتهم، في هذا المكان الذي كان محظوراً عليهم التجمّع فيه.
إن استثمار مبنى الإذاعة والتلفزيون، أو إزالته لإقامة مجمع سياحي من فنادق وما شابه، هو ضربٌ لكل ما سبق بعرض الحائط، وإلقاءٌ للتاريخ في سلة المهملات، وتفضيلٌ للأموال على ما يُميّزُ دمشق وتجربتها وعلى ما يُميّزُنا. إنه استهتار بمرحلة صعبة كانت جزءاً من حياتنا، وإزالته لن تمحو آثارها في مجتمعنا، بل إن منحنا فرصة لاستشعار كل ذلك هو ما يمنح هذه الأماكن معناها عبر التاريخ.
يقول الباحث ألدو روسي، في بحثه المدينة كمكان للذاكرة الجماعية: «في الحياة اليومية، أماكنُ الذاكرة لا تكون بارزة كثيراً ولا تسترعي الانتباه وسط الروتين المعتاد. لكنها تُواصِلُ مراكمةَ التجارب والذكريات بطريقة هادئة وغير مرئية. وفي الأيام المهمة مثل الذكريات السنوية، والمناسبات التذكارية، والاحتفالات، أو المراسم، تصعد أماكن الذاكرة إلى الواجهة، وبعد انتهاء هذا الاستخدام المكثّف، تعود لتكون جزءاً من الحياة اليومية والروتين اليومي».
يمكن لـ«ساحة الأمويين» أن تكون أخف وطأة مما هي عليه الآن رغم كونها عقدة مرورية مهمة، إلا أنها قد تصبح مكاناً أكثر ملاءمة وترحيباً وانفتاحاً للمشاة، يستردون فيها دَينهم المُستحقَّ من البيئة العمرانية التي أولت السيارات الأهمية المطلقة في عهد الأسد وتراجعت فيه مكانة البشر، مشاة وطلاباً وطبقات وسطى ودنيا، إلى الهامش. حتى لو تحقق ذلك بشكل جزئي أو في ساعات معينة، فإن توفير المساحة لصالح البشر في الفراغ هو أمرٌ في غاية الأهمية. ومن أفضل الأمثلة على ذلك هو تحويل ساحة تايمز سكوير في نيويورك إلى فراغ مُرحِّب بالمشاة.
إن الاستثمار لا يقتصر على تدفق الأموال والمشاريع، ولكنه عملية عميقة من الإصلاحات الحقيقية في البيئة القانونية والتشريعية والإجرائية، مع ضرورة وجود خارطة استثمارية ذات بُعد مكاني لضمان تنمية مستدامة وعادلة كما تقول الدكتورة ريما حداد مديرة هيئة التخطيط الإقليمي.
وختاماً.. إن صلب عملية إعادة الإعمار والتعافي الصحي والعادل والمُستدام بعد كوارث، كالتي مرّت بها سوريا، هو تحقيق المنفعة العامة وإعادة الاعتبار لشعب أُذلَّت ناصيته بمختلف أشكال الظلم. يجب أن تُرسِّخَ إعادةُ الإعمار العدالةَ المكانية دون أن تُقصي أي فرد أو جماعة، مع ضمان التوزيع العادل للموارد والخدمات والفرص في المدن والأرياف، كما يجب أن تعترفَ بالأرض والسكن والفراغات العامة كحقوق أساسية مرتبطة بالهوية والانتماء، وينبغي أن تُشرِكَ ساكنيها في عملية التخطيط والإعمار بهدف إعادة بناء الثقة باستخدام حلول واقعية تمنح الجميع من النساء والشباب إلى النازحين والعائدين دوراً فعلياً في تشكيل بيئاتهم العمرانية.
موقع الجمهورية
———————————
حاكم «المركزي السوري» يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن خطة نقدية جديدة لدعم النمو
دمشق تسعى لاستعادة الثقة بليرتها… ومحادثات مع الرياض لفتح قنوات مالية واستثمارية
دمشق: موفق محمد
21 سبتمبر 2025 م
كشف حاكم «مصرف سوريا المركزي»، عبد القادر حصرية، عن خطة جديدة تهدف إلى تحقيق استقرار الأسعار والحفاظ على قيمة العملة، بالتوازي مع خلق بيئة مالية تدعم النمو الاقتصادي. لكنه شرح أن هذه السياسة النقدية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى تطوير أدواتها لمواجهة ارتفاع معدلات التضخم، وازدياد حجم الاقتصاد غير الرسمي في البلاد، مشيراً إلى أن «المصرف» يعمل على وضع هذه الخطط موضع التنفيذ لأول مرة.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أوضح حصرية أن أبرز التحديات التي تواجه السياسة النقدية السورية حالياً، تشمل نمواً كبيراً في حجم الاقتصاد غير الرسمي، وتداول كميات نقدية خارج النظام المصرفي، ونقص البيانات الاقتصادية الدقيقة الذي يجعل اتخاذ القرار أصعب، شارحاً أن هذه العوامل تقاطعت مع تبعات العقوبات والقيود الخارجيّة، التي حدّت من قدرة النظام المالي على التواصل السلس مع الأسواق الدولية.
أهداف السياسات النقدية
وبيّن أن السياسة النقدية تسعى إلى تحقيق هدفين متكاِملين هما: استقرار الأسعار، والحفاظ على قيمة العملة، وفي الوقت نفسه توفير بيئة مالية تدعم النمو.
ولتحقيق هذا التوازن، «يعمل (المصرف) على إدارة عرض النقود ومعدلات الفائدة بشكل يحدّ من الضغوط التضخمية، وتحسين قدرة المصارف على تمويل القطاعات الإنتاجية بضوابط مخاطرة سليمة، وتنسيق السياسات مع وزارة المالية والمؤسسات الأخرى لتوجيه الإنفاق العام والاستثمارات نحو مشروعات ذات أثر نمو كبير، وتعزيز الشفافية والبيانات الاقتصادية لتوجيه السياسات بدقة أكبر».
وقال حصرية إن «كل ما ذكرت هو ما نخطط له، وهو لم يوجد في السابق، وإنما نعمل على اتباعه بوصفه استراتيجيات وإجراءات للوصول إليه»، موضحاً أن «القطاع المصرفي يعاني حالياً من نقص السيولة الذي تُعدّ الأزمة اللبنانية سبباً رئيساً له. كما أن الناس فقدت الثقة بالقطاع المصرفي، والإقراض متوقف تقريباً؛ لذلك فنحن نسعى للتعامل مع أزمة القطاع المصرفي برؤية واضحة ترمي إلى عودة هذا القطاع ليلعب دوره في الاقتصاد بلعب دور الوساطة بين القطاع الأهلي وقطاع الأعمال، وتحريك فوائض القطاع الأهلي لتوفير التمويل لقطاع الأعمال».
دوافع العملة الجديدة
وذكر حصرية أن دوافع «المصرف المركزي» لقرار طرح عملة محلية جديدة وحذف أصفار منها، هي «تبسيط التعاملات اليومية وتسهيل الحسابات، واستعادة ثقة الجمهور بالعملة من خلال عملية إعادة تسمية وطرح أوراق نقدية جديدة، والحدّ من التدفقات النقدية الكبيرة في التداول غير الرسمي التي تُصعّب مراقبة السيولة، فضلاً عن أثرها الرمزي في بدء إصلاحات نقدية أوسع»، مشيراً إلى أن مثل هذه الخطوة تُنفَّذ عادة «ضمن حزمة من الإصلاحات المصاحبة (تحديث الأنظمة المصرفية، وحملات توعية، وإجراءات فنية للمصارف)؛ لتقليل المخاطر التشغيلية والالتباسات لدى الجمهور».
وقد أُعدّ طلب استجلاب عروض لطباعة العملة السورية الجديدة، وستجري مراسلة الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال، و«المصرف» سيتعامل مع أفضل الشركات؛ وفق الحاكم حصرية، الذي أعلن أن «كل الشركات الكبرى تقريباً تواصلت معنا، وأبدت اهتماماً كبيراً بطباعة العملة الجديدة، ونهدف إلى إتمام عملية الطباعة خلال نحو 3 أشهر».
وبينما أشارت وسائل إعلام إلى أسماء محتملة في سوق طباعة النقود العالمية (شركات حكومية ومتعاقدون مع دوٍل محددة)، ذكر حصرية أنه حتى الآن لم تُنشر من قبل «المصرف» قائمة رسمية بأسماء الشركات الفائزة أو المتقّدمة بالعروض، وأن المعلومات المتاحة تُفيد فقط بأن الدعوة إلى تقديم العروض جارية، وأن موعد الإنهاء المستهدف هو 3 أشهر.
التضخم وأسعار الصرف
ويتعامل «المصرف» مع مستويات التضخم الحالية بأدوات متعددة هي، وفق حصرية، «ضبط عرض النقد، وإدارة سياسات الاحتياطي لدى المصارف، والتعاون مع وزارة المالية لضبط العجز والإنفاق، وإجراءات رقابية على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية التي تغذي ارتفاع الأسعار».
كما يعمل «المصرف» على تحسين نظم جمع البيانات ومؤشرات الأسعار لقياس التضخم بدقة وتمكين سياسات استباقية. ولفت حصرية إلى أن «أي إجراءات لتهدئة التضخم يجب أن يراعى تأثيرها على النمو وفرص العمل؛ لذا نتبنى نهجا متدرجاً ومدروساً».
وانخفضت مستويات التضخم بعد إطاحة نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، وأظهر تقرير من «مصرف سوريا المركزي» أن معدل التضخم السنوي لشهر فبراير (شباط) 2025 بلغ 15.2 في المائة، في تراجع حاد من 109.5 في المائة خلال الشهر نفسه من عام 2024. وفسّر التقرير هذا التراجع بما أعقب إسقاط الأسد من تحسّن في سعر الصرف وزيادة واضحة في المعروض من السلع.
وأوضح حصرية في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن الاستراتيجية المتبعة للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة، تجمع بين «إدارة احتياطات النقد الأجنبي بما يوفّر قدرة على التدخّل عند الضرورة، وتنظيم سوق الصرف وتحسين آليات عملها عبر المصارف الرسمية؛ لتقليل الفجوة بين السوق الرسمية وغير الرسمية، وتشجيع التحويلات الواردة وقنوات التحويل الرسمية؛ لتدعيم المعروض من العملة الأجنبية، والتنسيق مع شركاء تجاريين وإقليميين لتعزيز التدفقات التجارية والمالية»، موضحاً أن هذه الإجراءات «تنفَّذ بالتوازي مع سياسات مالية هيكلية لمعالجة اختلالات المدفوعات».
وتحسن سعر الليرة السورية مقابل الدولار في ظل الحكم الجديد، ويبلغ حالياً نحو 11 ألفاً و500 ليرة مقابل الدولار في السوق الموازية، بعدما خسرت أكثر من 99 في المائة من قيمتها منذ اندلاع الحرب في عام 2011، ووصل سعرها إلى أكثر من 15 ألفاً مقابل الدولار في الأشهر التي سبقت إسقاط الأسد، مقارنة مع 50 ليرة قبل الحرب.
القطاع المصرفي
وبشأن القطاع المصرفي، قال حصرية: «يواجه القطاع المصرفي في سوريا تحديات سيولة ورأسمالية، وانكشافاً على القطاع المصرفي اللبناني و(المصرف المركزي اللبناني) يتجاوز 1.6 مليار دولار. إضافة إلى الحاجة لتحديث البنية التحتية والحوكمة وتعزيز إدارة المخاطر». وشرح المقصود بمصطلح «انكشاف»، قائلاً: «يعني أن ما يتجاوز 1.6 مليار دولار هي التزامات على القطاع المصرفي اللبناني وعلى (مصرف لبنان المركزي) تجاه القطاع المصرفي السوري، وهي مختلفة عن ودائع السوريين الأفراد أو الشركات في البنوك اللبنانية».
ولتعزيز هذا القطاع يجري العمل، وفق حصرية، على رفع متطلبات الحوكمة والشفافية، وتعزيز الملاءة عبر متطلبات رأسمال تدريجية، وتشجيع الإقراض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم رقمنة الخدمات المصرفية لتوسيع الشمول المالي. كما تعد برامج إشرافية وفنية مع شركاء دوليين لتحسين معايير العمل المصرفي.
وعمّا إذا كانت هناك خطط لتحديث اللوائح المصرفية أو تعزيز التكنولوجيا المالية، قال حصرية: «هناك خطة لتحديث الأُطر الرقابية والتشريعية بما يتماشى والممارسات المصرفية الدولية وإدخال متطلبات تقنية حديثة. ومن بين الأولويات تطوير البنية التحتية لأنظمة الدفع الإلكتروني، وتشجيع حلول الدفع عبر الهاتف المحمول (الجوال)، ووضع أطر تنظيمية للتقنيات المالية توازن بين الابتكار وحماية المستهلك وإدارة المخاطر».
تأثير الوضع الدولي
وبيّن حصرية أن الوضعين الاقتصادي والسياسي الدوليين يؤثران على الاقتصاد السوري، عبر قنوات متعددة هي: القيود على الوصول إلى الأسواق والتمويل الدولي، وهي تؤثر على الاستيراد والاستثمار، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الذي يؤثر على ميزان المدفوعات، والتوترات الجيوسياسية التي تثبط جذب رأس المال الأجنبي.
لكنه في المقابل، تحدث عن أن إعادة الانخراط الإقليمي الأخيرة فتحت بعض قنوات التعاون والاستثمار التي قد تخفف من هذه الضغوط تدريجياً إذا ما ترافقت مع إصلاحات داخلية.
تحويلات وتشجيع الاستثمار
كما أشار إلى أن الأرقام الرسمية المتاحة لحجم التحويلات من المغتربين السوريين متفاوتة، وأن المصادر تختلف في تقديرها. وأضاف: «(البيانات التاريخية والمؤشرات) تُشير إلى أن التحويلات تمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة، وأن تاريخهـا شهد قِمماً متفاوتة (مليارات الدولارات سنوياً في سنوات ذروة التحويلات)، وهناك معلومات إعلامية محلية تقترح أن التدفقات اليومية الموسمية قد تتراوح حول ملايين الدولارات في أيام الذروة».
وتعزز التحويلات من المغتربين السيولة بالعملة الصعبة، وتدعم الاستهلاك، وتساهم في استقرار سعر الصرف، إذا دخلت عبر قنوات رسمية، وفق حصرية، الذي قال إن «(المصرف) يعمل على تيسير وتحفيز القنوات الرسمية لتحويل الحوالات؛ لتوجيهها إلى الاقتصاد بشكل أفضل».
وبشأن المبادرات التي يدعمها «المصرف» لتشجيع الاستثمار في سوريا، قال: «ندعم برامج تمويلية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وخطوط تمويل ميسرة للقطاعات ذات الأولوية (الزراعة، وإعادة الإعمار، والطاقة)، ونشجع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. كذلك نعمل على تبسيط إجراءات القروض المصرفية وتحسين الوصول إلى الائتمان من خلال فرض معايير ائتمانية مرنة ومدروسة».
وعن كيفية تحسين مناخ الأعمال لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، أجاب حصرية: «تحسين مناخ الأعمال يحتاج إلى: استقرار تشريعي وتنظيمي، وحماية حقوق المستثمر، وتبسيط الإجراءات الإدارية والجمركية، وشفافية في القوانين الضريبية، وتسهيل الوصول إلى التمويل»، عادّاً أن التعاون الإقليمي والدولي، ووجود آليات لضمان تسوية المنازعات والاستثمارات، سيكونان محركين أساسيين لجذب المستثمرين.
الأهداف المستقبلية
وبيّن حصرية أن الأهداف الاستراتيجية لـ«المصرف» في السنوات المقبلة، تتضمن «استعادة الاستقرار النقدي، والتحكم في التضخم، وإعادة بناء ثقة الجمهور بالنظام المصرفي، ودعم الانتعاش الاقتصادي عبر قنوات ائتمانية لقطاعات الإنتاج، وتحديث البنية التحتية لأنظمة الدفع والرقمنة، وتحسين الإطار الإحصائي والمعلوماتي؛ لضمان سياسات مبنية على بيانات موثوقة».
وبشأن دور «المصرف» في دعم إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا، أوضح حصرية: «لدينا دور تمكيني ومحوري يتمثل في توفير وسائل تمويلية ملائمة (بالتنسيق مع الحكومة والجهات الدولية)، وإدارة المخاطر المالية والاجتماعية لعمليات الإعمار، وتوفير نظم دفع وكفاءة مصرفية تدعم استثمارات إعادة الإعمار، والمشاركة في برامج تمويل مشتركة مع جهات مانحة ومؤسسات دولية؛ لتقليل (كلفة) التمويل وتحفيز القطاع الخاص».
تعاون سوري – سعودي
وبشأن زيارته الأسبوع الماضي إلى الرياض وأطر التعاون بين سوريا والسعودية في المجالين المالي والمصرفي، ذكر حصرية أن «التواصل مع (المصرف المركزي السعودي) والمؤسسات المالية السعودية يركز على مجالات «دعم التعاون المصرفي الثنائي بين (مصرف سوريا المركزي) و(البنك المركزي السعودي)، وتطوير آليات التسوية والدفع، وتشجيع الاستثمارات السعودية في قطاعات إعادة الإعمار، وفتح حسابات للمصارف السورية في المصارف السعودية الرائدة لتكون (مصارف مراسلة) للمصارف السورية، وتأسيس مصارف سورية بمشاركة مصارف سعودية، وفتح قنوات تمويل ومبادلات تجارية»، لافتاً إلى حدوث لقاءات رفيعة المستوى مع الجهات السعودية المعنية، وأن الأطراف أبدت اهتمامها بتوسيع التعاون المصرفي والاقتصادي بين البلدين.
الشرق الأوسط
————————
هاتيك الآفة المهددة سورية/ عدنان عبد الرزاق
24 سبتمبر 2025
قصّر أو تسرّع أو ربما جامل، من أطلق على البطالة آفة الاقتصاد، وربما حريّ به القول آفة المجتمع والاقتصاد والسياسة، أو يقول آفة ويصمت، ففي هذه الصفة “آفة” التي اختصت بها البطالة من دون غيرها من المؤشرات الاقتصادية التي يطلق عليها حينما تستفحل، أمراضاً، أدلة وأجراس إنذار للذي يمكن أن ينتج من البطالة وللذي يمكن أن يساق إليه العاطل من العمل. فالقصة ليست عقابيل على الاقتصاد، من تراجع الدخل والاستهلاك والطلب، وبالتالي تراجع الإنتاج والمبيعات والركود وصولاً للإغلاق ربما، ما سيأتي لاحقاً، على تراجع أداء القطاعات الاقتصادية والناتج الإجمالي والدخول بدوامة القروض والاستدانة. طبعاً على خطورة كل هذا.
بل تتعدى آثار البطالة القطاع الاقتصادي، وربما تتفرّد بذلك عن سواها من المؤشرات، كالتضخم والدين العام ونسبة النمو مثلاً، فالآثار بحال تعاظم نسبة البطالة ستصب بالمجتمعي وحتى السياسي، فمجتمع عاطل يعني مجتمعا فقيرا، سيحجم أو يعزف عن الزواج، وسيعاني من محدودية التعلّم إن لم نقل تراجعه، ومن تراجع صحته وأدائه، لندخل بآثار العنوسة والتجهيل والأمراض، ووقتها المريض لن يكون الاقتصاد وحده، بل المجتمع وملامح الدول برمتها. ومجتمع عاطل سيجنح، عبر طرائق غير شرعية لتأمين دخل، ويكون الخروج على القانون، الطريق الأسهل ربما، فسماع كلمة بابا جوعان، قد يدفع ربّ الأسرة للفساد الأخلاقي ومخالفة القوانين من سرقة وتهريب وسواهما، وبيع العاطل المفلس اليائس، ما يباع لمرة واحدة، كالشرف والكرامة والسلوك الحسن القويم.
والهجرة، قد تكون الطريق الأقصر والأسلم للعاطلين، فتكون الخسائر كبيرة ولا تعوّض، من تشوّه سوق العمل وخلل البنية المجتمعية جراء خسارة الدول حامل التنمية الأساس وطاقات الإنتاج وأصحاب الأعمال والرساميل، والتي لا تعوضها الآلات ولا التكنولوجيا، خاصة بمجتمعات تتلمس التطوير وإعادة بناء المجتمع وقطاعاته المهدمة. وينتج من البطالة، فيما ينتج اجتماعياً، تنامي عادات مدمرة، كالاتكالية والتسوّل وحتى أمراض نفسية، ستجتاح ولا شك، كل من يعجز عن تلبية احتياجاته هو وأسرته، ولو بحدودها الدنيا، وينتج من البطالة، فيما ينتج سياسياً، فتن وفوضى وصولاً- جراء اختزان العاطل الطاقات السلبية والكراهية- للاحتجاجات والتمرد والثورات.
قصارى القول: من الأسئلة الصعبة بسورية اليوم، أن تسأل عن نسبة البطالة، إذ لا إجابة محددة أو مسؤولة تتبناها جهة رسمية أو مركز بحثي أو هيئة إحصائية. فباحثون سوريون يرون مبالغة بطرح نسبة البطالة ويقدرونها بنحو 40% حداً أقصى، في حين وزير الاقتصاد قدرها بين 60 و70% لتذهب منظمات دولية، وغير مرة ومن غير منبر، إلى نحو 85%. ولو احتكمنا، بهدف التأسيس لانطلاقة، إلى رقم رسمي فليس أمامنا سوى بيانات المكتب المركزي للإحصاء “حكومية” لكنها تعود إلى عام 2022، والتي قدرت نسبة البطالة بنحو 23.7%، بيد أن هذه النسبة تشوبها ثغرتان. الأولى أنها قديمة نسبياً، منذ ثلاثة أعوام، بمعنى أنها تبدلت اليوم كما أنها لم تأخذ بالحسبان، العاطلين بالمناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد المخلوع.
والثغرة الثانية أن تلك النسبة لم تفرّق بين البطالة الحقيقية والبطالة المقنّعة، إذ يعلم المطلع على الوضع السوري أيام النظام البائد، مدى التشغيل النظري وكم الرشى عبر منح الأجور والتوظيف على الورق، لشراء الذمم أو الصمت. ولكن، وأياً كانت النسب التي لا تستند إلى مسوح دقيقة وواقعية، فهي، وباتفاق الجميع، مرتفعة جداً وستؤدي، إن لم تعالج وسريعاً، لما أتينا عليه من تبعات ومخاطر، اقتصادية ومجتمعية وحتى سياسية. طبعاً، إن لم ندرج أولي الأجور المنخفضة بخانة نصف العاطلين، فعندما نعرف، وباعتراف رسمي حكومي، أن نسبة الفقر بسورية نحو 90% ونحو 56% من السوريين يعانون خطر فقدان الأمن الغذائي، فهذا يلزمنا إعادة النظر، حتى بتعريف البطالة. ليس لكل ما سلف فحسب، بل ولحاجة سورية تأمين نحو 200 ألف وظيفة لداخلين سوق العمل سنوياً.
إذاً، وبعيداً عن متاهات نسب البطالة وتضاربها، أو أشكالها ودخل العاملين وتكاليف المعيشة وخطّي الفقر والجوع، قد يكون من الضرورة، الاتفاق على كلمة سر موحدة، لحالة كما سورية اليوم. وكلمة السر هذه هي الاستثمارات الحقيقية التي لا تشغل العمالة وتمتص فائضها وتستوعب الداخلين سوق العمل فقط، بل والتي تدرج ببرامجها وطبيعة عملها وإنتاجها، إعادة تأهيل العمالة وتطويرها، حتى لو تنازلت الحكومة السورية عن شروط الاستثمار أو بعضها وزادت من جرعة التسهيلات والإغراءات، بعد تأمين بيئة الاستثمار طبعاً وأولاً وضرورة، لأن رأس المال ليس جباناً كما يشاع، كما أنه ليس جميعة خيرية كما يخال كثيرون. وأما التغني باستقطاب استثمارات خارجية بقيمة 36 مليار دولار عبر مذكرات تفاهم، من دون أن يترجم معظمها لاتفاقات وأعمال على الأرض، فذاك يفرض إعادة النظر بالترويج والمناخ وشريحة المستثمرين وطرق وصولهم.
كما تقتضي خطورة تفاقم البطالة وما ينجم عنها من مخاطر، إعادة النظر بما رشح عن مسؤولين حكوميين ولم يزل، حول بيع القطاع العام ونسف منظومة، كانت تستوعب، على الأقل، نصف العمال السوريين. نهاية القول: اجتمعت، خلال حرب الأسد على ثورة السوريين وحلمهم، جميع عوامل تنامي البطالة ومخاطرها، من حرب مباشرة دمرت البنى والهياكل، وحصار اقتصادي سرّع بانهيار الاقتصاد ورعّب مؤشراته وصعوبة مقومات العودة، وصولاً لتخلف العمالة الموجودة بالقياس لتطورات الإنتاج بعد هروب الشباب والمؤهلين وأرباب العمل.
من دون أن تجتمع حتى اليوم، الآراء حول برامج، إن لم نقل حرباً على البطالة والفقر، تعلن استراتيجية تشغيل متكاملة، إن بدأت من استقطاب الاستثمارات، عملاً لا تصريحات، لا تنتهي عند تحسين الإدارات وتحديثها وتأهيل الكوادر بما فرضته التطورات وفروع الاقتصاد الحديثة والرقمية. لأنه وببساطة، التطلع لنتائج تجارب الآخرين، من دون التمثّل بأسبابهم وصيرورتهم، كأن تطبّق سورية اقتصاد السوق أو تخصخص القطاع الحكومي أن تلهث وراء الاستثمارات ذات دورة رأس المال السريعة والعمالة القليلة، فذاك ما سيزيد من البطالة، أو غير الصالحة منها للعمل على الأقل، لتواجه البلاد نتائج البطالة ولو بعد حين… والتي قلنا وأعدنا، أنها لن تكون اقتصادية فحسب.
العربي الجديد
————————-
اقتصاد سوريا.. تدفقات استثمارية مباشرة وآمال بالمزيد/ علاء الدين الكيلاني
24 أيلول 2025
بدأ اقتصاد سوريا مرحلة جديدة تتسم بالانفتاح على اقتصادات العالم بعد 6 عقود من الاقتصاد الموجه، في ظل جهود لخلق بيئة استثمارية تستقطب رأس المال الأجنبي المباشر، وتُحرك النمو الاقتصادي، وترفع مستوى المعيشة.
وهوى اقتصاد سوريا بأكثر من 50%، وخسر نحو 800 مليار دولار، خلال فترة الحرب وفق تقارير البنك الدولي والإسكوا (ESCWA) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
وأعادت الحكومة السورية في الأشهر الثلاثة الماضية، هيكلة الإطار القانوني والمؤسسي لقطاع الاستثمار، بما ينسجم مع التحولات التي تشهدها البلاد، وما يوفره الاستثمار الأجنبي -تحديدا- من فرص بالغة الأهمية لسد الفجوة الاستثمارية، ورفع نسب النمو.
وترسم الهيكلة الجديدة -حسب الخبير الاقتصادي فراس السيد- أفقا جديدا، وحالة متقدمة، تؤكد حرص الحكومة على خلق بيئة جاذبة، تستند إلى قانون استثمار جديد وصناديق استثمارية، لتحقيق الأهداف التالية:
حماية الاستثمارات من الإجراءات التعسفية.
حماية حقوق المستثمرين، وملكيتهم الفكرية.
إطلاق محفزات استثمارية كخفض الرسوم الجمركية واعتماد نظام ضريبي مرن.
وتوقع السيد، في حديث للجزيرة نت، أن يمنح التحسن الذي شهدته بيئة القطاع، كتعديل بعض الأنظمة وتطوير هيكلية هيئة الاستثمار السورية وتأسيس مجلس أعلى للتنمية الاقتصادية، المستثمرين شعورا بالراحة والأمان، ويفتح المجال أمام استقطاب رأس مال خارجي عربي وأجنبي، ومشروعات حيوية ذات أهمية.
كان الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن في جلسة حوارية في مدينة إدلب عن استقطاب بلاده استثمارات خارجية بلغت قيمتها 28.5 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، وتوقع وصولها إلى 100 مليار دولار قبل نهايته، معتبرا أن ذلك يشكل أساسا لإعادة إعمار البلاد التي دمرتها الحرب خلال السنوات الماضية، وتوفير فرص عمل.
الاندماج بشبكات الإنتاج العالمية
يُعرف الاستثمار الأجنبي المباشر، بأنه استثمار طويل الأجل في مشاريع حقيقية -مصانع، وشركات، وبنى تحتية- وتعد تدفقاته وفق بحث مشترك لكبير الاقتصاديين في مجموعة بحوث التنمية بالبنك الدولي آمات أداروف، والباحثة الاقتصادية هايلي بالان، مصدرا مهما لرأس المال الخاص، لا سيما للبلدان التي تعاني من ندرة الموارد المحلية، كما يعد بالغ الأهمية لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، لمساعدتها في سد الفجوات الاستثمارية.
وعلاوة على ذلك، يحفز الاستثمار الأجنبي المباشر، الآثار غير المباشرة للتكنولوجيا، ويسهم، حسب المصدر، في توفير وظائف جديدة، ويعزز مكاسب الإنتاجية، إضافة إلى مساعدته الاقتصادات المتلقية للاستثمارات على الاندماج في شبكات الإنتاج العالمية.
ويحتاج الاقتصاد السوري في ظل محدودية موارده، وتراجع مؤشرات أغلب القطاعات الإنتاجية، ودمار بعض أصولها نتيجة الحرب إلى تدفقات استثمارية أجنبية مستدامة تتراوح بين 15 و20 مليار دولار سنويا على مدى العقد المقبل، وفق ما يعتقد الباحث وأستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي بالعاصمة السعودية الرياض الدكتور عماد الدين المصبح.
ويرى المصبح في تدفقات رأس المال الخارجي ضرورة لإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة، ومعالجة أزمة البطالة التي وصلت إلى معدلات مقلقة تبلغ نحو 25%.
ويوضح المصبح، في حديث للجزيرة نت، أن الاقتصاد السوري يعاني من فجوة استثمارية ضخمة، في وقت تُقدر احتياجات إعادة الإعمار بما يتراوح بين 250 و400 مليار دولار وفقا لتقديرات البنك الدولي، بينما يرفع المسؤولون السوريون هذا الرقم إلى ما يقارب تريليون دولار.
ويعكس هذا التباين، في رأيه، حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري الذي انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 84% منذ عام 2010، متراجعا من 60 مليار دولار إلى 17.5 مليارا فقط في عام 2023.
استقرار مالي ونقدي
يعد الاستثمار الأجنبي المباشر أحد الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي، واعتمدت عليه دول نامية وصاعدة مثل سنغافورة وتايوان لتحقيق قفزات نوعية في التنمية، غير أن نجاح هذه التجارب ارتكز على بيئة استثمارية متكاملة، جمعت بين الاستقرار المالي والنقدي، والوضوح القانوني، ما أتاح لهذه الدول الاستفادة من الخبرات التقنية والإدارية والإنتاجية القادمة من الخارج.
وفي غياب هذه البيئة، لم تشهد سوريا خلال سيطرة حزب البعث على السلطة في البلاد بين عامي 1963 و2024 تدفق استثمارات أجنبية مباشرة يمكن الحديث عنها، فقد نظر الحزب إلى الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه تبعية للخارج، واعتبر الدولة هي الفاعل الأساسي في قيادة الاقتصاد، الذي خضع بدوره لتخطيط مركزي عبر خطط خمسية تحدد الإنتاج، والاستثمار، والتوزيع.
وسجلت بيانات البنك الدولي أرقاما متقلبة لصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال الفترة بين عامي 1992 – 2024 تراوحت نسبتها من الناتج المحلي بين 0.4% في عام 1992، و1.2% في عام 2011، أما خلال فترة الحرب، وما بعدها، فتصفها البيانات بالضئيلة، نظرا لتأثيرات الصراع، وسريان مفعول العقوبات الغربية والأميركية على نظام الأسد.
ويربط الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي حجم تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة بعد سقوط نظام الأسد، بمدى الانفتاح السياسي والاقتصادي، وتحسن البيئة التشريعية والمؤسساتية، ويوضح أن التحديات لا تزال كبيرة، ومنها:
استمرار العقوبات الاقتصادية الأميركية، التي لم تُرفع بعد بشكل كامل، رغم وجود مؤشرات على إمكانية إلغائها.
عدم اكتمال البنية الاستثمارية المحلية من حيث الإصلاحات القانونية والإجرائية.
عدم اتضاح أهداف السياسة الاقتصادية بشكل كاف، إذ لا تزال بحاجة إلى مواءمة دقيقة مع السياسات المالية والنقدية.
ويضيف قوشجي، في حديث للجزيرة نت، “لم نشهد حتى الآن تفعيلا فعليا للاتفاقيات الاستثمارية التي وُقّعت في دمشق، بغض النظر عن تصنيفها، إذ تركز معظمها في قطاعات الخدمات الفندقية والموانئ والنقل، من دون أن تمتد إلى قطاعات إنتاجية أو إستراتيجية”.
تقديرات وتحفظات
على الرغم من تحسن البيئة الاستثمارية خلال الأشهر الأخيرة، وفق تصريحات حكومية، فإن حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الفعلي، وفق المصبح، لا يزال متواضعا للغاية، إذ تلقت سوريا تعهدات استثمارية بقيمة 50 مليار دولار، لكنه يتوقع أن ما سيتم تحقيقه فعليا لن يتجاوز 10% من هذا المبلغ.
ومن أبرز الاتفاقيات المعلنة، وفق الباحث، اتفاقية كبيرة في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تتضمن بناء محطات غازية لتوليد نحو 4 – 5 آلاف ميغاواط ومحطة توليد شمسية 1000 ميغاواط، ستنفذها مجموعة “يو سي سي” (UCC) القطرية القابضة بالشراكة مع شركات دولية. يضاف هذا إلى اتفاقيات أخرى مع السعودية تبلغ قيمتها 6.4 مليارات دولار.
ووقعت دمشق حزمة مذكرات تفاهم استثمارية، في أغسطس/آب الماضي، لـ12 مشروعا إستراتيجيا، بقيمة نحو 14 مليار دولار، من بينها:
مشروع بناء مطار جديد في دمشق بقيمة 4 مليارات دولار (شركة قطرية).
مشروع مترو أنفاق في دمشق بقيمة ملياري دولار (هيئة استثمار إماراتية).
مشاريع أبراج سكنية وتجارية بقيمة ملياري دولار (شركة إيطالية).
نقاط الضعف
يقول قوشجي إن العبرة في مجال الاستثمارات بالتنفيذ، وإن ثمة محاذير متعددة على هذا الصعيد، لا تزال موجودة، من أبرزها:
هشاشة البنية القانونية.
عدم وضوح السياسات الاقتصادية.
غياب الضمانات الكافية للمستثمرين.
كون سوريا لا تزال تمر بمرحلة انتقالية تتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة لضمان استدامة الاستثمار.
لكن في المقابل، ترى هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية في التشريعات القانونية الجديدة، المحدثة مؤخرا، صناعة مالية حديثة، تتلاءم مع المتغيرات والمستجدات الاقتصادية التي تشهدها سوريا الجديدة.
وذكرت الهيئة، في بيان تزامن مع نشرها التشريعات المحدثة للصناديق الاستثمارية، أن من ضمن الأهداف الإستراتيجية التي يمكن أن تلعبها هذه الصناديق في المرحلة المقبلة ما يلي:
توجيه رؤوس الأموال نحو القطاعات الإنتاجية والشركات الواعدة.
تبسيط إجراءات التأسيس والإدارة لجذب مستثمرين جدد، وخلق بيئة تنافسية، وتنويع مجالات استثمار الصندوق.
تعزيز حماية المستثمر من خلال إشراف ورقابة الهيئة، وفق متطلبات الإفصاح والشفافية والرقابة الفعالة.
إستراتيجية بـ3 محاور
وتوصل بحث مشترك نشره البنك الدولي -حول “مساعدة الاقتصادات النامية على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر واستند على تحليل البيانات الخاصة بنحو 74 اقتصادا ناميا- إلى أن زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 10% تؤدي إلى زيادة بنسبة 0.3% في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بعد 3 سنوات.
ويكون التأثير أكبر بنحو 3 أضعاف، أي 0.8% في البلدان التي تتمتع بمؤسسات أقوى، ورأس مال بشري أفضل، وانفتاح أكبر على التجارة، وتراجع الاقتصاد غير الرسمي (الموازي)، لذلك، يتعين على واضعي السياسات في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وفق البنك، اعتماد إستراتيجية ثلاثية المحاور، تهدف إلى:
جذب الاستثمار الأجنبي المباشر
تعظيم منافعه
تعزيز التعاون العالمي لدعم تدفقاته.
وبالنظر إلى ظروف كل بلد على حدة، فإن الأولويات العامة لجميع اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، تشمل إصلاحات تهدف إلى:
تهيئة بيئة استثمار مواتية، وتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي.
تقوية المؤسسات، وتنمية رأس المال البشري.
زيادة الخدمات المالية.
الحد من النشاط الاقتصادي غير الرسمي.
المصدر: الجزيرة
—————————
من الإغاثة إلى الاستثمارات الكبرى.. ما أبرز المشاريع الخليجية بسوريا؟/ شام السبسبي
22 أيلول 2025
دمشق- لم يمض وقت طويل على سقوط نظام الأسد في الـ8 من ديسمبر/كانون الأول الأول، حتى بدأت بعض دول الخليج العربي تتحرك بخطوات متسارعة تجاه سوريا الجديدة، مستندة إلى خبرتها الطويلة في التمويل والاستثمار من جهة، وإلى شبكة منظماتها الإغاثية والإنسانية من جهة أخرى.
ولم يقتصر الحضور الخليجي في سوريا على حزم المساعدات الطارئة وإعادة تأهيل المخابز والمستشفيات والمدارس، إنما توسّع ليشمل إطلاق مشاريع بنى تحتية كبرى مثل تطوير الموانئ وشبكات النقل وإقامة مجمعات سكنية.
ويرى خبراء بهذه المشاريع محاولة خليجية لإعادة ربط سوريا بمحيطها الاقتصادي العربي والإقليمي، ووضع أسس تنموية تشكل قاعدة لتعافي الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب، في لحظة مفصلية تحتاج فيها البلاد إلى كل الجهود والموارد المتاحة.
مشاريع الخدمات الطبية
دشن مركز الملك سلمان للإغاثة، في 7 سبتمبر/أيلول الجاري، حزمة مساعدات إنسانية في سوريا، تضمنت تجهيز 17 مستشفى في المناطق المتضررة بالشمال، وتزويدها بمختلف الأجهزة الطبية، من ضمنها 454 جهاز غسل كلى مع مستلزماته ومحاليله.
وأعلنت الرياض أيضا عن تدشين 61 مشروعا تطوعيا لتنفيذ عمليات طبية تطوعية تشمل تخصصات جراحة الأطفال والأنف والأذن والحنجرة والأورام والأعصاب وزراعة القوقعة.
وكانت المملكة قد أعلنت عبر المركز نفسه عن إطلاق مشروع “أمل التطوعي” في يناير/كانون الثاني الماضي، وهو مشروع يهدف إلى تقديم الخدمات الطبية الطارئة للمحتاجين في سوريا.
ويغطي المشروع مجموعة من التخصصات الطبية الواسعة من التوليد، مرورا بمعالجة أمراض المخ والأعصاب والأمراض الباطنية، وصولا إلى زراعة الأطراف الصناعية وغيرها من العمليات، ويستمر المشروع لمدة عام كامل داخل سوريا.
وبدورها، أرسلت دولة قطر، الأسبوع الماضي، قافلة تحوي 90 طنا من المعدات الطبية (أجهزة تنفس، غسل كلى، أجهزة مخبرية متطورة، حاضنات أطفال، وغيرها) لتوزيعها على 50 مستشفى في المحافظات السورية المختلفة.
وقد أطلق الهلال الأحمر القطري، الشهر الماضي، مشروع “جسور الشفاء والأمل 2” المختص بتأمين العلاج الكيميائي والهرموني والمناعي لمرضى السرطان في الشمال السوري.
وكان قد أطلق حملة “جسور الشفاء والأمل 1” مع نهاية عام 2023 بالشمال السوري، وتم توريد 46 صنفا من الأدوية آنذاك، إلى جانب أجهزة تشخيص وعلاج مبكر، واستفاد من المشروع حوالي 3700 مريض.
وواصلت قطر دعمها الإغاثي للسوريين طوال سنوات الحرب، حيث أنشأ الهلال الأحمر مستشفيات ومراكز ميدانية طبية عديدة بالمخيمات، وفي ريفي إدلب وحلب بين عامي 2012 و2016.
كما أرسلت خلال جائحة كورونا شاحنات مجهزة بأجهزة أوكسجين ومعدات فحص طبي وغيرها من المستلزمات الطبية إلى المناطق المحررة بالشمال السوري لمواجهة الجائحة، ثم أنشئ خلال زلزال فبراير/شباط 2023 مستشفى ميداني في جنديرس، وأرسلت قطر مجموعة من سيارات الإسعاف لنقل مصابي الزلزال.
السكن والإيواء
أطلق مركز الملك سلمان للإغاثة -ضمن حزمة المشاريع التي أعلن عنها- مشروعا لتأهيل وترميم 34 مدرسة في محافظات حلب وإدلب وحمص.
بالإضافة إلى إطلاق مشروع آخر ﻹعادة تأهيل وتشغيل المخابز المتضررة في مناطق عودة النازحين، حيث سيعيد المشروع تشغيل 30 مخبزا حكوميا، وتأهيل 29 خطا ﻹنتاج الخبز في مناطق عودة النازحين، واستحداث 13 خطا إنتاجيا جديدا.
وكان المركز قد أعلن، في مارس/آذار الماضي، إطلاق مشروع لترميم وإعادة تأهيل 715 منزلا في منطقة أعزاز التابعة لمحافظة حلب من المساكن التي تضررت بالزلزال، إلى جانب تجهيز 55 وحدة سكنية لاستقبال العائلات.
وعلى الجهة الأخرى، أطلقت مؤسسة “قطر الخيرية” -في مايو/أيار الماضي- مشروعا يهدف إلى ترميم 300 منزل في منطقة سهل الغاب التابعة لمحافظة حماة، ضمن خطة أوسع تهدف إلى ترميم 1500 منزل في مختلف المحافظات المتضررة في سوريا.
كما افتتحت هذه المؤسسة القطرية -بمشاركة هيئة الإغاثة الإنسانية التركية، في يناير/كانون الثاني الماضي- مدينة الأمل في ريف حلب الشمالي والتي تضم 1400 شقة سكنية ﻹيواء العائلات المهجرة. و”الأمل” هي مدينة كبيرة تحوي شققا سكنية ومدارس ومسجدا ومركزا صحيا.
وقد افتتحت قطر بين عامي 2018 و2022 عدة قرى سكنية في الشمال السوري (الأمل، الأمان، السلام، البيت مقابل الخيمة) والتي تضمنت آلاف الوحدات السكنية ﻹيواء النازحين.
وعلى مدى 14 عاما، نفذت المؤسسات الخيرية القطرية سلسلة من المشاريع في سوريا وصل مجموعها لحوالي 4800 مشروع بقيمة 750 مليون ريال قطري (206 ملايين دولار) وبلغ مجموع ما أنشأه الهلال الأحمر القطري من قرى سكنية بالشمال السوري خلال فترة الحرب 15 قرية تتضمن حوالي 3500 شقة سكنية استفاد منها 60 ألف سوري مهجر ونازح.
ومن جهتها أعلنت هيئة الأعمال الخيرية الإماراتية، الأسبوع الماضي، عن إطلاقها مجموعة من المشاريع التنموية والخدمية والإغاثية في سوريا بقيمة 8 ملايين درهم (2.2 مليون دولار) تستهدف بناء وصيانة وإعادة تأهيل المنازل والمساجد والمدارس، وحفر آبار المياه لتأمين مياه صالحة للشرب في المناطق المدمرة وتهيئتها لعودة النازحين.
التعليم والتنمية الاجتماعية
وبدأ مركز الملك سلمان أيضا مشروع “أمان” لدعم وإعالة أيتام الشمال السوري عبر تقديم كفالات نقدية لألف طفل يتيم في جندريس بحلب، وتأمين المستلزمات الأساسية لغيرهم من الأطفال، وتمكين أمهاتهم عبر تأمين فرص التدريب المهني لهن.
وبدوره، أطلق الهلال الأحمر القطري، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مشروعا إنسانيا لرعاية الأيتام وأسرهم في سوريا وتوفير احتياجاتهم من غذاء وملبس وتعليم، وتقديم خدمات الدعم لهم على الصعيد النفسي، وتأمين مستلزمات تعليمهم من قرطاسية وكتب وتكاليف المواصلات، وتكريم الطلاب المتفوقين منهم.
وقد اختتم الهلال الأحمر أيضا، في يوليو/تموز الماضي، مشروعه الهادف إلى تمكين الأرامل والشباب من الأسر النازحة، والذي استمر لمدة 8 أشهر، وأشرف القائمون عليه على تدريب حوالي 800 فرد بينهم 480 سيدة على مهن وحرف متنوعة.
البنية التحتية الكبرى
أعلن الصندوق السعودي للتنمية، الأسبوع الماضي، عن منح سوريا 1.65 مليون برميل نفط خام مساعدة ودعما لقطاع الطاقة في البلاد.
وقد وقعت عدد من الشركات السعودية مع وزارة الطاقة السورية، في أغسطس/آب الماضي، مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة المختلفة، وتنوعت المشروعات بين إنشاء محطات طاقة شمسية، وتأهيل محطات كهرباء وتطويرها، ومعالجة الغاز الطبيعي وتحويله إلى طاقة.
وقبلها، كانت شركات من المملكة قد وقعت في دمشق حزمة استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار في يوليو/تموز الماضي ضمن منتدى الاستثمار السوري السعودي، وتم تخصيص 2.9 مليار دولار منها للمشروعات العقارية والبنى التحتية.
وتضمنت المذكرات التي تم توقيعها اتفاقا ﻹنشاء 3 مصانع إسمنت، ومذكرة أخرى بقيمة 4 مليارات ريال (1.07 مليار دولار) بين وزارة الاتصالات السورية وشركات اتصال السعودية لتطوير قطاع الاتصالات، ومذكرة تفاهم ثالثة بين شركة مجموعة تداول السعودية وسوق دمشق للأوراق المالية.
المنتدى الاستثماري السعودي الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا فيسبوك
شركات من السعودية وقعت بدمشق يوليو/تموز الماضي استثمارات بـ 6.4 مليارات دولار ضمن منتدى الاستثمار السوري السعودي (سانا)
وتضمنت الاستثمارات التي تم التوقيع عليها خططا لبناء منشآت سياحية، وإطلاق مشروع أبراج دمشق في البرامكة بقيمة 400 مليون دولار، وتشييد مدينة طبية في ضاحية قدسيا بقيمة 900 مليون دولار، ومدينة ترفيهية في العدوي بقيمة 500 مليون دولار، وغيرها من المشاريع.
ومن جانبها وقعت شركة “يو سي سي” (UCC) القابضة القطرية مع هيئة المطار المدني السوري، الشهر الماضي، اتفاقا لتوسعة مطار دمشق الدولي، بما يشمل بناء صالات جديدة وتحديث البنى التحتية ورفع القدرة الاستيعابية للمطار إلى 31 مليون مسافر سنويا.
وكانت الشركة ذاتها قد وقعت اتفاقا بالشراكة مع 4 شركات دولية، في مايو/أيار الماضي، لتنفيذ مشروع ضخم يستهدف قطاع الكهرباء في سوريا ويشمل إنشاء محطات كهرباء جديدة بقدرة 5 آلاف ميغاواط وبقيمة 7 مليارات دولار، وهو مشروع الطاقة الأكبر في سوريا منذ سقوط النظام.
وزودت قطر سوريا، في مارس/آذار الماضي، بالغاز الطبيعي عبر الأردن ومنه إلى محطة دير علي جنوب دمشق، لمعالجة النقص الحاد في توليد الكهرباء بالبلاد، ووفرت إمدادات الغاز القطري حوالي 400 ميغاواط كهرباء إضافية يوميا.
ومن جهتها، وقعت شركة موانئ دبي العالمية مع الإدارة السورية، في يوليو/تموز الماضي، مذكرة تفاهم بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، وتضمن الاتفاق مذكرة تطوير وتشغيل وإدارة محطة متعددة الأغراض في الميناء، إلى جانب تأسيس مناطق صناعية ومناطق حرة ومحطات عبور بضائع.
كما وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية -الشهر الماضي- اتفاقا مع شركة “إيه 3 & سي أو” (A3&CO) الإماراتية، المتخصصة في صناعة الإسمنت والاستدامة، ﻹعادة تأهيل المعامل ووضع خريطة طريق لتطوير قطاع الإسمنت في سوريا.
ووقعت وزارة الإعلام السورية مع شركة المها الكويتية، في يونيو/حزيران الماضي، مذكرة تفاهم ﻹنشاء “بوابة دمشق” وهي مدينة ضخمة للإنتاج الدرامي والفني، تبلغ تكلفة إنشائها 1.5 مليار دولار وتمتد على مساحة مليوني متر مربع.
توقيع مشروع بوابة دمشق مع شركة المها الكويتية_ مواقع التواصل_
توقيع مشروع “بوابة دمشق” مع شركة المها الكويتية (الفرنسية)
وقد وقع “مركز التجارة العقارية الكويتية” -في يوليو /تموز الماضي- اتفاق شراكة مع شركة سورية ﻹنشاء وتطوير مركز التجارة العالمي بدمشق، على أن يتكفل الجانب الكويتي بتصميم المشروع وتمويله وتفويض اللجان المختصة للإشراف على تشييد الأبراج وقاعات المعارض والفندق الدولي ومكاتب رجال الأعمال.
الجسور الجوية والبحرية
ومنذ سقوط نظام الأسد، في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أطلقت السعودية حملة مساعدات منظمة باتجاه سوريا عبر جسر جوي بري إنساني تحت إدارة جمعية الملك سلمان للإغاثة.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، وصلت عبر الجسر الجوي 13 طائرة سعودية إلى مطار دمشق الدولي، حاملة عشرات الأطنان من المساعدات العاجلة والإمدادات الطبية والغذائية والإيوائية والمعدات الثقيلة ﻷعمال الإعمار الطارئ.
كما وصلت عبر معبر نصيب الحدودي، بين يناير/ كانون الثاني ومارس/آذار الماضيين، حوالي 160 شاحنة سعودية تحوي مواد غذائية ومستلزمات طبية.
وبدورها سيّرت دولة قطر جسرا جويا لتقديم الدعم العاجل إلى الشعب السوري عقب سقوط نظام الأسد. ووصلت إلى غازي عنتاب، حتى تاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، 4 طائرات تحمل مساعدات تتضمن مواد طبية وغذائية ومستلزمات إيواء مقدمة من صندوق قطر للتنمية.
ووصلت أولى طائرات المساعدة القطرية إلى مطار دمشق الدولي، في 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، محملة بسيارات إسعاف ومواد غذائية وأدوية، إضافة إلى مساعدات فنية لإعادة تشغيل مطار دمشق الدولي.
وقد حطت في الأجواء السورية 13 طائرة قطرية عبر الجسر الجوي في الشهر الأول من العام الجاري، حاملة أطنانا من المساعدات الغذائية والطبية إلى جانب بعض مستلزمات فصل الشتاء من معاطف وأغطية وغيرها.
كما وصلت بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وفبراير/شباط 2025 حوالي 3 قوافل برية قطرية مؤلفة من 150 شاحنة تحوي طحينا وملابس شتوية وغذائيات ومعدات طبية.
وهذا إلى جانب الطائرة القطرية التي وصلت إلى مطار دمشق، في 7 سبتمبر/أيلول الجاري، حاملة 1250 جهازا طبيا، من أجهزة غسل الكلى إلى أجهزة التنفس ومراقبة القلب والأكسجة وغيرها.
ومن جانبها أطلقت دولة الكويت أيضا جسرا جويا مع سوريا في الفترة نفسها تحت إشراف وزارة الصحة والهلال الأحمر الكويتي، ومنظمات إنسانية أخرى، ضمن حملة “الكويت بجانبكم”.
وأرسلت عبر الجسر حوالي 30 طائرة إغاثية، بلغ مجموع ما حملته من مساعدات حوالي 727 طن مساعدات صحية وإغاثية (سيارات إسعاف، كراسي متحركة للمعاقين، ومستلزمات طبية، وطحين).
المصدر: الجزيرة
—————————-
“اللاجئون والطاقة”.. كيف سيؤثر استقرار سوريا على أمن الاتحاد الأوروبي؟/ سامر القطريب
2025.09.20
يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم الدعم لسوريا وإعلان النوايا الحسنة، التي بدأت عبر رفع العقوبات الأوروبية لتسريع عملية الاستقرار، ومؤخرا رحب الاتحاد الأوروبي بخريطة الطريق التي أعلنتها سوريا والأردن والولايات المتحدة لمعالجة الأزمة في محافظة السويداء جنوبا. وقال الاتحاد الأوروبي في بيان على موقعه الرسمي، يوم الخميس، “نشجع على التنفيذ السريع للاتفاق واستمرار الحوار بين جميع الأطراف، بهدف التوصل إلى حل مستدام يحمي جميع السوريين دون تمييز ويحافظ على أمن سوريا واستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها”.
سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا باتت واضحة المعالم، ورغم أن عددا من دول الاتحاد على رأسها ألمانيا تعتبر الوضع غير آمن في سوريا إلا أنها تدعم استقرارها سياسيا وأمنيا، فأوروبا معنية بسوريا من زاويتين أساسيتين: الأولى هي اللاجئون والهجرة فأي انفجار جديد أو تسوية في سوريا سينعكس مباشرة على موجات النزوح واللجوء وصعود اليمين حيث يعدّ نفوذ روسيا على أوساط اليمين المتطرف
أو الجماعات المتطرفة العنيفة ذات الدوافع العرقية أو الإثنية (REMVE) في أوروبا متعدد الأوجه ومعقدًا وخاصة في النمسا، التشيك، فرنسا، ألمانيا، هنغاريا، إيطاليا، بولندا، صربيا، سلوفاكيا، والسويد، ويشمل النفوذ أنشطة مباشرة مثل التمويل أو الدعم السياسي
، وأنشطة غير مباشرة مثل حملات التضليل الإعلامي، أما الزاوية الأخرى التي تهم دول الاتحاد فهي الأمن والطاقة. ويعد الدعم الأوروبي جزءا من عملية الدعم العربية والإقليمية لسوريا بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما قد ينكشف بشكل أكبر خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
صعود اليمين المتطرف في دول الاتحاد الأوروبي
في خطوة غير مسبوقة هي الأولى من نوعها، أعادت هولندا التي شهدت صعودا لليمين المعادي للاجئين والهجرة، 84 سورياً إلى دمشق على متن طائرة مستأجرة، وقالت وسائل إعلام هولندية، إن المغادرين تلقوا دعماً مالياً من الحكومة الهولندية، في حين انطلقت الرحلة من مطار روتردام – لاهاي، بعد أن دعت وزارة اللجوء والهجرة الصحافة لحضور لحظة المغادرة. وقدّمت الحكومة الهولندية للعائدين دعماً مالياً ضمن ما يسمى “برنامج العودة”، حيث حصل كل بالغ على 2800 يورو، وكل طفل على 1650 يورو.
وفي ألمانيا، كشفت أرقام حديثة صادرة عن السجل المركزي للأجانب في أيلول الجاري، أن عدد اللاجئين المقيمين في البلاد شهد لأول مرة منذ عام 2011 تراجعاً بنحو 50 ألف شخص مقارنة بالعام الماضي، في ظل سياسات اللجوء المتشددة التي تفرضها الحكومة الاتحادية الجديدة.
وأظهرت البيانات التي جاءت رداً على استفسار تقدم به حزب اليسار، ونشرته صحيفة (راينيشه بوست)، أن اللاجئين الذين غادروا ألمانيا في النصف الأول من هذا العام أكثر ممن دخلوا إليها.
فمثلا؛ رفضت محكمة ألمانية الشهر الجاري، دعوى لجوء تقدم بها مواطن سوري، مبررة ذلك بأنه لم يعد مهدَّداً بالاضطهاد بعد سقوط نظام الأسد، ولا من قبل الحكومة الجديدة، كما اعتبرت أن الخطر على وجوده غير قائم، إذ يمكنه الحصول على مساعدات للعودة. بحسب صحيفة فيلت الألمانية.
وترى المتحدثة باسم شؤون اللاجئين في حزب اليسار، كلارا بيونغر، أن “هذا التراجع ليس بأي حال سبباً للاحتفال، إذ إن أسباب الفرار في العالم لم تكن يوماً بهذا العدد الكبير منذ فترة طويلة”.
وقالت: إن “عدداً متزايداً من المحتاجين للحماية لا يتمكنون من عبور الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي المُحصنة والمُراقبة”، مضيفة أن “عمليات التفتيش غير القانونية على الحدود الألمانية لا تلعب سوى دوراً ثانوياً”. وأكدت أنه يجب الحديث عن الاندماج والمشاركة بدلاً من سياسة العزلة.
وكان وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت (من الحزب الاجتماعي المسيحي) أصدر بعد توليه منصبه مباشرة أوامر بتكثيف المراقبة على جميع الحدود الألمانية، ورفض حتى طلبات لجوء بعض المتقدمين. وما تزال الانتقادات لهذه الممارسة مستمرة حتى اليوم من دون حسم قانوني نهائي.
من جانبه، يدافع المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) عن سياسة تشديد اللجوء، بحجة أن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ليست مضمونة بشكل كافٍ.
أما الوضع السياسي في الداخل الألماني فيشهد تحولات وتغيرات أحد محركاتها ملف اللاجئين (خاصة السوريين والأوكرانيين)، ففي الانتخابات المحلية الأخيرة بولاية شمال الراين فستفاليا، أكبر ولاية ألمانية من حيث عدد الناخبين (نحو 14 مليوناً من أصل 60 مليون ناخب في عموم البلاد)، ضاعف “حزب البديل من ألمانيا” اليميني أصواته ثلاث مرات مقارنة بالانتخابات السابقة، ليحصد أكثر من 16% من الأصوات، وحافظ الحزبان الحاكمان “المسيحي الديمقراطي” و”الاشتراكي الديمقراطي” على حصصهما، إلا أن مكاسب “البديل” السريعة شكلت جرس إنذار لبقية الأحزاب، لما تشكله المقاطعة من أهمية ديمغرافية وسياسية واقتصادية على مستوى البلاد قاطبة.
وتؤكد بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ويوروستات (Eurostat) أنّ سوريا غالبا ما تتصدر قائمة بلدان الأصل للاجئين/طالبي الحماية في الاتحاد الأوروبي منذ 2015، مع تغيّرات سنوية في المنافسة مع أفغانستان ودول أخرى. حيث يتركّز السوريون الحاصلون على حماية دولية في ألمانيا أولًا، ثم تتبعها دول مثل السويد، هولندا، النمسا، فرنسا، واليونان (مع اختلاف الترتيب بحسب السنة والمؤشر المستخدم: مخزون اللاجئين، أو طالبي اللجوء الجدد، أو المستفيدين من الحماية).
الطاقة والأمن.. كيف يمكن لمشاريع الغاز عبر تركيا وسوريا أن تسهم في تقليل اعتماد أوروبا على روسيا؟
أفاد تقرير صدر في آذار 2025 عن “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” (CREA) ونشرته مجلة نيوزويك
، بأن دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين اشترت من روسيا وقودا أحفوريا بقيمة تقارب 21.9 مليار يورو (23.5 مليار دولار) خلال عام 2024.
وتفوق هذه القيمة مبلغ 18.7 مليار يورو (20 مليار دولار) الذي خصصه الاتحاد الأوروبي كمساعدات مالية لأوكرانيا في الفترة نفسها، بحسب بيانات مشروع التتبع التابع لـ”معهد كيل للاقتصاد العالمي” (IfW Kiel).
وأظهرت بيانات مشروع “متعقّب الوقود الأحفوري الروسي” الذي يقوده CREA في الشهر نفسه، أن روسيا حققت أكثر من 206 مليارات يورو (220 مليار دولار) من عائدات الطاقة من الاتحاد الأوروبي منذ بداية الحرب على أوكرانيا في 24 شباط 2022.
وقال إسحاق ليفي، رئيس فريق سياسات وتحليل الطاقة في CREA لشؤون أوروبا وروسيا، لمجلة “نيوزويك”، إن دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي خصصت 113 مليار يورو كمساعدات لأوكرانيا بين شباط 2022 وكانون الأول 2024، في حين استوردت في الوقت نفسه أكثر من 202 مليار يورو من الوقود الأحفوري الروسي. وهو ما انتقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
الممر الاقتصادي الأميركي ” IMEC ” عبر الشرق الأوسط هل يخدم أوروبا؟
في أيلول 2023، في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، الهند ، تم الإعلان عن مبادرة لإنشاء “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، (IMEC)، وهو ممر اقتصادي تدعمه الولايات المتحدة. وتهدف المبادرة إلى ربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا من خلال البنية التحتية المتقدمة للنقل والطاقة وتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاقتصاد والطاقة والأمن بين جميع الدول الشريكة. وقالت مفوضة الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين إن “الممر أكثر من مجرد سكة حديد أو تلفريك، إنه جسر أخضر ورقمي عبر القارات والثقافات”.
وبالتأكيد يسعى الاحتلال الإسرائيلي للاستفادة من هذا المشروع ووضع نفسه كجسر استراتيجي بين آسيا وأوروبا، ولكن هل تنتقل أوروبا من الضغط الروسي لتقع تحت ضغط تل أبيب التي تواجه غضبا متزايدا في الشارع الأوروبي إزاء الإبادة الجماعية في غزة؟. تتعاون إسرائيل مع مصر وقبرص واليونان في مجال احتياطيات الغاز البحرية. ويمكن أن يصبح “IMEC” ممرا لتصدير الطاقة من تلك البلدان إلى أوروبا، التي تحتاج إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي.
نشأت هذه الضرورة الأوروبية بشكل أساسي نتيجة للحرب في أوكرانيا وتعطيل عبور الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية إلى أوروبا الغربية. وهنا يبرز “طريق الحرير التركي أو طريق التنمية” إذ تخطط تركيا لإنشاء ممر طاقة عبر خط الغاز العربي في سوريا أو من خلال ممر قادم من قطر يرتبط بالشبكة القائمة في سوريا وتركيا، وهذا قد يتتحقق بوتيرة أسرع، ما قد يُضعف “مسار الهند” لنقل الطاقة عبر إسرائيل.
نجاح “المشروع الأميركي” و”طريق التنمية التركي” يعتمد أولا على التعاون الإقليمي الذي يتطلب الاستقرار السياسي. إذ يمكن أن تشعل التوترات الجيوسياسية بين القوى العظمى المنافسة على مناطق النفوذ، كما يهدد تجدد الاضطرابات الأمنية في سوريا أمن المنطقة.
وفي مواجهة مبادرات قد تستغلها روسيا مثل “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، ترى العواصم الأوروبية أن استقرار سوريا ليس ملفا بعيدا بل مسألة أمن داخلي.
روسيا واستغلال نقاط الضعف السورية
بعد سقوط النظام المخلوع، تتحول سوريا اليوم إلى ساحة اختبار جديدة إقليميا ودوليا، حيث تراقب واشنطن استغلال روسيا لنقاط الضعف السورية، فمنذ منذ انهيار نظام الأسد، أبدت عدة دول اهتماماً بالشراكة مع الحكومة السورية الجديدة في مجال الطاقة، وقدمت أخرى مساعدات فورية في الغاز الطبيعي والكهرباء مثل أذربيجان وقطر وتركيا. رغم ذلك، تبقى روسيا المورد الأساسي للنفط الخام بفضل أسعارها المخفضة وقدرتها على توفير إمدادات ثابتة في الوقت الذي تحتاجه سوريا أكثر من أي وقت مضى.
لكن دمشق وهي تخطو في طريق إعادة إعمار الإعمار وسط تحديات أمنية واجتماعية مستمرة، ستحتاج لكميات ضخمة من النفط المستورد وهنا تأتي روسيا لتسد هذه الحاجة بأثمان سياسية واقتصادية، حيث تريد موسكو الحفاظ على موطئ قدم في البحر المتوسط من خلال قواعدها العسكرية في طرطوس واللاذقية.
الصين تراقب من زاوية “طريق الحرير”
مبادرة “الحزام والطريق” هي خطة بقيمة 4 تريليونات دولار لتمويل بناء السكك الحديدية والطرق والموانئ والمدارس والمستشفيات في الدول النامية. وتريد بكين إنشاء شبكة برية وبحرية عالمية في بلدان آسيا والشرق الأوسط مستغلة خبرتها في البناء ونفوذها المالي.
في أيار الماضي، وقّعت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية مذكرة تفاهم مع شركة “Fidi Contracting” الصينية لاستثمار المنطقة الحرة في حسياء بمحافظة حمص بمساحة 850 ألف متر مربع، وأخرى في عدرا بريف دمشق بمساحة 300 ألف متر مربع. تهدف هذه الاستثمارات إلى إنشاء مناطق صناعية متكاملة ومشاريع تجارية وخدمية تعزز البنية التحتية وتجذب الاستثمارات الأجنبية.
وأفادت الهيئة العامة في بيان أن المذكرة شملت التفاهم أيضاً على منح الشركة الصينية حق استثمار 300 ألف متر مربع من المنطقة الحرة في عدرا بمحافظة ريف دمشق، لترسيخ مشاريع تجارية وخدمية تواكب متطلبات السوق المحلي والإقليمي. وبحسب البيان، فقد بلغت مدة العقد عشرين عاما.
أي مسار في سوريا (تسوية سياسية، تقسيم، فوضى) سيؤثر على صورة هذه القوى وصراعاتها الأوسع. سوريا لم تعد مجرد قضية داخلية أو حتى إقليمية، بل نقطة ارتكاز، إذا استقرت بصفقة جديدة، فقد تُرسي توازنات جديدة في المنطقة وتخفف أزمات أوروبا، إذا ظلت في فوضى، فقد تبقى بؤرة تُغذي موجات صراع وهجرة وتضعف النظام الدولي “المنهك”.
تلفزيون سوريا
————————————
تفاؤل حذر.. أرقام الاستثمار في سوريا بين الواقع والوهم/ ناظم عيد
الجمعة 2025/09/19
تشي المؤشرات الأولية الراشحة عن الأروقة التنفيذية في سوريا، من حيث الشكل على الأقل، بجرعات تعافٍ واعدة أكثر بكثير مما كان يتوقعه مراقبون ومتخصّصون في الشأن التنموي بمختلف مساراته.
فالبيانات الجديدة التي وزعتها وزارة الاقتصاد والصناعة بخصوص أعداد وتوزّع طلبات الاستثمار، تحمل قدراً عالياً من التفاؤل، لكنها لا تلغي مزيج الفضول والتوجّس، والبحث عن الجدية في الأرقام والمعايير .
1389 طلباً
أعلنت الوزارة مؤخراً تلقيها 1389 طلباً لإنشاء معامل جديدة في سوريا منذ بداية العام الحالي تشمل قطاعات موزعة على غالبية المحافظات، تتضمن 381 طلباً لإنشاء معامل مختصة بالصناعات النسيجية، و396 لمعامل الصناعات الكيميائية، و382 طلباً للصناعات الهندسية، و230 طلباً لمعامل الصناعات الغذائية.
تفاؤل حذر
إلّا أن التجارب القديمة في سوريا، لا تسمح بالركون كثيراً للأرقام الأولية التي تنتجها الجهات الرسمية وقطاع الأعمال على حد سواء، خصوصاً في مجال الاستثمار. فثمة فجوة كانت موجودة دائماً بين عدد طلبات الاستثمار وعدد ما حصل منها على تراخيص، ثم بين عدد المشروعات المرخصة والأخرى المنفذة أو التي وُضعت على سكة الإنتاج الفعلي.
وربما هذا سبب عدم إفراط وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار في التفاؤل والتعويل على المجهول، وإن بدا طموحاً في التعبير عن رؤاه المستقبلية خلال الأحاديث والتصريحات المكثفة التي نقلتها عنه وسائل إعلام عربية كثيرة، وبنسبة أقل وسائل إعلام سورية. بل بدا الوزير الشعار شفافاً وصريحاً في معظم مناسبات ظهوره الإعلامي لدرجة “الاعتراف”. فالرجل سبق أن حمل الحقيبة الوزارية عينها التي يحملها اليوم، وربما يحاول تفادي احتمالات الوقوع في منزلق “الشيطان الأخرس” الذي كان يحيق بكل مسؤول تنفيذي في سوريا على مدى عقود طويلة.
ومنذ أيام تداولت وسائل التواصل الاجتماعي تصريحاً منقولاً عن إحدى القنوات التلفزيونية بعنوان “الوزير الشعار يعترف بأن بعض شركات الاستثمار وهمية”، وذلك في إجابة على سؤال حول “المشاريع الوهمية” التي طُرحت كأنها مشاريع استثمارية حقيقية، إذ قال بما معناه: في زحمة الاستثمارات استطاعت بعض الشركات الوصول لمؤتمر الاستثمار والتقاط صور مع شخصيات هامة، ليتبيّن لاحقاً أنها لم تكن حقيقية وهي مجرد أوهام بواجهة استثمارية.
ومن جملة ما نُقل عن الوزير أن “التجربة السنغافورية لا تنطبق على سوريا، والمفروض أن نعمل على نموذج واقعي يناسب بلدنا وظروفه”.
وفي مثل هذا المناخ من الصراحة، يبدو الرقم 1389 مثيراً للهواجس في سياق “التلبّس” الذي أشار إليه الوزير الشعّار بالاستثمارات الوهمية، خصوصاً أن سوريا اليوم تحت أعين مراصد كثيرة.
منظومة الإنتاج
ولا يبدو الخبير الاقتصادي عامر خربوطلي قلقاً من “وهميّة” ما رشح عن وزارة الاقتصاد والصناعة من عدد طلبات إنشاء المعامل بمختلف المجالات، ويقول في تصريح لـ”المدن”: إن الأرقام التي أعلنتها وزارة الاقتصاد والصناعة مبشرة وجيدة، فالطلبات في المحصلة تعني الرغبة والنية، حتى وإن أحجم بعض أصحاب الطلبات لاحقاً عن المضي في التنفيذ، فهذا يحصل ولا يندرج في سياق المعطيات الوهمية.
وعلى المستوى الإجرائي يلفت خربوطلي إلى أن تقديم الطلبات هو إجراء تقليدي كبداية لأي استثمار، يعكس رغبة ونية بإقامة المشروع، لكن ما يؤكد الجدية هو بداية إنشاء المعمل في المدن الصناعية، ولا يصبح الاستثمار جدياً بنسبة 100 في المئة إلا عندما تدخل الآلات وتقلع بالعمل فعلياً.
وعلى الهامش يشير الباحث الاقتصادي إلى حيازة حلب على الحصة الأكبر من طلبات الاستثمار التي أعلنتها وزارة الاقتصاد، ويرجع ذلك إلى رغبة أعداد كبيرة من الصناعيين السوريين في تركيا بالعودة، ولا سيما في مجال صناعة النسيج التي تشتهر بها حلب.
تبديد القلق
ينظر متابعون إلى الأرقام الجديدة المتعلقة بطلبات الاستثمار الصناعي التي أعلنتها وزارة الاقتصاد، على أنها تشيع أجواء من الطمأنة والارتياح في أوساط قطاع الأعمال، بعد تردّد أنباء عن لجوء الكثير من أصحاب المصانع إلى بيعها والتخلي عنها. إذ كان أمين سر غرفة صناعة حمص عصام تيزيني قد حذر سابقاً من ظاهرة عرض المصانع في سوريا للبيع، واعتبرها مؤشراً خطيراً يهدّد الصناعة الوطنية وخاصة النسيجية منها.
بقي أن نشير إلى تصدر حلب لباقي المحافظات في عدد طلبات إنشاء المعامل بـ1005 طلبات، تلتها إدلب وريف دمشق بـ130 طلباً في كل منهما، ثم حماة بـ39 طلباً، ودمشق بـ30 طلباً، وحمص ودرعا بـ17 طلباً في كل منهما، واللاذقية بـ7 طلبات، ودير الزور والقنيطرة بطلبين لكل محافظة، فيما سجلت طرطوس طلباً واحداً.
كما أشارت الوزارة إلى تلقيها 407 طلبات لإنشاء آلات مفردة للصناعات الكيميائية والغذائية والنسيجية والهندسية خلال الفترة ذاتها.
—————————
إعمار سوريا.. حلم مؤجل، خطوات تواجهها عقبات/ موفق الخوجة | وسيم العدوي | كريستينا الشماس | لبابة الطويل
21 أيلول 2025
ينتظر السوريون إعادة إعمار مدنهم وبلداتهم، التي تعرضت للدمار خلال 14 عامًا من الحرب، إلا أن الواقع يبدو أكثر صعوبة، بالنظر إلى عوائق اقتصادية وسياسية وأمنية.
سوريا التي خرجت من الحرب مؤخرًا، وتحاول الوصول إلى استقرار نغّصته عمليات عسكرية في الساحل والجنوب، ما زالت تعاني من واقع اقتصادي متردٍ، على مستوى الفرد والدولة، فالسوري يعيش ضمن أدنى مقومات الحياة، وصندوق الحكومة فارغ، ينتظر تبرعات محلية أو إعانات دولية، دون استدانة.
ووسط اشتراطات دولية صعبة، وبعيدة المنال، تحاول الحكومة السورية الاستعاضة عن المنح بصناديق تبرعات محلية، إلا أنها لا تغطي سوى نسب ضئيلة من الأرقام الضخمة لتكلفة إعادة الإعمار.
بالمقابل، تشهد سوريا انفتاحًا على مشاريع من دول إقليمية وعربية، تشي بتحسن مرتقب في الاقتصاد السوري خلال السنوات القليلة المقبلة، ما يعني تقدمًا في ملف إعادة بناء المدن المدمرة.
تبحث عنب بلدي، في هذا الملف، التحديات والعقبات أمام مسار إعادة إعمار سوريا، وتناقش الحلول الممكنة، مع باحثين وخبراء اقتصاديين، وتستعرض الجهود المحلية والدولية في دعم إعادة الحياة إلى المدن المدمرة.
عودة المهجرين.. حلم مؤجل
نزحت جاهدة قرطومة (65 عامًا) من منطقة جوبر بريف دمشق تحت وطأة القصف المتواصل الذي دمّر منازل المنطقة وأجبر الأهالي على التهجير.
منذ ذلك الحين، تعيش جاهدة على إعانات تقدمها منظمات المجتمع المدني، وتتنقل بين منازل مستأجَرة في ظروف معيشية صعبة.
تروي جاهدة لعنب بلدي بحسرة أن جارًا لها جاءها بعد سقوط النظام بتسجيل مصور لحي مدمر بالكامل، وسألها إن كانت تتعرف على المكان، أجابته بدهشة “وكيف لي أن أعرف؟ النظام السابق لم يترك شيئًا قائمًا في سوريا”، لكن صدمتها كانت حين أخبرها أن منزلها في جوبر موجود داخل التسجيل.
لم تتمالك جاهدة دموعها وهي تشاهد المشهد، إذ لم تتعرف على بيتها الذي احتضن عائلتها لسنوات، ووصفت اللحظة بأنها أعادت إليها “شريط حياة كاملًا”، حين كانت تعيش بأمان بين جدرانه، قبل أن تحوّله غارات النظام السابق إلى ركام.
لا تخفي جاهدة شعورها بالعجز وفقدان الأمل، مؤكدة أنها لم تعد ترى إمكانية للعودة إلى جوبر، بعدما تحول إلى منطقة “ممسوحة” بفعل القصف الممنهج، وبقي بالنسبة لها مجرد ذكرى محمّلة بالحنين والخسارة.
يتشارك رائد طعمة (45 عامًا) معاناة جاهدة، ويروي كيف شاهد منزله في بلدة حزة بالغوطة الشرقية يتعرض للقصف الجوي، قبل أن يضطر للنزوح مع عائلته إلى محافظة إدلب عام 2018، تاركًا خلفه بيتًا متضررًا بشكل كبير.
شارك رائد عنب بلدي لحظة الغارة التي استهدفت منزله، واصفًا عجزه حينها عن فعل أي شيء سوى محاولة إخراج أسرته إلى مكان آمن، مضيفًا أن شعوره بالانكسار رافقه طوال سنوات التهجير.
بعد سقوط النظام، قرر رائد العودة إلى بلدته، لكن فرحته بالعودة اصطدمت بالواقع، إذ وجد منزله غير صالح للسكن ويحتاج، بحسب تقديره، إلى ما يزيد على 5000 دولار لإعادة ترميمه وتأهيله، وهو مبلغ لا يستطيع توفيره.
قال رائد إنه لم يتلقَ أي تواصل من جهات حكومية لتقديم دعم في إعادة الإعمار، والجهة الوحيدة التي رآها على الأرض هي منظمة الهلال الأحمر السوري، التي قدمت معونات محدودة تمثلت ببعض الأغطية والفرش.
بينما هُجّر أحمد الطاير (52 عامًا) من مدينة حرستا بريف دمشق قبل ثماني سنوات، متجهًا مع عائلته إلى ريف حلب هربًا من القصف، وبعد سقوط النظام، قرر العودة لتفقد منزله، ليجد أن البناء الذي كان يقطن فيه قد تهدّم بالكامل، ولم يعد صالحًا للسكن.
قال أحمد إنه لم يتمكن من العودة للاستقرار في حرستا مع عائلته، فتكلفة إعادة ترميم المنزل تفوق قدرته المادية، فضلًا عن أن الإيجارات في ريف دمشق باتت مضاعفة مقارنة بما يدفعه حاليًا في ريف حلب، الأمر الذي يجعل العودة خيارًا شبه مستحيل بالنسبة له.
وأضاف أحمد أن غياب الخدمات الأساسية في حرستا، من كهرباء ومياه وخدمات أخرى، يجعله أكثر ترددًا في التفكير بالعودة، مشيرًا إلى أن وضعه يشبه حال العشرات من المهجرين الذين يعتبرون أن عودتهم إلى منازلهم “مجرد حلم بعيد المنال”.
وصف أحمد حاله وحال أمثاله بأنهم “منسيون” من قبل الحكومة، معتبرًا أن أول استثمار حقيقي يجب أن تعمل عليه السلطات السورية هو إعادة المهجرين إلى منازلهم، وتأمين بيئة تتيح لهم استعادة حياتهم الطبيعية.
تكلفة باهظة ومسار طويل..
عوائق اقتصادية وسياسية
تغيب الإحصائيات الدقيقة لتكلفة إعادة الإعمار في سوريا، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بسوريا، منذ عام 2011 وحتى انتهاء العمليات العسكرية في 8 من كانون الأول 2024، إلا أن أبرز الأرقام تتحدث عن تكلفة تتراوح 250 و400 مليار دولار، بحسب تقديرات للبنك الدولي، ومركز “كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط”، بينما تذهب تقديرات أخرى لتتجاوز 800 مليار دولار.
ووفقًا لتقديرات البنك الدولي في تقريره لعام 2021، قد تصل تكلفة إعادة الإعمار في سوريا إلى حوالي 400 مليار دولار أمريكي، وقد تزيد هذه التكلفة في حال تزايد الأضرار أو تعثر عملية الانتقال السياسي.
ويشير التقرير إلى أن هذا الرقم يشمل إصلاح البنية التحتية الأساسية، مثل الطرق والمرافق الصحية والكهرباء والتعليم، وإعادة بناء القطاع الخاص وزيادة الاستثمارات.
من جهة أخرى، قدّرت الأمم المتحدة، عام 2023، تكاليف إعادة الإعمار بأنها قد تصل إلى 180 مليار دولار، وتشمل تأهيل المدن وإعادة بناء المنازل المدمرة وإصلاح المنشآت الحيوية.
ووفق دراسة لمركز “كارنيجي” صدرت عام 2019، لا تستطيع الحكومة السورية تحمل نفقات إعادة إعمار سوريا، إذ تتجاوز تكلفتها الميزانية بأضعاف.
يضاف إلى ذلك الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، إذ يحتاج أكثر من 16 مليون سوري داخل البلاد إلى مساعدات، كما أن نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
وبينما تشير التوقعات بأن تمتد العملية على مدى 15 إلى 20 سنة في حال سارت بالوتيرة التقليدية، لا يزال الاقتصاد السوري يسير في حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، بحسب تقرير للبنك الدولي، نشره في تموز الماضي.
مؤشرات لتحسن محدود
تقرير البنك الدولي توقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي في سوريا نموًا متواضعًا بنسبة 1% في عام 2025، بعد انكماشه بنسبة 1.5% في عام 2024، وذلك في ظل استمرار التحديات الأمنية، ونقص السيولة، وتعليق المساعدات الخارجية.
وفيما يتيح تخفيف العقوبات بعض الإمكانيات الإيجابية للنمو، فإن التحسن يبقى محدودًا، إذ إن تجميد الأصول الخارجية وتقييد الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية لا يزالان يعوقان إمدادات الطاقة، والمساعدات الخارجية، والدعم الإنساني، فضلًا عن أنشطة التجارة والاستثمار.
وبحسب تقرير للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، في كانون الثاني الماضي، يمكن أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بمعدل 13% سنويا بين عامي 2024 و2030.
ومع ذلك، فإن هذا النمو لن يرفع الناتج الإجمالي للبلاد سوى إلى 80% من مستواه قبل الحرب بحلول نهاية العقد، في حين سيصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نصف مستوى عام 2010.
وبحسب خبراء الأمم المتحدة، فإن استعادة الناتج المحلي الإجمالي الكامل لما قبل الحرب ستتطلب ست سنوات إضافية من نمو ثابت بنسبة 5%، بما يدفع الإطار الزمني إلى عام 2036.
ويصنف التقرير سوريا في المرتبة 158 من أصل 160 دولة في دليل “إسكوا” لتحديات التنمية في العالم لعام 2024، مشيرًا إلى مشكلات متجذرة في الحوكمة، والتدهور البيئي، وانتشار الفقر بشكل واسع.
العوائق السياسية والقانونية
من جانبه، تحدث الباحث الاقتصادي محمد السلوم، لعنب بلدي، أن دخول استثمارات خليجية وتركية وأوروبية، ورفع جزء مهم من العقوبات، قد يقلّص المدة إلى أقل من عقد ونصف.
وأشار السلوم إلى أن العوامل المؤثرة في الجدول الزمني متعددة، منها حجم الدمار وقدرة المؤسسات التنفيذية وتوفر التمويل، وأخيرًا كفاءة الإدارة.
وقال الباحث الاقتصادي، إنه رغم التحسن في البيئة الدولية، لا تزال بعض العقبات قائمة، فالقانون رقم “10” لعام 2018، الذي يمنح الدولة صلاحيات واسعة في إعادة تنظيم الملكيات العقارية، لم يُلغَ رسميًا بعد، ما يثير مخاوف السوريين والمستثمرين بشأن حقوق الملكية.
ورغم رفع الاتحاد الأوروبي جانبًا كبيرًا من العقوبات، فإن اشتراطات المانحين لا تزال حاضرة، خصوصًا فيما يتعلق بالشفافية ومكافحة الفساد، بحسب السلوم.
وتشير تقارير الأمم المتحدة و”IMF” إلى أن الفساد وضعف المؤسسات يشكلان أكبر تهديد لنجاح عملية إعادة الإعمار، إذ يعرقلان الإصلاحات ويفقدان الثقة بالقطاع العام.
لذلك، تركز الحكومة السورية في خططها الحالية على إعادة هيكلة المؤسسات الرقابية والقضائية، ووضع آليات تضمن النزاهة في عقود الإعمار، وفقًا لسلوم.
من جانبه، حدد مركز “كارنيجي للشرق الأوسط” ثلاث ركائز لضمان نجاح عملية إعادة الإعمار والتعافي الوطني على نحو مستدام.
تتمثل الركيزة الأولى في تحقيق انتقال سياسي شامل للجميع، يتيح مشاركة مختلف قطاعات المجتمع في الحكم.
وتتعلق الركيزة الثانية في إرساء ثقل موازن لمن هم في السلطة يعزز الانتقال الديمقراطي في المشهد السياسي السوري.
الركيزة الثالثة ترتبط بتحسين الظروف الاجتماعية الاقتصادية من أجل زيادة الانخراط من القاعدة، ولا سيما في أوساط الفئات السكانية الأكثر احتياجًا التي تواجه ظروفًا معيشية صعبة.
وبحسب “كارنيجي” ستبقى عملية تعافي الاقتصاد السوري معرّضة للخطر، ما لم تتوفر هذه الشروط، وسيزداد احتمال انعدام الاستقرار وسط استبعاد قوى سياسية واجتماعية مختلفة.
ومنذ سقوط النظام السابق، تشكل شبه إجماع من قبل المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج على عدد من الشروط لأي عملية إعادة إعمار فعالة في سوريا، أبرزها:
أن تكون إعادة الإعمار بقيادة سورية يخططها وينفذها السوريون أنفسهم.
أن تكون شاملة لجميع مكوّنات المجتمع، بمن في ذلك الأقليات الدينية والعرقية، والنساء، ومنظمات المجتمع المدني.
أن تتسم بالشفافية والمساءلة، وتُدرج الإصلاحات وحقوق الإنسان والعدالة ضمن إطارها.
أن يتم تخفيف العقوبات لفتح المجال أمام التمويل والمساعدات، مع الإبقاء على العقوبات المتعلقة بالأمن والجرائم الخطيرة.
مؤشرات إيجابية
بالمقابل، يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن المؤشرات الإيجابية كثيرة، منها:
رفع قسم مهم من العقوبات الأوروبية.
بدء استثمارات فعلية من الخليج وتركيا والأردن.
نفتاح سياسي واقتصادي مع فرنسا وألمانيا.
برامج حكومية موجهة للشفافية ومحاربة الفساد.
مبادرات محلية تدفع الإعمار
تسير السياسة الاقتصادية في سوريا إلى رفض الاستدانة الخارجية، والاتجاه نحو صناديق الدعم المحلي.
ومن حمص إلى درعا ودير الزور وصولًا إلى العاصمة وريفها، تتوالى الحملات المحلية لجمع التبرعات تحت عناوين متعددة، في محاولة لإعادة الحياة للمرافق الأساسية التي دمرتها سنوات الحرب في سوريا.
خلال أسابيع قليلة، تجاوزت التبرعات المُعلنة 70 مليون دولار، ورغم أن الأرقام تبدو ضخمة في سياق الموارد المحلية، فإنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة كبيرة حول حجم الاحتياجات الفعلية وآليات توظيف هذه الأموال.
“أربعاء حمص”
في 13 من آب الماضي، أقيم في محافظة حمص مؤتمر “أربعاء حمص” بتنظيم مشترك بين المحافظة ووزارة الثقافة وفريق “ملهم التطوعي”.
المؤتمر استهدف عرض مشاريع تنموية قابلة للتمويل، ونجح بجمع 13 مليون دولار، وفق ما أعلنه فريق “ملهم” عبر صفحته على “فيسبوك”.
وخصصت بعض المشاريع لمناطق معينة مثل إعادة تأهيل مستشفى “تدمر”، وفق رغبة المتبرعين.
“أبشري حوران”
في 25 من آب، انطلقت حملة “أبشري حوران” في محافظة درعا. الهدف المبدئي كان جمع 32 مليونًا و740 ألف دولار لإعادة تأهيل قطاعات التعليم والصحة والمياه.
بالمقابل، شهد اليوم الأول وحده تبرعات فاقت التوقعات، إذ وصل الرقم إلى 37 مليون دولار، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا).
وبعد أقل من أسبوعين، أعلن عن اختتام الحملة بمجموع تجاوز 44 مليون دولار، أي بزيادة قدرها أكثر من 11 مليونًا على الهدف الأساسي.
نائب رئيس المكتب التنفيذي لمجلس المحافظة، مهند الجهماني، قدّم تقريرًا ماليًا يوضح آلية توزيع التبرعات على المشاريع ذات الأولوية، بينما أكد محافظ درعا، أنور الزعبي، أن التنفيذ بدأ مباشرة بعد انتهاء الحملة.
وفي الوقت نفسه، صرّح بأن إعادة إعمار المحافظة بالكامل تحتاج إلى نحو 60 مليار دولار، وهو ما يعكس الفجوة الهائلة بين الأموال المتاحة والاحتياجات الفعلية.
“صندوق التنمية”
أُطلق “صندوق التنمية السوري” في 4 من أيلول الحالي، بحضور الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، الذي أكد أن الصندوق يمثل بداية مرحلة جديدة من البناء والإعمار بعد سنوات من الدمار والتشتت الذي عانى منه السوريون.
حتى الآن، تجاوزت قيمة التبرعات للصندوق 82 مليون دولار أمريكي، ويعول القائمون عليه على دعم أوسع من السوريين والمغتربين والشركات الخاصة لتمويل ما وُصف بأنه “المؤسسة الوطنية الجامعة لإعادة الإعمار”.
المدير العام للصندوق، محمد صفوت رسلان، قال خلال حفل الإطلاق، إن المؤسسة ستكون “بوصلة لإعادة الإعمار”، معتبرًا أنها “رؤية شاملة” تهدف إلى توحيد جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص وأبناء سوريا في الداخل والخارج.
ستعتمد المصادر المالية للصندوق على التبرعات الفردية من داخل سوريا وخارجها، إلى جانب برنامج “المتبرع الدائم” الذي يتيح اشتراكات شهرية ثابتة، فضلًا عن الإعلانات والهبات والتبرعات التي تُقبل وفق القوانين والأنظمة النافذة.
“دير العز”
في 11 من أيلول، انطلقت حملة “دير العز” بمحافظة دير الزور، لتشهد بدورها تفاعلًا سريعًا.
الهدف المبدئي كان جمع أكثر من 25 مليون دولار، لكن الساعات الأولى فقط سجّلت تبرعات تجاوزت 26 مليون دولار، بحسب ما صرّح به مدير الحملة، مصعب الحنت، لعنب بلدي.
كما برز دور المغتربين الذين أسهموا عبر تحويلات مباشرة، ما دفع مدير الحملة للحديث عن إمكانية ارتفاع الأرقام مستقبلًا.
“ريفنا بيستاهل”
بدورها، أطلقت محافظة ريف دمشق حملة “ريفنا بيستاهل” في 20 من أيلول، وهي أحدث الحملات حتى لحظة تحرير الملف، وتجاوزت التبرعات خلال الساعات الأولى لإطلاق الحملة 76 مليون دولار.
وتهدف “ريفنا بيستاهل” إلى دعم إعادة تأهيل المناطق الريفية التي تعرضت لدمار شبه كامل خلال سنوات الحرب، مثل الغوطة الشرقية وداريا ومضايا والزبداني وجوبر. الحملة تمثل امتدادًا للمبادرات السابقة مثل “أبشري حوران” و”دير العز”، لكنها تواجه تحديات أكبر بسبب حجم الدمار والموارد المحدودة.
تركز الحملة على مشاريع أساسية تشمل ترميم المباني السكنية، وتعبيد الطرق، وتأهيل شبكات المياه والكهرباء، وتجهيز المستشفيات والمرافق الحكومية.
المتحدث باسم الحملة، براء عبد الرحمن، أوضح لعنب بلدي، أن جهود الحملة ستتم بالتنسيق مع المجتمع المحلي والمجالس المحلية في ريف دمشق، وبإشراف المحافظة وصندوق التنمية السوري، بهدف تحسين الظروف المعيشية للسكان واستعادة البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية.
صعوبات أمام هذه الحملات
في تقييمه للتحديات الاقتصادية، أوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد أن الحملات تواجه صعوبات كبيرة، أبرزها نقص التمويل مقارنة بتكلفة إعادة الإعمار الضخمة، إضافة إلى العقوبات المفروضة على سوريا التي تحد من وصول الاستثمارات الأجنبية.
كما أشار إلى أن حجم الدمار في البنية التحتية يتطلب إعادة بناء شاملة للطرق والكهرباء والمياه، ما يزيد من تعقيد التنفيذ.
تتضمن التحديات الأخرى صعوبات لوجستية في الوصول إلى بعض المناطق، وغياب خطط اقتصادية طويلة الأمد لتحويلها إلى مراكز منتجة، بالإضافة للحاجة إلى تنسيق فعّال بين الجهات الحكومية والمنظمات والمجتمعات المحلية لتجنب تداخل الجهود وإهدار الموارد.
رغم هذه التحديات، يرى محمد أن الحملات يمكن أن توفر دعمًا ملموسًا للقطاعات الأساسية إذا جرت إدارة التمويل والمشاريع بآليات شفافة للمتابعة والمساءلة، مع التأكيد على أن أثرها سيكون محدودًا مقارنة بالحاجة الإجمالية لإعادة الإعمار الكامل في الريف.
حدود المبادرات وآفاقها
بحساب ما جُمع في تلك المبادرات، فإن مجموع التبرعات يبلغ نحو 230 مليون دولار خلال أسابيع قليلة.
بالمقابل، عند مقارنته بالتقديرات الرسمية لحجم الدمار، مثل 60 مليار دولار لإعمار درعا وحدها، يظهر الفارق الكبير بين الإمكانيات والاحتياجات.
هذه المبادرات تعكس قدرة المجتمع على الحشد، كما تبرز دور رجال الأعمال والمغتربين والمنظمات المحلية والدولية في توفير دعم عاجل لبعض القطاعات.
لكنها في الوقت ذاته تكشف محدودية الأثر مقارنة بالبنى التحتية الكبرى التي تحتاج إلى تمويلات بمليارات الدولارات.
وأشار الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد، في حديثه إلى عنب بلدي، إلى أن هذه التبرعات تمثل مؤشرًا على حيوية المجتمع المحلي، وقدرته على التحرك في ظل غياب موارد كبيرة.
لكنه أكد أن الأثر يبقى محدودًا، إذ لا يمكن لمبالغ كهذه أن تغطي سوى مشاريع خدمية صغيرة أو متوسطة، مثل ترميم المدارس أو تجهيز المراكز الصحية. وأوضح أن التحدي الأكبر يكمن في ضمان الشفافية ومتابعة التنفيذ بدقة.
وحول دور هذه المبادرات، أكد محمد أن نجاح الحملات لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى القدرة على تحويل التبرعات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مع وجود آليات شفافة للمتابعة والمساءلة.
دعم دولي محدود..
انفتاح على الاستثمار
قدمت دول عربية وأوروبية، بالإضافة إلى منظمات دولية وغير حكومية، إعانات لدعم مسيرة إعادة الإعمار، إلا أن هذه الإعانات تبقى محدودة الأثر، وسط احتياجات كبيرة، واقتصاد متردٍ.
البداية من أوروبا
بهدف دعم جهود التعافي الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، أعلن الاتحاد الأوروبي، في حزيران الماضي، عن تخصيص 175 مليون يورو لتمويل مشاريع تنموية تشمل قطاعات الطاقة والتعليم والصحة والزراعة وتحسين سبل العيش.
ويندرج هذا الدعم ضمن التزام الدول الأوروبية إلى جانب عدد من الدول المانحة الذي سبق الإفصاح عنه في آذار 2025، خلال مؤتمر “الوقوف مع سوريا: تلبية الاحتياجات من أجل عملية انتقال ناجحة”، بتقديم ما يقارب 5.8 مليار يورو لدعم سوريا والمجتمعات المضيفة للاجئين.
تخفيف العقوبات
في خطوة اعتُبرت تحولًا لافتًا في السياسة الأوروبية تجاه سوريا، قرر الاتحاد الأوروبي، في شباط الماضي، تعليق بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاعات رئيسة كالطاقة والنقل والقطاع المصرفي، بهدف تسهيل إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ثم أكد الاتحاد الأوروبي عبر بيان رسمي رفعًا جزئيًا للعقوبات مع الإبقاء على القيود المفروضة على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، وذلك في إطار دعم مسار العدالة والمحاسبة.
وبالتوازي، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا دعا بموجبه إلى استخدام الأصول المجمدة للنظام السابق لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وتعويض الضحايا.
موقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
من جهتها، أكدت الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاص السابق غير بيدرسون (استقال مؤخرًا)، أن التحول السياسي الشامل هو شرط أساسي لنجاح إعادة الإعمار وتحقيق السلام.
ووفقًا لتقرير أممي حديث، في أيار الماضي، عاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ ونازح سوري إلى مناطقهم، منذ سقوط النظام السابق، فيما دعت الأمم المتحدة إلى تعبئة الموارد الدولية لدعم جهود إعادة البناء.
وفي نيسان الماضي، أعلنت كل من السعودية وقطر عن تسديدهما الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي والبالغة نحو 15 مليون دولار، ما أعاد تأهيل سوريا للحصول على تمويلات مستقبلية لدعم جهود إعادة الإعمار من مؤسسات التنمية الدولية.
يوجد تصوّر سطحي وسائد لدى كثير من الناس حول مفهوم إعادة الإعمار في سوريا، يتمثل في أن شركات كبرى ستدخل البلاد، وتبدأ بجرف المناطق المدمرة وبناء ناطحات سحاب ومشاريع ضخمة، مع إعادة تأهيل شاملة للبنى التحتية.
هذه الصورة غير واقعية، ولم تحدث بهذا الشكل في أي دولة عانت من دمار شامل.
التجارب السابقة، مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أظهرت أن البداية الفعلية لإعادة الإعمار لم تكن من المنازل أو الأبنية، بل من المصانع المدمرة، فقد بدأت ألمانيا بإصلاح منشآتها الإنتاجية تدريجيًا، ما أسهم في تشغيل اليد العاملة، بمن فيهم الجنود المسرّحون، وسرعان ما أدى ذلك إلى زيادة وتيرة الإنتاج ثم التوسع في ترميم البيوت والمناطق السكنية.
تلقت ألمانيا حينها دعمًا ماليًا خارجيًا عبر خطة “مارشال”، وكان المبلغ الذي حصلت عليه ليس ضخمًا بمقاييس اليوم، لكنه مثّل دفعة مهمة ومؤثرة في تلك المرحلة الزمنية.
وفيما يتعلق بدول الجوار، فإن دولًا مثل تركيا والعراق ولبنان لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في إعادة إعمار سوريا، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضًا بسبب الحاجة إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، وترى هذه الدول أن الإعمار يبدأ من خلال صيانة البنى التحتية الأساسية، وترميم المساكن، بما يهيّئ الظروف الملائمة لعودة السكان.
هذه الدول تنظر إلى العملية من منظور شراكات تجارية مستقبلية، حيث يُعاد اللاجئون، ثم يدخل التجار ورجال الأعمال من دول الجوار للاستفادة من السوق السورية، وهذا المسار الاقتصادي يُستخدم كوسيلة لتقليل الأعباء الديموغرافية والسياسية على هذه الدول.
الرؤية الغربية: الاستثمار أولًا والاندماج في النظام المالي
أما الدول الأوروبية والغربية، فتنظر إلى إعادة الإعمار من زاوية مختلفة، إذ تشترط الوصول إلى مرحلة يمكن فيها للشركات الأجنبية الدخول إلى السوق السورية بشكل آمن وشفاف، من خلال توفير بنية تحتية قابلة للعمل، وتشريعات تسمح بالاستثمار، وحرية مالية ومصرفية.
وترى هذه الدول أن إعادة الإعمار تعني أن تصبح سوريا جزءًا من النظام المالي العالمي، ما يتطلب وجود منافذ بحرية وجوية مفتوحة، ورفع رواتب العاملين لزيادة القدرة الشرائية للمنتجات الأوروبية، حينها فقط تعتبر هذه الدول أن سوريا “أُعيد إعمارها” وفق تعريفها الاقتصادي.
نموذج محلي يتلاءم مع خصوصية سوريا
النموذج الأنسب لسوريا ليس بالضرورة مطابقًا للنموذج الغربي أو الإقليمي، بل يجب أن يكون مبنيًا على مشاركة المجتمعات المحلية في التنمية.
ويمكن اعتماد مقاربة واقعية تبدأ من حملات تبرعات تنموية مجتمعية، كالتي حدثت مؤخرًا في عدد من المحافظات السورية، يليها إصلاح تدريجي للبنى التحتية الرئيسة، ثم تشجيع الاستثمار المحلي والقطاع الخاص.
ويجب أن تعود العمالة السورية وتُدمج في السوق، مع رفع الأجور تدريجيًا، وزيادة الضرائب بشكل مدروس لتمويل مشاريع الدولة، إلى جانب تقسيم المناطق إلى أقاليم اقتصادية تتنافس فيما بينها لتحقيق التنمية والتكامل الاقتصادي الداخلي.
رؤية مرنة ومتماشية مع الواقع السوري
هذه الرؤية لا تفترض فتح سوريا بالكامل أمام الاستثمارات الغربية في المرحلة الأولى، بل تعطي الأولوية للمستثمرين المحليين والقطاع الخاص السوري، كما تهدف إلى رفع مستويات الدخل بما يتناسب مع متطلبات المعيشة، وتشجيع الصناعة والموارد المحلية.
ويجب ألا يكون الانخراط في النظام المالي العالمي شرطًا أوليًا، بل نتيجة تدريجية لعملية بناء داخلية يقودها السوريون أنفسهم، من خلال تحريك الاقتصاد المحلي ودفع عجلة الإنتاج، بما يخلق نموذجًا تنمويًا ينبع من الواقع السوري نفسه، ويعكس حاجات وتطلعات السوريين.
كل طرف يسعى لفرض رؤيته تجاه كيفية إعادة الإعمار على سوريا، والمنح التي يمكن أن تقدم من خلال الدول الأوروبية أو الصندوق والبنك الدوليين، تهدف إلى إعادة اللاجئين السوريين أو الجزء الأكبر منهم، أو دعم وتنشيط القطاع الخاص بمشاريع بنى تحتية معينة، أو زيادة موارد الدولة من خلال تدريبات في الإدارة المالية والموازنة، أو رفع رواتب الموظفين لبدء عملية التنمية من وجهة نظر الغرب.
ليس هناك شيء مجاني، ولكن هذه المقاربة الغربية تلتقي مع المقاربة الوطنية، أي أن هناك مصالح مشتركة في بعض الجوانب، وذلك أمر مقبول بالنسبة لسوريا، لبدء مرحلة إعادة الإعمار.
عنب بلدي
—————————-
مصرف سوريا المركزي يوقّع مذكرة تفاهم مع شركة “ماستركارد“
الأحد 2025/09/21
وقّعَ مصرف سوريا المركزي مذكرة تفاهم مع شركة “ماستركارد” MasterCard بهدف إدخال أنظمة دفع إلكترونية متطورة إلى السوق السورية. وتشمل المذكرة تطوير البنية التحتية للمدفوعات، إصدار بطاقات محلية ودولية، وربط المصارف السورية بشبكات الدفع العالمية.
علماً أنّ شركة “ماستركارد” هي شركة أمريكية خاصة بنظام الدفع عن طريق بطاقة الائتمان. وتشير عبر موقعها الإلكتروني إلى أنّها تقدّم “مجموعة واسعة من خيارات الدفع، مما يجعل المعاملات آمنة وبسيطة وذكية وسهلة المنال. وتُمكّن مدفوعاتنا الأساسية وتدفقات الدفع التجارية والجديدة الجميع، في كل مكان، من المشاركة في الاقتصاد الرقمي بشروطهم الخاصة”. بالإضافة إلى خدماتها المتعلّقة “بـإدارة المخاطر وتعزيز الأمن السيبراني وتحسين تجربة المدفوعات الرقمية”
————————-
قانون الخدمة المدنية.. لماذا أصبح اليوم حاجة ملحّة؟/ محمد حسان السكاف
2025.09.21
تعيش سوريا اليوم مرحلة فارقة في تاريخها، وهي تعيد بناء مؤسساتها وتستعد لمرحلة جديدة من التنمية والإعمار، وهنا يبرزُ سؤال جوهري: هل تكفي الرؤى والخطط إذا لم نمتلك الأدوات التي تحوّلها إلى واقع ملموس؟
من هنا جاء مشروع قانون الخدمة المدنية كأحد أعمدة خارطة التحول المؤسسي الشامل، فلم يعد الأمر مجرد تحديث تشريعي ينظم شؤون الموظفين، بل هو إعادة صياغة عقد جديد بين مؤسسات الدولة وموظفيها، يقوم على الشفافية والعدالة والمساءلة، ويرسخ قيم الخدمة العامة والانتماء الوطني.
هذا القانون لا يقف عند حدود الإجراءات الإدارية، بل يتجاوز ذلك ليغيّر منطق إدارة الموارد البشرية في الدولة، فهو ينقلنا من التعيين العشوائي إلى الاستقطاب المبني على الكفاءة، ومن الترفيع التلقائي إلى الترقية القائمة على نتائج تقييم الأداء الفعلي، ومن الجمود الوظيفي ومحدودية الطموح إلى بناء مسارات مهنية حقيقية تحفّز التطور والتدريب المستمر وتعزز الانتماء الوظيفي.
لقد عانى الجهاز الإداري طويلاً من الترهل والبطالة المقنّعة وهدر الكفاءات الوطنية، وكان لا بد من إطار حديث يضع حداً لهذه المعضلات ويؤسس لمنظومة أكثر كفاءة ومرونة وعدالة وأكثر استثماراً لرأس المال البشري الوطني.
فمن خلال هذا القانون، يستعيد المواطن ثقته بأنّ هناك جهازاً حكومياً يستجيب لتطلعاته ويلبي متطلباته، ويشعر الموظف أن جهده يقدَّر بإنصاف، وأن أداءه يُقاس بعدل.
ندرك أن التغيير ليس سهلاً، وأنه قد يثير بعض القلق في البداية، لكن البقاء في دائرة الجمود الإداري هو الخطر الأكبر، لأنه يبدّد الطاقات ويزيد من كلفة الدولة والمجتمع، فالتحديث ليس ترفاً ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها المرحلة لضمان استدامة التنمية وبناء مؤسسات قوية وفعّالة.
إنّنا بهذا القانون نعيد للوظيفة العامة معناها الحقيقي: من عبء يرهق الدولة إلى طاقة ترفدها، ومن روتين يعيق الإنجاز إلى مساحة للإبداع والمبادرة، ومن جمود يُكبّل الكفاءات إلى ديناميكية متجددة تحرّك عجلة الدولة إلى الأمام.
إنّ ما نخطه اليوم ليس مجرد نص قانوني، بل صفحة جديدة في مسار الإدارة الحكومية، تمنح سورية جهازاً حكومياً يليق بتطلعاتها، ويكون شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبلها.
تلفزيون سوريا
——————————-
الغلاء يسيطر على أسواق دمشق… ما الأسباب؟/ نور ملحم
22 سبتمبر 2025
شهدت أسواق دمشق موجة غلاء حادة أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، رغم توفر المواد الأساسية بكميات كافية. ووفق تجار ومحللين، فإن التذبذب المستمر في سعر الدولار وارتفاع تكاليف الاستيراد والضرائب المحلية هي الأسباب الرئيسية لتفاوت الأسعار وارتفاعها، ما يزيد الضغط على الأسر السورية.
رصدت جولات ميدانية لـ”العربي الجديد” في الأسواق ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل ملموس بحكم أن سعر الدولار تجاوز 11 ألفاً و400 ليرة وفق أحدث البيانات. فارتفع سعر السكر إلى نحو 10 آلاف ليرة للكيلوغرام، والأرز بين 12 ألفاً و20 ألف ليرة حسب النوع، فيما تجاوزت أسعار القهوة 200 ألف ليرة للكيلوغرام، والشاي 180 ألفاً. وسجلت أسعار اللحوم الحمراء ارتفاعاً كبيراً، إذ بلغ سعر لحم الخروف 220 ألف ليرة للكيلوغرام.
ووفق تجار، فإنّ ارتفاع أسعار السلع الأساسية أصبح مرتبطاً بشكل رئيسي بتقلبات الدولار وعدم استقرار سوق الصرف الاجنبي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والاستيراد والضرائب.
لكن على المستوى الرسمي، قال مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق عبد السلام خالد إن حركة الأسواق في العاصمة السورية تشهد استقراراً نسبياً، موضحاً أن جميع المواد الأساسية متوفرة وبكميات كافية، ولا توجد أي سلعة مفقودة تتطلب البحث عن بدائل. ووفق تصريحاته، فإن الأسواق تشهد وفرة، خاصة في المواد المتعلقة بالمونة وفترة المدارس، مع الحفاظ على جودة المنتجات والكميات المطلوبة للمستهلكين.
وأوضح خالد لـ “العربي الجديد” أن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك اتبعت منذ بداية تحرير الأسواق منهج الاقتصاد الحر أو السوق المفتوح، مشيراً إلى أن التسعير أصبح يعتمد على تكلفة المنتج ورأس مال التجار، مع وجود مرونة تسمح ببعض التنافس بين الفعاليات التجارية، ما يسهم في استقرار الأسعار نسبياً. وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار في بعض الأحيان يعود إلى عدم استقرار سعر الدولار، ما يؤدي إلى تفاوت الأسعار بين المحال وفي فترات المختلفة.
وفي ما يخص دوريات حماية المستهلك، أشار مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك إلى أن الوزارة تشكل فرقاً تتوجه إلى الأسواق المختلفة، بما يشمل الأفران ومحال الخضار والفواكه والأسماك والألبان واللحوم، للتأكد من الالتزام بالإجراءات النظامية.
وأكد أن الإعلان عن الأسعار وفواتير البيع النظامية هي أساس الرقابة، وأن المخالفات تشمل عدم الإعلان عن الأسعار، أو البيع بسعر زائد، أو عدم وجود فاتورة نظامية، إضافة إلى مخالفات تتعلق بالمعايير الصحية ونظافة المحال.
ولفت خالد إلى أن الوزارة لم تعد تصدر نشرة أسعار يومية كما كان يحدث سابقاً، وإنما تعتمد الآن على ثلاث نشرات فقط تصدر بناءً على استطلاعات ومسوحات ميدانية تقوم بها فرق الوزارة لتحديد أسعار المواد الأساسية، ما يسمح بمتابعة الأسعار بشكل دقيق ضمن الحدود المقبولة.
وأوضح أن الوزارة شكلت لجنة لدراسة جميع الضبوط التموينية القادمة من مختلف المحافظات لضمان العدالة في فرض الغرامات والعقوبات.
وأضاف خالد أن القدرة الشرائية للمواطنين شهدت تحسناً طفيفاً بعد زيادة الرواتب في القطاع العام، لكنها لا تزال محدودة بالنسبة للعمال، مشدداً على جهود الوزارة والحكومة لتوفير فرص عمل وتحسين الدخل بما يرفع من مستوى القدرة الشرائية.
واختتم عبد السلام خالد تصريحاته بتأكيد سرية المعلومات عند تقديم الشكاوى، موجهاً دعوة للمواطنين للإبلاغ عن أي مخالفة أو تجاوز في الأسواق لضمان حماية حقوق المستهلكين.
يرى الخبير الاقتصادي سامر العبد أن اعتماد الاقتصاد الحر أو السوق المفتوح في سورية منذ تحرير الأسواق منح التجار حرية تسعير المنتجات وفق تكلفة الإنتاج وهوامش الربح، ما أتاح تنوع الأسعار وتحفيز المنافسة، لكنه ساهم أيضاً في تضخم الأسعار بشكل سريع عند عدم استقرار سعر الدولار وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وأضاف العبد لـ”العربي الجديد” أن الاقتصاد الحر يسمح بتوازن نسبي بين العرض والطلب، لكنه يحتاج إلى رقابة فعالة ودوريات مستمرة لحماية المستهلك من التجاوزات، موضحاً أن غياب نشرة أسعار يومية واعتماد نشرات محدودة يجعل مراقبة الأسعار تحدياً إضافياً، ويزيد من الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود، خصوصاً العمال والموظفين ذوي الرواتب الثابتة.
———————————
الرئيس الشرع يقود حراكاً اقتصادياً في نيويورك.. التقى 39 شركة عالمية
أيلول 24, 2025
على هامش مشاركته التاريخية في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة يقود السيد الرئيس أحمد الشرع حراكاً اقتصادياً رفيع المستوى في نيويورك، بهدف تعزيز فرص الاستثمار والانفتاح الاقتصادي لسوريا على العالم.
لقاء مع 39 شركة عالمية
عقد الرئيس الشرع لقاءات اقتصادية هامة في نيويورك خلال اليومين الماضيين، كان أبرزها لقاؤه خلال جلسة طاولة مستديرة نظمتها غرفة التجارة الأمريكية بممثلي 39 شركة أمريكية وعالمية من بينها: غوغل، مايكروسوفت، شيفرون، بيكتل، بوينغ، ماستركارد، سيتي، فيزا، موتورولا، أبوت، بيبسيكو، شل، توتال إنرجيز، وأوبر.
وشهدت الجلسة مناقشة فرص الاستثمار المتاحة في سوريا، والإمكانات الاقتصادية الواعدة التي توفرها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والصحة، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
مشاركة فاعلة في قمة كونكورديا
وشارك الرئيس الشرع في قمة كونكورديا العالمية، التي تعقد سنوياً بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة.
والتقى السيد الرئيس خلال القمة بكبار المستثمرين والخبراء الاقتصاديين في جلسة خاصة، تناولت سبل إعادة الإعمار وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفي جلسة حوارية مع مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) سابقاً الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس ضمن فعاليات القمة، أكد الرئيس الشرع أن الأولوية الآن هي تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا من خلال توحيد الشعب والأرض، بالإضافة إلى تعزيز التنمية الاقتصادية.
وفي وقت سابق، أعلنت “كونكورديا” أن الرئيس الشرع سيلقي أول خطاب رئاسي سوري منذ عام 1967، يتناول فيه رؤية سوريا للتنمية والمشاركة الاقتصادية الدولية.
مؤشرات إيجابية لانفتاح اقتصادي
ويقود الرئيس أحمد الشرع والوفد الوزاري المرافق حراكاً سياسياً واسعاً، تمثَّل في عقد لقاءات عدة مع زعماء دول أجنبية وعربية ومسؤولين سياسيين أوروبيين وأمريكيين، في إشارة إلى انفتاح كبير على العالم.
وأظهرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين عقب لقاء الرئيس الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أن هناك مؤشرات على انفتاح اقتصادي على سوريا، وخاصة فيما يتعلق بالاستثمار ورفع العقوبات بالكامل عن سوريا.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إنه ناقش مع الرئيس الشرع الأهداف المشتركة في سوريا مستقرة وذات سيادة، والجهود المتواصلة لتحقيق الأمن والازدهار لجميع السوريين، وكذلك تنفيذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التاريخي بشأن تخفيف العقوبات.
فيما أكد أعضاء في الكونغرس الأمريكي عقب لقاء السيد الرئيس أهمية رفع العقوبات بالكامل عن سوريا، بما في ذلك قانون عقوبات قيصر.
هذا وشدد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في تصريحات بعد لقاء جمعهما مع الرئيس الشرع، على التزام الاتحاد الأوروبي بزيادة حواره السياسي وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، إلى جانب دعم الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي لإعادة إعمار سوريا.
تفاؤل برفع العقوبات
وصرّح الوزير الشيباني في أكثر من مناسبة أن تعزيز العلاقات ورفع العقوبات والتعافي الاقتصادي كانت من بين القضايا التي تم مناقشتها خلال اللقاءات التي عقدها الرئيس الشرع مع المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين.
وأعرب الشيباني عن تفاؤله برفع كامل العقوبات عن سوريا، بما فيها قانون قيصر، وذلك عقب رفعه علم الجمهورية العربية السورية فوق مقر السفارة السورية في واشنطن في 19 أيلول الجاري.
وأوضج الباحث في الاقتصاد السياسي محمد الموسى لموقع الإخبارية في وقت سابق أن زيارة الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة تشكل منعطفاً اقتصادياً مهماً، كونها المرة الأولى التي تطرح فيها سوريا كوجهة استثمارية أمام الشركات والمستثمرين الأمريكيين.
وأشار إلى أن الزيارة ستتيح للشركات الأمريكية والعاملة في الولايات المتحدة الاطّلاع المباشر على الفرص المتاحة في سوريا، إلى جانب فتح قنوات تواصل مع الحكومة السورية والقيادة السياسية.
واعتبر الموسى أن أي ملف تفاوض سياسي سيكون له تأثيرات مباشرة على الاقتصاد، فحين تتمكن دولة ما من حل قضاياها السياسية ينعكس ذلك على نموها الاقتصادي ويجعلها أكثر جذباً للمستثمرين.
———————————
وزارة الاقتصاد السورية: أكثر من 1500 معمل عاد للعمل داخل البلاد
النسبة الأكبر من المعامل العائدة لسوريا كانت في محافظة حلب
2025-09-24
أعلنت وزارة الاقتصاد في الحكومة السورية الانتقالية أمس الثلاثاء، أن أكثر من 1500 معمل عاد للعمل داخل البلاد خلال الأشهر الأخيرة.
وقال محمد ياسين حورية، معاون وزير الاقتصاد السوري، إن “عدد المعامل التي عادت للعمل داخل البلاد عقب صدور القرار رقم 37، القاضي بإعفاء الآلات الصناعة المستوردة من الرسوم الجمركية، تجاوز 1500 معمل”.
وأضاف حورية، أن محافظة حلب سجّلت النسبة الأكبر من طلبات عودة المنشآت، تليها محافظة ريف دمشق، ومن ضممنها مدينة عدرا الصناعية، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وذكر، أن “وزارة الاقتصاد بدأت فعلياً بمراجعة شاملة لعدد من البلاغات والقرارات الناظمة للعمل الصناعي”.
وأشار، إلى أن “إجراءات منح الموافقات أصبحت أكثر بساطة وسرعة، حيث يتم تحديد موقع المعمل، ثم الحصول على القرار الصناعي وتقديم طلب الإعفاء الجمركي”.
وأوضح، أن “الطلب يحال لاحقاً إلى هيئة المنافذ ثم إلى المعبر المطلوب، وذلك خلال مدة لا تتجاوز أسبوعاً واحداً”.
ولفت، إلى أن “الهيئة السورية للمواصفات والمقاييس، بدأت خطوات فعلية نحو تحديث المواصفات القياسية”، مؤكداً أن “النموذج الاقتصادي الجديد يقوم على سوق حر تنافسي مع حماية للصناعة الوطنية”.
ونوّه نائب وزير الاقتصاد، إلى أن “الوزارة على تواصل دائم مع غرف الصناعة لمعالجة التحديات، وتوفير بيئة عادلة ومحفزة للإنتاج الصناعي الوطني”.
ويوم الأحد الماضي، تقدّم أعضاء المكتب التنفيذي في غرفة صناعة حلب، باستقالة جماعية إلى وزارة الاقتصاد السورية.
وأظهر طلب رسمي صادر عن المكتب التنفيذي، إن “أعضاء المكتب يتقدمون إلى وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار، بطلب قبول الاستقالة من مجلس إدارة غرفة صناعة حلب”.
وأرجع الطلب، سبب الاستقالة إلى “التهميش وعدم الرد على مطالب مجلس إدارة غرفة صناعة حلب”، بحسب ما أكد مراسل “963+”.
وكان من بين الموقعين على طلب الاستقالة، رئيس مجلس الإدارة عماد طه القاسم، ونائبيه محمد كعدان، وإسماعيل حج محمد، وأمين السر أحمد مهدي الخضر.
ولم يوضح الموقعون على الطلب، ما هي المطالب التي تقدموا بها إلى وزارة الاقتصاد ولم يتم تلبيتها.
وفي أيار/ مايو الماضي، قال رئيس غرفة تجارة حلب محمد سعيد شيخ الكار لـ”963+”، إن المدينة بدأت مرحلة التعافي مع عودة الكثير من التجار والصناعيين إليها بعد سقوط النظام، وفتح معاملهم ومصانعهم.
وأضاف، أن “هناك رغبة من جانب المستثمرين الأجانب، للاستثمار في سوريا، لكنهم ينتظرون رفع مستوى الأمان ورفع العقوبات عن البلاد لبدء الاسثتمار”.
——————————-
وصفتها بـ “الأقل عالميًا”.. سوريا تنتهي من مشروع قانون ضريبة المبيعات
ضريبة “صفر” على الصادرات السورية وإلغاء رسم الإنفاق الاستهلاكي
24 سبتمبر ,2025
أعلنت وزارة المالية السورية الانتهاء من مشروع قانون جديد للضريبة على المبيعات، يمهد للانتقال إلى ضريبة القيمة المضافة.
وقالت وزارة المالية في بيان، إنه تم فتح باب تلقي الملاحظات والمقترحات حول مشروع القانون لمدة 21 يوماً تنتهي في 15 أكتوبر المقبل.
وأوضحت الوزارة، أنه تم إلغاء رسم الإنفاق الاستهلاكي المعمول به منذ أكثر من 35 عاماً واستبداله بضريبة المبيعات، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تنفذ 100 ألف وحدة سكنية وتمنح إعفاءات للمتعثرين بالمشاريع السابقة
الأسواق العقارية اقتصاد سوريا سوريا تنفذ 100 ألف وحدة سكنية وتمنح إعفاءات للمتعثرين بالمشاريع السابقة
وأضافت “المالية” السورية، أن النسب الضريبية المقترحة هي الأقل على مستوى المنطقة والعالم، بالإضافة إلى فرض ضريبة عامة على السلع بنسبة واحدة معتدلة لن تشكل عبئاً بموجب جداول محددة وواضحة، وآليات بسيطة وإجراءات سلسة في التطبيق بعيداً عن التعقيد.
كما فرض مشروع القانون ضريبة خاصة على بعض السلع الكمالية، مما يساهم في ترشيد الإنفاق نحو السلع والخدمات الأكثر نفعاً، وضريبة على الخدمات المتنوعة بحسب أثرها الاجتماعي.
دعم الصناعة والصادرات
ووفقًا للوزارة، يراعي القانون البعد الاجتماعي من خلال عدم خضوع المواد الغذائية الأساسية وبعض القطاعات الحيوية الأخرى للضريبة، والبعد الاقتصادي عبر ضريبة “صفر” على الصادرات، ما يعزز القدرة التنافسية للصناعات السورية في الأسواق العالمية، ووجود حد أدنى للتكليف الضريبي يلائم الأنشطة الاقتصادية.
ويعمل القانون الجديد على إرساء الثقة بالمكلفين واعتماد نظام العينات في التدقيق، ويتمتع بالعدالة عبر منح المكلف فرصة لتعديل وتصحيح الإقرار الضريبي ومنحه حق الاعتراض، إضافة لاعتماد محاكم ضريبية حيادية خاصة للفصل في النزاعات الضريبية، وتشجيع الامتثال الطوعي من خلال بيئة ضريبية محفزة.
وأكدت الوزارة عزمها تخصيص حوالي ربع حصيلة الضريبة العامة على المبيعات، لتشجيع ودعم الصناعة والصادرات، وتعزيز تنافسيتها مما يساهم في زيادة حصيلة الصادرات السورية، وذلك بالتعاون والتنسيق مع وزارة الاقتصاد والصناعة.
——————-
سوريا تعيد تشغيل 1500 مصنع متعثر
إلغاء القيود القديمة وتحرير عدد من الصناعات التي كانت محتكرة لصالح الدولة
الرياض – العربية Business
24 سبتمبر ,2025
قال معاون وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد ياسين، إن عدد المصانع التي عادت إلى العمل داخل سوريا عقب صدور قرار إعفاء الآلات الصناعية المستوردة من الرسوم الجمركية، تجاوز 1500 مصنع.
وأضاف ياسين، أن الوزارة تتلقى طلبات بشكل يومي من مستثمرين صناعيين من خارج سوريا، ما يعتبر مؤشرًا واضحًا على استعادة ثقة المستثمرين بالبيئة الصناعية السورية.
وأوضح أن محافظة حلب سجلت النسبة الأكبر من طلبات عودة المنشآت الصناعية، يليها ريف دمشق، ومن ضمنها مدينة عدرا الصناعية، لافتاً إلى تنوع الصناعات التي تم الترخيص لها، وتشمل الصناعات الكيميائية والنسيجية والغذائية والهندسية، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.
سوريا تنفذ 100 ألف وحدة سكنية وتمنح إعفاءات للمتعثرين بالمشاريع السابقة
الأسواق العقارية اقتصاد سوريا سوريا تنفذ 100 ألف وحدة سكنية وتمنح إعفاءات للمتعثرين بالمشاريع السابقة
وأشار إلى التسهيلات الكبيرة التي تقدمها الوزارة، ومنها إلغاء القيود القديمة، وتحرير عدد من الصناعات التي كانت محتكرة لصالح الدولة، كصناعة تعبئة المياه، إضافة إلى تسهيل استيراد المواد الأولية، دون الحاجة لإجازات استيراد، وتيسير التصدير ضمن بيئة سوق تنافسية مفتوحة.
وقال إن وزارة الاقتصاد بدأت فعلياً بمراجعة شاملة لعدد من القرارات المنظمة للعمل الصناعي، وذلك في إطار تحديث المنظومة القانونية بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الحالية.
وأوضح معاون وزير الاقتصاد والصناعة، أن إجراءات منح الموافقات أصبحت أكثر بساطة وسرعة، حيث يتم تحديد موقع المصنع، ثم الحصول على القرار الصناعي، وتقديم طلب الإعفاء الجمركي للآلات، ليحال لاحقاً إلى هيئة المنافذ ثم إلى المعبر المطلوب، وذلك خلال مدة لا تتجاوز أسبوعاً.
————————————
هل تلوح حقبة جديدة للتعاون الاقتصادي بين تركيا وسوريا؟
2025.09.24
تشهد العلاقات التركية–السورية تطورات لافتة بعد سقوط نظام بشار الأسد العام الماضي، إذ تسعى أنقرة لتعزيز تعاونها الاقتصادي مع دمشق بما يتجاوز مستويات ما قبل الحرب، عبر استثمارات واسعة ومشاريع إعادة إعمار بدعم من شركاء عرب وأوروبيين.
شهدت أنقرة ودمشق مستوى غير مسبوق من التعاون السياسي والاقتصادي في الفترة ما قبل 2011، إذ بلغت صادرات تركيا إلى سوريا نحو 1.7 مليار دولار، وفق بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية.
ووفق تقرير نشره موقع المجلس الأطلسي (Atlantic Council
) أعدّه الخبيران التركيان عُمر أوزكيزلجيك، الزميل غير المقيم في مشروع استراتيجية سوريا، وليفنت كمال، الصحفي والباحث المستقل، أدت الحرب إلى انهيار تلك المكاسب في البداية، قبل أن تتمكن أنقرة من استعادة حضورها التجاري تدريجياً لتصل صادراتها إلى ملياري دولار عام 2023، وفق بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي.
وترى تركيا أن الأمر لا يقتصر على التجارة، بل يمتد إلى استخدام التكامل الاقتصادي لدفع إعادة الإعمار، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتهيئة ظروف عودة اللاجئين، بما يضمن أن تكون سوريا “جسراً إلى العالم العربي لا عبئاً عليه”.
الشرع: أهمية استراتيجية للممر التجاري مع الأردن
في اجتماع مشترك بدمشق، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على “الأهمية الاستراتيجية لطريق التجارة والإمداد بين تركيا وسوريا والأردن”.
وأوضح أن فتح هذا الطريق، الذي جرى الاتفاق عليه في القمة الثلاثية الأخيرة في عمّان، يمكن أن “ينعش التدفق التجاري من الجنوب إلى الشمال الذي تعطل طويلاً بسبب الحرب الأهلية والمعارك ضد تنظيم داعش”.
وأضاف أن مرور السلع القادمة من الخليج عبر هذا الممر يمنح سوريا “فرصة للتحول مجدداً إلى مركز تجاري نشط من خلال لعب دور العبور”.
المنطق الاقتصادي التركي في سوريا
في عام 2010، كانت العلاقات التركية–السورية في أوجها، وشمل التعاون اتفاقاً تاريخياً لإلغاء التأشيرات بين البلدين. لكن اندلاع الثورة أدى إلى انهيار الصادرات. ومع مرور الوقت، نجحت أنقرة في استعادة جزء كبير من تجارتها، خاصة نحو المناطق المعارضة المدعومة من تركيا.
وترى أنقرة اليوم فرصاً استثمارية واسعة في إعادة الإعمار. فشركات البناء التركية قادرة على المنافسة عالمياً، وإن كان ضعف رأس المال في دمشق والقيود الاقتصادية الداخلية في تركيا يفرضان تحديات.
وتسعى أنقرة إلى شراكات مع دول عربية وأوروبية، إذ تعهدت مع شركائها العرب بتخصيص 14 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية، بحيث تقدم الأطراف العربية والأوروبية التمويل، بينما توفر تركيا الخبرة والقدرة التشغيلية.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن “سوريا دولة مستقلة، ونحن اليوم أمام سوريا جديدة. من الضروري أن نسمح لهذه سوريا بأن تصمم سياستها الدفاعية الخاصة، وسياستها الخارجية، وعلاقاتها الإقليمية”.
وأضاف أن هدف أنقرة “ليس تحمل أعباء سوريا وحدها، بل تحويلها من ساحة صراع إلى ساحة تعاون”.
رابط مباشر بين الاستثمار وعودة اللاجئين
وتعتبر أنقرة أن الاستثمار الاقتصادي أداة أساسية لاستقرار المرحلة الانتقالية في سوريا وتشجيع عودة اللاجئين. ومنذ الثامن من كانون الأول عاد نحو نصف مليون سوري من تركيا، ما يعكس –بحسب أنقرة– العلاقة المباشرة بين الاستقرار الاقتصادي والعودة المستدامة.
بعد قرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن سوريا في أيار 2025، توسع النفوذ الاقتصادي التركي بسرعة. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية 1.9 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من 2025، مقارنة بـ 2.6 مليار دولار في كامل 2024.
وارتفعت الصادرات التركية بنسبة 54 بالمئة إلى 2.2 مليار دولار، بينما بلغت الواردات السورية 437 مليون دولار. وشملت الصادرات الرئيسية الآلات والإسمنت والسلع الاستهلاكية، حيث قفزت صادرات الآلات بنسبة 244 بالمئة. وأصبحت المنتجات التركية، الأرخص بنسبة 30 إلى 40 بالمئة من المحلية، مهيمنة في الأسواق السورية.
القطاع الخاص التركي يستهدف السوق السوري
خصصت تركيا وشركاؤها العرب 14 مليار دولار لتطوير البنية التحتية، مع تركيز على الطاقة والنقل. وفي آب 2025 بدأ تشغيل خط أنابيب الغاز كلس–حلب، ليمد سوريا بالغاز الأذربيجاني، فيما التزمت أنقرة بتزويد سوريا بـ 900 ميغاواط من الكهرباء بحلول 2026. كما وقع ائتلاف بقيادة قطر ويضم شركات تركية عقداً بـ 4 مليارات دولار لإعادة بناء مطار دمشق الدولي.
وفي الشهر نفسه، أُنشئت “اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة التركية–السورية” (JETCO) وجرى توقيع مذكرات تفاهم حول الاستثمار والحوكمة والتعاون الإداري، بينما تتواصل المحادثات بشأن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة (CEPA).
تسعى شركات تركية مثل “كاليون” و”جنكيز” و”TAV” إلى الفوز بحصة من سوق إعادة الإعمار السوري الذي يقدر بـ 400 مليار دولار. كما تخطط “دينيز بنك” للتوسع، وتدرس “صن إكسبريس” فرص الطيران.
وقال رئيس مجلس الأعمال التركي–السوري في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية إبراهيم فؤاد أوزغور يكجي إن تركيا تهدف إلى رفع حجم تجارتها مع سوريا إلى 10 مليارات دولار على المدى المتوسط، مؤكداً أن القرب الجغرافي والروابط التاريخية يمنحان تركيا ميزة استراتيجية.
شراكات مع قطر والولايات المتحدة
ولعب التحالف التركي–القطري دوراً أساسياً في إعادة الإعمار، إذ دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين حيز التنفيذ مطلع آب. وتعهد ائتلاف تركي–قطري بـ 14 مليار دولار لمشاريع تنمية حضرية وخلق 200 ألف وظيفة، إلى جانب مشاريع في الطاقة والعقارات والبنية التحتية.
كما وقّع ائتلاف تقوده قطر ويضم شركات تركية عقداً بـ 4 مليارات دولار لإعادة بناء مطار دمشق الدولي. وبالتوازي، أنشأت شركات قطرية أصغر قواعد لوجستية في جنوب تركيا لتعزيز استثماراتها في حلب وريفها.
أما التعاون التركي–الأميركي، فيركز على مجالي الطاقة والأمن. ورغم غياب مشاريع اقتصادية مشتركة مباشرة، قدمت واشنطن دعماً تقنياً وسياسياً.
وفي أيار 2025، وُقع اتفاق بقيمة 7 مليارات دولار بين شركة قطرية وأخرى أميركية وشركات تركية لإنشاء أربع محطات غازية بقدرة 4000 ميغاواط، ومشروع طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط لتلبية أكثر من نصف احتياجات سوريا من الكهرباء.
الطريق إلى الأمام
أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الرابع في نيسان 2025 أن بلاده تسعى إلى “إنتاج السلام والاستقرار على أساس فهم يقوم على مبدأ الربح المتبادل ومبدأ الملكية الإقليمية”.
وتتوافق هذه الرؤية مع سياسة واشنطن التي تشجع الشركاء الإقليميين على تحمل مسؤوليات أكبر، وهي مقاربة بدأت في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتبنتها عدة عواصم خليجية.
وبينما لم تنخرط السعودية والإمارات بعد في مشاريع اقتصادية مشتركة مع تركيا في سوريا، فإنهما توسعان استثماراتهما سعياً وراء أهداف مشابهة لأنقرة. ويرى مراقبون أن هذا التلاقي في الاستراتيجيات الاقتصادية بين تركيا والخليج يشكل فرصة لواشنطن لتخفيف أعبائها، ما يزيد أهمية دعم إدارة ترامب لاستمرار الانخراط الإقليمي في سوريا.
تلفزيون سوريا
————————————
من “عقوبات على سوريا” إلى “مساءلة الأسد”.. واشنطن تعدل اسم لوائح العقوبات
2025.09.25
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، عن تعديل شامل ونهائي على اللوائح التي تنظّم العقوبات المفروضة على سوريا منذ عام 2011، مؤكدة أن الخطوة تأتي استجابة لتغيّر الواقع السياسي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتهدف إلى تعزيز أدوات المساءلة القانونية بحق المتورطين في الجرائم والانتهاكات.
وأعادت الوزارة، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، تسمية العقوبات لتصبح “لوائح تعزيز المساءلة عن الأسد واستقرار المنطقة” (PAARSS)، بدلاً من “لوائح العقوبات المتعلقة بسوريا”.
واعتبرت الوزارة في بيان لها أن التسمية الجديدة تعبّر عن تحوّل في جوهر السياسة الأميركية، من مجرد استهداف النظام المخلوع إلى تركيز أوسع يشمل أي جهة تهدد الاستقرار في سوريا والمنطقة.
ما هي التعديلات؟
شملت التعديلات إعادة صياغة كاملة للجزء رقم 569 من قانون اللوائح الفدرالية (31 CFR Part 569)، بما يتماشى مع أوامر رئاسية صدرت مطلع هذا العام، أبرزها الأمر التنفيذي رقم 14142 الصادر في 15 كانون الثاني 2025، والذي يمنح وزارة الخزانة صلاحيات لتجميد أصول الأفراد أو الكيانات التي تدعم النظام المخلوع أو تستغل الموارد الاقتصادية السورية.
وسّع التعديل نطاق العقوبات ليشمل أيضاً مخرجات الأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر في 30 حزيران 2025، والذي يسمح باستهداف من يشارك في تهريب الأموال أو الأسلحة أو النفط، أو أي نشاط يزعزع الاستقرار الإقليمي، سواء من داخل سوريا أو عبر شبكات تعمل من الخارج.
كما عدّلت الخزانة طريقة تصنيف الأسماء والكيانات على قائمة العقوبات الأميركية المعروفة بـ”قائمة المواطنين المُصنّفين بشكل خاص والأشخاص المحظورين” (SDN List)، وأدخلت رموزاً جديدة توضح نوع العقوبة والأساس القانوني لها، مثل:
[PAARSSR-EO13894]: يرمز لعقوبات مفروضة بموجب أمر تنفيذي صدر عام 2019 ضد المساهمين في العنف بسوريا.
[HRIT-SY]: يشير إلى العقوبات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان باستخدام التكنولوجيا لقمع الحريات.
[SYRIA – CAESAR]: يرمز للعقوبات المرتبطة بقانون قيصر لحماية المدنيين الصادر عام 2019.
وأكد بيان الوزارة أن التعديلات توفّر أدوات أكثر دقة لملاحقة الشبكات المالية والاقتصادية المتصلة بالنظام المخلوع، خصوصاً تلك التي تعمل من الخارج أو تعتمد على واجهات وهمية.
واشنطن تنهي عقوبات استمرت عقدين على سوريا
في آب الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، أمس الإثنين، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، إلغاء لوائح العقوبات على سوريا بشكل كامل، وذلك تنفيذاً للأمر التنفيذي (14312) الصادر في 30 حزيران/يونيو الفائت.
وجاء في القرار أن “الظروف التي أدت إلى فرض العقوبات على النظام السابق لبشار الأسد قد تغيرت جذرياً خلال الأشهر الستة الأخيرة، بما في ذلك الإجراءات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع”.
وألغى القرار حالة الطوارئ المعلنة منذ عام 2004، وانتهت العقوبات التي استمرت أكثر من عشرين عاماً، مع الإبقاء على محاسبة الأفراد المرتبطين بانتهاكات حقوق الإنسان أو شبكات المخدرات بموجب أوامر تنفيذية أخرى.
ورحبت سوريا حينئذ بقرار وزارة الخزانة الأميركية إزالة اسم سوريا من لوائح العقوبات المفروضة في مدونة القوانين الفيدرالية، وذلك استناداً إلى الأوامر التنفيذية الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن رفع العقوبات.
وأكدت وزارة الخارجية السورية أن هذا القرار يمثل تطوراً إيجابياً في الاتجاه الصحيح، من شأنه أن ينعكس مباشرة على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية للشعب السوري، ويسهم في تسهيل الحركة التجارية والمالية ورفع القيود عن الصادرات الأميركية إلى سوريا، بما يخفف من معاناة المواطنين ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
——————————–
“معركة مفتوحة”.. أموال المودعين السوريين ماتزال عالقة في المصارف اللبنانية/ فاطمة العثمان
2025.09.25
عادت مشكلة المودعين في المصارف اللبنانية إلى الواجهة بعد مرور ست سنوات على بدئها، بالتزامن مع حديث عن توجه الدولة اللبنانية لإصدار سندات دين بدل إعطاء كل ذي حق حقه.
هذا الطرح واجه تحركات منددة بالقرار، إذ طالب المودعون الدولة اللبنانية بإيجاد حل عملي يمكنهم من استعادة ودائعهم، بدل إصدار التعاميم من قبل مصرف لبنان، والتي تتيح لهم الحصول على مبالغ شهرية لا تتعدى 300 دولار، علماً أن نسبة المودعين السوريين في المصارف اللبنانية تشكل نسبة كبيرة من إجمالي عدد المودعين.
وبحسب خبراء اقتصاديين، يشكل عدد كبير من أركان نظام الأسد البائد ومقربين منه نسبة كبيرة من المودعين السوريين، ولكن لا يقتصر إجمالي عدد المودعين السوريين عليهم، فهناك عدد كبير من المودعين الذين كانوا من معارضي النظام البائد ممن خسروا أموالهم في مصارف لبنان، وفق معلومات موقع تلفزيون سوريا.
كم تبلغ إيداعات السوريين؟
لا توجد أرقام دقيقة حول إيداعات السوريين في المصارف اللبنانية، وفق ما قال الخبير الاقتصادي يونس الكريم لموقع تلفزيون سوريا.
وبحسب الكريم، فإن الرقم المتداول حول تلك الإيداعات يتراوح بين 40 و50 مليار دولار، والسبب في عدم وجود رقم محدد للإيداعات وحركة الأموال، هو أن البنك المركزي اللبناني استخدم كقناة لتهرب من العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا و تهريب أموال نظام الأسد المخلوع.
وكشف الكريم أن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة كان يملك قنوات كثيرة لفتح حسابات في دول العالم لتهريب الأموال السورية، الأمر الذي كان يشكل مساحة من الحرية المصرفية لنظام الأسد المخلوع.
وأضاف الكريم أن الكثير من الحسابات المصرفية في لبنان تعود لأشخاص معاقبين دولياً، تم التحايل القانوني للتستر على حجم إيداعاتهم، وهذا يعد سبباً إضافياً للتكتم على حجم الإيداعات السورية في المصارف اللبنانية.
الغموض لم يقتصر على حجم الإيداعات السورية في مصارف لبنان، حيث لا توجد أرقام صريحة حول حجم الكتلة اللبنانية أيضاً، لكن يقال إن حجم الأموال السورية التي تأثرت بالأزمة اللبناني تشكل 40% من حجم الأموال الكلية اللبنانية، أي ما يقارب 40 مليار دولار من الحجم الإجمالي الذي يبلغ حوالي 100 مليار دولار، ومع ذلك يعتبر هذا الرقم “تنبؤي”، بناء على تسريبات، وفق الكريم.
القانون أو المفاوضات
يؤكد مدير مركز حقوق السجين، المحامي تمام العلي، لموقع تلفزيون سوريا، أن ما ينطبق قانوناً على المودعين اللبنانيين ينطبق على المودعين السوريين.
وبحسب العلي، فإن السلطة اللبنانية، بدءاً من حكومة الرئيس الأسبق حسان دياب، مروراً بالحكومات اللبنانية التي تعاقبت بعدها، لم تتحمل مسؤولياتها عبر إصدار قانون كابيتال كونترول كان من الممكن أن يحل الازمة المصرفية من جذورها وينظم العلاقة بين المصارف والمودعين بحيث كان القطاع المصرفي نجح بالحفاظ على نشاطه، بل تركت السلطة الأمر إلى تعاميم مصرف لبنان الذي نظم مشكلة السحب من المصارف بطريقة، أذلت المودعين وبددت حقوق المودعين الكبار.
لقب “صرّاف المنطقة”.. هل تملأ دمشق الفراغ الذي تركته بيروت؟
ولفت العلي إلى أنه يمكن للمودعين السوريين اتخاذ عدة أطر قانونية لاسترجاع أموالهم، منها التفاوض المباشر مع المصارف، وفي حال فشل المفاوضات، بإمكانهم اللجوء إلى القضاء اللبناني عبر تقديم دعاوى استرداد ودائع أمام قاضي الأمور المستعجلة، علماً أن القضاء اللبناني أصدر أكثر من حكم ألزم فيه المصارف بدفع ودائع لمودعين، ولكن هنا لا بد من الإشارة إلى أن التنفيذ على المصارف بطيء بعض الشيء، بحسب العلي.
ويضيف العلي إلى أنه بإمكان المودعين أيضاً اللجوء إلى التحكيم المحلي والدولي، كما يمكنهم اللجوء إلى المطالبة بحقوقهم عبر القنوات الدبلوماسية السورية، علماً أن السلطات السورية الجديدة تقوم بهذا الدور على أكمل وجه.
لماذا اختار السوريون إيداع أموالهم في مصارف لبنان؟
توجه المودعون السوريون نحو المصارف اللبنانية لعدة أسباب، منها الاستقرار المالي والخبرة البنكية التي كان يتمتع بها لبنان قبل عام 2019 مقارنة بسوريا، وفق ما صرّح عدد منهم لموقع تلفزيون سوريا.
وأضاف المتحدثون لموقع تلفزيون سوريا أن سهولة التحويلات المالية من وإلى لبنان ومن ثم الى سوريا أو العكس، إضافة إلى سهولة الوصول الى البنوك عبر الحدود جعل لبنان بنظر المودعين السوريين، بوابتهم إلى العالم الخارجي، على عكس ما وواجه المودعون السوريون من صعوبات بالغة في إنشاء حسابات مصرفية وإيداع أموالهم في الدول المجاورة نتيجة تشديد الإجراءات المصرفية، بسبب العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على سوريا.
يضيف المودعون السوريون أن المنظمات الدولية العاملة بسوريا كانت تفضل العمل من لبنان نتيجة القنوات المصرفية المتاحة، إضافة إلى مسألة السرية المصرفية التي كان لبنان ملتزم بها، وهذا كان عامل جذب لهم.
اتحاد المودعين السوريين
شكّل المودعون السوريون ما يعرف ب “اتحاد المودعين السوريين في مصارف لبنان”، في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الفائت، وبحسب أعضاء الاتحاد، فإن الهدف من إنشائه هو استعادة أموال السوريين “المغتصبة” في مصارف لبنان على حد تعبيرهم.
وطالب الاتحاد السلطات السورية بالضغط على الحكومة اللبنانية من أجل الحصول على ودائعهم كونها أموال سورية، وإصدار قوانين وتشريعات تقضي بملاحقة أصحاب المصارف والموظفين المتورطين بهذه الجريمة باعتبارها عملية نصب واحتيال منظّمة.
كما وجه أعضاء الاتحاد رسالة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق، طالبوه من خلالها بربط إدخال الاستثمارات اللبنانية إلى سوريا بإعادة أموالهم من المصارف.
أزمة المصارف اللبنانية تتواصل
بعد التخلف عن سداد سنداته الدولية المستحقة البالغة 31 مليار دولار في مارس آذار 2020، تفاقمت الأزمة المالية في لبنان، مما أدى إلى استنزاف الميزانيات العمومية للبنوك وخسارة العملة 99 بالمئة من قيمتها.
وانخفضت السندات إلى أقل من ستة سنتات مع تضاؤل الآمال في إعادة هيكلة الديون أو خطة إنقاذ حاسمة من صندوق النقد الدولي.
وفي أعقاب انتخاب البرلمان لرئيس جديد في يناير/كانون الثاني، أقر المشرعون في يوليو/تموز قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي طال انتظاره، وهو واحد من عدة تشريعات ضرورية لإصلاح النظام المالي.
وقالت وكالة رويترز، إن أسعار السندات الحكومية اللبنانية، التي تعثرت الحكومة في سدادها، ارتفعت إلى أربعة أمثالها تقريبا خلال العام الماضي، إذ راهن المستثمرون على مؤشرات الانتعاش الاقتصادي لكن التباين الكبير في تقديرات قيمتها المحتملة بعد إعادة الهيكلة قد يكبح أي ارتفاع آخر.
ولن تصبح “قيمة الاسترداد” للسندات أكثر وضوحا حتى يقرر المشرعون مستوى الخسائر التي يتعين على البنوك المحلية المتعثرة أن تتحملها، وهو ما سيحدد بدوره مقدار الأموال التي تستطيع الحكومة تحويلها إلى حاملي السندات.
وارتفعت السندات من ستة سنتات فقط للدولار قبل عام إلى ما يقرب من 24 سنتا، في أعقاب انفراجة سياسية أنهت أكثر من عامين من الشلل الحكومي الذي أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان.
—————————————–
============================



