نقد ومقالات

الناقد محيي الدين صبحي…النسيان حليفًا/ بشير البكر

 

الاثنين 2025/09/22

حينما رحل الكاتب السوري محيي الدين صبحي العام 2003، تحدث الذين رثوه عن مفارقة عجيبة وهي، أن الناقد الذي أثار جدلاً واسعاً خلال أربعة عقود، مات بصمت، من دون أن يسمع نبأ وفاته أحد. فلا صحيفة نشرت الخبر، ولا تلفزيون أو إذاعة مرت عليه. كان خبراً صغيراً في صفحات الوفيات، لم يصدقه عارفوه، إلا بعد اتصالات وتحريات. الأقارب والمقربون لم يعلموا بما أصابه، ولا تابعوا حاله في أيامه الأخيرة، حتى يؤكدوا خبر الرحيل. ومن المرجح أن صبحي نفسه لم يعلم أحداً أنه على وشك الرحيل، رغم أنه فقد الأمل بعد إجراء عملية القلب المفتوح بدمشق. قد يعود السبب إلى الرمق الباقي من الفروسية، الذي يجعل شخصاً صلباً وعنيداً، يأنف التسليم بخسارته، حتى وهو يواجه الموت، العدو الذي لا يُهزم.

نتذكر محي الدين صبحي اليوم كي نلعن الإهمال والنسيان، ونلفت الاهتمام إلى قامة نقدية سورية ذات منجز خاص متميز، وعلى قدر كبير من الفرادة. عاش حياة جدل ومنازعات، استمرت عقوداً، حضر فيها بقوة كناقد في وسط ثقافي، لم يتقبله بسهولة، بسبب تغريده خارج كل أشكال الاستقطاب والاصطفاف الثقافي والإيديولوجي، وقد نم ذلك عن شجاعة كبيرة، واعتداد كبير بالنفس. والدليل على ذلك كتابه الأول، الذي ألفه العام 1957 بعنوان “نزار قباني شاعراً وإنساناً”، رداً على تهجم الشيوعيين على الشاعر في بدايات صعوده. وفي العام 1977، بعد عشرين عاما، ألف كتابه الثاني عن قباني بعنوان: “الكون الشعري عند نزار قباني”، وكان بذلك يرد على حملات شرسة تعرض لها قباني من أوساط، أرادت حذفه من سجل الإبداع.

حين رحل صبحي كان في رصيده أكثر من 30 كتاباً في النقد الأدبي والترجمة من الإنكليزية. ناقد لاذع، لم يقف عند جنس واحد من الأدب، كتب من موقع مختلف في النقد المسرحي، حيث تناول بالنقد القاسي تجارب مكرسة كسعد الله ونوس، ففكك مسرحية “راس المملوك جابر”، واعتبر أن الكاتب تعمد تشويه التاريخ، كما هاجم رواية هاني الراهب “ألف ليلة وليلتان”، ورأى أنها حملت نظرة سطحية إلى المدينة، وتلك رؤية لم تقتصر على الراهب وحده، بل تشاركها عدد كبير من كتاب الأرياف، الذين نظروا بسلبية الى المدينة والمرأة. وفي الشعر الحديث، نقد أمل دنقل، وهو الشديد الإعجاب بجمال عبد الناصر. أعلن اختلافه معه حول ديوان “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” وفي العام 1976، جاء في كتابه “الأدب والموقف القومي” في باب: “مناضلون لا مسلوبون” بأن “اللغة كانت ركيكة منسحقة تحت روح النثر الصحافية، بجانب الفيض الصوري الذي جاء من دون ترشيد أو استثمار، كنهر أضاع مصبّه”، وفي الشعر القديم، نقده للمتنبي في كتابه ” المختار من الوساطة بين المتنبي وخصومه”.

 شجاعة فريدة، عبّر عنها في دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي (1980)، والرؤيا في شعر البياتي (1986) الذي يقدم فيه مطالعة دفاعية عن هذا الشاعر الذي تعرض لهجوم واسع من الشيوعيين العراقيين، إذ قللوا من قيمته الشعرية، وحاولوا إقصاءه من خريطة الشعر لأسباب سياسية، مثله مثل الشاعر العراقي الآخر صاحب المنجز المهم يوسف الصائغ، الذي تعرض لاضطهاد الحزب الشيوعي، بسبب اختلافه معه. وينسب صبحي موقفه من البياتي إلى أستاذه الناقد إحسان عباس، الذي يعترف بفضله عليه انه هو الذي وجّهه ليسير في هذا الدرب.

وما جعل صبحي ناقدا مؤثرا، أنه لم يتنازل عن المستوى الفني، ولم يكن صاحب نص نقدي خفيف، بل كان مؤسساً بقوة، متأثراً بالناقد إحسان عباس، الذي اعتبره في أكثر من مداخلة، الاستاذ الذي وجهه في الطريق السليم نحو مدارس النقد الأميركي الحديث. ومن ميزات صبحي التي لا يتحلى بها معظم نقاد زمانه، أنه برع في قراءة النص الشعري القديم والحديث، كتب عن المتنبي وأبي تمام والمعري والبحتري وأمل دنقل ونزار قباني ومعين بسيسو وعمر أبي ريشة وجوزيف حرب، محمد الفيتوري، أحمد المجاطي.

ساخر مرّ، في كتبه ومقابلاته يظهر صبحي محارباً، يعشق الجدل والخصومة، ويكره المهادنة. كتب بصراحة وجرأة شديدتين، وهذا ما ترك له احتراماً وتقديراً لدى خصومه قبل أصدقائه، وفي كل نصوصه بدا أنه لا يكتب من أجل اللحظة الراهنة، بل لتبقى نصوصه لزمن آخر، من دون أن يفكر بمردود معنوي أو مادي، ولذا تشرد وهاجر في أوروبا كفرنسا وبريطانيا، والعالم العربي، لبنان والمغرب، كي لا يهادن.

مترجم مذهل من دون أن يتقن المحادثة بالإنكليزية، ركز في ترجماته على مجالي نظرية الأدب، ونظرية الشعر. واهتم في التسعينيات بفن الرواية والقصة القصيرة، لكنه اقتصر في مجالهما على الترجمة دون الدراسة. ومن بين الكتب المهمة التي ترجمها “نظرية الأدب” لأوستن وارين ورينيه ويليك، وراجعه الدكتور حسام الخطيب، وكتاب “مقالة في النقد” لغراهام هو.

كائن عصامي، بنى نفسه. هذه العبارة ترد دائماً على لسان صديقه زكريا تامر، ويحفظ له أنه لم ينل التكريم اللائق، وهو لم يسع إلى ذلك، بل تعامل مع الأدب كشأن حياتي عادي منزوع من كل تقديس. ويقول تامر إن صبحي نال درجة الدكتوراه في النقد الأدبي، بإشراف إحسان عباس في الجامعة الأميركية في بيروت، بعدما بات ناقداً علماً، ولم يكن بحاجة اليها، لكنه أراد التعمق من جهة، ومن جهة أخرى تحقيق نوع من الرضى الذاتي الذي لم يدفعه إلى التشاوف على الآخرين.

كتابه المعنون “البطل في مأزق”، عبارة عن دراسة لشخصية البطل في أعمال كتّاب مختلفين، لكن العنوان يصح بقوة على حال هذا الدمشقي ابن جنائن الورد، وحيد أبويه، الذي عاش وحدوياً عربياً، وعانى متاعب في القلب. سقط في باريس قبل خمس سنوات من وفاته، ووجد من ينتشله. وسقط قبل ثلاثة شهور في دمشق فنقل إلى المستشفى، وأجريت له عملية قلب مفتوح، لم يعمّر بعدها طويلاً، فرحل عن 68 عاماً مع احتلال بغداد من طرف القوات الأميركية.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى