دير الزور… حين يُشوَّه الكرم وتُهان الشهامة/ ميسون محمد

23 سبتمبر 2025
في الذاكرة الجمعية للسوريين، ارتبط اسم دير الزور قديماً بمعانٍ نبيلة، مثل الأخوّة، النجدة، والكرم، والشهامة، وهي الصفات التي لم تكن تحتاج إلى دليل. وكان يُتعامل معها على أنها بديهية.
لم يكن من الغريب أن ترى حياً كاملاً أو حارة بأكملها تلتف حول أسرة تبني بيتها أو تمر بمصيبة، فالأيادي تمتد بلا تردد، والقلوب تسبق العقول في فعل الخير. هذه الصورة لم تُصنع في الإعلام أو في القصص الشعبية، بل رسّخها واقع يومي عاشه القريب والبعيد. لكن، في زمن الفوضى والاصطفافات، كيف تحوّلت هذه السمعة إلى محل شك، وبدأ البعض يصف أبناء دير الزور بصفات لا تمتّ لجوهرهم بصلة؟
قبل الخوض في الظاهرة، لا بد من التوقف عند خلفية هذه المدينة التي تتعرّض اليوم لسوء الفهم. دير الزور، الواقعة على ضفاف نهر الفرات في شرق سورية، نشأت كمحطة تجارية وزراعية أساسية منذ القرن التاسع عشر، وجذبت سكاناً من مناطق مختلفة بسبب موقعها الاستراتيجي حلقة وصل بين بلاد الشام والعراق. ساهم نهر الفرات في ازدهار الزراعة، بينما جعلتها طرق القوافل نقطة التقاء للتجار والمسافرين. ومع الزمن، تشكّل مجتمع متنوع يضم عشائر عربية كبرى، وأسراً حضرية، مما أرسى تقاليد الضيافة والانفتاح على الآخر. هذه الجذور الاقتصادية والاجتماعية هي التي جعلت الكرم والتكافل جزءاً من البنية الثقافية للمدينة، وليست مجرد صفات مكتسبة حديثاً.
وإلى جانب موقعها وتاريخها، تمتاز دير الزور بتراث ثقافي غني ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية. اللهجة الديرية، المميزة بإيقاعها الدافئ، تحمل مفردات تعود أصولها إلى العربية الفصحى وأخرى تأثرت باللغات المجاورة بفعل حركة التجارة. الأهازيج الشعبية والأغاني الفراتية ليست مجرد فن، بل تعبير عن الفرح والحزن والعمل الجماعي، حيث تتردّد في الأعراس، ومواسم الحصاد، وحتى أثناء السفر في الصحراء. كما أن عادات الضيافة تتجاوز مجرد تقديم الطعام؛ فهي طقس اجتماعي متكامل يبدأ بالترحيب اللفظي وينتهي بإصرار المضيف على إكرام ضيفه، مهما كانت الظروف. هذه الممارسات، المتوارثة جيلاً بعد جيل، ساهمت في تعزيز صورة المدينة مجتمعاً يضع الكرامة الإنسانية والتكافل في صميم حياته.
مؤخراً، ظهرت روايات حاولت ربط وجود أبناء دير الزور في دمشق وغيرها من المدن بـ”القرب من الحكومة” أو “امتيازات خاصة”. هذه الادّعاءات غير صحيحة ولا تعكس الواقع، فهي مجرّد محاولات لتقليل شأن مجتمع معروف بالكرم والشهامة والنخوة. وجودهم في المدن ليس شيئاً سلبياً، بل هو جزء طبيعي من حركة السوريين بحثاً عن فرص للعيش، وهم عنصر أصيل في المجتمع السوري، يضيفونه بالقيم الإنسانية التي يحملونها معهم. هذه الروايات، رغم ضعفها وافتقارها إلى الدليل، تجد من يردّدها وكأنها حقائق ثابتة، متجاهلة أن أي مجتمع اضطر أفراده لمغادرة بيوتهم بفعل الحرب سيبحث عن مأوى وأمان. وهنا يتضح أن القضية لا تتعلق بالوقائع بقدر ما تتعلق بالتصورات المسبقة، التي كثيراً ما تُصاغ في غرف النقاش المغلقة أو عبر وسائل التواصل، ثم تتسرّب لتصبح جزءاً من الخطاب العام.
ولا يتوقف الأمر عند تفسير النزوح أو السكن، بل امتد ليشمل استخدام أوصاف تاريخية مثل “الشوايا” التي تحوّلت من توصيف اجتماعي أو جغرافي إلى أداة للتقليل من شأن جماعة بأكملها. في مجتمع يعاني من أزمات سياسية واقتصادية حادة، يصبح من السهل إسقاط هذه الأزمات على فئة بعينها، خصوصاً عندما يكون لها حضور ملحوظ في المدن الكبرى. المشكلة هنا ليست في الكلمة وحدها، بل في الثقافة التي تسمح بانتشارها كوصمة.
الأمثلة على تناقض هذا الخطاب كثيرة، ولعلّ ما حدث في الحسكة أخيراً أبرزها. فحين انقطع الماء عن أهلها، لم ينتظر أبناء دير الزور دعوة أو تعليمات، بل أرسلوا المياه فوراً، في فعل إنساني بحت لا تحكمه مصالح أو حسابات. هذا الموقف لم يكن حالة استثنائية، بل استمراراً لعادات مترسخة في ثقافتهم، حيث يسبق الفعل التضامني أي اعتبارات أخرى. ومع ذلك، فإن مثل هذه المواقف الإيجابية لا تجد صدى واسعاً، لأن الصورة النمطية السلبية كثيراً ما تطغى على الفعل الإنساني في الوعي الجمعي.
إذا تأملنا الظاهرة بعمق نجدها جزءاً من مشكلة أوسع يعيشها المجتمع السوري، تتمثل في الميل إلى التصنيف والانقسام الداخلي. فبدلاً من أن تُبنى العلاقات على أساس المشترك الإنساني أو المصلحة الوطنية، تُختزل الجماعات في انتماءاتها الجغرافية أو العشائرية أو الطائفية، ويُحمَّل أفرادها مسؤولية أحداث أو سياسات لا علاقة لهم بها. هذه النزعة الانقسامية ليست مجرد انحراف في التفكير، بل خطر حقيقي يهدد أي إمكانية لبناء جسور الثقة والتعاون بين السوريين.
يتطلب فهم هذه الظاهرة العودة إلى جذورها النفسية والاجتماعية. فحين يعاني مجتمع من ضغط اقتصادي ومعيشي كبير، ويشعر أفراده بأنهم محرومون من الموارد أو الفرص، فإنهم يبحثون عن “آخر” يحمّلونه المسؤولية. وغالباً ما يكون هذا الآخر جماعة محددة، بحيث يسهل اختزالها في صورة نمطية سلبية. هذا النمط من التفكير ليس جديداً على المجتمعات التي تمر بأزمات، لكنه يصبح مدمّراً حين يجد من يغذيه بخطاب شعبوي أو بإعلام موجّه.
الإنصاف في التقييم لا يتحقق إلا بالاعتراف بأن المجتمعات أكثر تنوعاً وتعقيداً من الصور التي ترسم عنها، فدير الزور، بتاريخها الممتد وواقعها المعاصر، أثبتت أن الكرم والنجدة ليسا شعارات موسمية، بل ممارسة يومية تتجلّى في الأزمات قبل أوقات الرخاء. وكلما تمسك السوريون بهذه القيم، كانت فرصهم أكبر في تجاوز الانقسامات التي تهدد وحدتهم.
لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: إذا استمررنا في صناعة الصور النمطية وإعادة تدوير الاتهامات بيننا، فهل سنجد أنفسنا بعد سنوات نتحدث عن قيم التضامن كجزء من الماضي الذي فقدناه، بدل أن يكون واقعاً نعيشه؟
العربي الجديد



