جبل الرز في دمشق: ذاكرةٌ جماعيةٌ لفقراء الأكراد والعلويين/ بثينة عوض

الأحد 2025/09/21
في زيارتي الأولى لدمشق، كطالبة تحلم بالالتحاق بكلية الإعلام، شكّلتُ في مخيلتي، وأنا أستقل الحافلة، مئات التصورات عن هذه المدينة. مدينة كتبَ فتيان الشاغوري عن تفاصيل طبيعتها بدقة، ونظم أنس الدغيم وموفق السلمي ونزار قباني وسعيد عقل قصائد في عشقها. لماذا كل هذا الحب لدمشق؟ حتى والدي، الذي عاش فترة في باب توما، وقع في غرامها.
تقطع صفو تأملاتي أبواق الحافلة وانحدارات الطريق المفاجئة، ثم تماثيل “القائد الخالد” التي تلوّح لنا بيدٍ أو تفتح ذراعين، وكأنها تُعلن أن هذه المدينة ملك يمينه.
أُرهق السائق بوابل أسئلتي. كان يجيب ببرود وهو ينفث دخان سيجارة “الحمراء الطويلة”: “باقي ثلاث ساعات”. بدت وكأنها دهر، بينما صديقتي التي ترافقني لدراسة الاختصاص نفسه غفت بعمق بجانبي.
وأخيرًا، جاءت اللحظة المنتظرة: دخول دمشق. لكن الاستقبال لم يكن سوى تمثال آخر يفرض حضوره، وذراعاه مفتوحتان، وكأنهما تستعرضان وصاية كاملة على المدينة.
أقمت في المدينة الجامعية على أوتوستراد المزة، الملاصقة للجامعة. غرفة صغيرة لا تتسع لشخصين، لكنها جمعت ثماني فتيات تحت سقف واحد. في المقابل، صديقتي اختارت أن تعيش مع أقربائها في حيّ يحمل اسماً غريباً بالنسبة لي: “جبل الرز”. بدا الاسم مفارقة لطفلة اعتادت أن يكون البرغل الطبق الرئيسي في الساحل السوري، أكثر من الأرز نفسه.
الزيارة
كانت صديقتي، التي غالباً ما تتأخر عن المحاضرات بسبب بعد المسافة من بيتها، تدعوني إلى زيارتها في منزل عمها وعائلته. ينحدرون أصلاً من قريتنا ذاتها في ريف القرداحة، وهو ما جعل الدعوة تبدو قريبة من البيت والروح.
لم أتردد في إبداء رغبتي في الهروب من واقع غرفتي المرير في المدينة الجامعية: غرفة ضيقة تختنق بثماني فتيات، حيث تضيق الجدران وتثقل الحياة اليومية. بدا لي أن زيارة جبل الرز ستكون فسحة صغيرة، لكنها تحولت إلى نافذة على عالم آخر.
الطريق إلى جبل الرز بدا أطول من الطريق إلى دمشق نفسها. من نافذة الحافلة، شاهدت بيوتاً تلتصق بالجبل كأنها جزء من صخوره. الحفر تملأ الأزقة أكثر من عدد السكان، حفر عميقة ملأها الأهالي بالقمامة درءًا للموت بعد أن ابتلعت مراراً ضحاياها. هنا، كان الفقر يترك بصماته على الأرض كما على وجوه الناس.
توقفت الحافلة، ولم يكن الوصول قد انتهى. كان علينا أن نكمل مشياً على الأقدام نصف ساعة كاملة لنبلغ واحداً من أهم أحياء البؤس العشوائية في أحزمة الفقر الدمشقية، في المنطقة الفاصلة بين الربوة ومشروع دمر. كان المشهد صادماً: بيوت من ألواح التوتياء، وجدران مُدعّمة بلافتات قديمة لمرشحي مجلس الشعب، أعيد تدويرها لتكون دروعاً في وجه المطر ودلف الشتاء. وقفت مذهولة، أتساءل: كيف يمكن للناس أن يسكنوا وسط هذه المفارقة القاسية؟
جاءني الجواب على طبق من برغل، ومن فم عم صديقتي الذي قال بمرارة: “ما حدا من الحكومة متذكر أصلاً إنو في مكان اسمو جبل الرز”. كلمات قالها بقهْر، بدّدت خوفي وحوّلته إلى نقمة.
كيف يمكن لدولة أن تتجاهل حيّاً يضم عشرات الآلاف من أكراد الجزيرة وعفرين، إضافة إلى عائلات فقيرة من الساحل السوري، معظمهم من صف الضباط والعسكريين المتقاعدين؟ حيّ تختلط فيه خطوط الولاء والمعارضة كما تختلط أصوات الفقر بالقهر. هنا، الفقر ليس مجرد حالة اجتماعية، بل هو خنجر يغرز يومياً في خاصرة الناس. الأكراد، على وجه الخصوص، يعيشون ظلماً مضاعفاً، قهراً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
في جبل الرز، بدا واضحاً أن دمشق، بكل قصائد الغزل التي كُتبت لها، تحمل وجهًا آخر، وجهًا مسحوقاً، منسياً، لا يجد مكاناً في الأغاني ولا في الذاكرة الرسمية.
هجرة كردية
كان يجلس إلى جوار عم صديقتي رجل وامرأة يتحدثان بلهجة لم أفهمها للوهلة الأولى. همس لي أحد الحاضرين بأنهما من أكراد الحي. كان طبق البرغل البسيط يجمعنا حول المائدة، لكنه بدا عاجزاً عن محو الحدود غير المرئية التي تزرعها السلطة بين الناس، وتجعلهم أقرب إلى غرباء، حتى وهم يتقاسمون اللقمة ذاتها.
لاحقًا عرفت أن هذا الرجل، شأنه شأن كثيرين من أبناء جبل الرز من الأكراد، اضطر إلى مغادرة الحي في ما يشبه “الهجرة العكسية” نحو قراهم الأصلية في الجزيرة السورية. السبب لم يكن اقتصادياً فقط، بل كان سياسياً وأمنياً. فقد تصاعدت التهديدات من ناشطي الثورة الأكراد بالعودة إلى سيناريو القمع والعنف الذي شهده العام 2004، الأمر الذي استُغل لتغذية الخوف ودفع الفقراء إلى مغادرة بيوتهم. زادت الضغوط مع تشجيع بعض القيادات القومية الكردية للعائلات الفقيرة على الرحيل، بوعدٍ بكيان كردي قادم، وبإغراءات مالية وصلت ــ كما قيل ــ إلى نصف مليون ليرة للعائلة الواحدة.
في تلك الفترة، ازدادت القبضة الأمنية على الحي. أُعتقلت والدة أحد الناشطين الأكراد، وأصبحت مداخل جبل الرز الثلاثة تخضع لتفتيش يومي صارم، يطالب المارة بإبراز هوياتهم ويزرع الخوف في نفوس السكان. ومع تصاعد القمع، انفتحت جبهة جديدة أكثر خطورة: اقتتال طائفي داخلي بين الأكراد من جهة، وأبناء الطائفة العلوية من جهة أخرى، إذ يقطن الحي عشرات الآلاف من أكراد الجزيرة وعفرين، إلى جانب عائلات فقيرة من الساحل السوري، معظمهم من صف الضباط والعسكريين المتقاعدين. كان الحي أشبه ببرميل بارود، تعيش فيه خطوط الولاء والمعارضة على تماس مباشر، تحت ضغط الفقر المدقع والظروف القاسية.
ومع الوقت، نجح النظام في ما أراده منذ البداية: تفكيك النسيج الاجتماعي. منازل كانت أبوابها مفتوحة للجيران ليلاً ونهاراً، أصبح أصحابها يتوجسون من بعضهم البعض. الحي الذي كان يبدو كبيت واحد كبير، تحوّل إلى جزر معزولة متناحرة. وكأن الفقر وحده لم يكن كافياً لتمزيق الناس، فجاءت السياسة لتزرع بينهم جدراناً أعلى من أي جدار إسمنتي.
فوقية دمشقية
حين يتحدث الدمشقيون عن “جبل الرز”، أو كما يسميه بعضهم تهكمًا “حب الرز”، تتشكل على وجوههم ابتسامة تجمع بين السخرية والشفقة. سخرية من الاسم الذي تحوّل إلى عَلَم على حي كامل، وشفقة على ظروفه القاسية التي جعلت سكانه يعيشون على هامش المدينة، كأنهم غرباء في عاصمتهم.
وتتعدد الروايات حول أصل التسمية. إحداها تقول إن الباعة الجوالين كانوا يفرشون أكياس الرز على الأرض لبيعها للنازحين الفقراء الذين قصدوا المنطقة في بداياتها، فارتبط الاسم بالمكان. رواية أخرى، أكثر تهكماً، ترى أن التسمية جاءت نوعاً من السخرية السوداء: ففي حي يكاد يخلو من أبسط مقومات الحياة، بدا “الرز” رمزاً للندرة والرفاهية المستحيلة.
ومهما يكن أصل الحكاية، فقد ترسّخ الاسم في الذاكرة الشعبية، وأصبح جزءاً من هوية الحي، مثلما استقرّت أسماء أخرى على غرار “حي 86″ و”عش الورور” كعناوين تختزن داخلها تاريخاً اجتماعياً وسياسياً معقداً.
ذلك التاريخ يعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت دمشق تتمدد نحو أطرافها بوتيرة أسرع من قدرة مؤسسات الدولة على التخطيط والاستيعاب. الريف الفقير كان يرسل أبناءه إلى العاصمة بحثاً عن فرصة عمل أو استقرار، فيما كان الجيش يسرّح آلاف الجنود والمتقاعدين من دون توفير بدائل سكنية كافية لهم. في تلك الفجوة بين الحاجة الشعبية والعجز الرسمي، ولدت الأحياء العشوائية: بلا خرائط، بلا تراخيص، بلا خدمات أساسية.
جبل الرز لم يكن استثناءً، بل كان مثالاً صارخاً. بيوت متلاصقة حفرتها الفاقة أكثر مما خططها مهندس، طرق ترابية محفّرة تحولت لاحقاً إلى مكبات للنفايات، وأسطح من صفائح التوتياء وبقايا لافتات انتخابية قديمة استخدمها السكان ليصدّوا عنهم المطر. كان الحي يتوسع بسرعة، لكن على حساب كل ما يُعرّف بالمدينة: التنظيم، البنية التحتية، وحتى الحد الأدنى من شروط السكن الكريم.
ومع مرور العقود، لم يعد جبل الرز مجرد حي فقير، بل صار مرآة تعكس فشل سياسات الإسكان، وانفجار الفوارق الطبقية، وغياب العدالة في توزيع الخدمات. صار الحي “شاهداً” على كيف يمكن لمدينة مثل دمشق أن تحمل داخل حدودها عالَمين متناقضين: أحياء تزدحم فيها المقاهي والمتنزهات، وأخرى لا يجد سكانها ماءً نظيفاً أو طريقاً معبّداً.
الشكل العمراني
جبل الرز حي يلتف حول نفسه على سفح جبلي شديد الانحدار، كأنه يحاول الاحتماء من المدينة التي تدير له ظهرها. شوارعه ليست أكثر من أزقة ضيقة متعرجة، بالكاد تتسع لمرور دراجة نارية، وبعضها لا يسمح حتى لسيارة صغيرة بالمرور. البيوت متكدسة فوق بعضها كأنها تتسلق الجبل بجهد، تستند إلى جدران إسمنتية مرتجلة مهددة بالانهيار عند أول مطر غزير. .. من بعيد، يبدو الحي ككتلة رمادية صلبة تكسو السفح، بلا ملامح سوى التلاصق والفوضى العمرانية.
هذه الجغرافيا الوعرة لم تكن مجرد خلفية، بل أصبحت قدراً يومياً يحدد تفاصيل حياة السكان. الصعود والهبوط على الأدراج المتعرجة جزء من الروتين اليومي، حيث تتحول رحلة جلب الخبز أو الماء إلى اختبار بدني. الأسطح تتحول إلى مساحات مشتركة بين العائلات، ودرج بيت قد يكون ممراً لعائلة أخرى. في هذا التشابك العمراني ولد مجتمع شديد الالتصاق، حيث الجوار ليس خياراً بل هو فرض، وحيث الخصوصية تذوب في تفاصيل العيش الجماعي.
لكن قصة جبل الرز لا تُختصر في جغرافيته وحدها. الدولة تعاملت معه مثلما تعاملت مع معظم الأحياء المخالفة: مزيج من الإهمال والاستغلال. من جهة، لم يُعترف به رسمياً كحي يستحق البنية التحتية والخدمات، وظل خارج خطط التنظيم والتحديث. ومن جهة أخرى، كان يُنظر إليه كخزان بشري لا يُستهان به. كثير من شبابه وجدوا أنفسهم في الجيش أو الأجهزة الأمنية، ليصبحوا جزءاً من الشبكة التي تحكم دمشق من أطرافها.
هكذا عاشت المنطقة في ازدواجية غريبة: مهمّشة ومحتقرة في الخطاب الرسمي والإعلامي، لكنها في الوقت نفسه مرغوبة ومستخدمة كقوة بشرية. بالنسبة إلى السلطة، كان جبل الرز حيّاً يمكن تجاهله في الخدمات لكنه لا يُستغنى عن شبابه عند الحاجة. أما بالنسبة إلى باقي الدمشقيين، فقد ظل رمزاً للتناقضات: حي فقير يُنظر إليه بنوع من الوصم الاجتماعي، لكنه حي قادر على إنتاج حضور سياسي واجتماعي لا يمكن إنكاره.
في النهاية، جبل الرز ليس مجرد “حي مخالف”، بل مرآة لسياسات عمرانية واجتماعية متراكمة على مدى عقود، تكشف كيف يمكن للفقر أن يُستثمر سياسياً، وكيف يمكن للهامش أن يتحول أحياناً إلى قلب الصراع.
عين أمنية
مع بداية الأحداث السورية، تحوّل جبل الرز إلى حي يعيش تحت العين الأمنية مباشرة. نقاط التفتيش عند مداخله الثلاثة صارت جزءاً من يوميات السكان، والزيارات الليلية للمنازل كانت كابوساً متكرراً. بعض العائلات فضّلت النزوح إلى أماكن أخرى أكثر أماناً، لكن في المقابل تدفقت إليه عائلات نازحة من ريف دمشق المدمر، فازدادت الكثافة السكانية بشكل خانق، وأصبحت الأزقة الضيقة تختنق أكثر بالبشر والوجوه الجديدة.
على وقع هذه التغيرات، تبدلت البنية الاجتماعية للحي. الأكراد الذين كانوا يشكلون نسبة كبيرة من سكانه منذ السبعينيات بدأ بعضهم بالعودة إلى قراهم في الجزيرة أو عفرين، مدفوعين بتهديدات أو بوعود سياسية مرتبطة بالمستقبل الكردي في سوريا. وفي المقابل، حلّ مكانهم نازحون من الأحياء المدمرة في الغوطة وداريا والمعضمية. أصبح جبل الرز خليطاً من المهجّرين واللاجئين الداخليين، يجمعهم العوز والفقر أكثر مما يجمعهم أي رابط آخر.
اليوم، وبعد التحرير، لا يزال الحي عالقاً في الهامش. وعود التنظيم وإعادة الإعمار التي رُفعت شعاراتها مراراً بقيت مجرد كلام على الورق. لم تصل الجرافات، ولم تُرسم خرائط جديدة، ولم يمدّ أي خط صرف صحي أو شبكة مياه آمنة. ما زالت الحفر تبتلع الشوارع، وما زالت أسقف التوتياء واللافتات الانتخابية القديمة تحمي البيوت من المطر كما كانت منذ سنوات.
السكان، وقد اعتادوا وعوداً لا تتحقق، اختاروا الاعتماد على أنفسهم. يرممون بيوتهم بجهود فردية، يجمعون تبرعات صغيرة بين الجيران لإصلاح درج أو بناء جدار استنادي يمنع الانهيار. الشباب الذين لم يجدوا فرص عمل في الداخل يرسلون حوالات مالية من لبنان أو العراق، تساعد ذويهم على البقاء. النساء افتتحن مشاريع منزلية صغيرة: خياطة، بيع المعجنات، دروس تقوية للأطفال.
المدن



