العدالة الانتقالية تحديث 25 أيلول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
—————————————
تحديات قيام عدالة انتقالية حقيقية في سورية (قراءة تحليلية)/ نادر جبلي
نشر في 22 أيلول/سبتمبر ,2025
ثمّة تحديات جدية تواجه مسار العدالة الانتقالية المرتقب في سورية، وهي تشكّل خطرًا حقيقيًا يهدّد بتقويض المسار برمّته وبحرمان البلاد من فرصة التعافي، إذا لم يحسِن المعنيّون قراءتها وإيجاد علاجات واقعية ومناسبة لها.
يتناول هذا التقرير أبرز تلك التحديات وأشدّها تأثيرًا، ويُبرز ما قد يترتب عنها من مخاطر، ثم يطرح العلاجات المناسبة والممكنة لها، معتمدًا في كل ذلك على مصدرَين: المصدر الرئيس هو آراء الخبراء والمختصين في الموضوع، والمصدر التكميلي هو تجارب بعض الدول التي عايشت تحديات مشابهة لتحدياتنا، وتصدت لها بقدر وافر من النجاح.
التحديات الرئيسة التي تناولها التقرير هي على الترتيب التالي:
– التحديات الناجمة عن شحّ الموارد: وتتلخص في نقص الموارد المادية في مواجهة حجم هائل من التعويضات المطلوبة لجبر أضرار الضحايا، حيث الأضرار فادحة وعدد الضحايا بالملايين. ونتطرق في هذا السياق إلى مخاطر التوزيع غير العادل للموارد المتاحة.
– التحديات الناجمة عن نقص التشريعات: وتتلخص في أن مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى نص دستوري ومجموعة من القوانين المتكاملة التي توفّر الغطاء التشريعي المناسب لكلّ محطات هذا المسار، بدءًا من تشكيل هيئة العدالة الانتقالية وتحديد مهامها، مرورًا بكشف الحقائق وتعويض الضحايا وجبر الأضرار، وصولًا إلى إصلاح المؤسسات والمصالحة الوطنية. وكل هذا غير متوفر، والقوانين الموجودة لا تغطي، والمجلس التشريعي غير موجود، والإعلان الدستوري يمنع السلطة التنفيذية، ممثلة بالرئيس، من التشريع. ونتطرق في هذا السياق إلى بعض الثغرات في مرسوم تشكيل هيئة العدالة الانتقالية.
– التحديات الناجمة عن ضعف الجهاز القضائي: وتتلخص في أن محاكمة الجناة محطة رئيسة في مسار العدالة الانتقالية، وحجم الانتهاكات ضخم جدًا، وكذلك عدد الضحايا، ما يتطلب جهازًا قضايًا كبيرًا ومختصًا ونزيهًا وموثوقًا. لكن الجهاز القضائي فاسدٌ ومتهالك، وعدد القضاة قليل، والثقة بهم ضعيفة، بسبب شبهة ارتباطهم بالنظام السابق.
– التحديات الناجمة عن الإفلات من العقاب: إفلات بعض المجرمين من العقاب يجرح فكرة العدالة، ويحوّلها إلى عدالة انتقائية تترك آثارًا سيئة على مسار العدالة، وعلى قدرة البلاد على التعافي. لكن ثمة أسباب عديدة تدفع باتجاه إفلات كثير من المجرمين من العقاب، وقد جعلنا هذه الأسباب في ثلاث مجموعات:
– أسباب يفرضها الواقع الجيوسياسي، وخروج بعض المناطق عن سيطرة الحكومة، وعدم قدرتها على إخضاع المجرمين الموجودين في تلك المناطق.
– أسباب يفرضها التأثير الاستثنائي لبعض الدول على القرار السوري، وضغط تلك الدول لحماية مجرمين مدعومين من قبلها.
– أسباب يفرضها واقع السلطة نفسها، حيث إنها تضم أو تتحالف مع فصائل وأفراد متورطين في الانتهاكات، وهؤلاء شركاء في التحرير، ومن الصعب تخيّل فكرة السماح بمحاسبتهم.
– التحديات الناجمة عن العفو العام: ثمة أسباب قوية تدفع السلطة نحو اللجوء إلى العفو العام، على رأسها الحاجة الملحة إلى الاستقرار. لكن ذلك يُبقي الجراح مفتوحة، ويُبقي حمولات الغضب في الصدور، ويترك الباب مفتوحًا أمام الثأر والانتقام، ويمنع التعافي والتجاوز.
أما أبرز التوصيات والنتائج التي توصل إليها التقرير، بعد تحليل إجابات الخبراء وتحليل بعض التجارب الدولية، فيمكن تكثيفها بما يلي:
أ- لا بدّ من التزام السلطة السياسية بدعم مسار عدالة انتقالية سليم، وتوفير فرص النجاح له.
ب- لا بد من تصميم مسار عدالة انتقالية واقعي خاص بسورية، يراعي الوضع السياسي الهش، والحاجة إلى الاستقرار، والحاجة إلى إرضاء الضحايا والمجتمع المكلوم.
ت- لا بد من إنشاء هيئة عدالة انتقالية كفؤة ومستقلة وحيادية وشاملة وذات صلاحية، تضم خبراء قانونيين وممثلين عن الضحايا والمجتمع المدني. وهذا يتطلب تعديل مرسوم تشكيل الهيئة، وتكليف لجنة جديدة.
ث- لا بدّ من توفير إطار قانوني يغطي مسار العدالة، وهذا يتطلب تعديلًا في الإعلان الدستوري، ومجلسًا تشريعيًا يحظى بأوسع تمثيل ممكن، يعدّل بعض القوانين الموجودة، ويسنّ قانونًا وطنيًا شاملًا ومتكاملًا للعدالة الانتقالية، يلبّي كل متطلباتها.
ج- لا بد من الإسراع بتنقية مؤسسة القضاء من المتورطين والفاسدين، وتأهيل كادر قضائي قادر على التصدي لمتطلبات العدالة الانتقالية.
ح- لا بدّ من وضع معايير واضحة وشفافة لتصنيف الجرائم والانتهاكات، بناء على خطورتها، بغض النظر عن مرتكبيها.
خ- يجب إنشاء محاكم مختلطة، تضمّ قضاة محليين وقضاة دوليين، للتعامل مع الجرائم الجسيمة ومحاكمة كبار المجرمين، على أن تبقى مرجعيتها وطنية، مع الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال.
د- يجب إنشاء لجان حقيقة ومصالحة مستقلة لجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية.
ذ- لا بد من الحرص على المشاركة والشفافية في كل خطوة وكل قرار، ولا سيما في موضوع التعويضات وفي موضوع إعفاء بعض المجرمين من الملاحقة. ولا بد أن يكون لأسر الضحايا ومنظمات المجتمع المدني دور رئيس في كل المسار.
ر- في سياق تصميم وتنفيذ برامج التعويضات وجبر الأضرار، يجب التركيز -إضافةً إلى مسألتي العدالة في التوزيع، والمشاركة والشفافية- على الجوانب الآتية: 1) التعويضات المعنوية والرمزية 2) التعويضات الجماعية المرتبطة بإعادة الإعمار. 3) تمكين الضحايا اقتصاديًا وإعادة تأهيل الفئات الهشة.
ر- لا بدّ من تجنّب العفو العام، عن مرتكبي الجرائم الجسيمة خاصة، وكذلك تجنّب العفو غير المشروط.
ز- من أهمّ الشروط التي توضع على المجرمِين في حال العفو، الاعترافُ الكامل والاعتذار العلني، وإبعاد المجرمين عن المناصب والحياة السياسية، وإلزامهم ببعض التعويضات وببعض الخدمات العامة، إن أمكن.
س- التركيز على أهمية الاعتراف والاعتذار العلنيين، سواء من قبل السلطات، أو من قبل المجرمين.
ش- يجب وضع إطار للعدالة المؤجلة يضمن توثيق الانتهاكات كي تتم ملاحقة المجرمين عند توفر الظروف.
ص- يجب دعم المصالحات المحلية بين الضحايا والمرتكبين بمساعدة الوجهاء الاجتماعيين، مع توثيق هذه المصالحات.
ض- يجب محاورة الدول الداعمة أو الحامية لبعض الفصائل أو بعض المجرمين، وممارسة الضغط عليها عبر الأمم المتحدة أو المنظمات الحقوقية، واستخدام سلاح المصالح المشتركة لدفعها إلى التعاون بخصوص ملاحقة المجرمين المدعومين من قبلها، وتسليم المجرمين الموجودين لديها.
ط- يجب الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى المدعومين من دول أخرى أو اللاجئين إليها، في حال رفض تلك الدول الداعمة محاسبتهم.
ظ- يجب دراسة التجارب الدولية الناجحة والاستفادة منها ما أمكن.
يمكنكم قراءة التقرير كاملًا من خلال الضغط على علامة التحميل أدناه.
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————-
أطفال المعتقلين… هويات ضائعة وذكريات مسروقة خلف جدران سجون الأسد/ نور ملحم
23 سبتمبر 2025
يحاول، في أحد أزقّة ريف دمشق بمنطقة الرحيبة، محمد الكشك، ابن السادسة عشرة، تعلم ركوب الدراجة لأول مرة في حياته. بالنسبة لأي مراهق، قد تبدو لحظة عادية، لكنها لمحمّد كانت رمزاً للحياة التي حُرم منها نصف عمره، بعدما قضى سنينه متنقلاً بين زنازين السجون ودار الرحمة للأيتام في دمشق.محمد لم يكن وحده. كان معه أخوته الثلاثة ووالدتهم.
اعتُقلوا جميعاً في إحدى الحملات الأمنية قبل سنوات، بتهمة “الإرهاب”. كانوا أطفالاً، أكبرهم في العاشرة وأصغرهم لم يتجاوز السابعة، حين وجدوا أنفسهم فجأة خلف القضبان، بلا تفسير، بلا تهمة واضحة، بلا محامٍ، ولا زيارة من قريب.
اليوم، وبعد جهود كبيرة بذلتها العائلة ومنظمات حقوقية محلية ودولية، عاد محمّد وإخوته إلى بيتهم في الرحيبة، لكن طفولتهم لم تعد معهم، بقيت هناك خلف جدران السجون، وأبواب دار الرحمة المغلقة، وحكايات لم تُروَ بعد، قصته لم تكن استثناء، بل جزءاً من ملف معقد عن أطفالٍ وُلدوا بين الجدران أو كبروا خلفها، ليصبحوا لاحقًا “أيتاماً بالقرار الإداري”، حتى لو كان ذووهم أحياء.
تغييب قسري وهويات مسروقة
مع سقوط النظام السوري أواخر العام الماضي، بدأت تتكشف ملفات مخبأة منذ سنوات طويلة، لتكشف حجم الانتهاكات التي طاولت أطفال المعتقلين السياسيين والأمنيين والمجهولين.
تفيد المعلومات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بأن ما يقارب من أربعة آلاف طفل جرى إخفاؤهم في دور الرعاية بصورة غير شرعية، مع تغيير أسمائهم وقيودهم، وقطع أي صلة بعائلاتهم الأصلية، ما جعل التعرف إلى هوياتهم شبه مستحيل عقوداً.
الأطفال تراوحت أعمارهم بين بضعة أشهر وحتى سنوات البلوغ، ولم يقتصر الأمر على تغيير الأسماء، بل شمل إعادة تشكيل كامل لهويتهم وفصلهم عن ماضيهم.
ووفق إحصاءات أولية جمعتها اللجنة الخاصة لمتابعة الأطفال المفقودين وحصل عليها ملحق سورية الجديدة، هناك أكثر من 12 ألف طفل يعيشون حالياً في دور الأيتام على مستوى سورية، منهم حوالي 3,800 طفل خضعوا لتغيير كامل في هوياتهم الرسمية، بما في ذلك الأسماء والقيود المدنية، بينما أُبقي آلاف آخرون من دون أي وثائق رسمية، ما جعل مصيرهم غير واضح لعائلاتهم وللسلطات لاحقاً.
شهادات من قلب المعاناة
ريلاس الكشك، شقيقة محمد، كانت واحدة من هؤلاء الأطفال. تتحدّث عن السنوات التي قضتها بين السجون ودار الرحمة:
“كنّا أربعة أطفال مع أمنا. اعتقلونا فجأة، لم نفهم السبب. وضعونا في زنزانة مزدحمة، ثم تنقلنا بين السجون المختلفة، حتى وصلنا إلى دار الرحمة، حيث كان التعامل صارماً أحياناً وقاسياً أحياناً أخرى. لم يكن مسموحاً لنا أن نُخبر أحداً عن ماضينا، وكان بعض المشرفين يعاملوننا بعنف. كل شيء كان مخيفاً”. وتضيف: “عندما خرجنا في النهاية، عدنا إلى عائلتنا في الرحيبة، لكننا عدنا غرباء. محمد تغير كثيراً، صار صامتاً وحذراً، وكأن جزءاً من طفولته بقي في ذلك المكان المغلق”.
تتحدّث ريلاس عن لبانة، أصغر إخوتها، التي خرجت قبل أشهر إلى عائلتها وهي لا تزال تحت صدمة التجربة. “لبانة تغيرت كثيراً… لم تعد تلك الطفلة التي كانت تضحك طوال الوقت. أصبحت صامتة، تنظر حولها بحذر، وكأنها ما زالت في الدار”.
لم تكن قصص الأطفال الآخرين أقل قسوة. دخل بعضهم دور الرعاية وهم من دون أي وثائق رسمية، معظمهم من خلفيات معتقلة أو مجهولو النسب، من دون السماح لهم بالاطلاع على أي ملفّات تثبت هويتهم الأصلية. هناك تعرض هؤلاء الأطفال للضرب والإذلال وحرمان من الطعام، وأحياناً اعتداءات جنسية، بينما فقد آخرون هويتهم بالكامل، وتم تغيير أسمائهم رسمياً، حتى صاروا غرباء عن أنفسهم وأسرهم. بعض الأطفال اختفوا تماماً دون معرفة مصيرهم، تاركين أثراً نفسياً عميقاً في من تبقى.
… في ريف دمشق بالقلمون، كانت سارة وعائشة وزهراء البدوي صغار السن حين دهمت قوات الأمن منزل عائلتهم، وتم اعتقال الأسرة بالكامل. نُقل الأطفال إلى “دار الرحمة”، حيث عاشوا سنوات تحت إشراف أمني صارم، مع تغيير أسماء بعضهم ومنع أي تواصل مع والديهم. اليوم، بعد جهود كبيرة، عادت الأخوات إلى حضن والدتهن وإخوتهن، لكن السنوات الضائعة تركت أثرها. وجرى تزويج الفتاتين سارة وعائشة، في مناسبة تحمل بين فرحها الحزن والذكريات المؤلمة، بينما تواصل زهراء استعادة حياتها الطبيعية بعد الطفولة المسروقة.
تروي والدة الأخوات الثلاث لـ “سورية الجديدة”: “لم أستطع أن أرى أطفالي، وكانوا خائفين، صامتين، وكأن جزءاً من طفولتهم اختفى. كانوا يتساءلون دائماً عن المنزل، لكن لم يكن بمقدور أحد إعطاؤهم إجابات واضحة”. تكمل الأم: “عندما رأيت أطفالي مجدّدا، شعرتُ بأن جزءاً من حياتنا قد عاد، لكننا نعلم أن سنواتهم الماضية لا يمكن أن تُستعاد. ما حصل لهم لم يكن مجرد فقدان منزل أو حرية، بل فقدان طفولة بأكملها”.
بالنسبة للعائلة، يظل الأمل في أن تكون السنوات القادمة مختلفة، وأن تتيح لهم حياة طبيعية، حرة من آثار الماضي المرير، مع استمرار متابعة اللجنة الخاصة لمصير الأطفال المفقودين لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً.
دور الرحمة ولحن الحياة: شبكة الإخفاء
كشفت التحقيقات أن الإخفاء لم يكن عشوائياً، بل شبكة محكمة بين الأجهزة الأمنية، وزارة الشؤون الاجتماعية، وإدارات الدور الخيرية، بعض الجمعيات الدولية، وحتى منازل الضباط. الهدف النهائي كان الإخفاء التام ومنح الأطفال هويات جديدة وقطع صلتهم بعائلاتهم.
مصدر رفض ذكر اسمه بحكم عمله السابق في المخابرات الجوية، شرح التسلسل الذي كان يتبعه النظام في التعامل مع الأطفال، مشيراً إلى أربع مراحل متتابعة في المرحلة الأولى، كان اعتقال الأطفال يتم على يد أحد أفرع الأجهزة الأمنية السابقة، مثل المخابرات الجوية، المخابرات العسكرية، والمخابرات العامة فرع 250، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التحفظ على الأطفال لاستخدامهم في عمليات تبادل، حيث يحيل رؤساء الأفرع الأطفال إلى إدارات محلية، مثل محافظة دمشق وريفها. بعد ذلك، تأتي المرحلة الثالثة التي تشمل توقيع المحافظ على إحالة الأطفال إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي بدورها تحيلهم إلى المديريات المختصّة، مثل مديرية السياسات الاجتماعية، ومديرية الخدمات الاجتماعية، ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق. أما المرحلة الرابعة والأخيرة، فتتولى فيها الوزارة البحث عن أماكن للاحتفاظ بالأطفال من خلال التنسيق مع الجمعيات والمنظمات ودور الرعاية، من بينها دار الرحمة للأيتام، مجمع “لحن الحياة” لرعاية الأطفال مجهولي النسب، جمعية “قرى الأطفال – SOS”، وجمعية المبرة النسائية.
وأفاد المصدر بأن هذه الآلية كانت منظّمة وذات تسلسل واضح، لكنها، في الوقت نفسه، كانت تخضع لسرّية شديدة، ما جعل تعقب الأطفال وإعادة لم شملهم لاحقاً مهمة معقدة وصعبة للعائلات والسلطات على حد سواء. وأضاف المصدر الذي رفض ذكر اسمه أن اعتقال الأطفال كان لا يتم إلا في حال كانت الأم معتقلة، بينما إذا كان الأب هو المعتقل، فلم يتم اقتياد الأطفال، تاركين إياهم ضمن أسرهم. وأوضح أن الأطفال كان يتم توزيعهم بحسب أعمارهم، بحيث يُفصل الرضع عن الأطفال الأكبر سناً، فالأطفال دون سن العاشرة يتم التعامل معهم بطريقة مختلفة عن الأطفال الأكبر سناً، سواء في مرحلة الاحتجاز أو النقل إلى دور الرعاية، بما يضمن سير العملية ضمن الآلية المعتمدة من النظام سابقاً.
كانت “دار الرحمة” في حي ركن الدين بدمشق مجرد اسم ضمن عشرات دور الأيتام المنتشرة في سورية، حتى كشفت تقارير حقوقية وإعلامية العام الماضي عن وجود أطفال معتقلين سابقين داخلها، جرى إخفاء هوياتهم بقرارات رسمية صادرة عن وزارات ومحافظات، بعضها حمل توقيعات وزراء ومحافظين وأمنيين. حيث قالت براءة الأيوبي، وهي مسؤولة سابقة في جمعية دار الرحمة لـ”سورية الجديدة” إن حجب المعلومات عن الأطفال كان يهدف إلى حمايتهم من ذويهم، وأن “الأهالي الذين كانوا يبحثون عن أبنائهم كانوا يُنصحون بالذهاب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للاستفسار والتأكد. كنا نمنحهم نوعاً من الطمأنينة، لكن دون تقديم معلومات مثبتة، فالمسؤولية الأساسية كانت على الوزارة في الرد وتحديد مكان وجود الأطفال”. وأضافت الأيوبي أن عملية نقل الأطفال إلى الجمعية “كانت تتم بناءً على كتب رسمية صادرة عن الجهات الأمنية، ثم تُحال قضاياهم إلى الوزارة، إلا أن الأهالي لم يحصلوا على معلومات واضحة حول مصير أطفالهم”. وأوضحت أن الزيارات كانت مقيدة بشدة، إذ “لم يكن يُسمح للأهالي بزيارة الأطفال إلا بكتاب رسمي صادر عن الوزارة، وذلك حرصاً على أمن الأطفال وسلامتهم”. مبينة أنه جرى في يناير/ كانون الثاني الماضي تسليم قرابة مائة طفل إلى ذويهم، بعد سنوات من الإخفاء، بالتنسيق مع جمعيات خيرية ومنظمات حقوقية. لكن أحداً قبل هذا الإعلان لم يكن يعرف عدد الأطفال أو هوياتهم أو حتى مصيرهم، إذ كانت ملفاتهم مُصنّفة “سرية للغاية”، ضمن قرارات رسمية صدرت عن وزارات ومحافظات مختلفة.
وفي سياق متصل، أفادت مديرة دار “لحن الحياة”، ميس عجيب، بأن استقبال الأطفال كان يتم على صيغة إيداعات أمنية لمصلحة الأفرع الأمنية، وأن أسماء الأسد كانت المشرفة المباشرة على الملف. وقالت: “كنّا نتلقّى الأطفال بشكل مفاجئ، من دون معرفة خلفياتهم أو أسباب فصلهم عن أسرهم. كان يتم تسجيلهم بأسماء جديدة، ويتم تغيير هوياتهم بالكامل”، مشيرة إلى أن العملية كانت منظّمة ومنسقة بين الأجهزة الأمنية ووزارة الشؤون الاجتماعية، وتهدف إلى فصل الأطفال عن أسرهم ومنع أي تتبع لهم أو إعادة لم شملهم مستقبلاً. وأشارت إلى أن جمعية “قرى الأطفال – SOS” كانت تستقبل الأطفال من دون وثائق رسمية منذ بداية الحرب وحتى عام 2019، وكانت تحاول خلال تلك الفترة إعادة الأطفال إلى السلطات ومنع استقبال حالات جديدة من دون أوراق، لكنها وجدت نفسها مضطرّة أحيانًا للتعامل مع حالات استثنائية بسبب الأوامر الرسمية. و”كان هدف السلطات في النهاية إنشاء هوية جديدة لكل طفل، بحيث يصبح من الصعب على أي أحد معرفة أصله أو العثور على أسرته”، بحسب ميس.
وقد اتخذت الجمعية في عام 2018 قراراً بوقف استقبال الأطفال من دون وثائق رسمية بعد مراجعة داخلية دقيقة، وأكّدت أنها تعمل اليوم على إعادة تتبع الأطفال الذين تم استقبالهم سابقاً من دون أوراق، والتعاون مع السلطات لإعادة لم شملهم مع أسرهم. وقد دعت ميس عجيب جميع منظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية إلى التعاون مع اللجنة الخاصة لمتابعة مصير الأطفال المفقودين، معتبرة أن الشفافية والمصداقية والعمل الجماعي هما السبيل الوحيد لتحقيق العدالة للأطفال الذين فقدوا سنوات من طفولتهم.
لجنة متابعة
أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات قراراً بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة مصير آلاف الأطفال المفقودين. ضمّت ممثلين عن وزارات الشؤون، الداخلية، العدل، والأوقاف، وقال الناطق الرسمي للجنة متابعة مصير الأطفال المفقودين، سامر القربي: “اللجنة تعمل وفق توجيه مباشر من النائب العام لملاحقة جميع المسؤولين والمتورّطين في ملف إخفاء الأطفال خلال عهد النظام السابق. مهمتنا ليست فقط كشف أسماء الأطفال ومعرفة أماكن وجودهم، بل أيضاً ضمان حقوقهم القانونية وتعويضهم عن سنوات فقدان الطفولة التي عاشوها بعيداً عن أسرهم”.
وأضاف: “نعمل على مدار الساعة، وبدأنا بجمع كل الوثائق والمعلومات المتوفرة من الدور الخيرية والجمعيات المحلية والدولية للوصول إلى صورة دقيقة عن مصير كل طفل. ندعو كل من يملك أي معلومة، مهما كانت صغيرة، إلى التعاون معنا فوراً. كل معلومة قد تكون مفتاحاً لإعادة الأطفال إلى عائلاتهم أو لمعرفة الحقيقة كاملة”. وتابع القربي:”نحن نعلم أن هذه القضية مؤلمة ومعقدة، وتستغرق وقتاً، لكنها أولوية قصوى بالنسبة لنا. الهدف ليس فقط التحقيق والمحاسبة، بل إعادة الأمان والحياة لهؤلاء الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في الطفولة والتعليم والأسرة. هذه قضية مسؤولية جماعية، وسنعمل على تصحيح هذا الظلم التاريخي وتأمين مستقبل أفضل لهم”.
وزارة الشؤون الاجتماعية: جهود متواصلة
قال مدير المديرية القانونية في وزارة الشؤون الاجتماعية، أحمد القاسم، أن الوزارة “تتابع ملف الأطفال المفقودين من أبناء المعتقلين وتضع جلّ جهدها للوصول إلى مصيرهم، فهم أبناء من شارك في تحرير سورية، وما زال البحث عن الوثائق والأدلة بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة مستمراً، وسيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة من الجهات المختصة”. وقال إن “العمل جارٍ للتحقق من العدد الفعلي للأطفال المفقودين وتحديد مصيرهم”. ووفق مصادر قضائية مطلعة، جرى توجيه استدعاءات وتوقيفات لكبار المسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والإدارات التابعة لها، إضافة إلى بعض الجمعيات الخيرية، ضمن مسعى لكشف كامل شبكة الإخفاء وتحديد مصير الأطفال الذين جرى تغيير هوياتهم. وشملت حملة التوقيف كنده الشماط وريما القادري، وزيرتي الشؤون الاجتماعية والعمل السابقتين، وهما مسؤولتان عن إصدار أوامر الإيداع الأمني للأطفال؛ وكذلك فداء الفندي، هنادي الخيمي، ولمى الصواف، إداريات سابقات في مجمع “لحن الحياة”، زرنا البابا ولمى البابا، مديرتي “جمعية المبرّة لكفالة الأيتام”، اللتين تورّطتا في استقبال الأطفال وفق الأوامر الأمنية من دون أي مستندات رسمية. وجرى استثناء المديرة الحالية لمجمع “لحن الحياة” من التوقيف لعدم وجود شبهات، واُستُعين بها شاهدة رئيسية في التحقيقات.
تفيد المصادر القضائية بأن عدد القضايا المفتوحة حالياً تتعلق بما يزيد عن 500 طفل مفقود، موزّعين على عدّة ملفات قضائية، بعضها مرتبط مباشرة بالاختفاء القسري، وبعضها الآخر بجرائم التزوير وتغيير الهوية. وأضافت المصادر إن التحقيقات تتطلب مراجعة آلاف الملفات القديمة، مقابلة عشرات الأطفال الذين نجوا من الإخفاء، والتأكد من صحة شهاداتهم، إضافة إلى التدقيق في الوثائق المزورة والقيود التي استحدثت للأطفال.
وتتراوح العقوبات المحتملة بين السجن مدداً تصل إلى 15 سنة، والغرامات المالية، إضافة إلى العقوبات الإدارية والفصل من الوظيفة، مع إمكانية تحميل المسؤولين المدنيين أو الإداريين تبعات قانونية إضافية عن كل طفل ثبت تعرّضه للانتهاك أو الإخفاء القسري. كما تشمل الإجراءاتُ جمع الأدلة، استدعاء الشهود، تحرّي ظروف كل حالة بشكل منفصل، وإعادة المطابقة بين أسماء الأطفال الجديدة والقديمة، وإعداد قاعدة بيانات دقيقة لكل طفل مفقود لتكون مرجعاً رسمياً لإعادة الحقوق وتعويض العائلات.
إعادة الأطفال ومسؤولية الدولة
مع إعادة الأطفال، بينهم محمّد وإخوته، إلى ذويهم، بدأ فصل جديد من حياتهم، لكنه مليء بالتحديات. فرغم فرحة العودة إلى البيت، تظل آثار السنين الضائعة واضحة على سلوكهم ونظرتهم إلى الحياة. توضح ريلاس الكشك: “عندما عدنا، شعرت أننا غرباء في بيتنا، طفولتنا لم تعد معنا. محمد صمت وكأنه يحمل كل ما مرّ به معنا. لا شيء يمكن أن يعيد السنوات الضائعة، لكن عودتنا أمل جديد”. ويؤكّد سامر القربي أن اللجنة لا تتوقف عند إعادة الأطفال، بل تركز على ضمان حقوقهم القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الحقوق المفقودة خلال سنوات الإخفاء.
ولا تزال ملفات الإخفاء مفتوحة، والتحقيقات جارية على أكثر من صعيد. اللجنة الخاصة تعمل على مراجعة آلاف الوثائق القديمة، التواصل مع الجمعيات ودور الرعاية، ومقابلة الأطفال الذين نجوا من الإخفاء، لتحديد مصير كل طفل بدقة. بعض الأطفال، مثل محمّد الكشك وإخوته، عادوا إلى أسرهم، بينما يواصل آخرون مثل سارة وعائشة وزهراء البدوي إعادة بناء حياتهم بعد سنين ضائعة خلف الجدران، وسط رحلة طويلة نحو العدالة والشفافية.
ولا يقتصر ما كشفته هذه التحقيقات على مجرد اختفاء الأطفال أو تغيير هوياتهم، بل يرسم صورة صادمة عن طفولة مسروقة وإرث طويل من الانتهاكات النفسية والاجتماعية. الأطفال الذين عاشوا بين زنازين السجون ودور الرعاية المحكومة بأوامر أمنية لم يفقدوا فقط سنوات حياتهم، بل فُصلوا عن جذورهم، عن أسرهم، وعن إحساسهم بالهوية والانتماء.
تشير الأرقام الرسمية والإحصاءات الأولية التي جمعتها اللجنة الخاصة إلى آلاف الحالات، لكنها لا تعكس سوى جزء من الواقع المأساوي الذي عاشه أكثر من جيل كامل تحت قبضة أجهزة الدولة والجمعيات الخيرية المهيكلة أمنياً. مع كل شهادة، تتجلى مسؤولية الدولة عن الانتهاكات، سواء من خلال الإجراءات المباشرة للأجهزة الأمنية، أو عبر القصور في الرقابة، أو عبر الغموض الذي أحاط بمصير هؤلاء الأطفال لسنوات طويلة.
اليوم، مع إعادة بعض الأطفال إلى ذويهم، تبرُز التحدّيات الجديدة: إعادة بناء حياة، استعادة الثقة، تقديم الدعم النفسي، وضمان الحقوق القانونية. لكن الطريق نحو العدالة لا يقتصر على إعادة الأطفال فحسب، بل يمتد إلى محاسبة كل من تورّط في عمليات الإخفاء، ووضع آليات تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
تمثل القضية اختباراً لمصداقية النظام الجديد في مواجهة إرث الانتهاكات، ولقدرة المجتمع المدني والهيئات الدولية على التعاون لإعادة الحقوق المفقودة وإعادة الأمان إلى جيل ضاع نصفه خلف جدران غير مرئية. فالعدالة هنا ليست مجرّد حكم قضائي، بل عملية استعادة إنسانية شاملة لكل طفل فقد طفولته، ولكل أسرة انتُزعت منها فلذات أكبادها، وللذاكرة الوطنية التي تحتاج إلى تصحيح أخطاء الماضي من أجل مستقبل أكثر أماناً وشفافية.
ليس الأسد وحده
استخدم كل مجرمي التاريخ الأطفال سلاحاً في حروبهم القذرة، ليس فقط بوصفهم ضحايا مباشرين للعمليات العسكرية، بل أيضاً باستهدافهم بشكل مباشر، وبطرق مختلفة، أخطرها انتزاعهم من بيئاتهم الأصلية، وطمس هوياتهم. وقد استخدم نظام الأسد أطفال المعتقلين أداة حرب للضغط على آبائهم، وعلى بيئاتهم بكاملها، فنقلهم إلى مؤسّساتٍ يفترض بها أن تكون إنسانية وتمارس دوراً اجتماعياً برعاية الأيتام، وحوّلها إلى مراكز أشبه ما تكون بمعتقلات وفروع مخابرات، يضيع فيها الطفل وتتغير هويته، لمنعه من المطالبة بحق أهله حين يكبر، باستخدام أسوأ طريقة في العالم: سلبه الحق في معرفة من هو.
وفي زمن الحروب، تُعدّ حالات الإخفاء الجماعي للأطفال من أكثر الجرائم المروّعة التي تُرتكب بحقّ الفئات الأضعف في المجتمع، وقد تكرّرت هذه الحالات عبر التاريخ في سياقات متعددة. ففي الحرب الأهلية الإسبانية (1936 -1939) تم تهجير آلاف الأطفال من مناطق النزاع، وأُرسل بعضهم إلى دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي وفرنسا. وكثير منهم لم يُعادوا إلى أسرهم، وظلوا مجهولي المصير أو تبنّتهم عائلات أجنبية. وفي الحرب العالمية الثانية، خُطف الأطفال، وأُرسلوا إلى معسكرات الاعتقال أو أُخفوا قسرًا. وفي ألمانيا، نُفذت برامج مثل “ليبنسبورن” التي هدفت إلى اختطاف الأطفال ذوي السمات “الآرية” من الدول المحتلة وضمّهم إلى المجتمع الألماني. في رواندا في أثناء الإبادة الجماعية، انفصل عشرات الآلاف من الأطفال عن أسرهم. وأطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية ضخمة لتسجيل الأطفال غير المصحوبين، وتم لمّ شمل أكثر من 48 ألف طفل بأسرهم بين عامي 1994 و1998. وفقًا لتقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والأمم المتحدة نفسها، تم توثيق أكثر من 315,000 انتهاك جسيم ضد الأطفال في أكثر من 30 نزاعًاً في العالم بين عامي 2005 و2022، منها: اختطاف أكثر من 32,000 طفل. تجنيد أكثر من 105,000 طفل قسرياً في جماعات مسلحة. تعرض أكثر من 16 ألف طفل للعنف الجنسي. هجمات على المدارس والمستشفيات تجاوزت 16 ألف حالة. تغيير هوية الأطفال في زمن الحروب يُعد من أخطر أشكال الانتهاكات، حيث لا يقتصر الأمر على الإخفاء أو التهجير، بل يمتد إلى طمس الهوية الأصلية للطفل لأغراض سياسية أو عرقية، ونزع الطفل من بيئته الأصلية (أسرته، ثقافته، دينه، لغته)، ثم إعادة تشكيل هويته بما يتوافق مع أهداف الطرف المسيطر، سواء كانت دولة أو جماعة مسلحة. يشمل ذلك تغيير الاسم والكنية. تغيير اللغة أو الدين. إدماج الطفل في ثقافة جديدة. محو أي أثر للهوية الأصلية. وبحسب دراسة نفسية متخصّصة، فإن الأطفال الذين يتعرضون لتغيير الهوية يعانون من اضطراباتٍ في الهوية الذاتية. ومشكلات في الانتماء والشعور بالانفصال عن الذات والمجتمع. وصدمات نفسية طويلة الأمد، خصوصاً عند اكتشاف الحقيقة لاحقاً. وصراعات داخلية بين الهوية المفروضة والهوية الأصلية. وتعمل منظمات، مثل يونيسف والصليب الأحمر على توثيق الحالات ومحاولة لمّ شمل الأطفال بأسرهم. وقد أقرّت بعض الدول قوانين لإعادة الهوية الأصلية للأطفال المختطفين، لكن التنفيذ غالباً ما يكون بطيئاً ومعقّداً.
العربي الجديد
—————————-
سوريا.. الكشف عن سجن سري جديد استخدم في عهد نظام الأسد
عثرت قوى الأمن الداخلي السورية على سجن تحت الأرض في منطقة زراعية قرب قرية أبو حكفة بريف حمص الشمالي الشرقي، كان يستخدم خلال فترة نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لاحتجاز المدنيين.
ونقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” اليوم الأربعاء عن المسؤول الأمني في ريف حمص الشرقي مروان السلطان، قوله إن الموقع المكتشف أشبه بمغارة تحت الأرض غير صالحة للعيش، وكان يستغل لخطف النساء والرجال والأطفال لتحقيق مكاسب مالية وسياسية.
وأكد أن عمليات تمشيط المنطقة مستمرة، وسط توقعات بالعثور على مقابر جماعية إضافية، وأن جميع المتورطين في هذه الجرائم ستتم ملاحقتهم قانونيا.
بدوره، أشار فواز بلول من أهالي قرية أبو حكفة إلى أن “الأرض الزراعية التي اكتشف فيها السجن تعود لأحد عناصر مليشيا الدفاع الوطني”، مبينا أنه عثر على مغارة كبيرة بمدخلها باب حديدي وأقفال، كانت تستخدم للتعذيب واحتجاز المدنيين مقابل دفع فدى مالية.
وأكد بلول أن “المنطقة شهدت حالات خطف متكررة على يد تلك المليشيات”، مشيرا إلى أنه “شخصيا كان ضحية إحدى هذه الحوادث”.
ووفق الوكالة السورية، “يتواصل سكان القرية مع الجهات المختصة لتوسيع عمليات البحث عن أدلة إضافية قد تكشف حجم الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون خلال تلك الفترة”.
المصدر: وكالة الأنباء الألمانية
——————-
دور القانون في التحول السياسي السوري.. مقاربة في الفقه الانتقالي/ فضل عبد الغني
2025.09.21
تستدعي مسألة دور القانون في التحول السياسي السوري بعد سقوط نظام الأسد دراسةً من منظور الفقه الانتقالي، وهو نموذجٌ مخصوص يبرز في فترات التغيير السياسي الجذري. كما تُبيِّن البروفيسورة روتي تيتل في عملها الرائد حول القانون والتحول السياسي، فإن القانون في سياقات التحول يعمل وفق منطق مختلف يتجاوز التصنيفات التقليدية السائدة في الأوقات العادية. إنه يتحرك ضمن معايير جوهرها «ازدواجية مفارِقة»: الحفاظ على النظام وتمكين التحول في آنٍ واحد، تثبيت الاستمرارية وتسهيل القطيعة، معالجة مظالم الماضي وبناء أطر معيارية تستشرف المستقبل. ويُنتج هذا التوتر المتأصل نموذجًا قانونيًا انتقاليًا يتعيَّن على سوريا تبنّيه في مسارها ما بعد الأسد.
يمثل السياق السوري حالةً بالغة التعقيد لهذا الفقه؛ إذ يتعيّن على الاستجابة القانونية معالجة عقودٍ من الاضطهاد المُمنهج الذي اتخذ غطاءً قانونيًا، ومن ثمَّ يجب للإطار القانوني الانتقالي أن ينهض بالمهمة الدقيقة المتمثلة في معالجة تلك الانتهاكات بأدوات القانون، مع إرساء أسس جديدة للحكم الشرعي في الوقت نفسه. ولا تنحصر هذه العملية التحويلية في استبدال نظام قانوني بآخر فحسب، بل تشمل إعادة صياغة جذرية لعلاقة القانون بالسلطة السياسية والعدالة الاجتماعية. وعليه، ستكون الاستجابات القانونية الانتقالية الناشئة فاعلًا مُكوِّنًا للتحول السياسي في سوريا لا مجرد انعكاسٍ له، بوصفها الآلية التي يدرك المجتمع من خلالها التغيير التحرري ويُجسِّده.
الأسس النظرية للفقه الانتقالي
يرتكز الإطار النظري للفقه الانتقالي على إعادة تعريف جوهر القانون ووظيفته خلال فترات التحول السياسي، وعلى خلاف المناهج الواقعية والمثالية التي تُهيمن على النظرية القانونية التقليدية، يعمل هذا الفقه وفق نموذجٍ بنائيٍّ يُدرِك خصوصية الظواهر القانونية في الظروف السياسية الاستثنائية. ويكشف هذا المنظور كيف أن الأشكال القانونية في زمن التحول لا تنهض بوظيفة تنظيمية وحسب، بل تؤدي كذلك وظيفة تحويلية، إذ تتوسط بين أنساق معيارية متنافسة وتُيسِّر الانتقال من نظام سياسي إلى آخر. يُظهِر التوتر بين الواقعي والمثالي محدودية المناهج التقليدية في فهم الظواهر الانتقالية. فالمنظور الواقعي، بتركيزه على ديناميات القوة والقيود السياسية، يُختزل الاستجابات القانونية إلى مجرد انعكاسٍ لتوازناتٍ قائمة، وإن اعترف بالطابع السياسي للمرحلة، غير أنه يعجز عن تفسير تعدد أشكال الظواهر القانونية الانتقالية أو تبيان الصلة بين خياراتٍ قانونية معينة وآفاق التحول الليبرالي. وفي المقابل، يتجاهل المنظور المثالي، بافتراضاته العالمية حول العدالة، الخصائص المميزة للعدالة في الأوضاع الاستثنائية، ولا يُجسِّد أيٌّ من الإطارين بدقة كيفية عمل القانون حين يُستدعى إلى المواءمة بين نظرةٍ إلى الماضي ومطالبةٍ بالمستقبل.
تجسد معضلة سيادة القانون هذا الإشكال النظري، ففي الديمقراطيات الراسخة، وفي الأوقات العادية، تعني سيادة القانون الالتزام بسوابق قانونية مستقرة وقواعد مُعلنة مُسبقًا تُقيِّد السلطة التنفيذية. غير أن الثورات تُفضي عادةً إلى اضطرابٍ وفوضى قانونية، ما يطرح سؤالًا صعبًا: كيف يمكن لمرحلة التحول أن تظل متوافقة مع مقتضيات سيادة القانون بينما تُعاد صياغة أسس النظام القانوني ذاته بصورة جذرية؟ لا يقتصر هذا التوتر على البعد الزمني، بل ينفذ إلى صلب شرعية الدولة الليبرالية.
يقدِّم الفقه الانتقالي حلًّا عبر تصورٍ للقانون ذي طبيعةٍ جزئية وسياقية يقع «بين» الأنظمة القانونية، فسيادة القانون الانتقالية لا تُطرَح بوصفها مثالًا مُجرّدًا، بل باعتبارها منظومةً قيميةً معيارية تستجيب لقمعٍ سياسيٍّ سابق. ويكشف هذا التصور عن طابع القانون العَرَضي في زمن التحول؛ فبدلًا من الارتكاز إلى مبادئ ثابتة، يتوسط القانون الانتقالي التحولات في معاني العدالة ومعاييرها. ومن ثمَّ تغدو سيادة القانون مستقرةً وغير مستقرةٍ في آنٍ واحد: تتخلى عن معايير الماضي غير الليبرالية، وتطالب بمعايير مستقبلية ليبرالية.
ويوضح هذا الإطار كيف تُسهم الأشكال القانونية الانتقالية في بناء مفاهيم جديدة للشرعية من خلال علاقتها بالإرث السابق، فالعدالة الناشئة هنا سياقية بطبيعتها: يتحدد ما يُعدُّ عادلًا بقدر كبير على ضوء الظلم السابق ويتأثر به. وبذلك تُعيد الاستجابة للحكم القمعي تعريف الالتزام بسيادة القانون، بينما يوجِّه إرث الانتهاكات فهمَ ما يُعتبر تحويليًّا. ويتحدى هذا الفهمُ السياقيُّ النظرياتَ الليبرالية التي تفترض استقلال القانون عن السياسة، كما يُنازعُ النظرياتِ النقديةَ التي تدمج القانون كليةً في القوى السياسية.
العدالة الجنائية والدستورية كآليات تحويليّة
يُجسِّد تطبيق آليات العدالة الجنائية في المرحلة الانتقالية السورية الإمكانات التحويلية للقانون لمعالجة مظالم الماضي وبناء أسس معيارية جديدة في آنٍ واحد. وتتشارك هذه الآليات- بما في ذلك الممارسات القضائية والعقوبات الجنائية والعمليات الدستورية- سماتٍ مميّزة عن نظيراتها في الأوضاع العادية، مع قدرتها في الوقت ذاته على توليد التحول السياسي.
يتحمّل القضاء الانتقالي عبئًا في ترسيخ مفاهيم جديدة لسيادة القانون. وتنهض المحاكم الدستورية في فترات ما بعد الاستبداد بهذا الدور التحويلي وهي تتأرجح بين الاستمرارية القانونية والانقطاع عنها، فهي تُرسِي تصوّرًا لسيادة القانون كنظامٍ مُضادٍّ لتغوّل السياسة، مؤكدّةً رؤى معيارية مبدئية مستقلة عن القوى الانتقالية. ويؤدي هذا الاستقلال القضائي وظيفةً إشاريةً حاسمة تكشف الانفصال عن الأنظمة السابقة التي اتُّخِذ فيها القانون أداةً للإرادة السياسية. ويقدّم المجال القضائي التحويلي الناشئ نمطًا مُقيدًا من “التسييس” القضائي: أحكامٌ تُقرّ بأبعاد القانون السياسية مع الحفاظ على مطالب المجتمع من خلال صنع قرارٍ قائمٍ على المبادئ.
تستدعي مسألة دور القانون في التحول السياسي السوري بعد سقوط نظام الأسد دراسةً من منظور الفقه الانتقالي، وهو نموذجٌ مخصوص يبرز في فترات التغيير السياسي الجذري. كما تُبيِّن البروفيسورة روتي تيتل في عملها الرائد حول القانون والتحول السياسي، فإن القانون في سياقات التحول يعمل وفق منطق مختلف يتجاوز التصنيفات التقليدية السائدة في الأوقات العادية. إنه يتحرك ضمن معايير جوهرها «ازدواجية مفارِقة»: الحفاظ على النظام وتمكين التحول في آنٍ واحد، تثبيت الاستمرارية وتسهيل القطيعة، معالجة مظالم الماضي وبناء أطر معيارية تستشرف المستقبل. ويُنتج هذا التوتر المتأصل نموذجًا قانونيًا انتقاليًا يتعيَّن على سوريا تبنّيه في مسارها ما بعد الأسد.
وتتجاوز العدالة الجنائية في المراحل الانتقالية مقصدَ العقاب الاعتيادي إلى خدمة تحولٍ نظاميٍّ أوسع، ويُظهِر التطوّر النموذجي لفقه الجرائم ضد الإنسانية أن العقوبات الجنائية في هذه المراحل لا تعالج المخالفات الفردية فحسب، بل تستهدف أيضًا الاضطهاد المنهجي للدولة. وتضع هذه الملاحقات القضائية حدودًا معياريةً فاصلةً بين الحكم الشرعي وغير الشرعي، مُعبّرةً عن التزامٍ مجتمعي بالمساواة أمام القانون بوصفها قيمةً تأسيسيةً للأنظمة الديمقراطية. وتعمل العقوبة الجنائية الانتقالية بمنطقٍ مميّز: بإدانة شرور الدولة السابقة التي ارتُكبت تحت ستار القانون، تُحدِث المحاكماتُ تراجعًا يؤذن بشرعيةٍ جديدة، وتبني فهمًا جمعيًّا للتغيير السياسي يرسُم حدود السلوك المقبول للدولة.
وينبغي للدستور الانتقالي السوري أن يجسِّد زمنيةً خاصة كما يحدّدها الإطار النظري: أن يكون ينظر بأثر رجعي في إدانة إرث نظام الأسد وتقييده، وفي الوقت نفسه محافظًا على منظورٍ يتيح التداول الديمقراطي حول البنية السياسية المستقبلية. وتتجلّى هذه الثنائية الزمنية في أحكامٍ دستوريةٍ قد تشمل بنودًا تُحدِّد أمد المؤسسات الانتقالية، وإجراءاتٍ متدرِّجة لتوسيع المشاركة السياسية، وآليّاتٍ لتحويل السلطة تدريجيًّا من البُنى الانتقالية إلى المؤسسات الديمقراطية الدائمة. وعلى هذا، لا يكون الدستور وثيقةً تأسيسيةً بمعناها التقليدي، بل جسرًا بين الأنظمة السياسية يؤمِّن التحوّل ويصون قدرًا من الاستمرارية القانونية يمنع انهيار المؤسسات.
ويكشف تنوّع الأشكال القانونية الانتقالية عن وظيفتها الجوهرية في إعادة بناء المعايير، فمع تقارب الآليات القانونية المختلفة نحو أهدافٍ تحويليّةٍ مشتركة تتلاشى الحدود التصنيفية التقليدية: تنهض الدساتير بوظائف شبه قضائية، وتُنشِئ العقوبات الجنائية حقوقًا وواجباتٍ تُنسب عادةً إلى القانون المدني، وتُسخَّر المحاكماتُ لأغراضٍ تفسيريةٍ تتجاوز نطاق الجزاء. ويعكس هذا التفكك التصنيفي تكيفَ القانون مع مقتضيات التحول السياسي الاستثنائية، حيث تثبت الأشكال القانونية التقليدية عجزها عن مجابهة تعقيدات التغيير النظامي.
ومن خلال آليات التقصي والإدانة، يكشف القانون منظومةَ القيم المرتبطة بالحكم السابق وينزع عنها الشرعية، مُمهِّدًا الطريق لتحوّلٍ معياري، وتُسهم الإجراءات القانونية في توسيع الوعي العام بالمخالفات السابقة، فيما تقدِّم الآراء القضائية والمحاكمات والإجراءات الدستورية مبرراتٍ عامةً رسمية للتغيير السياسي. وبهذه الكيفية، تدعم هذه الآليات التحوّلات المعرفية والتفسيرية اللازمة لفهم التحوّل، وتعيد بناء مصالح الدولة والمجتمع عبر أشكالٍ قانونيةٍ مألوفة تُمكّن المجتمعات من تجاوز فترات القمع نحو فضاءاتٍ أوسع من الحرية.
خاتمة: القانون كفاعل بنائي في التحول السياسي السوري
يبرز دور القانون في التحول السياسي في سوريا بعد الأسد بوصفه دورًا بنائيًا في جوهره، لا مجرد وظيفةٍ تنظيميةٍ أو استجابةٍ ظرفية، فالقانون لا يقتصر على تأطير التغيير السياسي أو مواكبته، بل يشيِّد بصورةٍ فاعلة الأطر المفهومية والمعيارية التي عبرها يُفهَم التحول ويُستمدّ منه المشروعية. وينهض الفقه الانتقالي- الذي ينبغي أن يوجِّه مسار التحول السوري- بصيغٍ خاصة تتجاوز التصنيفات القانونية التقليدية، منشئًا أشكالًا هجينة تتوسّط بين الماضي والمستقبل، والاستمرارية والقطيعة، والوطني والدولي، والسياسي والقانوني.
تكشف الطبيعة البنائية للفقه الانتقالي أن الاستجابات القانونية في أزمنة الاضطراب السياسي لا تعكس عمليات التحول فحسب، بل تسهم في تشكيلها، فالقانون لا يعمل مستقلًّا تمامًا عن السياسة ولا يهبط إلى مرتبة الظاهرة الثانوية؛ وإنما يحتل مجالًا تحويليًا مميزًا تُسهِم فيه الأشكال القانونية، من خلال أدواتها ومعاييرها، في بناء التغيير السياسي وترسيخه. ويشكّل هذا الإدراك تحدّيًا للنظريات الليبرالية التي تفترض تعالي القانون عن السياسة، وللمقاربات النقدية التي تذيبه في بنيات القوة، إذ يقدّم فهمًا أدق لإمكانات القانون في تمكين التحول المجتمعي.
وتعكس السمات المميِّزة للظواهر القانونية الانتقالية- سياقيتها، وزمنيتها المزدوجة المتطلعة إلى الخلف والمستقبل معًا، وقابليتها لإعادة تشكيل الحدود التصنيفية- قدرتها على التكيّف مع تعقيدات التغيير النظامي. وهذه الآليات لا تنحرف اعتباطًا عن مبادئ سيادة القانون، بل تعيد بناءها استجابةً لإرث الظلم؛ ومن خلال الكشف عن الانتهاكات، ونزع الشرعية عن منظومات القمع، وإعادة تأسيس المعايير، يمكّن القانون الانتقالي المجتمعات من إدراك التغيير التحرري وتحقيقه.
وفي المحصلة، يقدّم الفقه الانتقالي وصفًا تحليليًا لكيفية اشتغال القانون في سياقات التحول السياسي، وإطارًا معياريًا لتقويم الاستجابات القانونية لهذا التحول. كما يتيح إدراك هذا الحقل الفقهي المميَّز رؤى نقدية نافعة للمجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية كما هو الحال في سوريا، ولتفكيرٍ أوسع في علاقة القانون بالتغيّر السياسي والاجتماعي. وتتمثل الأهمية الدائمة للفقه الانتقالي في إبراز قدرات القانون التحويلية، قدرته لا على صون النظام القائم فحسب، بل أيضًا على تشييد التحول السياسي، بوصفه وسيطًا للانتقال من القمع إلى الحرية عبر بناء أسسٍ معيارية جديدة.
تلفزيون سوريا
——————————-
بين التطبيق الحقيقي والتمييع.. عندما تتحول العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية/ محمد كساح
20 سبتمبر 2025
يتفق الخبراء الحقوقيون على أن تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا لا يعد ترفًا سياسيًا أو مطلبًا نخبويًا أو حقوقيًا، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية لبقاء سوريا كدولة ومجتمع وخطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بين السوريين.
بينما تبرز انتقادات وإشارات استفهام تخص تطبيق العهد الجديد لمفهوم العدالة الانتقالية بدءًا من حصرها في تعويضات مالية رمزية دون محاسبة، وصولًا إلى تحويلها إلى شعارات فضفاضة دون إجراءات قانونية واضحة، واختزالها في لجان صورية لا تمتلك أدوات مساءلة فعلية، وانتهاءً بـاستخدام المصالحة كغطاء للإفلات من العقاب.
يوضح المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن “العدالة الانتقالية اليوم ليست ترفًا وخيارًا سياسيًا، بل هي ضرورة وطنية وتاريخية وأخلاقية لوضع مثل وضع سوريا حيث تراكمت الانتهاكات على مدى عقود، تحولت الدولة فيها إلى أداة قمع وتعذيب ممنهج، وهنا تصبح العدالة الانتقالية شرطًا أساسيًا لأي تحول حقيقي في بناء دولة تحترم بناتها وأبناءها وتحمي حرياتهم وحقوقهم”.
ويلاحظ أن مفهوم العدالة الانتقالية جرى تمييعه تحت ذرائع مختلفة مثل الاستقرار والمحافظة على السلم الأهلي، معتبرًا أن “هذا التمييع لمفهوم العدالة بجعلها أمرًا قابلًا للمساومة والتفاوض، لا يشكل فقط ضربة أليمة لحق الضحايا، بل ويعيد إنتاج منطق القوة على حساب منطق الحق، فحين تُقدَّم التسويات السياسية على حساب العدالة، يُختزل السلام إلى مجرد تسويات لا إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس الإنصاف والمحاسبة”.
ما هي العدالة الانتقالية؟
يشرح مدير آليات التحقيق برابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، ياسر الشلاتي، مفهوم العدالة الانتقالية بكونه “منظومة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف الى مواجهة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عبر المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار”. مضيفًا خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن هذا المفهوم لا يعني الانتقام أو إعادة إنتاج دوامات الثأر، بل يعتبر عملية تسعى الى تحقيق التوازن بين العدالة والسلم الأهلي وبين مصلحة الضحايا ومقتضيات المستقبل.
ويضيف بأن تحقيق هذا المفهوم من شأنه أن يحفظ حق الضحايا حيث ما يزال الآلاف من العائلات السورية يبحثون عن الحقيقة حول مصير أبنائهم المعتقلين أو المغيبين وتجاهل هذا الحق يعني مضاعفة المأساة، كما أن العدالة تمنع تكرار الجرائم، وتعيد بناء الثقة المجتمعية وتقود بالضرورة إلى تحقيق سلام مستدام.
أما المحامي والمستشار القانوني، غزوان قرنفل، فيؤكد أن “العدالة الانتقالية وحدها هي المركب القادر على نقلنا من ضفة العنف والاحتراب الى ضفة السلامة الوطنية”، ويضيف خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن “وضوح الرؤية بشأن البرنامج الوطني للعدالة الانتقالية والسياقات التي سيعمل عليها وطرحها بشفافية هو الكفيل بحفظ الاستقرار بالمجتمع وليس العكس، أما التعاطي الانتقائي مع القضايا والملفات المتعلقة بالمساءلة فلا يمكن تسميته بعدالة انتقالية وإنما عدالة انتقائية”. وفقًا لتعبيره.
ويشير قرنفل إلى أوجه عديدة جرى خلالها تمييع العدالة الانتقالية وتحوير مفهومها بحيث خرجت عن سياقها، موضحًا أنه “لدينا اليوم عشرات الموقوفين من مرتكبي الجرائم والانتهاكات والى الآن لم يحل أي منهم للقضاء رغم وفرة الأدلة، بل إلى الآن لم نحدد هل ستتم مقاضاتهم أمام المحاكم القائمة أم سنشكل لذلك محكمة خاصة للنظر في تلك الجرائم”.
عدالة انتقالية أم انتقائية؟
ومن أوجه التمييع الأخطر، التي يوردها قرنفل، أنه “يمكننا الآن إذا ما وقعنا كدولة على ميثاق روما الأساسي وأعطينا محكمة الجنايات الدولية الحق بالبحث في الجرائم المرتكبة في النزاع السوري بأثر رجعي لتاريخ توقيعنا على الميثاق يمكن بذلك محاكمة بشار وماهر الأسد وكبار قادتهم العسكريين والأمنيين أمام تلك المحكمة، لكن السلطة الحالية لا تريد ذلك حتى لا يرتد أثر هذا الالتزام القانوني على القوى الأخرى المشتركة بالصراع وبعضها حاليا في السلطة”.
بدوره يلفت ياسر الشلاتي إلى أن تمييع العدالة الانتقالية يكون عبر تفريغها من مضمونها الحقيقي من خلال حصرها في تعويضات مالية رمزية دون محاسبة، وتحويلها الى شعارات فضفاضة دون إجراءات قانونية واضحة، معتبرًا أن “الخطابات حول المصالحات الوطنية دون التطرق للعدالة هو شكل آخر من أشكال التمييع الذي يعيد إنتاج المظالم بدلً من معالجتها مما يساهم في زرع بذور أحقاد مستقبلية تهدد أي مشروع وطني جامع”.
ومن الأنماط الأخرى للتمييع التي يوردها الشلاتي: الاقتصار على حلول رمزية مثل اختزالها في لجان صورية لا تمتلك أدوات مساءلة فعلية ما يساهم في إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، إضافة لاستخدام “المصالحات وتسوية الأوضاع” كغطاء للإفلات من العقاب والذي يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، مثل التحدث عن التسويات التي نراها مع رجال أعمال معروفين، مثل الخياط وحمشو وغيرهما ممن كانوا داعمين أساسيين للنظام السابق، باعتبارها بديلًا عن العدالة الانتقالية.
مخاطر كبيرة
يتفق الخبراء الحقوقيون الذين تحدثوا لـ “ألترا سوريا” على أن خطر تمييع العدالة الانتقالية يكمن في أنه يهدد الاستقرار والسلم الأهلي، فأي سلام بلا عدالة هو سلام هش، يُبقي الجراح مفتوحة، ويُعيد إنتاج الاستقطاب والانتقام.
وفي هذا الصدد، يشير ميشال شماس إلى أن العدالة الانتقالية ليست عائقًا أمام السلام، بل ضمانة لاستدامته، معتبرًا أنها هي ما يمنع تحول الذاكرة الجماعية إلى أداة للثأر، ويحولها إلى أساس للمصالحة.
من جانبه، يلاحظ ياسر الشلاتي أن “التجارب المقارنة من أمريكا اللاتينية إلى افريقيا أظهرت أن التسويات التي تقوم على فكرة “طي الصفحة” دون محاسبة تتحول سريعًا إلى استبداد جديد وفي الحالة السورية حيث عمق الجراح لا يقاس فإن أي محاولة لتجاوز العدالة ستؤدي إلى انفجار جديد وربما أكثر عنفًا”.
ويضيف بأن “تمييع مفهوم العدالة يقود بالضرورة إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتعزيز الانقسام الاجتماعي بدلًا من رأبه، إضافة لإضعاف ثقة المواطنين بأي مسار سياسي أو قانوني، وتهيئة الأرضية لتكرار الجرائم في المستقبل”.
ويعتبر أن “تمييع مفهوم العدالة الانتقالية أو تأجيله تحت ذرائع واهية يشكل خطرًا كبيرًا، فالعدالة المؤجلة ليست عدالة، بل ظلم مضاعف للضحايا وتمييعها ليس مجرد فشل في تحقيق العدالة، بل هو جريمة ثانية بحق الضحايا لأنه يحول حقهم إلى ورقة تفاوض أو شعار فارغ”.
الترا سوريا
—————————-
تحديث شفهي لرئيس لجنة التحقيق الدولية حول سوريا
حذر رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، باولو سيرجيو بينهيرو، من أن الانتهاكات الخطيرة ما زالت تتكرر في البلاد رغم التغيرات السياسية الجارية، داعيًا إلى مساءلة الجناة وحماية المدنيين، في إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الستين.
وقال بينهيرو إن سوريا، التي عاشت عقودًا من الحكم الديكتاتوري، شهدت قبل تسعة أشهر موجة جديدة من الآمال بالسلام والعدالة. وأضاف أن زيارته الأخيرة إلى دمشق أظهرت أن هذه الآمال لا تزال حاضرة، لكن العنف ضد المدنيين في بعض المناطق يثير قلقًا بالغًا.
وفي دمشق، التقى بينهيرو بمسؤولين في الحكومة المؤقتة لمناقشة سبل تعزيز حماية حقوق الإنسان من خلال التحول السياسي والمؤسسي الجاري. وأكد خلال الاجتماعات أن جميع الضحايا يستحقون العدالة، بغض النظر عن هوية مرتكبي الجرائم. كما شدد على أهمية الاستفادة من خبرات منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن الحقوق في سوريا لدعم الناجين وبناء دولة تحترم حقوق جميع المواطنين.
وأشار بينهيرو إلى أن وزير العدل أكد أن الاعتقالات تتم تحت إشراف قضائي، وأن المعتقلين يتمتعون بحق الاتصال بأسرهم ومحاميهم. وأكد رئيس اللجنة على توصيته الطويلة الأمد بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، تمهيدًا لإلغائها.
كما التقى بينهيرو بالهيئة الوطنية للأشخاص المفقودين وأعضاء هيئة العدالة الانتقالية، مؤكدًا على ضرورة مشاركة الأسر التي تبحث عن أحبائها المفقودين، ليس فقط كمستفيدين، بل كمشاركين نشطين، مع الاستفادة من تجارب مشابهة في المنطقة وخارجها.
وأوضح بينهيرو أن مستقبل سوريا يعتمد على دمج جميع مناطقها ومجتمعاتها المتنوعة ضمن دولة موحدة وآمنة تحترم الحقوق، مشددًا على أن ذلك يتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة لمعالجة الأسباب الجذرية للانتهاكات، وبناء حكم مسؤول وشفاف، وضمان عدم التكرار.
وأكد رئيس اللجنة أن حالة حقوق الإنسان في سوريا لا تزال متردية، رغم التحسن مقارنة بعهد أسد ، وأن التطورات الأخيرة منذ إحاطته الأخيرة في يونيو زادت معاناة المدنيين.
وأشار إلى تقرير اللجنة الأخير الذي وثق هجمات على الطائفة العلوية منذ يناير 2025، والتي بلغت ذروتها بقتل أكثر من 1,400 شخص في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة خلال أيام قليلة في مارس، بما في ذلك على يد أفراد من قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة. وقال إن هذه الأفعال قد ترتقي إلى جرائم حرب، داعيًا السلطات إلى حماية الضحايا ومحاسبة الجناة وتعويض المتضررين.
وأضاف أن اللجنة تتابع التقارير عن استمرار عمليات القتل والاعتقالات التعسفية لأفراد الطائفة العلوية، بالإضافة إلى مصادرة ممتلكات الفارين من أعمال العنف، وأعمال مماثلة في مناطق أخرى، بما في ذلك طرد سكان علويين في ضاحية السومرية بدمشق في أغسطس، مع تقارير عن اختطاف المدنيين وضربهم وإهانات طائفية.
وحذر بينهيرو من أن عدم توافق الرؤى بشأن مستقبل سوريا قد يؤدي إلى تفتيت البلاد، وتجمد جهود توطيد الدولة، وربما إعادة البلاد إلى صراع طويل، مشيرًا إلى دور خطابات الكراهية والتحريض على العنف في استمرار الانتهاكات.
وفي منتصف يوليو، شهدت السويداء جولة عنف بين الدروز والبدو، ما أدى إلى نزوح نحو 200 ألف مدني. وأكد بينهيرو أن مئات الأشخاص قُتلوا أو جرحوا، وفق معلومات أولية، وأن مقاطع فيديو موثقة أظهرت رجالاً دروزًا يتعرضون للإعدام بإجراءات موجزة ومعاملة مهينة، كما تعرضت مجتمعات بدوية لانتهاكات جسيمة.
وأشار إلى أن لجنة تم تعيينها من قبل وزارة العدل تحقق في الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك الفظائع في المناطق الساحلية في مارس، وأن بعض أفراد قوات الأمن قد اعتقلوا على أساس أدلة فيديو، مؤكدة استقلاليتها ونواياها للتحقيق بموضوعية.
وأوضح أن الاشتباكات أدت إلى تدخل أطراف أخرى، بما فيها قوات قبلية من مناطق مختلفة، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني في سوريا، مضيفًا أن إسرائيل واصلت غاراتها الجوية على دمشق وحمص واللاذقية وتدمر، مسببة دمارًا وخسائر بشرية،واحتلت المزيد من الأراضي الواقعة خارج الخط الفاصل لعام 1974، وشرّدت قسراً المدنيين المقيمين هناك، واعتقلت تعسفياً مواطنين سوريين خلال عمليات برية وفقاً للتقارير الواردة. وتؤدي هذه الأعمال إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في مناطق تعاني من انعدام الأمن الشديد، ويجب أن تتوقف على الفور.
وأكد بينهيرو أن شمال شرق سوريا يشهد توترات مستمرة، حيث تعثرت جهود تنفيذ اتفاق 10 مارس مع القوات الديمقراطية السورية، وأن الوضع الهش مهدد بسبب استمرار الاحتجاز للآلاف من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، داعيًا إلى تكثيف جهود خفض التصعيد والحوار.
وأفاد بينهيرو أن أكثر من 220 ألف شخص نزحوا داخليًا حديثًا، وأن العديد من النساء تعرضن للعنف الجنسي أو الزواج القسري، بما في ذلك النساء العلويات والدرزيات ، مطالبًا السلطات باتخاذ إجراءات عاجلة للتحقيق وحماية المدنيين.
وفي الجانب الإيجابي، أشار بينهيرو إلى عودة نحو مليون لاجئ سوري ومليوني نازح منذ 8 ديسمبر، ورحب بتخفيف العقوبات الأمريكية والأوروبية، ما يفتح الباب لإعادة إعمار ضرورية، مع التأكيد على استمرار الاحتياجات الإنسانية الملحة لـ16 مليون شخص، وقد تلقت وكالات الإغاثة 18% فقط من النداء الإنساني لعام 2025.
وختم بينهيرو حديثه بالقول إن الشعب السوري يطالب بالعدالة والسلام الحقيقي، داعيًا الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لدعم تطلعاتهم ومساعدة السلطات المؤقتة في بناء مستقبل قائم على الحقوق والمساءلة والاندماج.
———————————–
دعوى قضائية تلاحق ثلاثة إعلاميين في عهد الأسد بتهمة “خيانة الشعب السوري“
2025.09.20
أعلن الصحفي السوري إسماعيل الرج، عضو مجلس إدارة اتحاد صحفيي سوريا، أنه تقدّم بدعوى قضائية ضد ثلاثة إعلاميين في عهد نظام الأسد المخلوع، بتهمة “خيانة الشعب السوري”.
وشملت الدعوى كلاً من شادي حلوة وكنانة علوش وصهيب المصري، إذ أوضح الرج في منشور على “فيس بوك” أن الدعوى جاءت على خلفية اتهامهم بـ”خيانة الشعب السوري” وتحريضهم على قتل المدنيين، وانتهاك حرمة أجساد الشهداء، والتشجيع على التهجير وسرقة الممتلكات.
اقرأ أيضاً
الإعلامي شادي حلوة مع العقيد في جيش النظام المخلوع سهيل الحسن )أرشيفية، فيسبوك)
وثقوا انتهاكاتهم بأيديهم.. خطوات مؤجلة لمحاسبة إعلاميي النظام المخلوع
وأشار الرج إلى أن الممارسات التي قام بها حلوة وعلوش والمصري، وفق ما ورد في الدعوى، تضمنت أيضاً “تجميل صورة نظام الأسد وميليشياته الأجنبية إعلامياً”، معتبراً أن هذه الأفعال تمثل خيانة واضحة للشعب السوري.
العدالة الانتقالية في سوريا
يعوّل السوريون على الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا من أجل محاسبة كل من تورط خلال السنوات الماضية في دعم نظام الأسد المخلوع.
وسبق أن أفادت الهيئة في بيان بأنها نفذت خلال الفترة التأسيسية سلسلة من الأنشطة، شملت “عقد اجتماع دولي في جنيف برعاية المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ولقاءات تبادل خبرات مع ممثلي دول عدة”.
وأضافت الهيئة أنها تتواصل بشكل مباشر مع أبناء المحافظات من مختلف المكونات، وبدأت إجراءات إنشاء صندوق لتعويض الضحايا واختيار كوادرها عبر مقابلات مهنية، إلى جانب مشاركتها في صياغة مشروع قانون العدالة الانتقالية مع جامعة دمشق.
ولفتت الهيئة إلى أن عملها “يتركز على تحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية، أبرزها كشف الحقيقة حول انتهاكات حقوق الإنسان، وتوثيق الانتهاكات والضحايا وفق المعايير الدولية، وتحقيق العدالة وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إلى جانب العمل على تحقيق المصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة التاريخية”.
—————————–
هيئة المفقودين في سوريا تبدأ عملية توثيق رفات ضحايا “مجزرة العتيبة”
العثور على مقبرة جماعية بريف دمشق
2025-09-19
بدأت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، بالتنسيق مع منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، اليوم الجمعة، عملية انتشال وتوثيق رفات ضحايا من المقبرة الجماعية في منطقة البحيرة ببلدة العتيبة بريف محافظة دمشق.
وقالت الهيئة، إن هذه العملية تأتي ضمن جهودها للكشف عن مصير المفقودين وضمان حقوق ذويهم في مسار العدالة والإنصاف.
وأوضحت، أن الاستجابة جاءت بعد ورود معلومات من مخفر بلدة العتيبة حول ظهور رفات عظمية على سطح أحد الحقول الزراعية، مؤكدة أن العمل يضمن صون كرامة الضحايا وحفظ الأدلة اللازمة للتعرف على هوياتهم.
ودعت الهيئة الوطنية للمفقودين، المواطنين إلى عدم الاقتراب من مواقع الرفات أو العبث بها وترك مهام التوثيق والانتشال للجهات المختصة حفاظاً على كرامة الشهداء وسلامة العملية، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأشارت، إلى أن الواقعة تعود إلى المجزرة التي ارتُكبت بتاريخ 27 شباط/ فبراير 2014 في العتيبة، عقب كمين نفذته قوات النظام المخلوع، وأسفر عن مقتل عشرات الأشخاص واختفاء نحو 270 مدنياً وعسكرياً منشقاً عن النظام.
وأكدت الهيئة الوطنية للمفقودين، أن “جريمة العتيبة ستظل شاهداً على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، وأنها ستواصل جهودها للكشف عن مصير المفقودين والدفاع عن حقوق ذويهم”.
وكانت قد كشفت “الخوذ البيضاء”، يوم الاثنين الماضي، حيثيات رفات لخمسة أشخاص عُثر عليها بحي التضامن في العاصمة السورية دمشق.
وقالت المنظمة، إن الفرق المختصة في البحث عن المفقودين التابعة لها استجابت لبلاغ عن وجود رفات بشرية في بناء في حي التضامن بدمشق خلال قيام أحد الأشخاص بأعمال إعادة تأهيل في البناء.
وأضاف، في بيان نشر على منصة “فايسبوك”، أن أعمال انتشال الرفات جرت بإشراف من الهيئة الوطنية للمفقودين، وبوجود ممثلين عن النيابة العامة وإدارة الأمن الجنائي ومركز الاستعراف بالطب الشرعي في دمشق.
وأشارت إلى أن المعطيات الأولية للرفات كشفت أنها تعود لأكثر من 5 أشخاص مجهولي الهوية، وعثر الفريق أثناء انتشال الرفات على حزّامة بلاستيكية (أصفاد بلاستيكية) تستخدم لتقييد الأيادي.
وجمع الفريق المختص الرفات وجميع المتعلقات والأدلة في الموقع وفقاً للبروتوكولات الخاصة بتوثيق وجمع الرفات وانتشالها، ليتم تسليمها لمركز الاستعراف في الطب الشرعي، وفق ما ذكره بيان “الخوذ البيضاء”.
———————————
الدفاع المدني: العثور على رفات بشرية في دمشق وحماة وحمص خلال يومين
23 سبتمبر 2025
قال الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) إن فرق البحث عن المفقودين التابعة له، وبالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين، استجابت خلال يومي 22 و23 أيلول/سبتمبر، لثلاثة مواقع أُبلغ عن وجود رفات بشرية فيها، توزعت بين دمشق وحماة وحمص.
وأوضح الدفاع المدني أن الفرق المختصة استجابت، الإثنين 22 أيلول/سبتمبر الجاري، لموقع رفات بشرية في حي المحطة بين الميدان والقدم في العاصمة دمشق، حيث “عثر عمال أثناء صيانة حفرة للصرف الصحي بعمق 3 أمتار على رفات وبقايا عظمية بشرية”.
وأضاف البيان أن الفريق جمع الرفات “وهي ثلاث جماجم وعظام طفل وفق المعطيات الأولية، وجميعها لأشخاص مجهولي الهوية”، إلى جانب المتعلقات والأدلة، تمهيدًا لتسليمها لمركز الاستعراف في الطب الشرعي.
وفي ريف حماة الشرقي، استجابت الفرق في اليوم نفسه لموقع في قرية عقيربات قرب سلمية، حيث تم العثور على رفات بشرية مدفونة جزئيًا “تعود لشخص واحد مجهول الهوية”، وجُمعت وفق البروتوكولات المعتمدة لتوثيق وانتشال الرفات.
أما في مدينة حمص، فقد أشار الدفاع المدني إلى أن الفرق المختصة استجابت يوم الثلاثاء 23 أيلول/سبتمبر الجاري لموقع في حي كرم الزيتون، حيث “عُثر على رفات تعود لثلاثة أشخاص مجهولي الهوية”، وجُمعت مع المتعلقات والأدلة استعدادًا لتسليمها للطب الشرعي.
وختم الدفاع المدني السوري بالتأكيد على خطورة الاقتراب من مواقع الرفات أو المقابر الجماعية، مشددًا: “نهيب بالأهالي بعدم الاقتراب من مواقع الرفات أو المقابر الجماعية أو العبث بها”.
وأكد أن “أي تدخل غير مختص يُلحق ضررًا بالغًا بمسرح الجريمة ويؤدي إلى طمس الأدلة الجنائية، التي تُعد أساسية في الكشف عن مصير المفقودين وتحديد هوياتهم، وفي تعقب المتورطين بجرائم الاختفاء القسري”.
——————————–
==================



