مقالات سينمائيةمنوعات

“أفلام الثورة السورية”: سينما من أجل الحقيقة/ سمر شمة

19 سبتمبر 2025

في حدث هو الأول من نوعه بعد سقوط النظام السوري المجرم، انطلقت يوم الاثنين الماضي بدمشق أول تظاهرة سينمائية تحت عنوان: “أفلام الثورة السورية” برعاية وزارة الثقافة، وبالتعاون بين المؤسسة العامة للسينما ودار الأوبرا.

وشهدت التظاهرة التي تختتم عروضها اليوم، مشاركة 22 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وتسجيليًا في عدد من صالات العرض بالعاصمة السورية، وثّقت ونقلت تجربة الثورة بانتصاراتها وانكساراتها ومعاناة الشعب السوري خلال 14 عامًا من العنف والقتل والجوع والقصف الوحشي بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا، وآلام الفقد في البحار والبلّم، مؤكدةً أنها صفحة جديدة في تاريخ مؤسسة السينما التي عرضت خلالها أفلامًا لمخرجين سوريين تمّ إقصاؤهم وتجريمهم من نظام الأسد السابق لأنهم قاوموا بالكاميرا وفضحوا أبشع حرب في العصر الحديث، دمرت البلاد والعباد، وكانت عيونهم شاهدًا على المجازر وقتل مئات الآلاف من السوريين والسوريات في أقبية التعذيب والزنازين المظلمة وفي المدن والبلدات الثائرة.

بدأت هذه التظاهرة السينمائية بعرض فيلم الافتتاح “نزوح”، وهو درامي روائي طويل، إنتاج سوري – فرنسي مشترك، 2022، تأليف وإخراج: سؤدد كعدان، تم تصويره في تركيا، بطولة: كندة علوش – سامر المصري – هالة زين – نزار العاني وآخرين. تجري أحداثه في مدينة دمشق، وتتمحور حول عائلة سورية من أب وأم وطفلة في سن المراهقة، يعيشون في منزلهم وسط الخراب والقصف والحرب المستعرة، ورغم ذلك يتشبث الأب بالبقاء في منزله وبلده رغم نزوح جيرانه جميعًا إلى أماكن متفرقة طلبًا للنجاة، إلى أن يُقصف منزله بقذائف وصواريخ جوية دمرت جزءًا منه وكادت أن تودي بحياة العائلة. وأمام هذا الموت الوشيك كل لحظة، تقرر الأم أن تنجو بابنتها وترحل، فيما يظل الأب متمسكًا بالبقاء في المنزل المدمر والذي أصبح بدون سقف أو نوافذ أو حماية. ومع اشتداد المعارك وأنباء عن نية جيش النظام الدخول إلى المنطقة واقتحامها، تبدأ الأم بالتخطيط للنزوح تاركة زوجها الحالم بتوقف الحرب وقدرته على حمايتهم وإصلاح كل ما دُمر، وتعيش مع ابنتها رحلة الخوف والاكتشافات الصادمة أثناء الهروب عبر الطرقات الموحشة والأنفاق المظلمة التي تنقل الناس خارج المدينة في رحلة محفوفة بالمخاطر والرعب والاحتمالات المفجعة، لينتهي هذا الفيلم بلحاق الأب بهم وإعلانه أنه لا يستطيع العيش بدونهم.

الفيلم يعكس الواقع السوري بتفاصيله الدموية ومخاوفه وتناقضاته، ولكنه أيضًا يذكرنا بالأوضاع في غزة المدينة التي تواجه النيران وحرب الإبادة والقصف المتواصل والتجويع القاتل منذ عملية “طوفان الأقصى” يوم 7/10/2023 حتى يومنا هذا. ويعمل الفيلم كمرآة عاكسة لما يجري في القطاع، فبالرغم من سقوط الآلاف هناك بين شهيد وجريح والدمار الذي طاول كل ركن من أركانه، ما زال الفلسطينيون يدافعون ببسالة وصبر خيالي، وإصرار كبير، عن أرضهم وكرامتهم وحقوقهم رافضين سيناريوهات اللجوء والتهجير التي تُطرح بين حين وآخر، وهو السيناريو نفسه الذي واجهه السوريون بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، واختار بعضهم النجاة بحياتهم وحياة أولادهم والبحث عن فرص عادلة وآمنة لهم، بينما رفض آخرون أن يكونوا نازحين أو لاجئين لأنه عار يمس وطنيتهم وكرامتهم كما يرون.

المخرجة سؤدد كعدان درست في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وتخرجت من معهد الدراسات المسرحية والسمعية المرئية والسينمائية بجامعة القديس يوسف بلبنان، ولها فيلم روائي طويل بعنوان: “أضعتُ ظلي” وفيلمان قصيران سلطت الضوء فيهما على الوضع في سورية خلال العقد الماضي وحصدت عشرات الجوائز الدولية عن نتاجها الفني.

اعتمدت في فيلم “نزوح” على المحتوى البصري والأصوات الطبيعية لا على الموسيقى التصويرية وعلى قلة الحوار وبساطته، وأعطت أبطالها الفرصة للارتجال، مما منح العمل طابعًا جمع بين الصدق وعفوية الممثلين، كما مزجت في مشاهد مختلفة بين الإضاءة الطبيعية والظلال التي تسببت بها البيوت المهدمة والجدران المهشمة، وركزّت على ملامح الوجوه وتعبيرات العيون وحركة الجسد التي تعبر عن مضمون الحدث بدون الحاجة إلى الكلام. وقد استخدمت الكوميديا السوداء في بعض المواقف، وكان نصها دراميًا إنسانيًا اجتماعيًا أكثر منه سياسيًا أو تاريخيًا يطرح الشعارات والخطابات الرنانة والمصطلحات.

الفيلم ليس عن الشأن السوري فقط، بل هو كما ذكرت بطلته كندة علوش عن فكرة نزوح الجسد والروح عن الوطن الأصلي، والاتجاه نحو المجهول بحثًا عن الأمان والفرص اللانهائية، وهو يعبر ببساطة وإنسانية عن مآسي السوريين والفلسطينيين والعراقيين وكل الشعوب التي مرت بالحروب والأزمات المشابهة. وهو لم يتحدث عن لحظة النزوح نفسها فقط، بل ركّز على تفاصيل ما قبل النزوح أيضًا. وحاول تسليط الضوء على هذا الخيار القاسي والموجع بطريقة تثير الشجن والضحك في آن معًا في بعض مشاهده، لذلك كله نستطيع القول إنه ليس مجرد أحداث وسرد درامي فقط، بل هو شهادة بصرية عن التناقضات العميقة والمؤلمة وعن التمزق الإنساني في زمن الحرب، وعن الخيارات الصعبة التي اضطُر السوريون لقبولها والذهاب إلى ما لا يتمنون وما لا يحلمون.

حصد العمل متابعات وجوائز ومشاركات مهمة دوليًا وعربيًا منها: جائزة أفضل فيلم روائي طويل بفعاليات النسخة العاشرة من مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب في أعقاب جولة في العالم العربي حطت رحالها في قطر حيث عرض هناك. وجائزة الجمهور في مهرجان البندقية السينمائي، 2022، وعُرض في مصر أيضًا ضمن فعاليات أيام القاهرة السينمائية. وشارك في أكثر من 20 مهرجانًا دوليًا من بينها: مهرجان لندن – موسترادي فالنسيا بإسبانيا – ساو باولو- طوكيو – بوسان بكوريا الجنوبية – تطوان بسينما البحر الأبيض المتوسط – مهرجان السينما المتوسطية في بروكسل – مالمو للسينما العربية في السويد.

ونال أيضًا إشادات من بعض نقاد السينما الذين عاب بعضهم على الفيلم تسلل الكوميديا إلى بعض مشاهده وقالوا: “إن الموضوع والحبكة الإنسانية فيه لا تحتمل الكوميديا أبدًا” رغم أنها كانت موجعة وقاتمة وتمتزج دائمًا بالبكاء والتعب والحنين.

*****

يشارك في تظاهرة “أفلام الثورة السورية” حوالي 22 فيلمًا، تمّ اختيارهم من بين 56 فيلمًا أجنبيًا ومحليًا بعد التركيز على البعد الأخلاقي للأفلام والقيمة الفنية وجودة الإخراج وإيقاع الفيلم كما ذكر القائمون على التظاهرة.

ومن الأفلام المشاركة على سبيل المثال لا الحصر:

    التغريبة السورية: للمخرج نزار الحصان، الذي يوثق تجربة الحرب السورية وآلامها ورحلة اللجوء القاسية من خلال عيون الأطفال وملامحهم، ويقدم لقاءات مع 12 طفلًا يروون تجاربهم الشخصية أثناء الثورة وصعوبات ومخاطر رحلتهم وذكرياتهم وأحلامهم المؤجلة.

    ومضة: للمخرج عمرو علي، وثائقي تسجيلي يسلط الضوء على تجربة “مشروع ومضة” الذي بدأته مجموعة ممثلين وموسيقيين وأكاديميين سوريين بدمشق قدموا من خلاله عدة عروض حيّة أمام الجمهور في شوارع وساحات العاصمة، 2013 – 2014، وسط ظروف أمنية صعبة.

    قضية الغرباء: درامي صدر عام 2024، ويروي قصة عائلة سورية تضطر لمغادرة حلب بسبب الأحداث الدامية هناك، مما يؤدي إلى تشتت أفرادها عبر قارات العالم، ويركز على معاناة وأزمات اللاجئين السوريين من خلال وجهات نظر عديدة، إخراج الأميركي براندت أندرسون.

    فقدان: للمخرج رامي القصاب، وهو عن رحلة لمجموعة مهاجرين غير شرعيين عبر الصحراء إلى مصر داخل صندوق سيارة دفع رباعي، وهو سينمائي قصير، إنتاج المعهد العالي للسينما في القاهرة، 2023، ويناقش الحرب النفسية التي يخوضها هؤلاء للوصول إلى برّ الأمان.

    هذا البحر لي: إنتاج تلفزيون سورية، سيناريو وإخراج: محمود حسن. يتناول قصة ستة ناجين سوريين في رحلتهم بحثًا عن الاستقرار والأمان والنجاة من حرب وحشية، وفيه يحكي كل منهم عن قراره الصعب بمغادرة البلاد ومواجهة خطر الموت في البحار، ويصور الفيلم كيف استطاع البعض الوصول إلى هدفهم بينما فقد آخرون أحباءهم في هذه الرحلة الصعبة.

    العودة إلى حمص: فيلم تسجيلي طويل صُور على مدى 3 أعوام من تاريخ الثورة، ووثّق الحياة اليومية للشهيد ولاعب كرة القدم وحارس الكرامة عبد الباسط الساروت، الذي كان قائدًا حقيقيًا للثورة السورية السلمية في حمص، ثم التحق بالمعارضة المسلحة وأصبح مقاتلاً في صفوفها، ورفض رفضًا قاطعًا الخروج من مدينته والسفر إلى البلد الذي يختاره، وسلط الضوء أيضًا على حياة الناشط الإعلامي أسامة الهبالي، “أسامة الحمصي في الفيلم”. من إخراج طلال ديركي.

    قتل معلن: سيناريو وإخراج: واحة الراهب، ويتحدث عن العنف المفرط الذي يحاصر اللاجئين السوريين وأولادهم، وذلك من خلال حكاية طفلة في الحادية عشرة من عمرها، تعيش مع عائلتها في مخيم للاجئين في لبنان، وتفرض عليها الظروف العمل مع أسرتها في الحقول المجاورة، وبعد تراكم الديون على والديها يقرران تزويجها لرجل يكبرها بأكثر من 25 عامًا. الفيلم ركّز على اضطهاد المرأة والتشرد والضياع والفقر وتداعياته، وهو صرخة للتحذير من ظاهرة زواج القاصرات.

    الداخل مفقود والخارج مولود: وثائقي يرصد معاناة المعتقلين في سجون ومسالخ الأسد البشرية المرعبة، وهو عبارة عن رحلة مع سجين يستعرض خلالها تجربته في السجن والتعذيب الوحشي الذي يتعرض له المعتقلون السياسيون، وهو للفنانة السورية الشابة النحاتة مريم سلامة. عبارة عن 21 تكوينًا لوجوه “بورتريه” من الصلصال الملون، جسدّت من خلالها عذابات الضحايا في سجون لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلًا، معتمدة على صور “قيصر” التي كانت المرجعية لتكويناتها.

من جهته قال المدير العام للمؤسسة العامة للسينما، الفنان جهاد عبده، إنه يأمل من خلال هذه التظاهرة بأن تدمج الصور بين السينما والجمهور السوري بكل شرائحه، لأن هناك “قطيعة كبيرة حصلت في السنوات الأخيرة الماضية بينهما. وكثيرون اعتقدوا أن السينما كانت مجرد أداة لخدمة النظام السابق ليكرّس من خلالها روايته وأيديولوجيته”، مؤكدًا أن هناك رغبة حقيقية الآن لتقديم سينما البسطاء والحقيقة والمشاعر الصادقة النابعة من البيوت والقلوب والضمائر، لا سينما مكرسة للبروباغندا.

كانت التظاهرة حدثًا استثنائيًا في تاريخ السينما السورية، وثّقت الحقيقة ومحطات مفصلية في تاريخ البلاد المعاصر، وأكدت على أهمية هذا الفن في الاعتراف بمعاناة الضحايا وفضح استبداد النظام الأسدي وإجرامه، وعلى إعادة الاعتبار للشاشة الكبيرة كأرشيف حي لذاكرة السينما وكسلاح يقاوم النسيان.

ضفة ثالثة

—————————–

 في معنى التظاهرة السينمائية لأفلام الثورة السورية/ ضاهر عيطة

2025.09.20

انطلقت في دار الأوبرا بالعاصمة السورية دمشق تظاهرة سينمائية تتناول أفلام الثورة السورية. وفي كلمته، وصف مدير المؤسسة العامة للسينما السيد جهاد عبدو هذه التظاهرة بأنها “حدث استثنائي في مسيرة السينما السورية”، لما تحمله الأفلام المشاركة من تجسيد لآلام وطموحات الشعب السوري، وأهدى هذه التظاهرة لأرواح شهداء الثورة السورية وللفنانين الذين قضوا في سبيل الحقيقة، مذكّرًا بأنّ الفن السابع ظلّ منذ اندلاع الثورة واحدًا من أكثر الفنون قدرة على التقاط ارتجافات الإنسان في مواجهة العنف والخراب، وأن السينما ليست مجرد صور متحركة، بل سجلٌ إنساني يدوّن ذاكرة الشعوب ويحوّل الألم إلى سردٍ قابل للتأمل والفهم.

ويمكن أن يُضاف إلى ما تفضّل به السيد جهاد عبدو، في معنى ودلالات أن تُقام تظاهرة سينمائية لأفلام الثورة السورية، كونها تأتي في لحظة تحرر سوريا من العصابات الأسدية، وهي بذلك لحظة غنية بالرموز والمعاني والدلالات على جميع الصعد الإنسانية والفكرية والاجتماعية والفنية. تجتمع فيها المشاهد والأحداث المنتمية للراهن وللماضي، غير أنّ الماضي ولّى وانقضى، وبات يصعب الإمساك به. وما حلّ في تلك الأمكنة، والأمكنة حين ترحل عنها الأزمنة، تغدو صامتة، تقول كل شيء لكن من دون أن تتكلم. والسينما، من بين أنواع الفنون، تسعى إلى كنس ذلك الصمت عنها لتدلّ عليهما، وتعيد لها اعتبارها وهويتها. ونظرًا لسطوة الأمكنة والأزمنة وسلطتها، والتي يستحيل الهرب منها أو تجاوزها، جاءت الآداب والفنون عمومًا لتتمرد عليها، وتعيد تصورها من جديد.

وبما أنّ التفكير في التاريخ جزء من انشغالات الإنسان، بوصفه الكائن الزماني الوحيد، لأنه مفطور على الذاكرة والوعي والتوقع، ونظرًا لأنه يحاول تنظيم حياته داخل شبكة شديدة التعقيد ينسجها الماضي والحاضر والمستقبل، جاءت الآداب والفنون لتعينه على ذلك، وطرح الأسئلة حول الماضي والحاضر والمستقبل. ولكن السينما تكاد تكون القادرة وحدها، من دون غيرها، على استحضار الماضي القابع فيها، وسوقه مرغمًا إلى محكمة الحاضر للنظر في أمره، وتحرص على ألا تدعه يأفل أو يرحل قبل أن تقول فيه قولها.

الواقع يقول: رحل السفاح الأسد، لكنه في جميع أفلام الثورة السورية لم يكن قد رحل، ولن يرحل عنها أبدًا؛ سيبقى مصلوبًا فيها، حاضرًا وماضيًا ومستقبلًا، ليُحاكم ويُجلد ويُلعن، لا من غلٍّ تأصّل في أعماق السوريين نحوه وحسب، إنما هو طبع التاريخ الذي إذا ما حقد جلد ولعن ولم يرحم. وتلك الأفلام آتية من التاريخ الماضي.

وحتى لو شُنق السفاح الأسد أو مات أو اختفى، سيبقى هو وقبحه وإجرامه حاضرًا فيها، كوصمة عار تطارد تاريخه، وتطارد معه تاريخ هذا العالم الذي سكت عن جرمه طوال أربع عشرة سنة، حين تركه يوغل في دم السوريين. وما زال أمثاله من شُذّاذ الأرض يوغلون في دماء الناس أكثر فأكثر. وربما يمكننا، انطلاقًا من هذا الفهم، القول إنّ تظاهرة أفلام الثورة السورية أتت وكأنها محاكمة تؤسّس للعدل والحرية والأمن.

هكذا يخوض سلاح الفكر والفن والأدب معركته في وجه آلة القتل والدمار، ويصرّ على أن يدلي بقوله، من دون قطرة دم. وقد استغلّ كثير من السوريين هذا السلاح النبيل للتعبير من خلاله عن ثورتهم العظيمة وما جرى فيها من أحداث ومشاهد، ومع ذلك تم قتلهم وهدر دمهم. وهناك كثير مما يحتاج إلى رصده وروايته. لكن ما هو مؤكد أنّه لم يعد هناك فرصة لتصوير الماضي والعودة إليه في الواقع؛ فقد انتهت الحقبة الأسدية، وتحررت البلاد. والحضور الفعلي لتلك الأحداث والمشاهد مرّ وانقضى. نعم، يستطيع المؤرخون والروائيون والرسامون والمفكرون والباحثون استعادة أحداث الماضي، لكن لا للماضي ذاته.

غير أنّ السينما تستطيع ذلك، نظرًا للسحر الكامن في عينها – الكاميرا – وفي تقنياتها المتعددة. ومن هنا جاءت تظاهرة أفلام الثورة السورية لتحمل معها معنًى أبعد وأثرًا مختلفًا تمامًا عن كل ما تم إنتاجه من آداب وفنون خلال مرحلة الثورة، لكون تلك الأفلام تستحضر الماضي كما هو، وقد صُوِّرت جميعها في زمن لم يكن نظام الأسد قد سقط بعد، بل كانت مجازره هي المحرّك الأساسي لمادتها وعجلتها. أي أنّها تحضر معها الماضي. ومن هذه النقطة تحديدًا تشكّل تلك الأفلام في مجموعها تحفة فنية، لكونها التقطت اللحظات من الماضي، وكيف كان يتشكل ويتكوّن تحت النار والدمار.

والجمهور الذي يجلس على المقاعد في صالات العرض، وكان قبل دقائق قد رأى بأمّ عينيه العلم السوري الأخضر وقد غاب عنه اللون الأحمر، وهو يستعيد مجددًا ماضيه الموشوم بجرائم السفّاح الأسد من خلال هذه الأفلام التي يشاهدها، حتمًا لن يعيش الماضي ذاته برعبه وخوفه وعذاباته، إنما سيعيش انعكاساته ونتائجه وآثاره. إنّها محاولة لأن يحلّ المشاهد – الناجي الآن، المنتصر بنجاته – في هزيمته وعذاباته وتضحياته الماضية. لكنه ليس حلولًا مطلقًا، إذ يبقى للفن جداره الفاصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، جدار لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه. وهذا الوعي بالمسافة الزمنية هو ما يجعل مشاهدة أفلام الثورة السورية أشبه بلحظة سحرية: أن يرى المشاهد مجددًا حرائق الماضي ومآسيه وعذاباته وويلاته على شاشة السينما، ثم يتلفّت حول نفسه ليجد أنّه قد نجا من ذلك الحريق والضياع والجحيم، لهو شعور مليء بالغبطة ويستدعي التأمل في الحاضر أكثر.

كأنها لحظة تقول للسوريات والسوريين: تذكّروا أين كنتم وأين صرتم. الأفلام التي صوّرت غرقكم في البحر، وسقوط البراميل فوق رؤوسكم، وتعذيبكم في المعتقلات، وجوعكم تحت الحصار، ورعبكم على الحواجز… كل ذلك ذهب وولّى. وأنتم الآن تجلسون بين أهلكم وأصدقائكم ومعارفكم تشاهدون ما كان عليه حالكم في الماضي، وحال غيركم من السوريين. وهنا ينهض السؤال الكبير: إذًا ماذا أنتم فاعلون الآن؟ أليس عليكم أن تنشطوا وتعملوا، وأن تسعدوا، وتفخروا بالحرية التي صارت بين أيديكم، وتعرفوا معها كيف ستتصرفون؟

فالسينما تسأل أيضًا، مثلها مثل غيرها. وما من كاميرا تتحرّك إلا لتقول شيئًا، أو تهمس همسًا، أو على الأقل تبوح بجزء مما يريد التلميح إليه حاملها.

ولا ننسى أنّ عملية تصوير تلك الأفلام جرت بين الأنقاض، ووسط ما شهده العاملون فيها من مذابح وقتل وتجويع وحصار، وقد استشهد العديد منهم وباتوا في عالم الغيب، وهي بذلك تعيد المجد لهم، وتصور كيف كان الظلّ فيها والعتمة والإكسسوار والديكور واللون وأنفاس الناس، وهو بحدّ ذاته إحياء لمعجزة أن يحلّ الماضي فعلًا في الحاضر وفي المستقبل. وما زال هناك العديد من أفلام الثورة السورية التي لم يحالفها الحظ بعد، وهي – شأنها شأن الأفلام التي سبقتها – تستحق أن تُقام لها تظاهرات ومهرجانات مرة تلو الأخرى، ما بقيت السينما. فتاريخ هذا الفن يذكّرنا بأنّ كثيرًا من الشعوب التي عانت مذابح كبرى لم تجد خلاصًا لذاكرتها الجمعية إلا في تلك الأفلام التي سجّلت أهوالها، والتي غدت اليوم بالنسبة لأبناء الضحايا وثائق لا تُقدَّر بثمن.

إنها وثائق تريحهم من حمل أعباء ماضيهم، وتحول دون انتكاسهم أمامه، وتدفعهم في الوقت ذاته للتفكّر في المستقبل، مستقبل أكثر إنسانية وأقل قسوة. حتى أميركا نفسها، التي بنت أسطورتها على سرديات مفبركة، وهي التي لم تكن تمتلك في تلك اللحظات أفلامًا سينمائية عن نشأتها، عملت على إنتاج أفلام دعائية مفبركة، راحت تستخدمها لتعريف الدنيا على ماضيها المزيف وهويتها.

أمّا السوريون، فلم يكن لديهم ترف الادّعاء والفبركة؛ فواقعهم كان أمرّ وأقسى من أي تصوير أو تخييل. لكن معظم مؤسسات السينما المحلية والعربية والعالمية أشاحت بوجهها عنهم، فضاعوا في متاهات الغياب. غير أنّ السوريين كأفراد أصرّوا على ألّا يهزمهم هذا الغياب، فأنتجوا أفلامًا قليلة بعددها قياسًا إلى كمّ الأحداث والحكايات والخيبات والانكسارات. وكان من ضمنها ما عرضته تظاهرة أفلام الثورة السورية، فوق أرض لم تخرج حتى الآن من تحت الأنقاض، لكنها كانت ضرورة لتذكير السوريين، وتذكير العالم معهم بما جرى لهم، وأن يروا أنفسهم الآن ناجين، أحياء، قادرين على العيش بحرية أوسع، وأن تحثّهم على الخروج من تحت الأنقاض ليحكوا للتاريخ شيئًا مختلفًا، وتجعلهم يتساءلون، ربما: ما الذي سوف تصوّره الأفلام القادمة؟ وما الذي ستحكيه هي والمسارح والموسيقى والروايات والمسلسلات التلفزيونية في المستقبل عنّا؟

—————————-

جهاد عبده: لولا الطموحات لما وافقت على مهمتي بمؤسسة السينما

 أمير حقوق

سجل الفنان السوري جهاد عبده، حضورًا لافتًا في الحركة الفنية السورية، عبر مشاركاته العديدة بالأعمال المسرحية والدرامية والسينمائية، في مسيرة تجاوزت 30 عامًا.

ويمثل الفنان جهاد عبده وجهًا سينمائيًا دوليًا، إذ شارك بعد خروجه من سوريا، إثر دعمه للثورة السورية، في أفلام عالمية إلى جانب كبار نجوم هوليوود، ومنهم توم هانكس، الذي شاركه بطولة فيلم “Jihad in Hollywood” (جهاد في هوليوود).

جهاد عبده ليس مجرد ممثل قدم أدوارًا في الأفلام العالمية، بل هو صوت سوري لم يبخل على قضيته بحضوره الفني والمجتمعي من دمشق إلى الولايات المتحدة، ومن الأدوار الصغيرة في الأعمال التلفزيونية العربية إلى الشاشة الكبرى، ليعود بعد سقوط النظام ويدير المؤسسة العامة للسينما، كفنان يؤمن بأن السينما تستطيع أن تغيّر.

النهوض بالسينما السورية

شهدت السينما السورية خلال العقد الماضي تراجعًا ملحوظًا في إنتاجيتها، مع غياب وضعف دور المؤسسة العامة السينما بدعمها أو العمل في إعادة استئناف نشاطها.

الفنان جهاد عبده، قال لعنب بلدي، إن المؤسسة العامة للسينما بدأت خطة عمل لتطوير السينما السورية وعودة عجلتها الإنتاجية، أساسها الانفتاح السينمائي على العالم، وأول محاوره الانخراط في الإنتاجات المشتركة مع الدول العربية والأجنبية، وبتبادل الخبرات، وبتحديد القضايا التي ستتناولها السينما.

ويرى أن هذه الخطوة مهمة جدًا، وهي متبعة في أوروبا وأمريكا الشمالية وبدول العالم، فمثلًا، في أوروبا، يجتمع السينمائيون ويتفقون على القضايا التي ستعالجها أعمالهم خلال العام، الأمر ذاته بأمريكا.

كما كشف أنه بصدد دعوة السينمائيين العرب والأجانب، ليس بغرض مشاهدة الأفلام التي أنتجت خلال فترة الثورة السورية وتأثرهم بها، بل لتكون بوابة للحوار ولصنع القرار السينمائي في سوريا.

وأوضح أن نتائج عمل المؤسسة ستنعكس قريبًا على السينما السورية، عبر إنتاجات مهمة تعبر عن مشاعر وأحاسيس وتطلعات الجمهور، مضيفًا، “نتمنى أن يأتي اليوم الذي يعلو فيه صوت السينما والثقافة والجمال على صوت أزير الرصاص”.

وتعد المؤسسة الجهة المعنية بدعم الإنتاج السينمائي وتوجيهه في خدمة الثقافة، والنهوض بالصناعة السينمائية السورية، ودعمها سواء بإيجاد الوسائل الفنية، أو تشجيع البحوث والتأليف في فنون السينما.

دعم أمريكي للفن السوري

في ظل التحديات التي تواجه المشهد الثقافي في سوريا اليوم، من تدمير البنية التحتية إلى التشكيك بالهوية وأحقية التعبير، يبدو عبده مثالًا على أنه لا نداء بلا صوت، وأن الفن الجيد ليس ترفًا، بل واجب أمام التاريخ.

سارع جهاد عبده في تحويل تجربة المنفى إلى فرصة لإعادة بناء السينما السورية، التي تحمل في طياتها أحلام شعب تعرض للتهميش والقمع.

وأوضح أنه بعد سقوط النظام تواصل فورًا مع نقابة الفنانين في أمريكا، مطالبًا بمساعدة الحركة الفنية في سوريا، ليكون الرد بأن النقابة على أتم الاستعداد لمساعدة سوريا فنيًا بأي منحى، وذلك بحسب ما تضمنه خطة النقابة بمساعدة الدول النامية أو الخارجة من الحروب، لتستطيع أن تنتج فنًا.

وشرح ذلك قائلًا: “المساعدة تتحدد إما بوضع قوانين السينما، وإما بتبادل الخبرات، وتدريب العناصر السورية بمراكز النقابة الأمريكية في القاهرة أو في عمان”.

كما يتمثل الدعم بتزويد صناع الفن بمعدات فنية حديثة، كتبرع من النقابة، أو إرسال وفود سينمائية لسوريا ذوي خبرة لتقديم الفائدة والرؤية الصحيحة للأعمال السينمائية التي ستنتج، أو تبادل تقديم المادة والمال.

تظاهرة لأفلام الثورة

أطلقت المؤسسة العامة للسينما تظاهرة “أفلام الثورة السورية”، في 15 من أيلول الحالي، من خلال انتقاء 20 من أصل 56 فيلمًا عُرضت بعدة صالات سينمائية، واستمر العرض أربعة أيام.

ويرى عبده أن التظاهرة تمثل حدثًا استثنائيًا في مسيرة السينما السورية، لما تحمله الأفلام من تجسيد لآلام وطموحات الشعب السوري خلال سنوات الثورة السورية.

“البرنامج تضمن باقة مختارة من الأفلام الروائية والتسجيلية التي تراعي معايير الجودة الفنية، والعمق الإنساني، والمضمون المقدّم”، بحسب عبده.

وأكد أن التظاهرة هي باكورة التظاهرات السينمائية التي ستطلقها المؤسسة، بالإضافة إلى الأسابيع السينمائية التي ستشهدها سوريا في المرحلة المقبلة.

واعتبر أنها ستكون حافزًا للسينمائيين الموجودين داخل سوريا أو خارجها، لتقديم مشاريع وعودة السينما السورية وانطلاقها للعالم.

وكشف عبده أن المؤسسة شكّلت لجنة لترشيح الفيلم السوري لسباق “أوسكار” لأول مرة بتاريخ سوريا.

المؤسسة تفتح أبوابها للسينمائيين السوريين

السياسات السابقة التي فُرضت على مؤسسة السينما السورية، خلال عهد النظام السابق، ولّدت فجوة كبيرة بين الفنانين السوريين وصناع السينما وبين المؤسسة، مما أدى إلى وجود شرخ ملحوظ بين المؤسسة وأبنائها.

مدير المؤسسة العامة للسينما، جهاد عبده، قال إن المؤسسة خلال عهد النظام السابق فُرضت عليها قرارات وسياسات تخدم واجهة النظام، وجعلت إنتاجات المؤسسة تتمثل وفق “بروباغندا” معينة، ما أدى إلى هذه الفجوة.

وأشار في حديثه إلى أن المؤسسة اليوم تفتح أبوابها لكل الفنانين السوريين، وللسينمائيين السوريين في الداخل والخارج، ليقدموا إسهاماتهم لتطوير السينما السورية وعودة إنتاجيتها، وليكونوا محفزين ودافعين لنشاط المؤسسة وأعمالها.

“المؤسسة تسعى من خلال هذه الخطوات إلى طي صفحة الفساد التي كانت سائدة أيام النظام البائد، وفتح المجال أمام المواهب الجديدة لتقديم أفكار سينمائية صادقة تعكس واقع السوريين”، وفق تعبيره.

وأشار عبده إلى وجود طموحات كبيرة في المؤسسة العامة للسينما، قائلًا: “لولا هذه الطموحات لما وافقت على تسلم مهمتي بالمؤسسة”.

عودة للدراما مع يارا صبري

بعيدًا عن السينما السورية، وإدارته لها، لفت عبده إلى أنه سيشارك في مسلسل “المقعد الأخير”، كأول مشاركة له في المسلسلات السورية بعد سقوط النظام داخل سوريا، وهو دراما تدور في عوالم الشباب، من تأليف ورشة “قبنض ميديا”، ومعالجة درامية للكاتب لؤي النوري، وإخراج حسام سلامة.

وكشف جهاد عبده أن المسلسل يخاطب الفئة العمرية الشابة، بعيدًا عن الجريمة والخيانات والقتل وحرب المال والمخدرات والإدمان، معللًا بأن هذه الفئة بحاجة لدعم كبير، ومن الضروري أن نبذل جهدًا لدعمها.

وأعرب عن سعادته بعودة شراكته مع الفنانة السورية يارا صبري، التي شاركته نفس الموقف السياسي تجاه النظام السابق، قائلًا: “آخر عمل جمعني بالفنانة يارا صبري هو مسلسل (عصي الدمع)، وهي فنانة موهوبة وصاحبة مبدأ، وملتزمة ومهتمة بفئة الشباب، ولنا نفس الرأي والاهتمام والنظرة لهذه الفئة”.

عنب بلدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى