تاريخ

جذور الطائفية السياسية… هل كان نظام الأسد طائفياً حقاً؟/ نصّار يحيى

23 سبتمبر 2025

من الأهمية بمكان بشأن المسألة الطائفية في سورية العودة إلى الجذور، إلى مرحلة التأسيس: كان استيلاء اللجنة العسكرية (محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد، أحمد المير، عبد الكريم الجندي) على السلطة السياسية في سورية إثر انقلاب 8 آذار (1963)، بالتحالف مع التيار الناصري الذي حاول الانتقام لنفسه من الانفصال بمثابة حالة من التدوين الخاص للتاريخ السوري، كما أية لحظة تاريخية تعطي للمعنى عناصر جديدة لم تكن متاحة ما قبلها.

تشكلتْ في سورية عام 1963 هيئة سرية من 20 عضواً: 12 بعثياً وثمانية ناصريين، لكن الحلف (البعثي/ الناصري) لم يدمْ شهر عسله إلا أشهراً قليلة؛ وقبل محاولة انقلاب الضابط الناصري، جاسم علوان، تشكّلتْ حكومة فيها شيء من عدم التفرّد: يكلف زياد الحريري (مستقل) بوزارة الدفاع ورئاسة الأركان، ويُكلّف لؤي الأتاسي رئاسة الدولة أشهراً قليلة (8 مارس/ آذار – 27 يونيو/ حزيران من العام نفسه 1963). قام جاسم علوان ومجموعته الناصرية بانقلاب فاشل في 18 يوليو/ تموز، ومن البديهي أن ذلك جرى بالتنسيق مع الرئيس جمال عبد الناصر. ومن مساوئ المصادفات أن ذاك الاصطفاف أخذ شكلاً طائفياً محدّداً: أغلبية التيار الناصري في العموم كانت من السنة، مع وجود ضابط مهم من العلويين (النقيب محمد النبهان). من خلال هذا “السيستم”، من الطبيعي أن تغدو القراءة لخلفية الصراع أنها طائفية ممزوجة ببعض السياسة (بين السنّة والأقليات). ونُصغي هنا لهذا التوصيف باعتباره مؤسّساً لتدوين الزمن السوري، باستطالاته القائمة حالياً، حيث العودة إلى المنحدر العصبي الطائفي، الذي يجعل من الاستحالة بمكان الانتماء لوطنية سورية تحتكم لمفهوم المواطنة. وهنا يستطرد بعضهم بالقول: كانت هناك فرصة تاريخية لهذه الوطنية، تنحّتْ جانباً مع إعطاء مفتاح المدينة إلى سلطة الوحدة الناصرية (1958)؛ باتت كما الفردوس المفقود.

من داخل حزب البعث سنجد مرجعين مهمّين عن بروز الظاهرة الطائفية في صفوف الحزب ومن ثم في السلطة: الأول، كتاب سامي الجندي “البعث” (دار النهار للنشر، بيروت، 1969): “كان كل المنتسبين للحزب في دمشق من العناصر الشابّة الطلابية القروية.. ظل الحزب هزيلاً في المدن، خاصة في دمشق”، الثاني، كتاب مطاع ميشيل عفلقصفدي “حزب البعث… مأساة المولد.. مأساة النهاية” (دار الآداب، بيروت، 1964) وفيه: “الأقليات الدينية كانت الأكثر طموحاً إلى غزو المجتمع التقليدي الذي يسيطر عليه السنّة”. انتقل اتهام أعضاء اللجنة العسكرية الخمسة بأنهم طائفيون، فاتسعت ليصل أعدادها إلى 15 عضواً: اثنان جديدان علويان (عثمان كنعان، سليمان حداد)، اثنان درزيان (سليم حاطوم، حمد عبيد)، ستة من السنة: ثلاثة من حوران (موسى الزعبي، مصطفى الحاج علي، أحمد سويداني)، واثنان من حلب (أمين الحافظ، حسين ملحم)، وواحد من اللاذقية (محمد رباح الطويل)، وهذا ما دوّنه الهولندي نيقولاس فان دام في كتابه “الصراع على السلطة في سوريا… الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة”  (مكتبة مدبولي، القاهرة، 2006) الصفحة 57.            

ينتقل القلق والصراع إلى ما بين قيادة الحزب نفسه، أمين الحافظ وحليفه محمد عمران (أُبعدِ عمران عام 1964). تنتصر اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد، وحافظ الأسد، وعبد الكريم الجندي، وسليم حاطوم في 23 فبراير/ شباط عام 1966. وحسب سردية الانقلابيين، جرى التوصيف: تنحية الاتجاه اليميني في الحزب (ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، الرئيس أمين الحافظ)، ما كان يعرف حينها بالقيادة القومية. قادة الانقلاب عموماً هم من القيادة القُطرية الشابة، وأطلق شعبياً على المرحلة “عدس”؛ علويون، دروز، إسماعيليون.

من زاويةٍ ما، يمكن لبعضهم أن يرى أن الطائفية ظهرت هنا بشكلها المستور، إذ في الظاهر الخلاف سياسي وعقائدي، إنما “باطنُه صراع طائفي” بين السنة وبقية المكونات (الأقليات). جرت تنحية السنة، وعلى رأسها أمين الحافظ. وعندما كُلف صلاح جديد برئاسة الأركان عام 1965، كان قد جرى إقصاء كثيرين من الضبّاط السنة، وسيزداد العدد بعد انقلاب 23 شباط، حيث نسبة الضباط العلويين ستصبح الأعلى بالمقارنة مع عدد السكان آنذاك. وفي النشرة الدورية للحزب عام 1966، بعنوان “أزمة الحزب وحركة 23 شباط” جاء “ألحّتْ ظروف الثورة الأولى على دعوة عدد كبير من العسكريين الاحتياطيين (حزبيين ومؤيدين) لملء الشواغر التي نجمتْ عن تصفيات الخصوم. لم يتم اعتماد أسس موضوعية في عملية الاستدعاء، وإنما كانت عوامل الصداقة والقرابة، مما أدّى إلى تسرّب عدد معين من العناصر الغريبة البعيدة عن منطق الحزب”.

ستغيب المسألة الطائفية إذا وقفنا قليلاً مع موقف أمين الحافظ بصفته رئيس الدولة، في أثناء الاعتصام الذي حصل في جامع السلطان في حماة (إبريل/ نيسان 1964)، وقد أصدر أوامره بسحق التمرّد حتى لو أدّى إلى تدمير الجامع. وبحسب رواية باتريك سيل في كتابة “الأسد الصراع على الشرق الأوسط” فإن محمد عمران لم يكن موافقاً على دخول الدبّابات إلى حماة.

تنحّى سليم حاطوم بعد محاولة انقلابية في 8 سبتمبر/ أيلول من عام 1966؛ وكان قد هرب إلى الأردن، ومع حرب حزيران (1967) قرّر العودة، للدفاع عن الوطن، ومن ثم اعتُقل وأُعدم.

بعد هزيمة حزيران كانت هناك محاولات حثيثة من التيار المدني في حكومة 23 شباط لتحميل مسؤولية الهزيمة لحافظ الأسد باعتباره وزيراً للدفاع، لكنهم كانوا في عالم آخر “يوتوبيا”: أن اليقظة الحزبية ستشكل عقبة كأداء أمام الجناح العسكري الذي يقوده الأسد، إنما الواقع كان يعاند أفكار الوهم لدى الجماعة الحزبية اليسارية، إذ بات هناك ما يُسمّى ازدواجية السلطة ما بين عام 1968 وحتى الانقلاب النهائي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970.

مع شتاء 1969، كانت البروفة الأولى للانتصار النهائي: هزيمة خصمه اللدود عبد الكريم الجندي، هو وتياره الراديكالي. ينتحر الجندي، يقول يعضهم إنه نُحرَ.  بالمعنى الشعبي، بات تحالف “عدس” في الطريق، وذهب إلى خبر كان. لكن سيغدو اللواء صلاح جديد بعد هزيمته النهائية (نوفمبر/ تشرين الثاني 1970) بمثابة الأب الرمزي لمؤيديه، وربما عُدَّ قدّيساً من طراز بعثي خاص، يستلهم أيقونة المظلومية التاريخية، ذات المبادئ والمثل العليا، في حين يلهث المنتصرون وراء السلطة والكراسي.

ثنائية الضحية والجلاد

الضبّاط الذين كانوا أهم أعمدة حافظ الأسد، بعد انتصاره في 1970، هم اللواء ناجي جميل (سنّي) ترأس السلاح الجوي حتى مارس/ آذار 1978. اللواء يوسف شكور (مسيحي) رئيس الأركان. مصطفى طلاس (سنّي) وزير الدفاع. والضبّاط العلويون: رفعت الأسد (سرايا الدفاع)، علي حيدر (الوحدات الخاصة)، محمد توفيق الجهني (قائد الفرقة الأولى)، علي دوبا (المخابرات العسكرية)، علي الصالح (الدفاع الجوي)، علي حماد (رئيس شؤون الضباط). بالإضافة إلى آخرين: (عبد الغني إبراهيم، علي أصلان، حكمت إبراهيم، علي حسين).

استلم حزب البعث السلطة وعدد أعضائه 400 فقط، وقد اعتمد على “الشرعية الانقلابية”، وهذه نقيض الشرعية الدستورية، وبعيدة كل البعد عن ثورات شعبية حملتْ طموح “المعتّرين” وآمالهم. ما بين 8 مارس/ آذار1963 و16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، عاش هؤلاء “الرفاق” أكثر من انقلاب، بصيغة أيديولوجية ما أو صيغة واضحة للصراع على السلطة. كانت السياسة حتى بهذا الشكل “الديماغوجي” تسعى للظهور بأنها تعمل على تنحية الحالة الطائفية، كحديقة خلفية للمتصارعين، لكن ما حصل أن تلك الحالة العصبية (الطائفية) بدأت تتسرّب بقوة، لاعتبارات أهمها: طبيعة المجتمع السوري آنذاك، إذ كان من الهشاشة بأنه يسمح لهذه العناصر بالظهور بقوة، على العكس من الشعارات وما يُطرح على الملأ، بصيغة نارية لا تقبل إلا الوحدة العربية حدّاً أدنى: “أمة عربية واحدة”، شعار “البعث” التاريخي.

لم يكن الذين قادوا الحزب ثم أوصلوا حافظ الأسد إلى السلطة على طبق من انقلابه الأبيض، طائفيين. إنما بالاعتماد على الدراسات الأكثر حفراً، في معرفة ظاهرةٍ سياسيةٍ كهذه، ومن ثم آلية ارتباطها بالحاكم المنتصر، الذي أصبح مع الأيام الحاكم المطلق “الآمر الناهي” وقائد الضرورة، ثم الأب الخالد، يمكننا ربما أن ننهل بعض الأدوات من تلك الدراسات.

… تنفردُ “الخمينية” بذاتها بوصفها نموذجاً للحكم الثيوقراطي (دمج السلطتين الدينية والسياسية)، على أرضية شعبية تنهل من المظلومية الكربلائية، حيث انتظار المهدي، ووجود بدائل عنه كما شخص الخميني في أدبيات الحاكميّة تحت عنوان ولاية الفقيه. ربما يمكن اعتبارها، في مكانٍ ما، محاكاة غير أصيلة لتجارب أخرى، مثل حالة اليسار العالمي الذي انتصر ونصّب من الأمناء العامين ترسانةً من الطغاة والأبديين من الولادة حتى الموت أو الإقالة بالقوة. ومع ذلك، هناك اختلاف مهم بين الأصل والفرع: حمل هؤلاء على أكتافهم صلبانهم ومشوا على المسامير الحادّة، كستالين في روسيا البلشفية وماوتسي تونغ في الصين، وكاسترو كوبا، عدا عن ظاهرة كوريا الشمالية التي عمل على تأسيسها في البداية كيم إيل سونغ، وكان مثَله كمثل ماوتسي تونغ، قاد “ثورته” وأسّس حزبه الشيوعي (حزب العمل الكوري)، ثم تحولتْ بقدرته الطغيانية إلى جمهورية وراثية، والأكثر دموية في التاريخ.

ما تقوله هذه الدراسات من ممكنات للتفكير: إن ثلاثية العقيدة والقبيلة الغنيمة (محمد عابد الجابري) هي المسكوت عنه في ماهية التفكير أو العقل السياسي العربي، الذي ظهرتْ ملامحه الأولى بعد وفاة النبي محمّد (ص)، وباجتماع سقيفة بني ساعدة. تتنحّى العقيدة لجهة الغنيمة المرتبطة بالعصبية القبلية، ما سيؤسّس لما يُعرف باللاشعور السياسي؛ وهذا من الجابري أيضاً لكنه مُقتبسٌ من المفكّر الفرنسي ريجيس دوبريه. هل يعني ذلك أن العقل السياسي العربي مصابٌ بمرضٍ عُضال لا يمكن الشفاء منه؟

قبل الإجابة، ننتقل مباشرة إلى عنوان هذه الاستعادة: هل النظام الأسدي طائفي؟ كان هناك تداخلٌ مهمٌّ بين العقيدة (حزب البعث) والقبيلة (العصبية الطائفية للأقليات)، وبعد استفراد حافظ الأسد، باتت فقط عصبية تعتمد المكوّن العلوي بشكل أساسي. وهذا يقود إلى الغنيمة، أي استلام السلطة، ومن ثم محاولة إسناد المجتمع، بكل مكوّناته، لأن يكون مشاركاً. ربما الأدقّ أن يكون إلى وقتٍ محدّد، مع اعترافٍ ضمنيٍّ بأنه قابلٌ للعزل والتحييد في أي وقت يريد “الحاكم بأمره”. ينطبق هذا على ما عرف من “تعدّدية سياسية”، بإقامة جبهاتٍ تقدّمية على غرار منظومة الدول الاشتراكية الشرق أوروبية، إنما هناك بقيادة الحزب الشيوعي، وهنا في سورية وشقيقها العراق، بقيادة حزب البعث، يعترض كثيرون: هنا تضع سلطة الأسد وكأنها للطائفة تلك فقط.

الأسدية… محاكاة المظلومية التاريخية للعصبية الطائفية

تَدرّجَ حافظ الأسد من كونه عضواً نشيطاً وفاعلاً في مرحلة النضال السرّي لحزب البعث، خصوصاً في أثناء وجوده في اللجنة العسكرية الحزبية التي قادت انقلاب آذار 1963، إلى انضمامه إلى اليساريين الشباب، من أمثال صلاح جديد الذي قاد انقلاب 23 شباط. وجاءت هزيمة حرب حزيران 1967 وكان وزيراً للدفاع، واستفاد من ذلك بأن كوّن لنفسه جناحاً عسكرياً، مع قائد الأركان مصطفى طلاس رفيق دربه، مكافئاً إيّاه بأن جعل وزارة الدفاع ملكية خاصة باسمه إلى ما بعد وفاته عام 2000؛ أليس ذلك دليلاً على مشاركة السنّة، يقول بعضهم. وسيذكّرون بشخصيات سنّية أخرى شاركت الأسد، مثل عبد الحليم خدام، ناجي جميل، حكمت الشهابي، عدا عن أن رئاسة مجلس الوزراء كانت دائماً من نصيب السنّة.

لعب الأسد الأب لعبة المحاصصات الطائفية والمذهبية من تحت الطاولة، وزراء مثل الخارجية والدفاع والداخلية والمالية من حصة السنّة، الإعلام من العلويين. تتوزع بقية الوزارات على بقايا المذاهب والطوائف من دروز ومسيحيين وإسماعيليين، وستدخل ضمن المحاصصة تلك حالة من “التشاركية” في الجبهة التقدّمية.

لنعد إلى المكان الأهم، وهو تعدّد أجهزة الأمن والمخابرات على أربعة أنواع: الجوية، العسكرية، أمن الدولة (المخابرات العامة) وشعبة الأمن السياسي. كيف تعامل معها الدكتاتور المؤسّس للأسدية؟… ثلاثة مقاعد ثابتة للطائفة العلوية وواحدة للسنة وهي إدارة أمن الدولة. يلعب الابن بهذه الرباعية وأيضاً بتوزيع الحصص الوزارية. لا يعني ذلك أنه لا يوجد في كل شعبة أو فرع ضبّاط برتب عالية من بقية المكونات، خصوصاً من السنّة. لكن مركزية القرار تبقى في أيدٍ أمينة، إذ يقول باتريك سيل إن شخصيتين أو ثلاثاً من قادة الأجهزة الأمنية أعطاهم الأسد الإذن برفع السماعة والاتصال به، وكان الأكثر دلالاً محمد ناصيف رئيس الفرع الداخلي التابع للمخابرات العامة (أمن الدولة).

ماذا تعني تلك التفاصيل؟

مرحلة التكوين: في البدء، لم تكن البنية الأسدية متبلورة، ومعبّرة عن نفسها والتصاقها بعصبيةٍ مذهبيةٍ ما منذ السنوات الأولى. كما إن أية بنية مثلّت الدكتاتورية في التاريخ تحوّلت إلى حالة من التوتاليتارية وفق منظومة التفكير لدى حنة أرندت، ومثالاها الشهيران الستالينية والنازية الهتلرية. نحن أمام منظومة خاصة تحمل ماركة الاسم من الأب الأسد المؤسّس (الأسدية). وهي تظهر بعد الانتهاء من مرحلة الصراع “القلق” والتخلّص من رفاقه الرئيسيين (حركة 23 شباط)، حينما نصّبّ نفسه “سلطاناً” على البلاد، بعد حركته التشرينية. وقد تشكلَ نوع من (الحشد/ الجمهرة) تحت عباءة الانتماء للحزب، الذي هو بمثابة خشبة الخلاص، بإيجاد فرصة عملٍ مميّزة عن بقية أفراد المجتمع السوري.

يُضاف إلى الحزب ومنظّماته الجماهيرية والشبابية ونقاباته العمالية واتحاد الفلاحين والشبيبة والاتحاد النسائي مفترق نوعي جديد اسمه منظمّة الطلائع. خطورة منظمة الطلائع أن الطفل يخضع لمعسكرات صيفية وأخرى ربيعية، وهو بعد في الحادية عشرة من العمر، حيث يُلقّن حب الأب القائد بدلاً من أبيه الفسيولوجي، ويبدأ ترويضه على الطاعة والخضوع، ثم يجرى التدريب على الوشاية الطلائعية، ويصبح ناقلاً لأخبار أهله وإخوته وحارته ومختار الضيعة. وهنا تبدأ النواة الحقيقية لما يتكون لاحقاً ويحفر في الأعماق النفسية لماهية الإنسان المقهور (مصطفى حجازي).

يلجأ الأب القائد لاختبار محبته، عبر ما يسمى الاستفتاء، الذي هو حالة من المبايعة السلطانية، بينه وبين المجتمع بكل مفرداته. تتأسّس فكرة “السلطة” لتنهل من التراث، ترتقي تلك الحالة عندما يجرى الاستفتاء بالدم، وليس بقلم الحبر الناشف. الاستفتاء تعريفه أنه هو المرشّح الوحيد لتجديد البيعة، ولا منافس، ويجب أن تكون النتيجة 99,99%.

يذكرُ باتريك سيل أن وزير إعلام الأسد الأب (أحمد إسكندر أحمد) “مخترع طقوس عبادة الشخصية للأسد”، ويضيف سيل: “كان مفتاح نجاحه هو قدرته على التقاط وتفهم اتجاه تفكير الأسد، وتهيئة الرأي العام لتغيرات السياسة”، ومن ثم تعزيز مفردات مظاهر العبادة: “تكرار الجميع لاسمه باستمرار، وصوره الضخمة في المباني، تماثيله العديدة”. نتكلم عن الفترة الأولى لما بعد حركته التشرينية؛ وقد بقي وزير الإعلام في منصبه من 1974 حتى وفاته بالسرطان عام 1983.

اختلاف المنظومة الأسدية عن مثيلاتها

ربما هناك مشتركات كثيرة بين المنظومة الأسدية والشقيقة العراقية بصيغة صدّام حسين بصورة خاصة. تغدو البنية الأسدية نمطاً للسلطة وعلاقتها بالمجتمع، بملامحها الخاصة التي تميّزها عن مثيلاتها، الستالينية مثلاً. ما نتطلع إليه هنا هو إشكالية المسألة الطائفية، وتحديداً علاقة الأسدية بالطائفة العلوية، كونها حاولت أن تصدّرها إلى المجتمع على أنها هي سيدة الموقف.

الأسدية كما غيرها من أنظمة القهر الإنساني تعمل على الاشتغال بسنن عقلية الرعية، وحين تمنح بعض الامتيازات تمنحها بصفتها عطاء ومنحة من الأب القائد. وعلى المواطن شكر قائده حتى في غرفة نومه.

تبدأ مرحلة آلية خضوع المجتمع بكل مكوّناته إلى “الأب” متوحداً مع نفسه، بما يعنيه غياب كلمة السلطة وإحلال الطاغية الذي يتشكّل مكانها، وهنا من الطبيعي أن تظهر إلى العلن وفي السر، بعلاقته بأركانه بشتّى صنوفهم المدنية والأمنية والعسكرية، صيغة: يَسألْ ولا يُسأل. بذلك يتعزّز في الأعماق اللاشعورية الفردية والجمعية إحياء فكرة المعصومية التي كانت تقتصر في المخيال الشعبي، وحتى الديني، على بشر لديهم صفات خاصة، اصطفتهم السماء وهم خلفاؤها في الأرض.

كانت هناك استثناءات في تلك العلاقة بين التابع السيّد الأعلى والرعية “المجتمع”، وهي ظاهرة رفعت الأسد شقيق الرئيس، لكنه أيضاً يعرف أنه كما الابن للأب، لكنه سيتمرّد عليه في أثناء غيبوبته المرضية في نهاية عام 1983 وشتاء 1984، وبات يهيئ نفسه ليكون الوريث الشرعي عبر مليشياته الخاصة (سرايا الدفاع) التي أخذت صيغةً طائفيةً مباشرةً من دون لفٍّ أو دوران.

قبل ذلك، علينا التوقف عند مرحلة ما هو بداية التأسيس: يمكن القول إنها حاولت عدم إظهار أنها سلطة شديدة البطش، وستأخذ هذه المرحلة منحى مختلفاً، في صيف عام 1979. لا يعني ذلك أن الحياة السياسية كانت على وفاق مع التأسيس المتدرج لبناء منظومة الدكتاتور. في سياق تلك المرحلة، لم تتوقف الاعتقالات لمعارضيه، خصوصاً رفاق حزبه، حينما أودعهم في غرفٍ خاصةٍ في سجن المزّة، ثم أقفل عليهم المفتاح بسلاسل خاصّة. كذلك شهدت تلك المرحلة حالة عنف قصوى، تجلت بإعدام خمسة شباب، مما عُرف آنذاك بالمنظمة الشيوعية العربية، مع أحكام بالسجن المؤبّد لبقية الأعضاء.

بعد ذلك، سيُحاول القضاء على أي حالة تنظيمية معارضة، وذلك بعد تورّطه في مجزرة مخيم تل الزعتر الفلسطيني في صيف 1976، حين نشأ الكثير من تنظيمات يسارية، وفي مقدمتها رابطة العمل الشيوعي التي تعرّضت كلها للاعتقال.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى