صفحات الثقافة

سياسات ثقافية سوريّة بين عهود: من سيرة «الهيئة العامة السورية للكتاب»/ حسام جزماتي

23-09-2025

        في العام 1958 عرفت سورية أول وزارة للثقافة في الحكومة المركزية الثانية لدولة الوحدة برئاسة جمال عبد الناصر. ففي تشرين الأول (أكتوبر) من تلك السنة تولى «الأستاذ» صلاح الدين البيطار، أحد مؤسِّسَي «حزب البعث العربي»، حقيبة «الثقافة والإرشاد القومي». وهو الاسم المستند إلى العقلية التنويرية.

        وغالباً في السياق نفسه تم إنشاء «مديرية التأليف والترجمة»، في العام التالي، كأحد أقسام الوزارة، ليكون منبراً لنشر الكتب المختارة، سواء أكانت مؤلَّفةً أم مترجَمة، للصدور عن هذه الدار الحكومية التي أقلعت بثمانية عناوين في العام 1960، وتجاوزت حاجز المئة في سنة 1994.

        تغيب، في سورية، السير المكتوبة لمفاصل هامة من أجهزة الدولة، ويُستعاض عنها بذاكرات بعض الموظفين العُتُق. وبناء على حديث هؤلاء ربما كان الدكتور إبراهيم الكيلاني أول من تولى هذه المديرية. والمؤكد أنه، على كل حال، مؤسسها الفعلي ومديرها لسنوات كافية ليضع بصمته. وبما أنه حصل على شهادته العليا بمرتبة الشرف من جامعة السوربون بفرنسا في العام 1948، ببحث عن أبي حيان التوحيدي؛ فقد تميز بالجمع بين جناحَي الثقافة المطلوبين لعمل المديرية، العربي والغربي. وهو ما يتجلى في قائمة مؤلفاته الخاصة وترجماته عن الفرنسية.

        بالتدريج ستضم المديرية «موظفين» مهمتهم تقييم مدى صلاحية الكتب الواردة للنشر. ولم يكن هؤلاء يعيَّنون وفق مسابقات عامة يتقدّم إليها طالبو العمل وفق شهادة محددة، بل من خلال الاختيار الشخصي، النزيه، للأهلية لطبيعة الوظيفة. فمن هؤلاء، مثلاً، كان حنا مينة، الروائي السوري الأشهر، الذي لا يحمل سوى الشهادة الابتدائية. وقد عمل في المديرية لسنوات وضع خلالها، بالاشتراك مع زميلته فيها نجاح العطار، كتابين في القصة والنقد، فضلاً عن متابعة كتابة رواياته بشكل مستقل عن العمل.

        كانت العطار التحقت بمديرية التأليف والترجمة، بعد عودتها من بريطانيا حاملة شهادة الدكتوراه من جامعة أدنبرة، ثم استلمت إدارتها بالتزامن مع تولي فوزي الكيالي، ممثلاً لحزب «الاتحاد الاشتراكي» الناصري، وزارة الثقافة والإرشاد القومي منذ انقلاب حافظ الأسد (الحركة التصحيحية) في العام 1970 وحتى آب (أغسطس) 1976، حين حظيت بها العطار، المستقلة حزبياً، في الحكومة الثانية لعبد الرحمن خليفاوي. واستمرت في حكومة محمد علي الحلبي والحكومات الثلاث لعبد الرؤوف الكسم وحكومتَي محمود الزعبي. ولم تغادر مكتبها هناك إلا في آذار (مارس) من العام 2000، بعد قرابة ربع قرن، كما كانت سنّة الأسد مع «رجاله».

        ما لا يعرفه العموم عن هذه الوزيرة المحنّكة أنها استفادت من الثقة الرئاسية المتجددة إلى أبعد حدّ. سفحت المديح للدكتاتور دون حساب، متكئة على مهاراتها اللغوية المتميزة، لتنال رضاه المستمر في مقابل استقلاليتها العالية في شؤون الوزارة التي لم تكن، في تلك الأيام، مشرعة للتدخلات الخارجية، الحكومية والأمنية.

        كانت العطار تعلم أنه لا يمكن بناء ثقافة بالاعتماد على الانتهازين البعثيين ومندوبي المخابرات فتولت التغطية على معارضين غير صريحين، ليسوا أعضاء في أحزاب محظورة، للعمل في مفاصل لا تحتمل التهاون في الوزارة. ولعل أشهر هؤلاء كان أنطون مقدسي، المدير التاريخي لمديرية التأليف والترجمة، الذي لم يكن وحيداً في هذا وإن يكن الأبرز. كان مقدسي حصل على إجازة في الفلسفة والأدب الفرنسي من جامعة مونبلييه في فرنسا في العام 1952. وفي عهده ترجمت الوزارة كتباً كلاسيكية وحديثة في الآداب والفلسفة وعلم الاجتماع سواها، وأصدرت بعض المؤلفات الهامة لكتّاب سوريين وعرب، وسلسلة في التراث العربي، مما منحها سمعة عريضة في أوساط النشر الذي كانت تشارك في معارضه على امتداد البلاد العربية، وتقدم منتجاتها بأسعار مدعومة لأنها مؤسسة غير ربحية.

        في آذار (مارس) من العام 2000، قبل وفاة أبيه بثلاثة أشهر، مدّ الوريث بشار يده ليشكّل حكومته الأولى غير الرسمية، مكلّفاً محمد مصطفى ميرو الذي اختار مها قنوت لوزارة الثقافة، التي كانت قد تخلت عن «الإرشاد القومي» منذ مطلع عام 1980، منهياً احتكار العطار لها. بدأت الوزيرة الجديدة باتّباع سياسات مختلفة، هي القادمة من أروقة «اتحاد الكتاب العرب» ومكاتب «الاتحاد العام النسائي» وعضوية «مجلس الشعب» وعلاقات قيل إنها طيبة مع جهاز أمني.

        سرعان ما أطاح النهج الجديد بأنطون مقدسي، الذي كان قد بلغ السادسة والثمانين ويجري التمديد له بعقود بسبب خبرته ومكانته، وبعد أن نشر، في صحيفة «الحياة» اللندنية، رسالة إلى بشار الأسد اعتُبِرَت فاتحة اعتراض المثقفين الذي أطلق «ربيع دمشق».

        في مقالته القصيرة، التي جاءت بعدما أقسم الأسد الابن يمينه الأول رئيساً بقرابة شهرين، يقول: «كفانا يا سيدي من الكلام الفضفاض: مكاسب الشعب، إنجازات الشعب، إرادة الشعب. الشعب غائب يا سيدي منذ زمن طويل. إرادته مشلولة تقوم اليوم على تحقيق هدفين: الأول، وعلى الصعيد الخاص، أن يعمل ليلاً ونهاراً كي يضمن قوت أولاده. الثاني: وعلى الصعيد العام، أن يقول ما يُطلب منه قوله، أن يتبنى السلوك الذي يُطلب منه (مسيرات، هتافات..) …. الوضع العام، وباختصار يا سيدي: انهيار عام، سياسي واقتصادي وأيضاً ثقافي وإنساني».

        في السنوات الأولى لعهد الأسد الابن تعاقب على الثقافة وزراء عديدون لمدد قصيرة. وكذلك على المديرية التي حاول بعض طاقمها القديم الحفاظ على هويتها من دون أن يفلحوا دوماً. وفي العام 2006 جرى تحويلها، استهداء بنموذج مصري، إلى «الهيئة العامة السورية للكتاب». لكن ذلك لم يُصحَب بتطوير موازٍ كافٍ لخططها وإمكاناتها وكوادرها، مما جعلها أكثر من مديرية بقليل.

        عندما قامت الثورة، في آذار (مارس) من العام 2011، كانت «الهيئة» خليطاً من قدامى وجدد؛ مستقلين وبعثيين؛ خبراء ومعيّنين بالواسطة؛ علمانيين ومحافظين. وكانت منشوراتها تعبيراً عن هذا كله وأكثر، يتجاور فيها الكتاب القيّم مع الذي تفوح منه رائحة التدخلات والمحسوبيات.

        وبالتدريج أخذت الكتب النضالية تحتل مساحة أوسع من أرفف العرض، بما أن النظام قرر أن سبيله لمواجهة «المؤامرة الكونية» هو استنفار كافة طاقاته، السياسية والإعلامية والثقافية كما العسكرية والأمنية، ممسكاً البندقية بيد والقلم بيد كما يقول تعبير سقيم مبتذل. وحين سقط بشار الأسد كانت «الهيئة» على حالها الراكد هذه؛ تعاني نقص الورق وانحسار منافذ التوزيع واختلاط الحابل بالنابل.

        في البداية لم يكن لدى الحكام الجدد اهتمام يولونه أو وقت ينفقونه على جهة كهذه، حتى شكّلوا حكومتهم الانتقالية وفيها وزير للثقافة أخذ وقته، هو الآخر، حتى عيّن، في تموز (يوليو) الماضي، مديراً جديداً لها هو وائل حمزة، الذي تقول سيرته الذاتية التي نشرتها «الهيئة» إنه غادر البلاد إلى الكويت في العام 2001، مدرّساً للغة العربية ثم مراجعاً ومدققاً في بعض دور النشر هناك. ثم تذكر وظيفة غريبة هي أنه «عمل مستشاراً خاصاً لعدد من الأدباء والشعراء والكتّاب والأكاديميين في دول الخليج العربي».

        وفي حوار أجرته معه جريدة «الثورة» قال «الشاعر الحالم»، كما تعبّر الصحافية، إنه اتخذ الخطوة الأولى لعمله بتشكيل لجنة قراءة «لما كان مطبوعاً وتقييمه»، مشيراً إلى بعض المطبوعات «غير المنسجمة أخلاقياً مع مجتمعنا العربي وعاداته وقيمه، وقد لا تخدم المرحلة الجديدة».

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى