كذبة “بتتصدّق”/ عبير داغر اسبر

23 سبتمبر 2025
قال 80% من السوريين إن وسائل التواصل الاجتماعي باتت المنصة الأبرز لانتشار الأخبار الملفقة والكاذبة. ظهرت هذه النسبة في النتائج الرئيسة والأولية لاستطلاع الرأي الذي نفّذه في سورية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وهو جزء من استطلاعات المؤشّر العربي لعام 2025. هذه النسبة لم تكن مجرد إحصائية عابرة، بل مرآة لحالة متكاملة عاش فيها السوريون على وقع الكذب، حتى صار مراناً يومياً لا بد من ممارسته لإكمال الوقت المتمطي في فعل اللاشيء، هذا الانتظار الكسول الذي لم تستفق منه البلاد بعد، حيث تتداول الشائعة كما الخبز والهواء، إن وُجدا، وهما أيضاً مغشوشان.
هل أقول إني لم أفاجأ بالنتيجة؟ الحقيقة أني فعلت. كنت أظن أنه بعد عقودٍ طويلة، حين كانت وسائل الإعلام تبث روايات جاهزة وتفرضها كحقائق مطلقة تُكرَّر حتى تستقر في الذاكرة الجماعية، قد تغيّر شيء. عبارات مثل “الجيش الباسل”، و”المندسون”، و”الأمن والأمان” لم تكن مجرد جمل، بل عقلية لغوية عجزت عن احتمال الحقيقة.
بعد سقوط النظام، لم أفهم لماذا تضاعف حضور الشائعة، إلى أن بدا السبب واضحاً: الانقسام الطائفي والسياسي، وانعدام الثقة، جعلا من الشائعة وسيلة للسيطرة على النهار الهارب من المنطق، يختلط فيه، بارتياح، الحقيقي بالمختلق. خبر عن قصف أو خطف قد ينقلب إلى عشر روايات تروى بلا ضرورات أخلاقية للتحقق أو التحري. من المريح لمناصري السلطة الحاكمة اليوم ألا تكون المذابح في الساحل تمت بحق مدنيين، وألا يكون حرق البيوت وانتهاك العجائز في السويداء غير شائعات أطلقها دروز احتموا بإسرائيل. وبالمقابل، خوفاً من عدم التصديق، زيدت أعداد القتلى، ورُويت الجرائم مهوّلةً بمخيّلات فرانكشتاينية، تجاوزها واقعنا أصلاً، علّ الصراخ يمنح تلك الجرائم ما تستحق من انتباه وتعاطف وحداد يليق بالفجيعة.
في كتابه “الخبر المرتجل” قال عالم الاجتماع تاموتسو شِبوتاني إن أهمية الخبر ليست في دقته بل في وظيفته؛ أي ترميم المعنى وتهدئة القلق. سوسيولوجياً، تمتلك الشائعة بنية الحكاية الشعبية ذاتها، لها راوٍ وجمهور، وتتغيّر تفاصيلها بحسب المستمع، فتعيش وتنتشر كونها تمنح مطلقها شعوراً بالسيطرة على واقع فوضوي. تكتسب الشائعة قوتها من عناصر عدة: أهمية الموضوع تلعب دورها كاملاً، غموض الوقائع وتعقيداتها، بالتالي، تتفاقم الشائعات وتستفحل كلما احتاجت الجماعات إلى الرعب، أو احتاجت إلى تفسير لم تجده. وهذا ما حدث ويحدث في سورية: كلما كان الحدث عنفياً وغامضاً، ولّدت الجماعات شائعاتها التي قد تبعث على الخوف أو على الأمل، لكنها في الحالتين تملك وظيفة واحدة تكمن في تأجيل مواجهة الحقيقة.
ما قاله المؤشر العربي بلغته الإحصائية إن الحقيقة في سورية لم تعد شأناً مؤسسياً ثابت المصدر، إذ باتت محل تفاوض بين روايات متعارضة، بين ما نعرف أنه كاذب وما نحتاج إلى تصديقه. لم يكشف المؤشر عن سذاجة شعبية بقدر ما كشف عن وعي هشّ: وعي يدرك أن الخبر كاذب، لكن تداوله ضروري للسيطرة على الفوضى.
حين نقول إن أخبار سورية اليوم “كذبة بتتصدّق”، لا نصف ظاهرة إعلامية متنحية عن سياقها، بل نمسك من خلالها ببنية اجتماعية كاملة. نلتقط زمناً عاش فيه السوريون لا على الشائعة فقط، بل على الخوف من تحولها إلى حقيقة، إذ اختاروا الشائعة وسيلةً للبقاء حين ألّفوها مروية بديلة عن الحقيقة. وما كشفه المؤشر العربي في استطلاعه لم يكن مجرّد رأي عام، بل معركة كبرى لا لاستعادة الثقة بالحقيقة فحسب، بل لقبولها، في بلدٍ اعتاش على كذبٍ يُصدَّق.
العربي الجديد



